عيسى المسيح (عليه السلام) يُعلِّم – مستخدمًا الأمثال

لقد رأينا كيف علّم عيسى المسيح (عليه السلام) بسلطةٍ استثنائيّة. كما قدّم تعاليمه مستخدمًا قِصصًا توضِّح المبادئ الحقيقيّة. على سبيل المثال، رأينا كيف علَّم عن ملكوت الله باستخدام قصَّة المأدبة الكبيرة، وكيف علَّم عن المغفرة من خلال قصّة العبد عديم الرحمة. يُطلَق على هذه القصص اسم الأمثال، إنّ عيسى المسيح (عليه السلام) لا مثيل له بين الأنبياء والمعلّمين في كمِّ الأمثال التي استخدمها في تعاليمه، وكم هي مُدهشة. سأله تلاميذه في إحدى المناسبات لماذا يعلِّم باستخدام الأمثال. يسجِّل الإنجيل تفسيره للأمر:

10 وَجاءَ إلَيهِ التَّلامِيذُ وَسَألُوهُ: «لِماذا تَتَكَلَّمُ إلَيْهِمْ باسْتِخدامِ الأمثلةِ الرَمزيَّةِ؟»

11 فَأجابَهُمْ يَسُوعُ: «لَقَدْ أعطاكُمُ اللهُ امتِيازَ مَعرِفَةِ سِرِّ مَلَكُوتِ السَّماواتِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يُعْطِهِ لَهُمْ. 12 لِأنَّ كُلَّ مَنْ يَملُكُ [a] سَيُزادُ لَهُ، وَيَفيضُ عَنْهُ، أمّا الَّذِي لا يَملِكُ، فَسَيُنتَزَعُ مِنهُ ما لَهُ. 13 لِهَذا أتَكَلَّمُ إلَيْهِمْ بِأمثالٍ، فَمَعْ أنَّهُمْ يَرَونَ، إلّا أنَّهُمْ لا يُدرِكُونَ. وَمَعْ أنَّهُمْ يَسمَعُونَ، إلّا أنَّهُمْ لا يَفهَمُونَ. (متى 13: 10-13)

كانت عبارته الأخيرة تلاوةً من النبيّ إشعياء (عليه السلام) الذي عاش في القرن السابع قبل الميلاد وحذَّر من قسوة قلوبنا. بعبارةٍ أُخرى، نحن أحيانًا لا نفهم أمرًا ما لأنّ معناه يفوتنا أو لأنّه معقَّد جدًّا بحيث يكون عصيًّا على الفهم. في حالةٍ كهذه، التفسير الواضح يُبدِّد الحيرة والارتباك. ولكن هناك أوقاتٌ أُخرى حين لا نفهم أمرًا ما لأنّنا في أعماق قلوبنا لا نريد أن نفهمه. وقد لا نعترف بذلك، وهكذا نواصل طرح الأسئلة كما لو كان افتقارنا إلى الإدراك الفكريّ هو الذي يُعيقنا عن الفهم. لكن إذا كان الارتباك في قلوبنا وليس في أذهاننا، فلن يكون أيّ تفسيرٍ كافيًّا.  تكمن المشكلة إذن في عدم رغبتنا في الخضوع، وليس لأنّنا لعدم قدرتنا الذهنيّة على الفهم.

عندما كان النبيُّ عيسى المسيح (عليه السلام) يعلِّم عن طريق الأمثال، كان تأثير ذلك على الجموع التي يُلقي عليها تعاليمه كبيرًا جدًّا. وأولئك الذين لم يفهموا ذهنيًّا ما يقوله، سوف تُثير القصّة فضولهم وتجعلهم يطرحون أسئلة أكثر للحصول على مزيدٍ من التوضيح، في حين أنّ أولئك الذين كانوا غير راغبين في الخضوع، سوف يتعاملون مع القصّة بازدراءٍ وعدم اهتمام ولن يحصلوا على مزيدٍ من الفهم. كان استخدام الأمثال وسيلة السيّد المعلِّم لفصل الأشخاص كما يفصل المزارع القمح عن القشّ عن طريق التذرية. لقد فُصِل أولئك الذين كانوا راغبين في الخضوع لتعاليم النبيّ عن أولئك الذين لم يكونوا راغبين في ذلك. إنّ أولئك الأشخاص غير الراغبين في الخضوع للحقائق الواردة فيها سيجدون الأمثال مُربكة لأنّ قلوبهم لم تكن مستعدّة للخضوع لحقيقتها. وعلى الرغم من أنّهم يُبصرون، فإنّهم لن يروا مغزى هذه الأمثال.

مثل الزارع وأنواع التربة الأربعة

عندما كان التلاميذ يطرحون على النبيَّ عيسى (عليه السلام) سؤالاً حول تعليمه باستخدام الأمثال، كان هو يعلِّم  مُتكلِّمًا بمجموعةٍ من الأمثال حول ملكوت الله وتأثيره في الناس. في ما يلي المثل الأوّل

3 وَقالَ لَهُمْ أشياءَ كَثِيرَةً بِأمثالٍ. فَقالَ لَهُمْ:
«خَرَجَ فَلّاحٌ لِيَبذِرَ. 4 وَبَينَما هُوَ يَبذُرُ، وَقَعَ بَعضُ البِذارِ إلَى جانِبِ الطَّرِيقِ، فَجاءَتِ الطُيُورُ وَأكَلَتهُ. 5 وَوَقَعَ بَعضُ البِذارِ عَلَى أرْضٍ صَخرِيَّةٍ، حَيثُ لا تُوجَدُ تُربَةٌ كافِيَةٌ، فَنَمَتِ الحُبُوبُ بِسُرعَةٍ لِأنَّ التُّربَةَ لَمْ تَكُنْ عَميقَةً. 6 لَكِنْ عِندَما أشرَقَتِ الشَّمسُ احتَرَقَتْ، وَلِأنَّها كانَتْ بِلا جُذورٍ ذَبُلَتْ. 7 وَوَقَعَ بَعضُ البِذارِ عَلَىْ الأشواكِ. فَنَمَتِ الأشواكُ وَعَطَّلَتْ نُمُوَّهُ. 8 وَوَقَعَتْ بُذُورٌ أُخْرَى عَلَى الأرْضِ الصّالِحَةِ فَأثْمَرَ بَعضُها مِئَةَ ضِعفٍ، وَبَعضُها سِتِّينَ ضِعفاً، وَبَعضُها ثَلاثِينَ ضِعفاً. 9 مَنْ لَهُ أُذُنانِ، فَلْيَسمَعْ.» (متى 13: 3-9)

فماذا كان معنى هذا المثل؟ ليس علينا أن نُخمِّن لأنّ الأمثال كانت قد أسرت ألباب أولئك الذين كانوا يملكون قلوبًا راغبة في الخضوع، وكانوا يسألون عن معناها، وذلك هو ما أعطاه:

18 «فَاسْتَمِعُوا إلَى شَرْحِ مَثَلِ البِذارِ: 19 عِندَما يَسمَعُ شَخصٌ رِسالَةَ المَلَكُوتِ وَلا يَفهَمُها، يَأتِي الشِّرِّيرُ [a] وَيَأخُذُ البُذُورَ الَّتِي زُرِعَتْ فِي قَلْبِهِ. هَذا هُوَ مَعنَى البُذُورِ الَّتِي سَقَطَتْ إلَى جانِبِ الطَّرِيقِ.

20 «أمّا الَّتي سَقَطَتْ عَلَى الأرْضِ الصَّخرِيَّةِ، فَتُشْبِهُ مَنْ يَسمَعُ الكَلِمَةَ فَيَقبَلُها حالاً بِفَرَحٍ، 21 لَكِنْ لأنَّهُ بِلا جُذُورٍ فِي نَفسِهِ، فَإنَّهُ يَصْمُدُ لِوَقتٍ قَصِيرٍ، وَعِندَما يَأتِي الضِّيقُ وَالاضطِهادُ بِسَبَبِ الكَلِمَةِ الَّتِي قَبِلَها، يَفقِدُ إيمانَهُ سَرِيعاً.

22 «أمّا الَّتي سَقَطَتْ بَينَ الأشواكِ، فَتُشبِهُ مَنْ يَسمَعُ الكَلِمَةَ، لَكِّنَّ هُمُومَ الحَياةِ، وَإغراءتِ المالِ تَخنُقُ الكَلِمَةَ، فَلا تُثمِرُ.

23 «أمّا الَّذي زُرِعَ عَلَى الأرْضِ الصّالِحَةِ، فَهُوَ الَّذي يَسْمَعُ الكَلِمَةَ وَيَفهَمُها فَيُثمِرَ بِالفِعِلِ. فَيَحصُدَ مَرَّةً مِئَةَ ضِعفٍ، وَمَرَّةً سِتِّينَ ضِعفاً، وَمَرَّةً ثَلاثِينَ ضِعفاً.» (متى 13: 18-23)

يمكننا أن نرى أنّ هناك أربعة ردود أفعالٍ على الرسالة حول ملكوت الله. ردُّ الفعل الأوّل كان بعدم ‘الفَهم’، وهكذا يسلب الشيطان (إبليس) الرسالة من قلوبهم. الردود الثلاثة المتبقيّة كلّها هي في البداية إيجابيّةٌ جدًّا ويتلقّى أصحابها الرسالة بفرح. لكنّ هذه الرسالة يجب أن تنمو في قلوبنا خلال الأوقات الصعبة. وليس مجردّ أن نُسَلِّم بصحّتها في أذهاننا ومن ثمَّ نستمرُّ في عيش حياتنا كما نريد. ولذلك، اثنان من هذه الاستجابات، على الرغم من تلقّي أصحابها الرسالة في البداية، إلاّ أنّهم  لم يسمحوا لها بالنموّ في قلوبهم. القلب الرابع فقط الذي ‘سمع الكلمة وفهمها’ سوف يخضع حقًّا بالطريقة التي كان الله ينتظرها.

نقطةٌ واحدةٌ من هذا المثل تجعلنا نطرح السؤال التالي: ‘أيٌّ من هؤلاء الأشخاص أنا أكون؟’ فقط أولئك الذين ‘فهموا’ حقًّا  سيأتون بثمرٍ جيِّدٍ. إنّ أحد الطرق لتعزيز الفَهم هو أن نفهم بوضوح ما أعلنه مَن سَبَق من الأنبياء، بدءًا ﺑ آدم، حول مشيئة الله وخطّته من خلال التوراة والزبور. هذا هو السبب الذي جعلنا نبدأ بهؤلاء الأنبياء الأوائل. بعد آدم، وردت آياتٌ مهمّة في التوراة من الوعد لإبراهيم (عليه السلام) و ذبيحته، و موسى عليه السلام، الوصايا العشر، و هارون عليه السلام. إنّ فهم  أصل ‘المسيح’ و نبوءات إشعياء و ارميا و زكريّا و دانيال و ملاخي كما جاءت في كتاب الزبور، سوف تُعدّنا أيضًا لفهم ‘رسالة ملكوت الله’.

مثَلُ الزّوَانُ

بعد شرح معنى هذا المثل، قدَّم لهم النبيّ عيسى المسيح مثلاً آخر حول الزّوَان.

24 وَقالَ لَهُمْ مَثَلاً آخَرَ: «يُشبِهُ مَلَكُوتُ السَّماواتِ رَجُلاً زَرَعَ بُذُوراً جَيِّدَةً فِي حَقلِهِ. 25 وَلَكِنْ بَينَما كانَ النّاسُ نائِمِينَ، جاءَ عَدُوُّ الرَّجُلِ وَبَذَرَ أعشاباً ضارَّةً بَينَ القَمحِ ثُمَّ ذَهَبَ. 26 وَعِندَما نَبَتَ القَمحُ وَشَكَّلَ سَنابِلَ، نَبَتَتِ الأعشابُ الضّارَّةُ كَذَلِكَ. 27 فَجاءَ إلَيهِ عَبِيدُهُ وَقالُوا لَهُ: ‹يا سَيِّدُ، ألَمْ تَزرَعْ بُذُوراً جَيِدَةً فِي حَقلِكَ؟ فَمِنْ أينَ إذاً جاءَتْ هَذِهِ الأعشابُ الضّارَّةُ؟›

28 «فَأجابَهُمُ الرَّجُلُ: ‹عَدُوِّي فَعَلَ ذَلِكَ.› فَسَألَهُ عَبِيدُهُ: ‹هَلْ تُرِيدُنا أنْ نَذهَبَ وَنَقتَلِعَها؟›

29 «فَأجابَ الرَّجُلُ: ‹لا، لِأنَّكُمْ عِندَما تَقتَلِعُونَ الأعشابَ الضّارَّةَ، قَدْ تَقتَلِعُونَ القَمحَ مَعَها. (متى 13: 24-29)

في ما يلي التفسير الذي قدّمه

36 حِينَئِذٍ صَرَفَ يَسُوعُ الجُمُوعَ، وَدَخَلَ إلَى البَيتِ. فَتَقَدَّمَ إلَيهِ تَلامِيذُهُ وَقالوا: «اشْرَحْ لَنا مَثَلَ الأعشابِ الضّارَّةِ فِي الحَقلِ.»

37 فَقالَ لَهُمْ: «الَّذِي زَرَعَ البُذُورَ الجَيِّدَةَ هُوَ ابْنُ الإنسانِ، 38 وَالحَقلُ هُوَ العالَمُ، وَالبُذُورُ الجَيِّدَةُ هُمُ الَّذِينَ لَهُمُ المَلَكُوتُ. أمّا الأعشابَ الضّارَّةُ فَهُمُ الَّذِينَ يَنتَمونَ إلَى الشِّرِّيرِ. 39 وَالعَدُوُّ الَّذِي بَذَرَهُمْ هُوَ إبلِيسُ. وَالحَصادُ هُوَ نِهايَةُ العالَمِ. وَالحَصّادُونَ هُمُ المَلائِكَةُ.

40 «وَكَما أنَّ الأعشابَ الضّارَّةَ تُجمَعُ وَتُحرَقُ بِالنّارِ، هَكَذا سَتَكُونُ نِهايَةُ العالَمِ. 41 إذْ سَيُرسِلُ ابْنُ الإنسانِ مَلائِكَتَهُ الَّذِينَ سَيَجمَعُونَ مِنْ مَلَكُوتِهِ كُلَّ المُفسِدِينَ وَالأشرارِ، 42 ثُمَّ يَطرَحُونَهُمْ فِي الفُرنِ المُشتَعِلِ. هُناكَ يَبكِي النّاسُ وَيَصِرُّونَ عَلَى أسنانِهِمْ. 43 حِينَئِذٍ سَيَسْطَعُ الأبرارُ كَالشَّمسِ فِي مَلَكُوتِ أبِيهِمْ. مَنْ لَهُ أُذُنانِ، فَلْيَسمَعْ. (متى 13: 36-43)

مِثَالا حبّة الخردل والخميرة

قدَّم النبيّ عيسى المسيح (عليه السلام) أيضًا بعض الأمثال القصيرة جدًّا.

31 ثُمَّ قالَ لَهُمْ يَسُوعُ مَثَلاً آخَرَ: «يُشبِهُ مَلَكُوتُ السَّماواتِ بِذرَةَ خَردَلٍ أخَذَها إنسانٌ وَزَرَعَها فِي حَقلِهِ. 32 إنَّها أصغَرُ البُذُورِ. لَكِنْ عِندَما تَنمُو، فَإنَّها تَكُونُ أكبَرَ نَباتاتِ البَساتِينِ، إذْ تُصبِحُ شَجَرَةً كَبِيرَةً، حَتَّىْ إنَّ طُيورَ السَّماءِ تَأتِي إلَيها، وَتَصنَعُ أعشاشَها فِي أغصانِها.»

33 وَقالَ لَهُمْ مَثَلاً آخَرَ: «يُشبِهُ مَلَكُوتُ السَّماواتِ خَمِيرَةً أخَذَتْها امْرأةٌ وَخَلَطَتْها فِي ثَلاثَةِ مَقادِيْرَ مِنَ الطَّحِينِ حَتَّى اختَمَرَ العَجينُ كُلُّهُ.» (متى 13: 31-33)

بعبارةٍ أُخرى، سوف يبدأ ملكوت الله صغيرًا وغير مهمٍّ في هذا العالم، لكنّه سينمو بعد ذلك في جميع أنحاء العالم مثل الخميرة التي تخمِّر العجين، ومثل بذرةٍ  صغيرةٍ تنمو لتصبح نبتةً كبيرةً. إنّ هذا لا يُفرَضُ بالقوّة أو بشكلٍ فُجائيّ وفوريّ، إنّ نموّه غير مَرئيٍّ لكنّه ينمو في كلّ مكانٍ ولا يمكن وقفه.

مِثالا الكنز المَخفيّ واللؤلؤة الكثيرة الثمن

44 «يُشبِهُ مَلَكُوتُ السَّماواتِ كَنْزاً مَدفُوناً فِي حَقلٍ. وَجَدَهُ شَخصٌ فَدَفَنَهُ ثانِيَةً. وَلِشِدَّةِ فَرَحِهِ، ذَهَبَ وَباعَ كُلَّ ما يَملِكُهُ وَاشتَرَى ذَلِكَ الحَقلَ.

45 «وَيُشبِهُ مَلَكُوتُ السَّماواتِ تاجِراً يَبحَثُ عَنْ لآلِئَ جَمِيلَةٍ. 46 وَعِندَما وَجَدَ لُؤلُؤَةً ثَمِينَةً جِدّاً، ذَهَبَ وَباعَ كُلَّ ما يِملِكُهُ وَاشْتَراها. (متى 13: 44-46)

يركّز هذان المثلَان على قيمة ملكوت الله. فكِّرْ في كنزٍ مَخفيٍّ في حقل. وبما أنّه مخفيٌّ، فإنّ أيّ شخصٍ يمرُّ بهذا الحقل يعتقد بأنّ لا قيمة كبيرة له، ولذلك فلا مصلحة لهم فيه. ولكنّ أحد الأشخاص يدرك أنّ هناك كنزٌ ممّا يجعل الحقل قيِّمًا جدًّا – قَيِّمٌ بما يكفي لأنّ يبيع هذا الشخص كلّ شيٍّ لكي يشتريه ويحصل على الكنز. هكذا هو الأمر بالنسبة إلى ملكوت الله – إنّه قيمةٌ لا يُلاحظها معظم الناس، لكنّ القلّة منهم التي تراها سوف تربح قيمةً عظيمة.

مثل الشبكة

47 «وَيُشبِهُ مَلَكُوتُ السَّماواتِ شَبَكَةً أُلقِيَتْ إلَى البُحَيرَةِ، وَأمسَكَتْ سَمَكاً مِنْ أنواعٍ مُختَلِفَةٍ. 48 وَعِندَما امتَلأتِ الشَّبَكَةُ، سَحَبَها الصَّيّادُونَ إلَى الشّاطِئِ. ثُمَّ جَلَسُوا وَأخَذُوا يَختارُونَ السَّمَكَ الجَيِّدَ وَيَضَعُونَهُ فِي سِلالٍ، أمّا السَّمَكُ الرَّدِيءُ فَألقُوهُ خارِجاً. 49 هَذا ما سَيَحدُثُ فِي نِهايَةِ العالَمِ، إذْ سَتَأتِي المَلائِكَةُ وَسَتَفصِلُ الأشرارَ عَنِ الأبرارِ، 50 ثُمَّ تُلقِي الأشرارَ إلَى الفُرنِ المُشتَعِلِ. هُناكَ يَبكِي النّاسُ وَيَصِرُّونَ عَلَى أسنانِهِمْ.» (متى 13: 47-50)

إنّ ملكوت الله سيفصل بين الناس. وسوف يُكشَف عن هذا الفرز بشكلٍ كاملٍ يوم الدينونة – عندما تكون القلوب عارية.

يمكننا أن نرى أنّ ملكوت الله ينمو بشكلٍ غامضٍ كما تنمو الخميرة في العجين، وأنّه ذو قيمةٍ كبيرةٍ مخفيّة عن معظمنا، وأنّه يتسبَّب بردود أفعالٍ مختلفةٍ بين الناس. وهو يفرز الناس أيضًا بين أولئك الذين يفهمون والذين لا يفهمون. بعد تقديم تعاليمه باستخدام هذه الأمثال، سأل النبيّ عيسى المسيح  مستمعيه سؤالاً مهمًّا.

51 وَسَألَ يَسُوعُ تَلامِيذَهُ: «هَلْ تَفهَمُونَ جَمِيعَ هَذِهِ الأُمُورِ؟» فَأجابُوا: «نَعَمْ.» (متى 13: 51)

أيٌّ من هؤلاء هو أنتَ؟

عيسى المسيح يعلم عن الصفح

 بينما أتابع أخبار العالم يبدو لي أن سفك الدماء والعنف يزيد في كل مكان؛ ما بين تفجيرات في أفغانستان وعنف في لبنان وسوريا والعراق ومصر، وحوادث إرهاب في باكستان وشغب في تركيا واختطاف طالبات في نيجيريا والحرب بين فلسطين وإسرائيل ومذابح كينيا – وما هذه سوى ما سمعته دون تعمد البحث عن الأخبار السيئة. وفوق هذا كله يأتي فيض من الذنوب والآلام والمظالم التي نؤذي بها بعضنا البعض ولا تشرق طريقها إلى عناوين الأخبار ومع ذلك تؤلمنا. في هذا العصر الموصوم بالعنف والانتقام يصبح لتعليم عيسى المسيح عن الصفح أهمية قصوى. ذات مرة سأله تلاميذه عن عدد المرات التي ينبغي أن يصفحوا فيها عمن أساء إليهم. ها هي المحادثة من الإنجيل مباشرة

قصة الخادم الشرير – الإنجيل حسب متى 18: 21-  35

21 حِينَئِذٍ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ بُطْرُسُ وَقَالَ:  ” يَارَبُّ، كَمْ مَرَّةً يُخْطِئُ إِلَيَّ أَخِي وَأَنَا أَغْفِرُ لَهُ؟ هَلْ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ؟ ” .

22 قَالَ لَهُ يَسُوعُ:  ” لَا أَقُولُ لَكَ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ، بَلْ إِلَى سَبْعِينَ مَرَّةً سَبْعَ مَرَّاتٍ.

23 لِذَلِكَ يُشْبِهُ مَلَكُوتُ ٱلسَّمَاوَاتِ إِنْسَانًا مَلِكًا أَرَادَ أَنْ يُحَاسِبَ عَبِيدَهُ. 24 فَلَمَّا ٱبْتَدَأَ فِي ٱلْمُحَاسَبَةِ قُدِّمَ إِلَيْهِ وَاحِدٌ مَدْيُونٌ بِعَشَرِ آلَافِ وَزْنَةٍ.  25 وَإِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يُوفِي أَمَرَ سَيِّدُهُ أَنْ يُبَاعَ هُوَ وَٱمْرَأَتُهُ وَأَوْلَادُهُ وَكُلُّ مَا لَهُ، وَيُوفَي ٱلدَّيْنُ.

26 فَخَرَّ ٱلْعَبْدُ وَسَجَدَ لَهُ قَائِلًا: يا سَيِّدُ، تَمَهَّلْ عَلَيَّ فَأُوفِيَكَ ٱلْجَمِيعَ. 27 فَتَحَنَّنَ سَيِّدُ ذَلِكَ ٱلْعَبْدِ وَأَطْلَقَهُ، وَتَرَكَ لَهُ ٱلدَّيْنَ.

28 وَلَمَّا خَرَجَ ذَلِكَ ٱلْعَبْدُ وَجَدَ وَاحِدًا مِنَ ٱلْعَبِيدِ رُفَقَائِهِ، كَانَ مَدْيُونًا لَهُ بِمِئَةِ دِينَارٍ، فَأَمْسَكَهُ وَأَخَذَ بِعُنُقِهِ قَائِلًا: أَوْفِنِي مَا لِي عَلَيْكَ.

29 فَخَرَّ ٱلْعَبْدُ رَفِيقُهُ عَلَى قَدَمَيْهِ وَطَلَبَ إِلَيْهِ قَائِلًا: تَمَهَّلْ عَلَيَّ فَأُوفِيَكَ ٱلْجَمِيعَ.

30 فَلَمْ يُرِدْ بَلْ مَضَى وَأَلْقَاهُ فِي سِجْنٍ حَتَّى يُوفِيَ ٱلدَّيْنَ. 31 فَلَمَّا رَأَى ٱلْعَبِيدُ رُفَقَاؤُهُ مَا كَانَ، حَزِنُوا جِدًّا. وَأَتَوْا وَقَصُّوا عَلَى سَيِّدِهِمْ كُلَّ مَا جَرَى.

32 فَدَعَاهُ حِينَئِذٍ سَيِّدُهُ وَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا ٱلْعَبْدُ ٱلشِّرِّيرُ، كُلُّ ذَلِكَ ٱلدَّيْنِ تَرَكْتُهُ لَكَ لِأَنَّكَ طَلَبْتَ إِلَيَّ. 33 أَفَمَا كَانَ يَنْبَغِي أَنَّكَ أَنْتَ أَيْضًا تَرْحَمُ ٱلْعَبْدَ رَفِيقَكَ كَمَا رَحِمْتُكَ أَنَا؟ 34 وَغَضِبَ سَيِّدُهُ وَسَلَّمَهُ إِلَى ٱلْمُعَذِّبِينَ حَتَّى يُوفِيَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ.

35 فَهَكَذَا أَبِي ٱلسَّمَاوِيُّ يَفْعَلُ بِكُمْ إِنْ لَمْ تَتْرُكُوا مِنْ قُلُوبِكُمْ كُلُّ وَاحِدٍ لِأَخِيهِ زَلَّاتِهِ ” .

مغزى القصى أننا إذا قبلنا غفران الله (الذي يرمز إليه الملك)، فقد غفر لنا الكثير، وهو ما يُرمز إليه في القصة بآلاف الوزنات الذهبية التي كان يدين بها الخادم. أعلن الخادم بأن تسديد دينه يحتاج إلى مزيد من الوقت، ولكن هذا الدَين أكبر مما يمكن تسديده على الإطلاق ولهذا أسقط الملك الدَين بأكمله. وهذا ما يفعله الله حينما ننال رحمته.

ولكن هذا الخادم عينه وجد خادماً آخر يدين له بمائة وزنة من الفضة، فطالبه بدفع الدين كاملاً ولم يسمح له بمزيد من الوقت. عندما نخطئ في حق بعضنا البعض نتسبب في آلام وضرر حقيقي، ولكنها لا تقاس بالألم والإهانة التي نوجهها لله- تماماً بقدر ما لا تقاس 100 وزنة من الفضة حينما نقارنها بعشرة آلاف وزنة من الذهب.

وعليه، فإن الملك (الله) يأمر بإلقاء الخادم في السجن حتى يدفع كل دينه. طبقاً لتعليم عيسى المسيح، فإننا نتخلى عن غفران الله لنا ونحكم على أنفسنا بالجحيم حينما نرفض غفران الإساءات والمظالم الصادرة من الآخرين في حقنا. الأمر في منتهى الخطورة.

التحدي هو أن نقوم بذلك فعلاً. عندما يسيئ إلينا شخص ما، من السهل أن تغلبنا الرغبة في الانتقام. كيف يمكن أن ننال هذه الروح القادرة على الغفران؟ نحتاج أن نواصل بحثنا في الإنجيل.

 

المسيح يعلم عن الطهاره الداخليه

لقد رأينا كيف كان لكلمات عيسى المسيح (عليه السلام) قوة فى التعليم وله سلطان على شفاء الناس،وحتى على السيطره على الطبيعه. وكانت كلماته موجهه ايضا للكشف عن حالة قلوبنا – ليجعلنا نختبر نفوسنا من الداخل كما من الخارج .كلنا نعرف عن الطهاره الخارجيه، فلهذا يتوضأ الناس قبل الصلاة، وياكلون اللحم الحلال.ذكر النبى محمد فى حديث :

“النظافه نصف ألأيمان” (صحيح مسلم.الباب ألأول-الكتاب الثانى-رقم 432 ).

ولكن النبى عيسى المسيح (عليه السلام) يريدنا ايضا ان نفكر بالطهاره الخارجيه. هذا مهم جدا لأنه يمكننا ان نرى نظافة الناس الخارجيه من عدم نظافتهم…لكن بالنسبه لله الوضع مختلف فهو يرى النظافه والطهاره الداخليه أيضا.

عندما كان هناك احد ملوك يهوذا الذين حافظوا ظاهريا على جميع ألألتزامات الدينيه، ولكنه لم يحافظ على طهارة ونظافة قلبه، جاء نبى فى ذلك الزمان برساله قال فيها :

“لأن عيني الرب تجولان فى كل ألأرض ليتشدد مع الذين قلوبهم كامله نحوه”.(اخبار ألأيام الثانى 16: 9 – الزبور).

كما اعلنت تلك الرساله، الطهاره الداخليه تتعلق “بقلوبنا” التى تفكر،وتشعر،وتقرر،وتسلم او تعصى،وتسيطر على اللسان.

انبياء الزبور اعلنوا ان عطش قلوبنا هو اساس خطايانا وان قلوبنا من ألأهميه بحيث ان عيسى(عليه السلام) اكد وشدد على هذا فى تعاليمه بمقارنته بطهارتنا الخارجيه.هنا نرى كيف سجل ألأنجيل المرات المختلفه التى علم فيها عن الطهاره الداخليه او النقاء :

طهر الداخل وايضا الخارج:

(فى الحديث التالى تم ذكر” الفريسيين” وهم معلمين للشريعه اليهوديه فى ذلك الوقت،مثل ألأئمه اليوم).عيسى (عليه السلام) ذكر ا تقديم  “العشور” لله (هذه هى الزكاة عند اليهود).:

“وفيما هو يتكلم سأله فريسى ان يتغدى عنده،فدخل واتكأ.واما الفريسى فلما رأى ذلك تعجب انه لم يغتسل اولا قبل الغداء.

فقال له الرب :”انتم ألآن ايها الفريسيون تنقون خارج الكأس والقصعه، واما باطنكم فمملوء اختطافا وخبثا.يا اغبياء،اليس الذى صنع الخارج صنع الداخل ايضا؟ بل اعطوا ما عندكم صدقه، فهوذا كل شئ يكون نقيا لكم.

ولكن ويل لكم ايها الفريسييون! لأنكم تعشرون النعنع والسذاب وكل بقل، وتتجاوزون عن الحق ومحبة الله .كان ينبغى ان تعملوا هذه ولا تتركوا تلك.

ويل لكم ايها الفريسيون! لأنكم تحبون المجلس ألأول فى المجامع ، والتحيات فى ألأسواق . ويل لكم ايها الكتبه والفريسيون المراؤون! لأنكم مثل القبور المختفيه،والذين يمشون عليها لا يعلمون.”                         (لوقا 11: 37-44 ).

حسب الشريعة اليهودية لمس جسد ميت يجعل اليهودى غير طاهر. عندما قال عيسى (عليه السلام)ان الناس يسيرون فوق “القبور المختفيه” كان يقصد انهم اصبحوا غير طاهرين بدون ان يدروا بذلك لأنهم يتجاهلون الطهاره الداخليه.انها مصيده سهله يقع فيها المؤمن بان يهتم فقط بالطهاره والنظافه الخارجيه وينسى الداخليه… وبالتالى يصبح غير طاهر مثل غير المؤمن الذى ليس له تقدير او اعتبار لأى التزام.

القلب ينجس الشخص الطاهر المتدين :-

عيسى المسيح(عليه السلام) يقتبس من اشعياء النبى(عليه السلام)  الذى عاش فى العام (750 قبل الميلاد) هذا التعليم الذى سجل فى الزبور:-

(اضغط هنا لرؤيه الجدول الزمني.)

حينئذ جاء إلى يسوع كتبه وفريسيون الذين من اورشليم قائلين:

“لماذا يتعدى تلاميذك تقليد الشيوخ،فانهم لا يغسلون ايديهم عندما يأكلون خبزا؟”.فأجاب وقال لهم:”وانتم ايضا ،لماذا تتعدون وصية الله بسبب تقليدكم؟  فان الله اوصى قائلا: اكرم اباك وامك،ومن يشتم ابا او اما فليمت موتا. واما انتم فتقولون : من قال لأبيه او امه:قربان هو الذى تنتفع به منى.فلا يكرم اباه او امه.فقد ابطلتم وصية الله بسبب تقليدكم! يا مراؤون !حسنا تنبأ عنكم اشعياء قائلا :

يقترب الى هذا الشعب بفمه،ويكرمنى بشفتيه،واما قلبه فمبتعد عنى بعيدا . وباطلا يعبدوننى وهم يعلمون تعاليم هى وصايا الناس”.

ثم دعا الجمع وقال لهم:”اسمعوا وافهموا. ليس ما يدخل الفم ينجس ألأنسان،بل ما يخرج من الفم هذا ينجس ألأنسان”.

فأجاب بطرس وقال له:”فسر لنا هذا المثل”.

فقال يسوع :”هل انتم ايضا حتى ألآن غير فاهمين؟  ألا تفهمون بعد ان كل ما يدخل الفم يمضى الى الجوف ويندفع الى المخرج؟ وأما ما يخرج من الفم فمن القلب يصدر،وذاك ينجس ألأنسان،لأن من القلب تخرج افكار شريره : قتل، زنى، فسق، سرقه، شهادة زور، تجديف.هذه هى التى تنجس ألأنسان، واما ألأكل بأيد غير مغسوله فلا ينجس ألأنسان”.                (متى 15 :1-20 ).

فى هذا اللقاء مع معلمى الشريعه اليهوديه، اشار عيسى المسيح (عليه السلام) بأننا نسرع فى بناء التزاماتنا الدينيه من التقاليد ألأنسانيه بدلا من رسالة الله. فى زمن عيسى المسيح(عليه السلام) تجاهل القادة اليهود وصية الله فى ألأهتمام بابائهم بانهم يقدمون اموالهم لأغراض دينيه بدلا من ان يساعدوا ابائهم.

السبب الدينى هو حقيقة تقليد من صنع ألأنسان.واليوم ايضا الوضع مشابه الى حد كبير.وقد اعلن احد العلماء بانه يمكن ان يكون هنالك شئ محدد يكون حراما بينما يقول شخص آخر انه حلال، ونحن لا ننظر لرسالة ألأنبياء فى هذه المسأله.ولكن الله يهتم جدا بالنجاسه التى تخرج من القلوب.هذه النجاسه تؤدى الى ادانتنا يوم القيامه (الدينونه) اسرع بكثير من كسر التقاليد ألأنسانيه.

جميل من الخارج ولكن ملئ بالشر من الداخل:-

“ويل لكم ايها الكتبه والفريسيون المراؤون ! لأنكم تنقون خارج الكأس والصحفه،وهما من داخل مملوآن اختطافا ودعاره.ايها الفريسى ألأعمى ! نق اولا داخل الكأس والصحفه لكى يكون خارجهما ايضا نقيا.

ويل لكم ايها الكتبه والفريسيون المراؤون ! لأنكم تشبهون قبورا مبيضه تظهر من خارج جميله ،وهى من داخل مملوءة عظام اموات وكل نجاسة.هكذا انتم ايضا : من خارج تظهرون للناس ابرارا ،ولكنكم من داخل مشحونون رياءا واثما”.(متى 23: 25-28)

فى هذه المخاطبه، عيسى المسيح(عليه السلام) تكلم بما شهدناه جميعا.متابعة الطهاره والنظافه الخارجيه يمكن ان يكون شائع جدا وسط المؤمنين،ولكن العديد مننا نحن المؤمنون مازلنا مملوئين بالجشع والتساهل مع دواخلنا- حتى الناس ذوى ألأهميه الدينيه والمركز الدينى.

نوال الطهاره الداخليه مهم- ولكنه اكثر صعوبه. الله سوف يحاسبنا على طهارتنا الداخليه بحرص شديد. اذن القضيه التى تثير نفسها :-       كيف نطهر قلوبنا بحيث يمكننا دخول ملكوت الله فى يوم الدينونه(القيامه)؟

سوف نواصل فى ألأنجيل لنجد ألأجابه.

ملكوت الله: كثيرون مدعوّون، إنّما…

    لقد رأينا كيف كان النبيّ عيسى المسيح (عليه السلام) يتكلَّمُ بسلطانٍ بحيث أنّ الأمراض و حتّى الطبيعة كانت تخضع له. وهو أيضًا قد تحدَّث مطوَّلاً عن ملكوت الله. تذكَّرْ أن العديد من أنبياء الزبور قد كتبوا عن مجيء ملكوت الله. وقد بنى عيسى على نبوءاتهم ليعلِّم أنَّ ملكوت الله كان ’قريبًا‘.

في البداية، علَّم الموعظة على الجبل، مبيِّنًا كيف كان يُنتَظَر من مواطني ملكوت الله أن يسلكوا ويعامِلوا بعضهم البعض. وقد علَّم مبدأً جذريًّا في محبّة حتّى ’العدوّ‘. فكِّر في مدى البؤس والموت والظلم والرعب الذي يعاني منهم الإنسان في يومنا هذا (يكفيك الاستماع إلى الأخبار لتتذكَّر) لأنَّ الكثيرين لا يستمعون إلى تعاليمه عن المحبّة. إذا كانت الحياة في ملكوت الله ستكون مختلفةً عن جحيم الحياة الذي نعيشه في بعض الأحيان في هذا العالم، فيتعيَّن علينا إذًا أن نعامِل بعضنا بعضًا بشكلٍ مختلفٍ – بمحبَّة.

 مَثَلُ الوليمة العظيمة

      بما أنّ عددًا قليلاً جدًّا من الأشخاص يعيشون بحسب تعاليم النبيّ عيسى المسيح (عليه السلام)، فإنّك سوف تعتقد  أن عددًّا قليلاً جدًّا سيكون مرغوبًا فيه في ملكوت الله أو مَدعوًّا إلى دخوله. ولكن ليس هذا هو الحال. لقد أعطى النبيّ عيسى المسيح (عليه السلام) مثلاً عن وليمة كبيرة لتوضيح مدى شموليَّة وامتداد دعوة المجيء إلى ملكوت الله. يسرد الإنجيل تعليمه في هذا الشأن:

 ﻟﻮﻗﺎ 14:15-24

مَثَلُ الوَليمَة

15 فَسَمِعَ أحَدُ الجالِسِينَ عَلَى المائِدَةِ هَذا الكَلامَ، فَقالَ لِيَسُوعَ: «هَنِيئاً لِكُلِّ مَنْ يَتَعَشَّى فِي مَلَكُوتِ اللهِ!»

16 فَقالَ لَهُ يَسُوعُ: «كانَ رَجُلٌ يُعِدُّ لِوَلِيمَةٍ عَظِيمَةٍ، وَدَعا أشخاصاً كَثِيرِينَ. 17 وَفِي وَقتِ الوَلِيمَةِ أرسَلَ خادِمَهُ لِيَقُولَ لِلمَدعُوِّينَ: ‹تَعالَوا لِأنَّ العَشاءَ جاهِزٌ!› 18 فَابتَدَأُوا جَمِيعاً يَختَلِقُونَ الأعذارَ. قالَ الأوَّلُ: ‹لَقَدِ اشتَرَيتُ حَقلاً، وَعَلَيَّ أنْ أخرُجَ وَأراهُ، فَاعذُرنِي مِنْ فَضلِكَ.› 19 وَقالَ آخَرٌ أيضاً: ‹لَقَدِ اشتَرَيتُ لِلتَّوِّ عَشْرَةَ ثِيرانٍ وَأنا الآنَ ذاهِبٌ لِأُجَرِّبَها، فَاعذُرْنِي مِنْ فَضلِكَ.› 20 وَقالَ آخَرُ أيضاً: ‹لَقَدْ تَزَوَّجتُ مُنْذُ فَترَةٍ قَصيرَةٍ، وَلا أستَطِيعُ أنْ آتِيَ.›

21 «وَلَمّا عادَ الخادِمُ أخبَرَ سَيِّدَهُ بِكُلِّ هَذِهِ الأُمُورِ. فَغَضِبَ سَيِّدُ البَيتِ وَقالَ لِخادِمِهِ: ‹اخرُجْ بِسُرعَةٍ إلَى شَوارِعِ المَدِينَةِ وَأزِقَّتِها، وَأحضِرِ الفُقَراءَ وَالمُعَوَّقِيْنَ وَالعُرجَ إلَى هُنا!›

22 «فَعادَ الخادِمُ وَقالَ لَهُ: ‹يا سَيِّدُ، ما أمَرتَ بِهِ قَدْ تَمَّ. وَما يَزالُ هُناكَ مُتَّسَعٌ.› 23 فَقالَ السَّيِّدُ لِلخادِمِ: ‹اخرُجْ إلَى الطُّرُقاتِ الرِّيفِيَّةِ وَإلَى أسيِجَةِ الحُقُولِ وَألزِمِ النّاسَ بِالمَجِيءِ لِكَيْ يَمتَلِئَ بَيتِي. 24 فَإنِّي أقُولُ لَكُمْ، إنَّهُ لَنْ يَذُوقَ وَلِيمَتِي أحَدٌ مِنَ أولَئِكَ الَّذينَ دَعَوتُهُمْ أوَّلاً!›»

إنّ مفاهيمنا المـــُسَلَّم بها قد انقلَبَت رأسًا على عقِب – عدّة مرَّاتٍ – في هذا التعليم. في المقام الأوّل، قد نفترض أنّ الله لن يدعو كثيرين إلى ملكوته (الذي هو الوليمة في البيت) لأنّه لا يجد كثيرين يستحقّون ذلك، ولكنّ ظهرَ أنّ ذلك الافتراض خاطئ. إنّ دعوة الحضور إلى الوليمة موَجَّهة إلى الكثير الكثير من الناس. إنّ السيّد (الذي هو الله في هذا المثل) يريد أن تكون الوليمة مليئة بالمدعوّين. وهذا أمرٌ مُشَجِّعٌ.

      ولكن سرعان ما نعرف أنَّ ثمّة انعطافة أُخرى غير مُتوَقَّعة في تعليمه. إنَّ عددًا قليلاً جدًّا من الضيوف أراد فعلاً أن يأتي، بدلاً من ذلك جعلوا يسوقون الأعذار حتَّى لا يُضطّروا إلى الذهاب! فلننظر إلى مدى عدم منطقيَّة أعذارهم! من الذي سيشتري البقر دون أن يحاول إخراجها للاختبار قبل شرائها؟ ومن الذي سيشتري حقلاً دون أن يكون قد عاينه أوّلاً؟ كلاّ، إنّ هذه الأعذار تكشف عن النوايا الحقيقيَّة لقلوب الضيوف – فهم لم يكونوا مهتمّين بدخول ملكوت الله بل كان لديهم اهتمامات أُخرى بدلاً من ذلك.

بمجرّد تفكيرنا في أنَّ إرادة السيّد ربّما ستُصاب بالإحباط بسبب عدم حضور أحد الوليمة أو حضور عددٍ قليلٍ لها، فسيكون هناك انعطافةٌ أُخرى. إنَّ الناس ’غير المرغوب فيهم‘، أولئك الذين نحن جميعًا نقصيهم عن أفكارنا باعتبار أنّهم لا يستحقّون أن يكونوا مَدعوّين إلى احتفالٍ كبير، أولئك الذين يتواجدون في ’’الشوارع والأزِقّة‘‘ وبعيدًا في ’’طُرُق البلد وممرّاتها‘‘، هم ’’الفقير والمشلول والأعمى والأعرج‘‘ – هم الأشخاص عينهم الذين نتجنّبهم في كثيرٍ من الأحيان – تلقّوا دعواتً لحضور الوليمة. وهذه الدعوات تذهب إلى أبعد من ذلك بكثير وتضمُّ عددًا من الناس أكبر ممّا كنّا أنت وأنا لنعتقد أنّه ممكنٌ. إنَّ صاحب الدعوة يريد حضور الناس، وهو سيدعو حتّى أولئك الذين ما كنا نحن أنفسنا لندعوهم إلى بيوتنا.

وهؤلاء الناس يلبّون الدعوة! فليس لديهم اهتماماتٍ متعارضة مثل الحقول أو البقر لتصرف محبَّتهم بحيث لا يأتون إلى الوليمة. إنّ ملكوت الله ممتلئ، وإنّ إرادة السيّد قد تمَّت!

أعطى النبيّ عيسى المسيح (عليه السلام) هذا المثل ليجعلنا نطرحُ السؤال التالي: ’’هل سأقبل دعوةً إلى ملكوت الله إن تلقَّيتُ واحدة؟‘‘ أم سيجعلك الاهتمام أو الحبّ الذي يتعارض مع حضورك تقدِّم ذريعةً لرفض هذه الدعوة؟  الحقيقة هي أنّك مدعوٌّ إلى وليمة الملكوت هذه، لكنّ الواقع هو أنّ معظمنا سوف يرفض الدعوة لسببٍ أو لآخر. نحن لن نقول أبدًا ’لا ‘ بشكلٍ مباشر، لهذا فإنّنا نقدِّم الأعذار لتغطية رفضنا. في هذا المثل، كان السبب الأصليّ لرفضنا حبَّ الأشياء الأُخرى. إنّ أولئك الذين وُجِّهَت إليهم الدعوة أوّلاً أحبّوا أشياء هذا العالم (التي يُمثِّلها ’الحقل‘ و ’البقرة‘ و ’الزواج‘) أكثر ممّا أحبّوا ملكوت الله.

 مثلُ معلِّم الناموس الذي لم يحصل على التبرير

البعضُ منّا يُحبّون الأشياء الماديّة في هذا العالم أكثر ممّا يُحبّون ملكوت الله، ولذا فإنّنا سوف نرفض هذه الدعوة. وبعضنا الآخر يحبُّ أو يثق باستحقاق برِّه الذاتيّ.  علَّم النبيّ عيسى المسيح (عليه السلام) أيضًا عن هذا الموضوع في قصَّةٍ أُخرى:

ﻟﻮﻗﺎ 18:9-14

البِرُّ الحَقِيقِيّ

كَما رَوَى يَسُوعُ المَثَلَ التّالِي لِلَّذِينَ كانُوا مُقتَنِعينَ بِأنَّهُمْ صالِحُونَ وَيَحتَقِرُونَ الآخَرِينَ: 10 «ذَهَبَ اثْنانِ إلَى ساحَةِ الهَيكَلِ لِكَي يُصَلِّيا. كانَ أحَدُهُما فِرِّيسِيّاً، وَالآخَرُ جامِعَ ضَرائِبَ. 11 فَوَقَفَ الفِرِّيسِيُّ وَصَلَّى عَنْ نَفسِهِ فَقالَ: ‹أشكُرُكَ يا اللهُ لِأنِّي لَستُ مِثلَ الآخَرِينَ، اللُّصُوصِ وَالغَشّاشِيْنَ وَالزُّناةِ، وَلا مِثلَ جامِعِ الضَّرائِبِ هَذا. 12 فَأنا أصُومُ مَرَّتَينِ فِي الأُسبُوعِ، وَأُعطِي عُشراً مِنْ كُلِّ ما أكسِبُهُ.›

13 «أمّا جامِعُ الضَّرائِبِ فَوَقَفَ مِنْ بَعِيدٍ، وَلَمْ يَجرُؤْ عَلَى أنْ يَرفَعَ عَينَيهِ إلَى السَّماءِ، بَلْ قَرَعَ عَلَى صَدرِهِ وَقالَ: ‹ارحَمنِي يا اللهُ، فَأنا إنسانٌ خاطِئٌ!› 14 أقُولُ لَكُمْ، إنَّ جامِعَ الضَّرائِبِ هَذا، قَدْ عادَ إلَى بَيتِهِ مُبَرَّراً أمامَ اللهِ، أمّا الفِرِّيسِيُّ فَذَهَبَ كَما أتَىْ. لِأنَّ كُلَّ مَنْ يَرفَعُ نَفسَهُ يُذَلُّ، وَكُلُّ مَنْ يَتَواضَعُ يُرفَعُ.»

نلتقي هنا أحد الفرّيسيّين (وهو معلِّمُ دين مثل الإمام) الذي كان يبدو مثاليًّا في جدارته وجهوده الدينيَّة. وكان صومه وزكاته أكثر حتّى ممّا هو مطلوب. لكنّه وضع ثقته في برِّه الذاتيّ. ولم يكن هذا ما أبداه النبيّ إبراهيم (عليه السلام) قبل ذلك بزمنٍ طويلٍ عندما حصل على البِرّ فقط من خلال الثقة المتواضعة بوعد الله. في الواقع، طلب العشّار (وكانت مهنة غير أخلاقيَّة في ذلك الوقت) بتواضعٍ الرحمة، وبيقينه من حصوله على هذه الرحمة مجّانًا، مضى إلى بيته ’مُبرَّرًا‘ – باستقامةٍ مع الله – في حين أنّ الفرّيسي الذي نحتسب أنّه ’يسلك باستقامة مع الله‘، كانت خطاياه لا تزال تُحتَسَب ضدَّه.

وهكذا يسألك النبيّ عيسى (عليه السلام) ويسألني مرّة أُخرى وهو يتكلَّم بسلطان، إذا كنّا نرغب حقَّا في ملكوت الله، أو إذا كان ذلك مجرّد اهتمامٍ من بين اهتماماتٍ أُخرى كثيرة غيره. إنّه يسألنا أيضًا ما الذي نثقُ به – استحقاقنا الشخصيّ أو رحمة الله.

من المهمِّ أن نطرح على أنفسنا بصدقٍ هذه الأسئلة وإلاّ فإنّنا لن نفهم تعاليمه التي سنتناولها تاليًا – أنّنا نحتاج إلى الطهارة الداخليّة.

كلمة النبيّ عيسى المسيح -عليه السلام

لقد رأينا كيف أنّ النبيّ عيسى المسيح (عليه السلام) علَّمَ بسلطانٍ وكان لديه حتّى سلطانٌ يمكِّنه من شفاء الأمراض والأرواح الشرّيرة (الجِنّ) ’بكلمة‘. ولكن ما كان أكثر إذهالاً حتّى، أنّه كان لديه أيضًا سلطانٌ على الطبيعة. يسجِّل الإنجيل في إحدى المرّات كيف عبر البحيرة مع تلاميذه بطريقةٍ جعلتهم يمتلئون ’خوفًا ودهشةً‘. في ما يلي قِصَّة ما حصل:

ﻟﻮﻗﺎ 8:22-25

تَلامِيذُ يَسُوعَ يَرَونَ قُوَّتَه

22 وَذاتَ يَومٍ رَكِبَ يَسُوعُ وَتَلامِيذُهُ قارِباً، وَقالَ لَهُمْ: «لِنَعبُرْ إلَى الجانِبِ الآخَرِ مِنَ البُحَيرَةِ.» فَأبحَرُوا. 23 وَبَينَما كانُوا مُبحِرِينَ، نامَ يَسُوعُ، وَثارَتْ عاصِفَةٌ شَدِيدَةٌ عَلَى البُحَيرَةِ. وَبَدَأ القارِبُ يَمتَلِئُ بِالماءِ، وَصارُوا فِي خَطَرٍ. 24 فَجاءُوا إلَيهِ وَأيقَظُوهُ وَقالوا لَهُ: «يا سَيِّدُ، يا سَيِّدُ، إنَّنا نَغرَقُ!»

حينَئِذٍ قامَ وَانتَهَرَ الرِّيحَ وَالأمواجَ، فَسَكَنَتِ الرِّيحُ وَهَدَأتِ البُحيرَةُ. 25 فَقالَ يَسُوعُ لَهُمْ: «أينَ إيمانُكُمْ؟» لَكِنَّهُمْ كانُوا خائِفِينَ وَمَذهُولِينَ، وَهُمْ يَقولونَ بَعضُهُمْ لِبَعضٍ: «أيُّ رَجُلٍ هَذا الَّذي يَأمُرُ الرِّيحَ وَالمياهَ، فَيُطِيعانِهِ؟»

كلمةُ عيسى المسيح (عليه السلام) أمَرَت حتّى الريح والأمواج! فلا عجبَ إذن أن يمتلئ تلاميذه الذين كانوا هناك معه يشهدون ما حدث خوفًا. لقد جعلهم ذلك السلطان في إصدار الأوامر يتساءلون مَنْ كان هو. كان ثمّة مناسبة أُخرى حيث كانوا متواجدين مع آلاف من الناس وكان لديه مثل هذا السلطان الذي جعل الشعب يتساءل مرّةً أُخرى عمَّن كان هو. ولكنَّه لم يأمُر الريح والموج هذه المرَّة – بل الطعام. في ما يلي قصَّة ذلك.

ﻳﻮﺣﻨﺎ 6:1-15

يَسُوعُ يُطْعِمُ خَمسةِ آلافِ شَخص

بَعْدَ هَذا، عَبَرَ يَسُوعُ بُحَيْرَةَ الجَلِيلِ المَعْرُوفَةَ أيْضاً بِاسْمِ بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ. وَتَبِعَهُ جَمْعٌ كَبِيْرٌ مِنَ النّاسِ لِأنَّهُمْ رَأَوْا مُعْجِزاتِهِ فِي شِفاءِ المَرْضَى. لَكِنَّ يَسُوعَ صَعِدَ إلَى جانِبِ الجَبَلِ وَجَلَسَ هُناكَ مَعَ تَلامِيْذِهِ. وَكانَ عِيْدُ الفِصْحِ اليَهُودِيِّ قَرِيْباً.

وَنَظَرَ يَسُوعُ، فَرَأى جُمْهُوراً كَبِيْراً مِنَ النّاسِ آتِياً إلَيْهِ. فَقالَ لِفِيلِبُّسَ: «مِنْ أيْنَ يُمْكِنُنا أنْ نَشْتَرِي خُبْزاً كافِياً لِنُطْعِمَ كُلَّ هَؤُلاءِ؟» قالَ يَسُوعُ هَذا لِيَمْتَحِنَهُ، لِأنَّ يَسُوعَ كانَ يَعْرِفُ ما سَيَفْعَلُهُ. فَأجابَهُ فِيلِبُّسُ: «حَتَّى لَوِ اشْتَرَيْنا خُبْزاً بِأجْرِ سَنَةٍ مِنَ العَمَلِ،  فَلَنْ يَكْفِي ذَلِكَ لَيَأْكُلَ كُلُّ واحِدٍ قِطْعَةً صَغِيْرَةً!»

وَقالَ لَهُ أندَراوُسُ أخُو سِمْعانَ، وَهُوَ تِلْمِيْذٌ آخَرُ مِنْ تَلامِيْذِهِ: «هُنا وَلَدٌ صَغِيْرٌ مَعَهُ خَمْسَةُ أرغِفَةٍ مِنَ الشَّعِيْرِ وَسَمَكَتانِ. وَلَكِنْ ما نَفْعُ هَذَهِ لِكُلِّ هَؤُلاءِ النّاسِ؟» 10 فَقالَ يَسُوعُ: «أجلِسُوا النّاسَ.»

وَكانَ هُناكَ عُشْبٌ كَثِيْرٌ فِي ذَلِكَ المَكانِ، فَجَلَسَ الرِّجالُ، وَكانُوا نَحْوَ خَمْسَةِ آلافِ رَجُلٍ. 11 ثُمَّ تَناوَلَ يَسُوعُ الأرغِفَةَ وَشَكَرَ اللهَ، ثُمَّ وَزَّعَها عَلَى الجالِسِيْنَ. وَكَذَلِكَ وَزَّعَ مِنَ السَّمَكِ قَدْرَ ما طَلَبُوا.

12 وَلَمّا شَبِعُوا قالَ يَسُوعُ لِتَلامِيْذِهِ: «اجمَعُوا كِسَرَ الخُبْزِ الَّتِي زادَتْ لِكَيْ لا يَضِيْعَ مِنْها شَيْءٌ.» 13 فَجَمَعُوها وَمَلأُوا اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَلَّةٍ مِنْ كِسَرِ أرغِفَةِ الشَّعِيْرِ الخَمْسَةِ الَّتِي فَضَلَتْ عَنِ الَّذِيْنَ أكَلُوا.

14 وَلَمّا رَأى النّاسُ هَذِهِ المُعْجِزَةَ الَّتِي صَنَعَها يَسُوعُ، بَدَأُوا يَقُولُونَ: «مِنَ المُؤَكَّدِ أًنَّ هَذا هُوَ النَّبِيُّ  الآتِي إلَى العالَمِ!»

15 وَعَرَفَ يَسُوعُ أنَّهُمْ يُرِيْدُونَ إجبارَهُ عَلَى أنْ يَصِيْرَ مَلِكاً، فَذَهَبَ ثانِيَةً إلَى الجَبَلِ وَحْدَهُ.

فلمّا رأى الناس أنّ عيسى المسيح (عليه السلام) يستطيع أن يُضاعف كميّة الطعام أضعافًا مضاعفة بحيث أن خمسة أرغفة وسمكتين يمكن أن يُطعِموا 5000 شخص ويفضل عنهم، عرفوا أنّه كان نبيًّا فريدًا من نوعه. ولذلك تساءلوا عمّا إذا كان هو النبيّ الذي تنبّأت توراة موسى (عليه السلام) بمجيئه منذ أمدٍ بعيد. في الواقع، نحن نعرف أنَّ عيسى المسيح (عليه السلام) كان فعلاً هذا النبيّ لأنّ التوراة قد قال عنه

أُقِيمُ (الله) لَهُمْ نَبِيًّا مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ، وَأَجْعَلُ كَلاَمِي فِي فَمِهِ، فَيُكَلِّمُهُمْ بِكُلِّ مَا أُوصِيهِ بِهِ. وَيَكُونُ أَنَّ الإِنْسَانَ الَّذِي لاَ يَسْمَعُ لِكَلاَمِي الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِهِ بِاسْمِي أَنَا أُطَالِبُهُ. (تثنية 18: 18-19)

كانت آية هذا النبيّ تقول إنَّ الله سيجعل ’كلامه في فمِ‘ هذا النبيّ. ما الذي يميِّز كلام الله عن كلام الإنسان؟ نجد أفضل تفسير لهذا في سورة ياسين.

بِسْمِ الله الرَّحْمَن الرَحيمِ

إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (سورة ياسين 36: 82)

لقد رأينا في المقالة السابقة أنَّ النبيَّ عيسى المسيح (عليه السلام) شفى الأمراض وطرد الأرواح الشرّيرة ’بكلمةٍ‘ فقط، وهنا نرى أنّه يقول كلمةً فتطيع الرياح والأمواج. ثمَّ يتكلَّم في وقتٍ لاحقٍ فتتضاعف أرغفة الخبز. تتوافق هذه الآيات مع ما جاء في التوراة من وصفٍ لهذا النبيّ الذي جعل الله كلامه في فمه، لأنَّه عندما تكلَّم عيسى المسيح – فكان!

ولكن من المثير للاهتمام أنَّ التلاميذ أنفسهم عند هذه المرحلة لاقوا صعوبةً كبيرةً في فهم هذه الأمور كلّها. فهم لم يفهموا المعنى من وراء مضاعفة أرغفة الخبز. نحن نعرف هذا لأنّ الإنجيل يقولُ إنّه مباشرةً بعد إطعام الخمسة آلاف:

ﻣﺮﻗﺲ 6:45-56

يَسُوعُ يَمشِي عَلَى الماء

45 بَعْدَ ذَلِكَ طَلَبَ يَسُوعُ مِنْ تَلامِيذِهُ أنْ يَركَبوا القارِبَ وَيَسبِقُوهُ إلَى بَيتِ صَيدا عَلَىْ الضِّفَّةِ الأُخرَى، بَينَما يَصرِفُ هُوَ الجَمْعَ. 46 وَبَعدَ أنْ وَدَّعَ النّاسَ، ذَهَبَ إلَى الجَبَلِ لِيُصَلِّي.

47 وَعِندَما حَلَّ المَساءُ، كانَ القارِبُ فِي وَسَطِ البُحَيرَةِ، وَكانَ يَسُوعُ عَلَى البَرِّ وَحدَهُ. 48 فَرَآهُمْ يَسُوعُ يُواجِهُونَ صُعُوبَةً فِي التَّجدِيفِ لِأنَّ الرِّيحَ كانَتْ مُعاكِسَةً لاتِّجاهِ القارِبِ. وَقَبلَ الفَجرِ بِقَلِيلٍ، جاءَ يَسُوعُ إلَيْهِمْ ماشِياً عَلَى البُحَيرَةِ. وَأرادَ أنْ يَتَجاوَزَهُمْ. 49 فَلَمّا رَأوهُ ماشِياً عَلَى المِياهِ ظَنُّوا أنَّهُ شَبَحٌ، فَصَرَخُوا، 50 لِأنَّهُمْ جَمِيعاً رَأوهُ وَخافُوا. لَكِنَّهُ قالَ لَهُمْ: «تَشَجَّعُوا، إنَّهُ أنا، لا تَخافُوا.» 51 ثُمَّ صَعِدَ مَعَهُمْ فِي القارِبِ، فَهَدَأتِ الرِّيحُ، وَكانُوا مُندَهِشِينَ تَماماً، 52 لِأنَّهُمْ لَمْ يَفهَمُوا مِنْ خِلالِ مُعجِزَةِ الأرغِفَةِ، لِأنَّ قُلُوبَهُمْ كانَتْ قاسِيَةً.

يَسُوعُ يَشفِي كَثِيرِين

53 وَلَمّا عَبَرُوا البُحَيرَةَ، وَصَلُوا إلَى مِنْطَقَةِ جَنِّيسارَتَ، وَرَبَطُوا قارِبَهُمْ. 54 وَلَمّا خَرَجُوا مِنَ القارِبِ، عَرَفَ النّاسُ يَسُوعَ. 55 فَانْتَشَرُوا فِيْ تِلْكَ المِنطَقَةِ كُلِّها، وَكانُوا يَحمِلُونَ المَرضَى عَلَى أسِرَّةٍ إلَى كُلِّ مَكانٍ يَسمَعُونَ أنَّ يَسُوعَ فِيهِ. 56 وَحَيثُما كانَ يَذهَبُ: إلَى القُرَى وَالبَلْداتِ وَالمَزارِعِ، كانَ النّاسُ يَضَعُونَ مَرضاهُمْ فِي الأماكِنِ العامَّةِ، وَيَتَوَسَّلُونَ إلَيهِ أنْ يَسمَحَ لَهُمْ بِأنْ يَلمِسُوا وَلَو حَتَّى طَرَفَ ثَوبِهِ. وَكُلُّ الَّذِينَ لَمَسُوهُ نالُوا الشِّفاءَ.

مرَّةً أُخرى تكلَّم النبيّ عيسى المسيح (عليه السلام) بسلطان، ’فكان ما أراده‘. لكنّ التلاميذ ’لم يفهموا‘. لم يكن السبب في عدم فهمهم الأمر هو أنّهم لم يكونوا أذكياء؛ ولم يكن بسبب عدم وجودهم هناك؛ ولم يكن ذلك بسبب سوء أخلاقهم؛ ولا لأنّهم كانوا غير مؤمنين. كلاّ، يقول الإنجيل إنَّ ’قلوبهم قد قَسَت‘. تذكّروا كيف أنَّ النبيّ ارميا (عليه السلام) قد تنبَّأ بأن عهدًا جديدًا سوف يأتي – حيث ستُكتَب الشريعة في قلوبنا. وإلى أن يُغيِّر العهد الشخص، فإنّ قلبه يكون قاسيًا – حتّى قلوب أتباع النبيّ المقرَّبين! وتمنعنا قسوة قلوبنا أيضًا من فهم الحقائق الروحيَّة التي كشفها الأنبياء.

هذا هو السبب الذي جعل مهمَّة النبيّ يحيا (عليه السلام) التي أعدَّت الطريق مهمَّة جدًّا. رأينا أنّه دعا الناس إلى التوبة عن طريق الاعتراف بخطاياهم بدلاً من محاولة إخفائها. إذا كانت قلوب تلاميذ عيسى المسيح قاسية في حاجةٍ إلى التوبة والاعتراف بالخطيّة، فكم بالحري أنت وأنا! ربّما ستقوم بالانضمام إليَّ في صلاةٍ صامتة في قلبك ترفعها إلى الله (لأنّه يعرف حتّى أفكارنا، لذلك يمكننا أن نصلِّي بالفكر) في شكل اعتراف داود (عليه السلام) في الزبور:

اِرْحَمْنِي يَا اَللهُ حَسَبَ رَحْمَتِكَ. حَسَبَ كَثْرَةِ رَأْفَتِكَ امْحُ مَعَاصِيَّ. اغْسِلْنِي كَثِيرًا مِنْ إِثْمِي، وَمِنْ خَطِيَّتِي طَهِّرْنِي.

لأَنِّي عَارِفٌ بِمَعَاصِيَّ، وَخَطِيَّتِي أَمَامِي دَائِمًا. إِلَيْكَ وَحْدَكَ أَخْطَأْتُ، وَالشَّرَّ قُدَّامَ عَيْنَيْكَ صَنَعْتُ، لِكَيْ تَتَبَرَّرَ فِي أَقْوَالِكَ، وَتَزْكُوَ فِي قَضَائِكَ.

قَلْبًا نَقِيًّا اخْلُقْ فِيَّ يَا اَللهُ، وَرُوحًا مُسْتَقِيمًا جَدِّدْ فِي دَاخِلِي. لاَ تَطْرَحْنِي مِنْ قُدَّامِ وَجْهِكَ، وَرُوحَكَ الْقُدُّوسَ لاَ تَنْزِعْهُ مِنِّي. رُدَّ لِي بَهْجَةَ خَلاَصِكَ، وَبِرُوحٍ مُنْتَدِبَةٍ اعْضُدْنِي.

هذه صلاةٌ أصلّيها وأشجِّعكم على أن تقوموا بذلك أيضًا حتّى تُفهَم رسائل الأنبياء من قِبَل قلوبٍ رقيقةٍ ونقيَّة ونحن نواصل التعلُّم من الإنجيل.

النبى عيسى المسيح (عليه السلام ) يشفى بسلطان كلمته

فى مقالتنا السابقه رأينا ان النبى عيسى المسيح (عليه السلام) علم بسلطان عظيم ، وهذا السلطان لم يكون
الا للمسيح ، ويخبرنا الإنجيل بأن السيد المسيح بعد أن انتهى من عظته على الجبل نزل :

1 وَلَمَّا نَزَلَ مِنَ الْجَبَلِ تَبِعَتْهُ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ.
2 وَإِذَا أَبْرَصُ قَدْ جَاءَ وَسَجَدَ لَهُ قَائِلاً:«يَا سَيِّدُ، إِنْ أَرَدْتَ تَقْدِرْ أَنْ تُطَهِّرَنِي».
3 فَمَدَّ يَسُوعُ يَدَهُ وَلَمَسَهُ قَائِلاً:«أُرِيدُ، فَاطْهُرْ!». وَلِلْوَقْتِ طَهُرَ بَرَصُهُ.
4 فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ:«انْظُرْ أَنْ لاَ تَقُولَ لأَحَدٍ. بَلِ اذْهَبْ أَرِ نَفْسَكَ لِلْكَاهِنِ، وَقَدِّمِ الْقُرْبَانَ الَّذِي أَمَرَ بِهِ
مُوسَى شَهَادَةً لَهُمْ ” ( متى 8 : 1-4)

وهنا نرى أن النبى عيسى ( عليه السلام ) أظهر سلطانه بشفاء رجل ابرص بأن قالببساطة (أطهر) فطهر برصه وشفى ، كلمته لها سلطان لتشفى كما لها سلطان فى التعليم .وسجل لنا الإنجيل بعد ذلك أن سيدنا عيسى ( عليه السلام ) كان له لقاء مع واحدا من الأعداء  لأن الرومان كانوا مكروهين من اليهود فى ذلك الوقت لاحتلالهم الاراضى اليهودية ، كما يكره الفلسطينيين الإسرائيليين اليوم . و كانوا يكرهون الضباط الرومان ( قواد المائة) أكثر لأنهم هم الذين يأمرون الجنود الذين تحت أمرتهم . سيدنا عيسى ( عليه السلام ) قابل واحد من هولاء الضباط.

سيدنا عيسى المسيح ( عليه السلام ) وقائد المائة الرومانى.

5 وَلَمَّا دَخَلَ يَسُوعُ كَفْرَنَاحُومَ، جَاءَ إِلَيْهِ قَائِدُ مِئَةٍ يَطْلُبُ إِلَيْهِ
6 وَيَقُولُ:«يَا سَيِّدُ، غُلاَمِي مَطْرُوحٌ فِي الْبَيْتِ مَفْلُوجًا مُتَعَذِّبًا جِدًّا»
. 7فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ:«أَنَا آتِي وَأَشْفِيهِ»
. 8 فَأَجَابَ قَائِدُ الْمِئَةِ وَقَالَ:«يَا سَيِّدُ، لَسْتُ مُسْتَحِقًّا أَنْ تَدْخُلَ تَحْتَ سَقْفِي، لكِنْ قُلْ كَلِمَةً فَقَطْ فَيَبْرَأَ غُلاَمِي
. 9 لأَنِّي أَنَا أَيْضًا إِنْسَانٌ تَحْتَ سُلْطَانٍ. لِي جُنْدٌ تَحْتَ يَدِي. أَقُولُ لِهذَا: اذْهَبْ! فَيَذْهَبُ، وَلآخَرَ: اءْيتِ! فَيَأْتِي، وَلِعَبْدِيَ: افْعَلْ هذَا! فَيَفْعَلُ»
. 10 فَلَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ تَعَجَّبَ، وَقَالَ لِلَّذِينَ يَتْبَعُونَ:«اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَمْ أَجِدْ وَلاَ فِي إِسْرَائِيلَ إِيمَانًا بِمِقْدَارِ هذَا!
11 وَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كَثِيرِينَ سَيَأْتُونَ مِنَ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِب وَيَتَّكِئُونَ مَعَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ،
12 وَأَمَّا بَنُو الْمَلَكُوتِ فَيُطْرَحُونَ إِلَى الظُّلْمَةِ الْخَارِجِيَّةِ. هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَانِ».
13 ثُمَّ قَالَ يَسُوعُ لِقَائِدِ الْمِئَةِ: «اذْهَبْ، وَكَمَا آمَنْتَ لِيَكُنْ لَكَ». فَبَرَأَ غُلاَمُهُ فِي تِلْكَ

السَّاعَةِ

متى 8 : 5-13)

كلمة السيد المسيح لها سلطان .يأمر ببساطة (من مسافة بعيدة ) فشفى الغلام. وهنا نجد سيدنا عيسى (عليه السلام ) يمدح هذا القائد الوثنى (العدو) لأنه هو الوحيد الذى لديه إيمان وادرك قوة وسلطان كلمة المسيح . أمن أن السيد المسيح له السلطان أن (يأمر بكلمة ) فيشفى الغلام.
الرجل الذى لا نتوقع أن يكون عنده إيمان بكلمات عيسى (عليه السلام) ( لأنه وثنى ) نفاجاء بأنه يؤمن بسلطان كلمته . سوف ينضم هذا القائد ذات يوم لأهل السماء مع سيدنا ابراهيم وبقية الصالحين ، بينما اؤلئك الذين من الدين الصحيح والشعب ( المختار ) سوف يلقون فى الخارج فى الظلمة . ونحن نحتاج أن ننتبه جيدا هل لنا إيمان ؟ ويحذرنا سيدنا عيسى (عليه السلام) بأن لا الدين ولا الأباء يضمن لنا الجنة . بل الإيمان بشخصه.

السيد المسيح يقيم أبنة رئيس المجمع من الموت ( لوقا8 : 40-56 )

 

40 وَلَمَّا رَجَعَ يَسُوعُ قَبِلَهُ الْجَمْعُ لأَنَّهُمْ كَانُوا جَمِيعُهُمْ يَنْتَظِرُونَهُ.
41 وَإِذَا رَجُلٌ اسْمُهُ يَايِرُسُ قَدْ جَاءَ، وَكَانَ رَئِيسَ الْمَجْمَعِ، فَوَقَعَ عِنْدَ قَدَمَيْ يَسُوعَ وَطَلَبَ إِلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَهُ
42 لأَنَّهُ كَانَ لَهُ بِنْتٌ وَحِيدَةٌ لَهَا نَحْوُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وَكَانَتْ فِي حَالِ الْمَوْتِ. فَفِيمَا هُوَ مُنْطَلِقٌ زَحَمَتْهُ الْجُمُوعُ.
43 وَامْرَأَةٌ بِنَزْفِ دَمٍ مُنْذُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وَقَدْ أَنْفَقَتْ كُلَّ مَعِيشَتِهَا لِلأَطِبَّاءِ، وَلَمْ تَقْدِرْ أَنْ تُشْفَى مِنْ أَحَدٍ
44جَاءَتْ مِنْ وَرَائِهِ وَلَمَسَتْ هُدْبَ ثَوْبِهِ. فَفِي الْحَالِ وَقَفَ نَزْفُ دَمِهَا.

مرة آخرى نرى سيدنا عيسى (عليه السلام ) يقيم بنت صغيرة من الموت بسلطان كلمته ، ونرى هنا سيدنا عيسى يستخدم سلطانه لشفاء الناس اينما وجد الإيمان بغض النظر عن الجنس أو الدين .

سيدنا عيسى المسيح (عليه السلام) يشفى الكثيرين بما فيهم الاصدقاء

يذكر لنا الإنجيل أن سيدنا عيسى (عليه السلام) ذهب لبيت بطرس ، الذى أصبح كبير المتحدثين وسط الحواريين ( التلاميذ)

الأثنى عشر وهناك رأى حماته مريضة ( متى8:14-17) .
14 وَلَمَّا جَاءَ يَسُوعُ إِلَى بَيْتِ بُطْرُسَ، رَأَى حَمَاتَهُ مَطْرُوحَةً وَمَحْمُومَةً،
15فَلَمَسَ يَدَهَا فَتَرَكَتْهَا الْحُمَّى، فَقَامَتْ وَخَدَمَتْهُمْ.
16 وَلَمَّا صَارَ الْمَسَاءُ قَدَّمُوا إِلَيْهِ مَجَانِينَ كَثِيرِينَ، فَأَخْرَجَ الأَرْوَاحَ بِكَلِمَةٍ، وَجَمِيعَ الْمَرْضَى شَفَاهُمْ، 17لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِإِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ الْقَائِلِ:«هُوَ أَخَذَ أَسْقَامَنَا وَحَمَلَ أَمْرَاضَنَا».

 

نلاحظ هنا أن السيد المسيح له سلطان أيضا على الأرواح الشريرة ليطردها من

الناس ببساطة ” بسلطان كلمته ” ويشير الإنجيل إلى الزبور الذى تنباء بأن معجزات الشفاء ستكون علامة مجئ المسيح .
وأيضا النبى إشعياء (عليه السلام ) تنباء كذلك عن مجئ السيد المسيح (إشعياء61: 1-3 ) قائلا:

1 رُوحُ السَّيِّدِ الرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّ الرَّبَّ مَسَحَنِي ( مسحنى = الممسوح = المسيح ) لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ،
2 أَرْسَلَنِي لأَعْصِبَ مُنْكَسِرِي الْقَلْبِ، لأُنَادِيَ لِلْمَسْبِيِّينَ بِالْعِتْقِ، وَلِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ.

لأُنَادِيَ بِسَنَةٍ مَقْبُولَةٍ لِلرَّبِّ، وَبِيَوْمِ انْتِقَامٍ لإِلَهِنَا. لأُعَزِّيَ كُلَّ النَّائِحِينَ.
3لأَجْعَلَ لِنَائِحِي صِهْيَوْنَ، لأُعْطِيَهُمْ جَمَالاً عِوَضًا عَنِ الرَّمَادِ، وَدُهْنَ فَرَحٍ عِوَضًا عَنِ النَّوْحِ، وَرِدَاءَ تَسْبِيحٍ عِوَضًا عَنِ الرُّوحِ الْيَائِسَةِ، فَيُدْعَوْنَ أَشْجَارَ الْبِرِّ، غَرْسَ الرَّبِّ لِلتَّمْجِيدِ

النبى إشعياء (عليه السلام) تنباء عام 750 ق م بأن المسيح ( الممسوح = المسيا ) سوف يأتى بالأخبار السارة (الأخبار السارة = االإنجيل ) للمساكين ويريح ويحرر ويطلق الناس احرار .
وسيدنا عيسى استخدم سلطانه فى التعليم وشفاء المرضى وأقامة الاموات فتحققت بذلك النبوة .
ولقد قام السيد المسيح بعمل هذه الأشياء ببساطة بسلطان كلمته . التى لها سلطان لشفاء الناس من الأمراض والارواح الشريرة وكان لكلمته سلطان حتى على الموت ، ولهذا السبب يقول القرآن عنه :

” إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (آل عمران 3: 45 )

أيضا قال الإنجيل عن عيسى المسيح ( عليه السلام )

….. وَيُدْعَى اسْمُهُ «كَلِمَةَ اللهِ». ( رؤية يوحنا 19 : 13 )

النبى عيسى (عليه السلام) كالمسيا ، كان لكلامه سلطان ، مما جعل أسمه هو ( كلمة من الله ) أو
( كلمة الله) ونحن لابد لنا أن نكون حكماء ونحترم ونؤمن بسلطان كلمة الله ( المسيح عيسى ونسمع تعاليمة ونحيا بها .

والقرآن يقر ويؤكد ضرورة
تبعية كل البشر لسيدنا عيسى المسيح

وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الذِينَ كَفَرُوا
وَجَاعِلُ الذِينَ ا تَّبَعُوكَ فَوْقَ الذِينَ كَفَرُوا إلى يوم القيامة.
آل عمران 3 :55.

المسيح يُعلِن عن نفسه – من خلال تعليمه بسلطان

بدأ عيسى المسيح (عليه السلام) بعد أن جُرِّب مِنْ قِبَل الشيطان خدمته كنبيٍّ بتعاليم فريدةٍ من نوعها. وقد ظهر هذا بشكلٍ خاصّ في ما يُسمّى الآن موعظته على الجبل المسجَّلة في الإنجيل. يمكنك أن تقرأ الموعظة على الجبل كاملة هنا. سوف أقوم بتلخيص بعض النقاط الرئيسة، وبعد ذلك نجد الصلة المذهلة بما تنبّأ به النبيّ موسى في التوراة. علَّم عيسى المسيح (عليه السلام) ما يلي:

الغَضَب

21 «تَعرِفُونَ أنَّهُ قِيلَ لِآبائِكُمْ: ‹لا تَقتُلْ.  وَكُلُّ مَنْ يَقتُلْ يَستَحِقُّ المُحاكَمَةَ.› 22 أمّا أنا فَأقُولُ لَكُمْ إنَّ مَنْ يَغضَبُ مِنْ شَخصٍ آخَرَ فَإنَّهُ يَستَحِقُّ المُحاكَمَةَ، وَمَنْ يَشتِمُ شَخصاً آخَرَ يَنبَغِي أنْ يَقِفَ أمامَ مَجلِسِ القَضاءِ. وَكُلُّ مَنْ يَقُولُ لِشَخصٍ آخَرَ: ‹أيُّها الغَبِيُّ› يَستَحِقُّ الجَحِيمَ.

23 «لِذَلِكَ إنْ كُنتَ تُقَدِّمُ تَقدِمَةً عَلَى المَذْبَحِ، وَهُناكَ تَذَكَّرْتَ أنَّ شَخصاً آخَرَ لَهُ شَيءٌ عَلَيكَ، 24 فَاترُكْ تَقدِمَتَكَ هُناكَ أمامَ المَذْبَحِ، وَاذْهَبْ وَاصْطَلِحْ مَعَ ذَلِكَ الشَّخصِ أوَّلاً، ثُمَّ ارجِعْ وَقَدِّمْ تَقدِمَتَكَ.

25 «سالِمْ خَصمَكَ سَرِيعاً، بَينَما تَمشِي مَعَهُ فِي الطَّرِيقِ إلَى المَحكَمَةِ. وَإلّا فَإنَّهُ سَيُسَلِّمُكَ إلَى القاضِي، وَالقاضِي سَيُسَلِّمُكَ إلَى السَّجّانِ فَيُلقِي بِكَ إلَى السِّجْنِ. 26 أقولُ الحَقَّ لَكَ، إنَّكَ لَنْ تَخرُجَ مِنْ هُناكَ إلَىْ أنْ تَسُدَّ آخِرَ فِلْسٍ عَلَيكَ.

الزِّنَى

27 «سَمِعْتُمْ أنَّهُ قِيلَ: ‹لاتَزْنِ.›  28 أمّا أنا فَأقُولُ لَكُمْ: إنَّ كُلَّ مَنْ نَظَرَ إلَى امْرأةٍ لِيَشتَهيَها، فَقَدْ زَنَى بِها فِي قَلبِهِ. 29 لِذَلِكَ إنْ كانَتْ عَينُكَ اليُمنَى تَدفَعُكَ إلَى الخَطِيَّةِ، فَاقلَعْها وَألقِها بَعِيداً عَنْكَ. فَالأفضَلُ أنْ تَفقِدَ عُضْواً واحِداً مِنْ جِسْمِكَ، مِنْ أنْ يُطرَحَ جِسْمُكَ كُلُّهُ إلَى جَهَنَّمَ. 30 وَإنْ كانَتْ يَدُكَ اليُمنَى تَدفَعُكَ إلَى الخَطِيَّةِ، فَاقطَعْها وَألقِها بَعِيداً عَنْكَ. فَالأفضَلُ أنْ تَفقِدَ عُضْواً واحِداً مِنْ جِسْمِكَ، مِنْ أنْ يُطرَحَ جِسْمُكَ كُلُّهُ إلَى جَهَنَّمَ.

الطَّلاق

31 «قِيلَ أيضاً: ‹إذا طَلَّقَ أحَدٌ زَوجَتَهُ، فَليُعطِها وَثِيقَةً تُثبِتُ ذَلِكَ.›  32 أمّا أنا فَأقُولُ لَكُمْ إنَّ كُلَّ مَنْ يُطَلِّقُ زَوجَتَهُ، إلّا بِسَبَبِ الزِّنَى، فَإنَّهُ يُعَرِّضُها لارْتِكابِ الزِّنَى. وَمَنْ يَتَزَوَّجُ امْرأةً مُطَلَّقَةً، فَإنَّهُ يَزنِي.

القَسَم

33 «سَمِعْتُمْ أنَّهُ قِيلَ أيضاً لِآبائِكُمْ: ‹لا تَحلِفْ بِالكَذِبِ، بَلْ أوفِ بِما أقسَمْتَ بِأنْ تَفعَلَهُ لِلرَّبِّ.›  34 أمّا أنا فَأقُولُ لَكُمْ: لا تَحلِفُوا مُطلَقاً. 35 لا تَحلِفُوا لا بِالسَّماءِ لِأنَّها عَرشُ اللهِ، وَلا بِالأرْضِ لِأنَّها مَسنَدُ قَدَميهِ،  وَلا بِمَدِينَةِ القُدسِ لِأنَّها مَدِينَةُ المَلِكِ العَظِيمِ. 36 لا تَحلِفْ بِرَأسِكَ، لِأنَّكَ لا تَستَطِيعُ أنْ تَجعَلَ شَعرَةً مِنْهُ سَوداءَ أوْ بَيضاءَ. 37 فَإنْ أرَدْتُمْ أنْ تَقُولُوا ‹نَعَمْ،› فَقُولُوا ‹نَعَمْ.› وَإنْ أرَدْتُمْ أنْ تَقُولُوا ‹لا،› فَقُولُوا ‹لا.› وَكُلُّ ما يَزِيدُ عَنْ ذَلِكَ فَهُوَ مِنَ الشِّرِّيرِ. 

مُقاوَمَةُ الشَّرّ

38 «سَمِعْتُمْ أنَّهُ قِيلَ: ‹العَينُ بِالعَينِ، وَالسِّنُّ بِالسِّنِّ.›  39 أمّا أنا فَأقُولُ: لا تُقاوِمُوا الشَّرَّ. بَلْ إنْ لَطَمَكَ أحَدٌ عَلَى خَدِّكَ الأيمَنِ، فَقَدِّمْ لَهُ الخَدَّ الآخَرَ أيضاً. 40 وَإنْ أرادَ أحَدٌ أنْ يُحاكِمَكَ لِيَأخُذَ قَمِيصَكَ، فَدَعْهُ يَأخُذُ مِعطَفَكَ أيضاً. 41 وَإنْ أجبَرَكَ أحَدٌ عَلَى السَّيرِ مَعَهُ مِيلاً واحِداً، فَامشِ مَعَهُ مِيلَينِ. 42 وَإنْ طَلَبَ مِنْكَ أحَدٌ شَيئاً، فَأعطِهِ إيّاهُ. وَلا تَرفُضْ إقراضَ مَنْ يَطلُبُ الاقتِراضَ مِنْكَ.

مَحَبَّةُ الجَمِيع

43 «سَمِعْتُمْ أنَّهُ قِيلَ: ‹أحبِبْ صاحِبَكَ، وَأبغُضْ عَدُوَّكَ.›  44 أمّا أنا فَأقُولُ لَكُمْ: أحِبُّوا أعداءَكُمْ، وَصَلُّوا مِنْ أجلِ الَّذِينَ يَضْطَهِدُونَكُمْ، 45 فَتَكُونُوا بِذَلِكَ أبناءَ أبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّماءِ. لِأنَّ اللهَ يَجعَلُ الشَّمْسَ تُشْرِقُ عَلَى الخُطاةِ وَالصّالِحِينَ، وَيُرسِلُ المَطَرَ إلَى الأبرارِ وَالأشْرارِ. 46 فَإنْ أحبَبْتُمْ مَنْ يُحِبُّونَكُمْ فَقَط، فَأيَّةَ مُكافَئَةٍ تَستَحِقُّونَ؟ أفَلا يَفْعَلُ جامِعُو الضَّرائِبِ ذَلِكَ أيضاً؟ 47 وَإنْ كُنْتُمْ تُحَيُّونَ إخْوَتَكُمْ فَقَطْ، فَما الَّذِي يُمَيِّزُكُمْ عَنِ الآخَرِينَ؟ أفَلا يَفعَلُ حَتَّى عابِدُو الأوثانِ ذَلِكَ أيضاً؟ 48 لِذَلِكَ كُونُوا كامِلِينَ كَما أنَّ أباكُمُ السَّماوِيَّ كامِلٌ.

 

المسيح والعظة على الجبل

يمكنك أن ترى أنَّ عيسى المسيح (عليه السلام) قد علَّم مستخدمًا هذه الصيغة ’’سمعتُم أنّه قيلَ… أمّا أنا فأقولُ لكم…‘‘. في تركيبة الجملة هذه، هو عادةً أوَّل ما يستشهد بآيةٍ من التوراة، ثمّ يوسِّع نطاق الوصيَّة لتشمل الدوافع والأفكار والكلمات، إلى درجةٍ تبعثُ على الذهول. علَّمَ عيسى المسيح من خلال أخذ وصايا النبيّ موسى (عليه السلام) الصارمة، وجعل اتِّباعها حتَّى أكثر صعوبةً بكثيرٍ.

ولكن ما هو لافتٌ للنظر أيضًا هو السبب الذي يجعله يوسِّع وصايا التوراة. إنّه يفعل ذلك مستندًا إلى سلطانه هو. فهو يقول ببساطة ’أمّا أنا فأقولُ لكم…‘ وبذلك يزيد من مجال الوصيَّة. وهذا أحد الأمور التي كانت فريدة للغاية بشأن عيسى المسيح (عليه السلام). كما جاء في الإنجيل عندما انتهى من هذه العِظة:

فَلَمَّا أَكْمَلَ يَسُوعُ هذِهِ الأَقْوَالَ بُهِتَتِ الْجُمُوعُ مِنْ تَعْلِيمِهِ، لأَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ كَمَنْ لَهُ سُلْطَانٌ وَلَيْسَ كَالْكَتَبَةِ. (متى 7: 28-29)

بالفعل، علَّم عيسى المسيح (عليه السلام) كمَن له سلطانٌ عظيم. كان معظم الأنبياء رُسُلاً فقط ينقلون رسالةً من الله، ولكن كان الوضعُ مختلفًا هنا. لماذا تمكَّن عيسى المسيح من القيام بذلك؟ حيث أنَّ اسم ’المسيح‘ الذي نراه هنا كان لقبًا أُعطيَ في الزبور لشخصٍ آتٍ، فقد كان لديه سلطانٌ عظيمٌ. يصف المزمور 2 في الزبور حيث أُعطيَ لقبُ ’المسيحِ‘ للمرَّة الأولى، الله وهو يُكلِّم المسيح بالطريقة التالية:

اسْأَلْنِي فَأُعْطِيَكَ الأُمَمَ مِيرَاثًا لَكَ، وَأَقَاصِيَ الأَرْضِ مُلْكًا لَكَ. (مزمور 2: 8)

أُعطيَ المسيح سلطانًا على الأُممِ، حتّى أقاصي الأرض. إذًا، كان عيسى باعتباره المسيح يملك سلطانًا ليعلِّم على النحو الذي فعله.

النبيُّ والموعظة على

الجبل في الواقع، كما رأينا هنا، كان النبيّ موسى (عليه السلام) قد تنبّأ في التوراة بمجيء ’النبيّ‘ الذي سيُشتَهَر بطريقة تعليمه. وقد كتبَ موسى:

أُقِيمُ لَهُمْ نَبِيًّا مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ، وَأَجْعَلُ كَلاَمِي فِي فَمِهِ، فَيُكَلِّمُهُمْ بِكُلِّ مَا أُوصِيهِ بِهِ. وَيَكُونُ أَنَّ الإِنْسَانَ الَّذِي لاَ يَسْمَعُ لِكَلاَمِي الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِهِ بِاسْمِي أَنَا أُطَالِبُهُ. (تثنية 18: 18-19)

في طريقة تعليمه هذه، كان عيسى يمارس سلطته بوصفه المسيح، وكان يحقِّق نبوءة موسى عن النبيّ الذي سيعلِّم بسلطان عظيمٍ. كان هو في آنٍ معًا، المسيح و النبيّ.

أنتَ و أنا والموعظة على الجبل

إذا ما درستَ أو تأمَّلْتَ بعنايةٍ هذه الموعظة على الجبل لترى كيف ينبغي أن تعيش، فإنّك ربّما ستشعر بالحيرة. كيف يمكن لأحدٍ أن يطبِّق هذا النوع من الوصايا التي تكشف قلوبنا ودوافعنا؟ ما كان قصدُ عيسى المسيح (عليه السلام) من

.لقاء هذه العِظة

 يمكننا أن نعرف الجواب من جملته الختاميَّة. فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ. (متى 5: 48)

لاحظوا أنَّ هذا كان وصيَّةً وليس اقتراحًا. فمطلبه هو أن نكون كاملين؛ لماذا؟ لأنّ الله هو كاملٌ، وإذا أردنا أن نكون معه في الجنّة، فلا شيء أقلُّ من الكمال سيكون مقبولاً. نحن نعتقد في أحيانٍ كثيرةٍ بأنّه ربّما بمجرَّد أن تكون الحسنات أكثر من السيِّئات – فإنَّ ذلك سيكون كافيًا. ولكن إن كان ذلك هو الحال، وسمح الله لنا بدخول الجنّة، فلسوف ندمِّر كمالها ونحوِّله إلى الفوضى التي لدينا في هذا العالم. إنّ شهوتنا وجشعنا وغضبنا هم الذين يدمِّرون حياتنا هنا اليوم. إذا ذهبنا إلى الجنّة ونحن لا نزال نتمسَّك بهذه الشهوة وهذا الجشع والغضب، فحينها ستصبح تلك الجنّة بسرعةٍ مثل هذا العالم – تحفل بالمشاكل التي تسبَّبنا بها. في الواقع، إنَّ معظم تعاليم عيسى المسيح (عليه السلام) تركِّز على داخل قلوبنا بدلاً من التركيز على الشكليّات الخارجيَّة. فكِّر في كيفيّة تركيزه في تعليمٍ آخر على أعماق قلوبنا. ثُمَّ قَالَ: ’’إِنَّ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الإِنْسَانِ ذلِكَ يُنَجِّسُ الإِنْسَانَ.

لأَنَّهُ مِنَ الدَّاخِلِ، مِنْ قُلُوبِ النَّاسِ، تَخْرُجُ الأَفْكَارُ الشِّرِّيرَةُ: زِنىً، فِسْقٌ، قَتْلٌ، سِرْقَةٌ، طَمَعٌ، خُبْثٌ، مَكْرٌ، عَهَارَةٌ، عَيْنٌ شِرِّيرَةٌ، تَجْدِيفٌ، كِبْرِيَاءُ، جَهْلٌ. جَمِيعُ هذِهِ الشُّرُورِ تَخْرُجُ مِنَ الدَّاخِلِ وَتُنَجِّسُ الإِنْسَانَ‘‘. (مرقس 7: 20-23)

فما يجري في داخلنا إذن هو مهمٌّ جدًّا، والمستوى المطلوب هو الكمال. ولن يسمح الله إلاَّ لما هو ’كامل‘ بدخول كمال جنَّته. ولكن على الرغم من أنّ ذلك قد يبدو حسنًا من الناحية النظريَّة، إلاّ أنّه يُثير مشكلةً كبيرة: كيف سندخل الجنّة إذا لم نكن كاملين؟ إنَّ الاستحالة المطلقة لأن نكون كاملين بما فيه الكفاية، يمكن أن يتسبَّب بشعورنا باليأس. وهذا هو ما يريده؛ عندما نيأس من إمكانيّة أن نصبح يومًا صالحين تمامًا، وعندما نتوقَّف عن الثقة في استحقاقاتنا الذاتيّة المحتملة، عندئذٍ نصبح ’مساكين بالروح‘. قال عيسى المسيح مستهلاًّ تلك الموعظة كلّها:

’’طُوبَى لِلْمَسَاكِينِ بِالرُّوحِ، لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَا تِ‘‘. (متى 5: 3)

بداية الحكمة بالنسبة إلينا ليس صرف النظر عن هذه التعاليم باعتبار أنّها لا تسري علينا. إنّها تنطبقُ علينا؛ إنّ المعيار هو ’كونوا كاملين‘. عندما ندَع ذلك المعيار ينغرس فينا ونُدرك أنّنا لسنا قادرين على أن نصبح كذلك، نكون عندها قد بدأنا السير في الطريق المستقيم. نبدأ المسير في الطريق المستقيم لأنّنا وقد اعترفنا بعدم أهليَّتنا، قد نكون أكثر استعدادًا لقبول المساعدة ممّا إذا كنّا نعتقد بأنّنا نستطيع أن نفعل ذلك باستحقاقاتنا الذاتيّة.

الشيطان يُجرِّبُ المسيح

لقد رأينا كيف جاء النبيّ يحيا (عليه السلام) ليُعِدَّ الناس لمجيء المسيح. كانت رسالته البسيطة لكن القويَّة تقول إنَّ الجميع يجب أن يتوبوا. يتابع الإنجيل سرده فيقول إنَّ النبيّ عيسى (عليه السلام) قد اعتمدَ على يد يحيا (عليه السلام). وهذا قد أعلنَ بِدء خدمة عيسى (عليه السلام) العامّة بوصفه المسيح. ولكن قبل أن يكون من الممكن أن تبدأ هذه الخدمة، كان على المسيح أن يُختَبَر ويُجَرَّب أوّلاً مِنْ قِبَل العدو الأكبر لنا جميعًا – الشيطان نفسه.

يصف الإنجيل هذا الاختبار بشيءٍ من التفصيل بذكر ثلاث تجارب محدَّدة عرضها الشيطان على عيسى (عليه السلام). دعنا نُلقي نظرة على كلِّ واحدةٍ منها بدورها. (سوف تلاحظ في هذه التجارب أنّ الشيطان يُخاطب عيسى داعيًا إيّاه بهذا اللقب الصعب ’ابن الله‘. ولكي نفهم ما معنى ذلك، يُرجى الاطّلاع على مقالتي هنا).

تجربة الخُبز

ثُمَّ أُصْعِدَ يَسُوعُ إِلَى الْبَرِّيَّةِ مِنَ الرُّوحِ لِيُجَرَّبَ مِنْ إِبْلِيسَ. فَبَعْدَ مَا صَامَ أَرْبَعِينَ نَهَارًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً،
جَاعَ أَخِيرًا. فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ الْمُجَرِّبُ وَقَالَ لَهُ: ’’إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَقُلْ أَنْ تَصِيرَ هذِهِ الْحِجَارَةُ خُبْزًا‘‘.

فَأَجَابَ وَقَالَ: ’’مَكْتُوبٌ: لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ اللهِ‘‘‘.
(متى 4: 1- 4)

نرى هنا شيئًا موازيًا لما حدث عندما أقدم الشيطان على إغراء أو تجربة آدم وحوّاء في الفردَوس. ولعلّكم تذكرون أنَّه في تلك التجربة، كانت الثمرة المـــُحَرَّمة ’…جيِّدة للأكل…‘ وكان ذلك أحد الأسباب في كونها مغريّةً جدًّا. في حالة عيسى (عليه السلام) هذه، وبعد صيامه (ولم يكن هذا الصوم يتبعه إفطار – أو كسر الصيام كلّ مساء) هذه الفترة الطويلة، فإنّ بإمكاننا أن نتفهَّم أنّ فكرة الخبز كانت بمثابة تجربة. ولكن هذه النتيجة كانت مختلفة عن نتيجة تجربة آدم بما أنَّ النبيّ عيسى المسيح (عليه السلام) قاوم التجربة، في حين لم يفعل آدم ذلك.

ولكن لماذا لم يكن مسموحًا له بأن يأكل خلال الأربعين يومًا هذه؟ لا يُجيب الإنجيل على وجه التحديد على هذا السؤال، لكنّ الزبور قد تنبَّأ بأنَّ الخادم القادم سيكون ممثّلاً لأُمّة إسرائيل اليهوديّة. تحت قيادة النبيّ موسى (عليه السلام)، تاهت أُمَّة إسرائيل 40 عامًا في الصحراء وهي تأكل الطعام الوحيد (الذي يُدعى المـــَنّ) الآتي من السماء. إنَّ الصيامَ أربعين يومًا والتأمُّل في كلمة الله باعتبارها غذاءً روحيًّا، كان بمثابة تجديدٍ رمزيٍّ لذلك الوقت في الصحراء بوصف المسيح الخادم الموعود.

التجربة لاختبار الله.

كانت التجربة الثانية بالمثل صعبة. يُخبرنا الإنجيل ما يلي:

ثُمَّ أَخَذَهُ إِبْلِيسُ إِلَى الْمَدِينَةِ الْمُقَدَّسَةِ، وَأَوْقَفَهُ عَلَى جَنَاحِ الْهَيْكَلِ، وَقَالَ لَهُ: ’’إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ
فَاطْرَحْ نَفْسَكَ إِلَى أَسْفَلُ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ:

أَنَّهُ يُوصِي مَلاَئِكَتَهُ بِكَ، فَعَلَى أيَادِيهِمْ يَحْمِلُونَكَ لِكَيْ لاَ تَصْدِمَ بِحَجَرٍ رِجْلَكَ‘‘.

قَالَ لَهُ يَسُوعُ: ’’مَكْتُوبٌ أَيْضًا: لاَ تُجَرِّب الرَّبَّ إِلهَكَ‘‘. (متى 4: 5-7)

يقتبس الشيطان هنا من كتاب الزبور ليُجرِّب عيسى (عليه السلام). ومن ثمَّ، من الواضح أنّه في معارضته لله، قد درس الكتابات المقدَّسة حتّى يتمكَّن من ابتكار طرقٍ للاعتراض عليها أو مقاومتها. هو يعرف جيِّدًا ما جاء في الكتب، وهو خبيرٌ في تحريفه.

أنقلُ هنا الفقرة الكاملة من الزبور التي لم يقتبس الشيطان سوى جزءٍ صغيرٍ منها. (وضعتُ خطًّا تحت الجزء الذي استشهد به).
10 لاَ يُلاَقِيكَ شَرٌّ، وَلاَ تَدْنُو ضَرْبَةٌ مِنْ خَيْمَتِكَ.
11 لأَنَّهُ يُوصِي مَلاَئِكَتَهُ بِكَ لِكَيْ يَحْفَظُوكَ فِي كُلِّ طُرُقِكَ.
12 عَلَى الأَيْدِي يَحْمِلُونَكَ لِئَلاَّ تَصْدِمَ بِحَجَرٍ رِجْلَكَ.
13 عَلَى الأَسَدِ وَالصِّلِّ تَطَأُ. الشِّبْلَ وَالثُّعْبَانَ تَدُوسُ.
14 لأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِي أُنَجِّيهِ. أُرَفِّعُهُ لأَنَّهُ عَرَفَ اسْمِي. (مزمور 91: 10- 14)

يمكنك أن ترى أنَّ الزبور هنا يتحدَّث عن ’هو أو إنّه‘ التي يعتقد الشيطان أنّها تُشير إلى المسيح. لكنّ هذه الفقرة لا تقول بشكلٍ مباشرٍ ’المسيح‘، إذن كيف عرف الشيطان هذا؟

ستلاحظ أنَّ ’هو‘ سوف ’يَطأُ أو يدوس‘ ’الأسدَ العظيم‘ و ’الثعبان‘(الآية 13 باللون الأحمر). يُشير ’الأسد‘ إلى سبط يهوذا من بني إسرائيل منذ أن تنبّأ النبيّ يعقوب (عليه السلام) في التوراة بما يلي:

9 يَهُوذَا جَرْوُ أَسَدٍ، مِنْ فَرِيسَةٍ صَعِدْتَ يَا ابْنِي، جَثَا وَرَبَضَ كَأَسَدٍ وَكَلَبْوَةٍ. مَنْ يُنْهِضُهُ؟
10 لاَ يَزُولُ قَضِيبٌ مِنْ يَهُوذَا وَمُشْتَرِعٌ مِنْ بَيْنِ رِجْلَيْهِ حَتَّى يَأْتِيَ شِيلُونُ وَلَهُ يَكُونُ خُضُوعُ شُعُوبٍ. (تكوين 49: 9- 10)

إنَّ النبيّ يعقوب (عليه السلام) كان قد أعلن منذ زمنٍ طويل في التوراة (أي حوالي 1700 قبل الميلاد) أنّ سبطَ يهوذا كان ’كأسدٍ‘ الذي منه سيأتي ’هو‘ وأنّ ’هو‘ سوف يحكم. يتابع كتاب الزبور هذه النبوءة. بإعلانه أنَّ ’هو‘ سوف يطأ ’الأسد‘، يقول الزبور إنَّ هذا اﻟـ ’هو‘ سيكون حاكم أو ملك يهوذا.

إنّ الفقرة في الزبور التي اقتبس الشيطان منها، تذكر أيضًا أنّ ’هو‘ سوف ’يدوس الثعبان‘. وهذه إشارة مباشرة إلى الوعد الإلهيّ الأوّل في آية آدم بأنّ ’نسل المرأة‘ سيسحق الحيّة. إليكم هنا مرّةً أُخرى الرسم البياني الذي يوضِّح الشخصيّات والأحداث في هذا الوعد الأوّل.

فَقَالَ الرَّبُّ الإِلهُ لِلْحَيَّةِ…

وَأَضَعُ عَدَاوَةً بَيْنَكِ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ، وَبَيْنَ نَسْلِكِ وَنَسْلِهَا. هُوَ يَسْحَقُ رَأْسَكِ، وَأَنْتِ تَسْحَقِينَ عَقِبَهُ‘‘.

(تكوين 3: 15)

العلاقة بين امرأة ورجل، الشيطان وذريتهم في حديقة الله

أُعطيَ هذا الوعد لأوّل مرّة في آية آدم، لكن التفاصيل حينها لم تكن واضحة بعد. نحن نعرف الآن أن ’المرأة‘ هي مريم (عليها السلام) لأنّها الشخصُ الوحيد الذي كان له نسلٌ من دون رجل – لقد كانت عذراء. وبالتالي نحن نعرف الآن أنَّ نسلها، اﻟـ ’هو‘ الذي وُعِدَ به هو عيسى المسيح (عليه السلام). ولهذا أدرجت هذه الأسماء في هذا المخطَّط البيانيّ. وكما ترون في هذا المخطَّط، كان الوعد القديم قد قال ’إنّه‘، أيّ عيسى المسيح سيسحق الحيّة. وقد كرَّرت النبوءة في الزبور، التي اقتبس الشيطان منها، هذا الوعد عند قولها:

’’عَلَى الأَسَدِ وَالصِّلِّ تَطَأُ. الشِّبْلَ وَالثُّعْبَانَ تَدُوسُ‘‘. (مزمور 91: 13)

إذًا، اقتبس الشيطان من الزبور الذي أشار بدوره في وقتٍ سابقٍ إلى هاتين النبوءتين من التوراة بأنّ ’هو‘ سوف يأتي وستخضَع له الشعوب ويسحق الشيطان (الثعبان). لقد كان الشيطان إذن يعرف أنّ الآيات التي اقتبسها من الزبور تُشير إلى المسيح، على الرغم من أنّها لم تذكر ’المسيح‘ بالاسم. لقد كانت تجربةُ الشيطان محاولةً لتحقيق النبوءة بطريقةٍ خاطئة. إنّ هذه النبوءات من الزبور والتوراة سوف تتحقَّق، ولكن ليس عن طريق رمي عيسى (عليه السلام) نفسه من فوق الهيكل لجذب الأنظار إليه، بل من خلال اتّباع الخطّة، دون انحراف، التي أُعلِنَ عنها في التوراة والزبور.

تجربة العبادة

ثمَّ جرَّب الشيطان عيسى بكلِّ ما كان يملكه – جميع ممالك الأرض. يقول الإنجيل ما يلي:

8 ثُمَّ أَخَذَهُ أَيْضًا إِبْلِيسُ إِلَى جَبَل عَال جِدًّا، وَأَرَاهُ جَمِيعَ مَمَالِكِ الْعَالَمِ وَمَجْدَهَا، 9 وَقَالَ لَهُ: ’’أُعْطِيكَ هذِهِ جَمِيعَهَا إِنْ خَرَرْتَ
وَسَجَدْتَ لِي‘‘.
10 حِينَئِذٍ قَالَ لَهُ يَسُوعُ:’’اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ! لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ‘‘.
11 ثُمَّ تَرَكَهُ إِبْلِيسُ، وَإِذَا مَلاَئِكَةٌ قَدْ جَاءَتْ فَصَارَتْ تَخْدِمُهُ. (متى 4: 8-11)

’مسيح‘ يعني ’الممسوح‘ ليحكُم، ولذلك فإنّ لدى المسيح الحقّ في أن يحكُم. جرَّب الشيطان عيسى (عليه السلام) بما كان حقٌّ من حقوقه، لكنّ الشيطان جرَّبه ليتَّخذ طريقًا مختصرًا خاطئًا للوصول إلى حُكمه، وكان يُجرِّب عيسى (عليه السلام) ليعبده هو ليحصل على الحكم – وهذا شُرْك. قاوم عيسى (عليه السلام) تجربة الشيطان (مرّةً أُخرى) من خلال الاستشهاد من التوراة. كان عيسى المسيح (عليه السلام) يعتبر التوراة كتابًا مهمًّا جدًّا، ومن الواضح أنّه كان على إلمامٍ جيِّدٍ جدًا به ويثق به.

عيسى (عليه السلام) – هو شخصٌ يفهمنا

إنَّ هذه الفترة التي تعرَّض فيها عيسى (عليه السلام) للتجربة هي مهمَّةٌ جدًّا بالنسبة إلينا. يقول الإنجيل عن عيسى:

لأَنَّهُ فِي مَا هُوَ قَدْ تَأَلَّمَ مُجَرَّبًا يَقْدِرُ أَنْ يُعِينَ الْمُجَرَّبِينَ. (عبرانيين 2: 18)
و
لَيْسَ لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ غَيْرُ قَادِرٍ أَنْ يَرْثِيَ لِضَعَفَاتِنَا، بَلْ مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا، بِلاَ خَطِيَّةٍ.
فَلْنَتَقَدَّمْ بِثِقَةٍ إِلَى عَرْشِ النِّعْمَةِ لِكَيْ نَنَالَ رَحْمَةً وَنَجِدَ نِعْمَةً عَوْنًا فِي حِينِهِ.
(عبرانيّين 4: 15- 16)

تذكَّروا أنَّ هارون (عليه السلام) كرئيسٍ للكهنة قد قدَّم الذبائح حتّى يتمكَّن بنو إسرائيل من نيل الغفران. والآن يُعتَبَر عيسى (عليه السلام) بطريقةٍ مماثلة رئيسًا للكهنة يمكنه التعاطف معنا وفهمنا – وحتّى مساعدتنا في التجارب التي نتعرَّض لها، وعلى وجه التحديد لأنّه هو نفسه قد تعرَّض للتجربة – (ومع ذلك كان دون خطيئة). ولذلك يمكننا أن نحصل على الثقة باقترابنا من الله بعيسى (عليه السلام) الذي هو بمثابة رئيس كهنتنا، لأنّه خضعَ لأكثر التجارب صعوبةً، لكنّه لم يستسلم ولم يُخطئ أبدًا. إنّه شخصٌ يفهمنا ويمكنه مساعدتنا لنتغلَّب على التجارب التي نتعرَّض لها وعلى خطايانا. السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل سندعهُ يفعل ذلك؟

النبيّ يحيا (عليه السلام) يُعدُّ الطريق

      رأينا فيما سبق أنَّ الزبور قد أُكمِل وخُتِم بالنبيّ ملاخي (عليه السلام) الذي تنبَّأ بأنَّ شخصًا سيأتي لكي ’يُعدَّ الطريق‘ (ملاخي 3: 1). وبعد ذلك رأينا كيف استُهِلَّ الإنجيل ببشارة الملاك جبريل (جبرائيل) بولادة النبيّ يحيا (عليه السلام) وولادة المسيح (وهو قد وُلِد من عذراء).

 النبيّ يحيا (عليه السلام) – في روحِ وقوَّة النبيّ إيليَّا

 يُسجِّل الإنجيل بعد ذلك  قصَّة النبيّ يحيا (الذي يُدعى أيضًا يوحنّا – عليه السلام):

أَمَّا الصَّبِيُّ (أيّ يوحنا) فَكَانَ يَنْمُو وَيَتَقَوَّى بِالرُّوحِ، وَكَانَ فِي الْبَرَارِي

إِلَى يَوْمِ ظُهُورِهِ لإِسْرَائِيلَ. (لوقا 1: 80)

بينما كان يعيش في عزلةٍ في البريَّة، يُسجِّل الإنجيل أنَّ:

يُوحَنَّا هذَا كَانَ لِبَاسُهُ مِنْ وَبَرِ الإِبِلِ، وَعَلَى حَقْوَيْهِ مِنْطَقَةٌ مِنْ جِلْدٍ.

وَكَانَ طَعَامُهُ جَرَادًا وَعَسَلاً بَرِّيًّا. (متى 3: 4)

روح يحيا (عليه السلام) القويّة جعلته يرتدي لباسًا خشنًا كما فعل، ويأكل طعامًا بريًّا ممّا يجده في البريَّة. ولكنّ ذلك لم يكن فقط بسبب روحه – لقد كان أيضًا علامةً مهمّةً. رأينا في ختام الزبور أنّ المـــُعِدَّ الذي كان قد وُعِدَ بمجيئه، سوف يأتي في ’روح إيليّا‘. كان إيليا أحد أنبياء الزبور الأوائل الذي كان أيضًا قد عاش وأكل في البريّة، وكان لباسه:

إِنَّهُ رَجُلٌ أَشْعَرُ مُتَنَطِّقٌ بِمِنْطَقَةٍ مِنْ جِلْدٍ عَلَى حَقْوَيْهِ. (2 ملوك 1: 8)

وبالتالي، عندما عاش يحيا ولبس كما فعل، كان ذلك للإشارة إلى أنّه المـــُعِدّ الآتي الذي تمَّ التنبؤ بمجيئه في روح إيليّا. كان لباسه وطريقة عيشه ومأكله في البريّة علامات لتبيِّن أنّه أتى وفقًا لخطّة الله التي تنبّأ بها الأنبياء.

الإنجيل –  مكانةٌ راسخةٌ (أو: راسخٌ..) في التاريخ

يُخبرنا الإنجيل بعد ذلك أنّه:

 فِي السَّنَةِ الْخَامِسَةِ عَشْرَةَ مِنْ سَلْطَنَةِ طِيبَارِيُوسَ قَيْصَرَ، إِذْ كَانَ بِيلاَطُسُ الْبُنْطِيُّ وَالِيًا عَلَى الْيَهُودِيَّةِ، وَهِيرُودُسُ رَئِيسَ رُبْعٍ عَلَى الْجَلِيلِ، وَفِيلُبُّسُ أَخُوهُ رَئِيسَ رُبْعٍ عَلَى إِيطُورِيَّةَ وَكُورَةِ تَرَاخُونِيتِسَ، وَلِيسَانِيُوسُ رَئِيسَ رُبْعٍ عَلَى الأَبِلِيَّةِ، فِي أَيَّامِ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ حَنَّانَ وَقَيَافَا، كَانَتْ كَلِمَةُ اللهِ عَلَى يُوحَنَّا بْنِ زَكَرِيَّا فِي الْبَرِّيَّةِ.

(لوقا 3: 1- 2)

بهذا التصريح، تبدأ خدمة يحيا (عليه السلام) النبويّة، وهو بالغ الأهميّة لأنّه يمثّل علامةً على بداية خدمته من خلال وضعه بجانب العديد من الحكّام المعروفين في  التاريخ. لاحظ هذه الإشارة الواسعة لحكّام ذلك العصر. وهذا يسمح لنا بالتحقُّق تاريخيًّا من القصَّة بكثيرٍ من الدقّة. إذا قمتَ بذلك، سوف تجد أن طيباريوس قيصر وبيلاطس البنطي وهيرودُس وفيلُبُّس وليسانيوس وحنَّان وقيافا، كانوا جميعًا أشخاصًا معروفين مِن العلمانيّين الرومان والمؤرِّخين اليهود. حتّى الألقاب التي أُطلِقَت على الحكّام المختلفين (على سبيل المثال، ’والٍ‘ بالنسبة إلى بيلاطُس البُنطي، ’رئيس الرَبع‘ بالنسبة إلى هيرودُس، إلخ…) ثَبُتت صحَّتها ودقَّتها تاريخيًّا.  وهذا يسمح لنا بأن نقدِّر أنّه من وجهة نظرٍ تاريخيّة بحتة، كان ما تمَّ تدوينه مسجّلاً بشكلٍ موثوق.

اعتلى طيباريوس قيصر عرش الإمبراطوريّة الرومانيّة سنة 14 ميلاديّة. لذلك، كونها السنة الخامسة عشرة من حكمه يعني أنّ يحيا تلقّى الرسائل ابتداءً من سنة 29 ميلاديّة.

رسالة يحيا – توبوا واعتَرفوا

فما كانت رسالته إذن؟ كانت رسالته  بسيطة مثلما كان أُسلوب حياته، لكنّها كانت مباشرَة وقويَّة. يقول الإنجيل أنَّه:

فِي تِلْكَ الأَيَّامِ جَاءَ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ يَكْرِزُ فِي بَرِّيَّةِ الْيَهُودِيَّةِ قَائِلاً: «تُوبُوا، لأَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّماوَاتِ. (متى 3: 1- 2)

وهكذا كان جزءٌ من رسالته النُطْق بحقيقة واقعة – بأنَّ ملكوت السموات قد ’اقتَرَب‘. لقد رأينا كيف تنبّأ الأنبياء قبل ذلك بوقتٍ طويلٍ ﺑــ مجيء ’ملكوت الله‘. كان يحيا (عليه السلام) يقول الآن إنَّ هذا الملكوت أصبح ’قريبًا‘ في متناول اليد.

لكنّ الناس لن يكونوا مهيَّئين للملكوت ما لم ’يتوبوا‘. في  الواقع، إذا لم ’يتوبوا‘، فإنّهم سوف يخسرون هذا الملكوت. كلمة يتوب Repent باللغة الإنكليزيّة تأتي من الكلمة اليونانيّة ’’metanoeo‘‘ التي معناها ’’تغيير رأيك؛ إعادة النظر؛ أو، التفكير بشكلٍ مختلف‘‘. ولكن ما الذي كان عليهم أن يُفكِّروا فيه بشكلٍ مختلف؟ من خلال النظر في اثنين من ردود الناس على رسالة يحيا (عليه السلام)، يمكننا معرفة ما كان يوصيهم بأنَّه ينبغي أن يتوبوا عنه. يسجِّل الإنجيل أنّ الناس استجابوا لرسالته:

 وَاعْتَمَدُوا مِنْهُ فِي الأُرْدُنِّ، مُعْتَرِفِينَ بِخَطَايَاهُمْ. (متى 3: 6)

لعلّكم تتذكّرون ما جاء في الأسفار حول آية آدم، بعد أن أكلا من الثمرة المحرَّمة، كيف:

’اخْتَبَأَ آدَمُ وَامْرَأَتُهُ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ الإِلهِ فِي وَسَطِ شَجَرِ الْجَنَّةِ‘. (تكوين 3: 8)

منذ ذلك الحين، أصبحت هذه النزعة إلى إخفاء خطايانا والتظاهر بأنّنا لم نقترف ذنبًا، أمرًا طبيعيًّا بالنسبة إلينا. يكاد أن يكون من المستحيل الاعتراف بخطايانا والتوبة عنها. رأينا في آية ابن العذراء أنّ داود (عليه السلام) و النبيّ محمَّد (عليه الصلاة والسلام) من شأنهما الاعتراف بخطاياهما. وهذا أمرٌ من الصعب جدًّا أن نقوم به لأنَّه يعرِّضنا إلى الشعور بالذنب والخجل أو العار –  إنّنا نفضِّل أن نفعل أيّ شيءٍ آخر ما عدا ذلك. ولكن هذا هو ما كرزَ به يحيا (عليه السلام) بأنَّ الناس في حاجةٍ إليه ليُعدُّوا أنفسهم لملكوت الله القادم.

تحذيرٌ موجَّهٌ إلى الزعماء الدينيّين الذين لن يتوبوا

      والبعض منهم تابوا بالفعل، ولكن ليس جميعهم أقرّوا واعترفوا بصدقٍ بخطاياهم. يقول الإنجيل:

 فَلَمَّا رَأَى كَثِيرِينَ مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ وَالصَّدُّوقِيِّينَ يَأْتُونَ إِلَى مَعْمُودِيَّتِهِ، قَالَ لَهُمْ:«يَاأَوْلاَدَ الأَفَاعِي، مَنْ أَرَاكُمْ أَنْ تَهْرُبُوا مِنَ الْغَضَب الآتِي؟ فَاصْنَعُوا أَثْمَارًا تَلِيقُ بِالتَّوْبَةِ. وَلاَ تَفْتَكِرُوا أَنْ تَقُولُوا فِي أَنْفُسِكُمْ: لَنَا إِبْراهِيمُ أَبًا.

لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ اللهَ قَادِرٌ أَنْ يُقِيمَ مِنْ هذِهِ الْحِجَارَةِ أَوْلاَدًا لإِبْراهِيمَ. وَالآنَ قَدْ وُضِعَتِ

الْفَأْسُ عَلَى أَصْلِ الشَّجَرِ، فَكُلُّ شَجَرَةٍ لاَ تَصْنَعُ ثَمَرًا جَيِّدًا تُقْطَعُ وَتُلْقَى فِي النَّارِ.

(متى 3: 7- 10)

كان الفرّيسيّون والصدّوقيّون معلِّمي شريعة موسى. وكانوا الأكثر تديُّناً ويعملون بجدٍّ للحفاظ على جميع الشعائر الدينيَّة (الصلوات، الصَوم، الذبائح، إلخ..) التي أوصى بها الناموس أو الشريعة. كان الجميع يعتقد أنَّ هؤلاء القادة، مع كلِّ ما لديهم من معرفةٍ دينيَّة ومع كلِّ ما يبذلونه من جهد في سبيل الدين، كانوا  هم بالتأكيد المقبولين لدى الله. لكن النبيّ يحيا (عليه السلام) دعاهم ’أولاد الأفاعي‘ وأنذرهم بمجيء دينونة النار! لماذا؟ لأنّه بعدم ’صنعهم أثمارًا تَليقُ بالتوبة‘، فإنّهم يُظهِرون أنّهم لم يتوبوا حقًّا. فهم لم يعترفوا بخطاياهم، بل كانوا يستخدمون شعائرهم الدينيّة لإخفاء خطاياهم. وقد جعلهم إرثهم الدينيّ الذي تركه لهم النبيّ ابراهيم (عليه السلام)، على الرغم من أنّه كان إرثًا جيِّدًا، أشخاصًا فخورين بدلاً من أن يتوبوا.

اعتراف داود كمثالٍ لنا

      وهكذا يمكننا أن نرى من تحذيرات يحيا (عليه السلام) أنَّ التوبة والاعتراف بالخطيئة هما مهمَّان أهميَّةً بالغة. ومن دونهما في  الواقع، لن ندخل ملكوت الله. ومِن هذه التحذيرات الموجَّهة للفرّيسيّين والصدّوقيّين في تلك الأيّام، يمكننا أن نُدرك كم هو أمرٌ سهلٌ وطبيعيٌّ أن نخفي خطايانا وراء الدين. إذن، ماذا في ما يتعلَّق بكَ وبي؟ تمَّ تسجيل هذا هنا بمثابة تحذيرٍ لنا نحن الذين نرفض أيضًا بعنادٍ أن نتوب. بدلاً من تبرير خطايانا، أو التظاهر بأنّنا لم نرتكب خطايا أو إخفائها، ينبغي أن نحذو حذو داود (عليه السلام) الذي حين واجه خطيئته، تضرَّع إلى الله في الزبور بالاعتراف التالي:

 اِرْحَمْنِي يَا اَللهُ حَسَبَ رَحْمَتِكَ. حَسَبَ كَثْرَةِ رَأْفَتِكَ امْحُ مَعَاصِيَّ. اغْسِلْنِي كَثِيرًا مِنْ إِثْمِي، وَمِنْ خَطِيَّتِي طَهِّرْنِي.

لأَنِّي عَارِفٌ بِمَعَاصِيَّ، وَخَطِيَّتِي أَمَامِي دَائِمًا. إِلَيْكَ وَحْدَكَ أَخْطَأْتُ، وَالشَّرَّ قُدَّامَ عَيْنَيْكَ صَنَعْتُ، لِكَيْ تَتَبَرَّرَ فِي أَقْوَالِكَ، وَتَزْكُوَ فِي قَضَائِكَ. هأَنَذَا بِالإِثْمِ صُوِّرْتُ، وَبِالْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي. هَا قَدْ سُرِرْتَ بِالْحَقِّ فِي الْبَاطِنِ، فَفِي السَّرِيرَةِ تُعَرِّفُنِي حِكْمَةً.

 

طَهِّرْنِي بِالزُّوفَا فَأَطْهُرَ. اغْسِلْنِي فَأَبْيَضَّ أَكْثَرَ مِنَ الثَّلْجِ. أَسْمِعْنِي سُرُورًا وَفَرَحًا، فَتَبْتَهِجَ عِظَامٌ سَحَقْتَهَا. اسْتُرْ وَجْهَكَ عَنْ خَطَايَايَ، وَامْحُ كُلَّ آثامِي.

 

قَلْبًا نَقِيًّا اخْلُقْ فِيَّ يَا اَللهُ، وَرُوحًا مُسْتَقِيمًا جَدِّدْ فِي دَاخِلِي. لاَ تَطْرَحْنِي مِنْ قُدَّامِ وَجْهِكَ، وَرُوحَكَ الْقُدُّوسَ لاَ تَنْزِعْهُ مِنِّي. رُدَّ لِي بَهْجَةَ خَلاَصِكَ، وَبِرُوحٍ مُنْتَدِبَةٍ اعْضُدْنِي.

(مزمور 51: 1- 12)

ثمر التوبة

يترافق الاعتراف والتوبة مع أملٍ في العيش بشكلٍ مختلف. سأل الناس يحيا (عليه السلام) كيف ينبغي أن يُظهروا ثمرَ توبتهم، وهكذا سجَّل الإنجيل هذا الحوار:

وَسَأَلَهُ الْجُمُوعُ قائِلِينَ: ’’فَمَاذَا نَفْعَلُ؟‘‘

فَأَجَابَ (يوحنا) وَقَالَ لَهُمْ: ’’مَنْ لَهُ ثَوْبَانِ فَلْيُعْطِ مَنْ لَيْسَ لَهُ، وَمَنْ لَهُ طَعَامٌ فَلْيَفْعَلْ هكَذَا‘‘.

وَجَاءَ عَشَّارُونَ أَيْضًا لِيَعْتَمِدُوا فَقَالُوا لَهُ:  ’’يَامُعَلِّمُ، مَاذَا نَفْعَلُ؟‘‘

فَقَالَ لَهُمْ:  ’’لاَ تَسْتَوْفُوا أَكْثَرَ مِمَّا فُرِضَ لَكُمْ‘‘.

وَسَأَلَهُ جُنْدِيُّونَ أَيْضًا قَائِلِينَ:  ’’وَمَاذَا نَفْعَلُ نَحْنُ؟‘‘

فَقَالَ لَهُمْ: ’’لاَ تَظْلِمُوا أَحَدًا، وَلاَ تَشُوا بِأَحَدٍ، وَاكْتَفُوا بِعَلاَئِفِكُمْ‘‘.

(لوقا 3: 10- 14)

هل كان يحيا هو المسيح؟

نظرًا لقوّة رسالته، تساءل العديد من الناس عمّا إذا كان هو أيضًا المسيح. هكذا يُسجِّل الإنجيل هذه المناقشة:

 وَإِذْ كَانَ الشَّعْبُ يَنْتَظِرُ، وَالْجَمِيعُ يُفَكِّرُونَ فِي قُلُوبِهِمْ عَنْ يُوحَنَّا لَعَلَّهُ الْمَسِيحُ، أَجَابَ يُوحَنَّا الْجَمِيعَ قِائِلاً: ’’أَنَا أُعَمِّدُكُمْ بِمَاءٍ، وَلكِنْ يَأْتِي مَنْ هُوَ أَقْوَى مِنِّي، الَّذِي لَسْتُ أَهْلاً أَنْ أَحُلَّ سُيُورَ حِذَائِهِ. هُوَ سَيُعَمِّدُكُمْ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ وَنَارٍ. الَّذِي رَفْشُهُ فِي يَدِهِ، وَسَيُنَقِّي بَيْدَرَهُ، وَيَجْمَعُ الْقَمْحَ إِلَى مَخْزَنِهِ، وَأَمَّا التِّبْنُ فَيُحْرِقُهُ بِنَارٍ لاَ تُطْفَأُ‘‘.  وَبِأَشْيَاءَ أُخَرَ كَثِيرَةٍ كَانَ يَعِظُ الشَّعْبَ وَيُبَشِّرُهُمْ. (لوقا 3: 15- 18)

خاتمة

جاء النبيّ يحيا (عليه السلام) ليُعدَّ الناس بحيث يكونوا مستعدّين لملكوت الله. لكنَّه لم يُعِدّهم مِن خلال منحهم المزيد من الشرائع أو المزيد من القوائم التي تقول لهم ما هو حرامٌ وما هو حلال، بل من خلال دعوتهم إلى أن يتوبوا عن خطاياهم وأن يعترفوا بها. إنّ هذا في الواقع هو أكثر صعوبةً من اتّباع المزيد من المبادئ التوجيهيّة للحلالٌ والحرام لأنّه يكشفُ عارنا وشعورنا بالذنب. وكان القادة الدينيّون في تلك الأيّام هم الذين لم يتمكّنوا من حمل أنفسهم على التوبة والاعتراف بخطاياهم. بدلاً من ذلك، قاموا باستخدام الدين لإخفار خطاياهم. ولكن بسبب الخيار الذي اتّخذوه، لم يكونوا مستعدّين لاستقبال المسيح وفهم ملكوت الله حين أتى حاملاً رسالته. إنّ هذا التحذير الذي وجَّهه يحيا (عليه السلام) ينطبق علينا تمامًا اليوم. فهو يطلب منّا أن نتوب عن خطايانا ونعترف بها. فهل سنفعل ذلك؟

ولادة المسيح (عليه السلام): التي تنبَّأ بها الأنبياء وأعلن عنها جبريل

     لقد أكملنا مسحنا للتوراة والزبور، وهي أسفار الأنبياء في إسرائيل القديمة. وقد رأينا في ختام الزبور أنَّ  هناك نمطًا من توقُّع تحقيق الوعود التي يتطلَّعون إليها في المستقبل.

ولكن قد مرَّ أكثر من اربعمائة سنة على الانتهاء من كتابة الزبور. ونحن قد رأينا أنَّ العديد من الأحداث السياسيّة والدينيّة وقعت في تاريخ بني إسرائيل أثناء انتظارهم تحقيق الوعود، ولكن لم تصل رسائل جديدة من أيٍّ من الأنبياء.  ومع ذلك، استمرَّ بنو إسرائيل، تحت حكم هيرودس الكبير، في تطوير الهيكل إلى أن أصبح صرحًا رائعًا يجذب الناس من جميع أنحاء العالم الروماني للقيام بالعبادة وتقديم الذبائح والصلاة. لكنَّ قلوب الناس، على الرغم من شدّة تديّنهم وتجنُّبهم الآن عبادة الأوثان التي وقعوا في شركها في زمن الأنبياء الأوائل، قد قسَت وأصبح تركيزها على الخارج. تمامًا مثل الكثير منّا اليوم، في وسط الأنشطة الدينيّة والصلوات، تحتاج قلوب الناس إلى التغيير. وهكذا، في نهاية حكم هيرودس الكبير، حوالي العام 5 قبل الميلاد، أرسل الله رسولاً استثنائيًّا ليُعلِن خبرًا عظيمًا.

 أعلن جبريل مجيء يوحنّا المعمدان (يحيا- عليه السلام)

هذا الرسول كان جبريل الذي يُعرَف أيضًا في الكتاب (الكتاب المقدَّس) باسم جبرائيل، رئيس الملائكة.  وهو لم يكن قد أُرسِل، حتّى ذلك الوقت، إلاّ للنبيّ دانيال (عليه السلام) بشأن الرسالة (انظر هنا) المتعلِّقة بزمن مجيء المسيح. والآن حضر جبريل (أو جبرائيل) على كاهنٍ اسمه زكريّا (عليه السلام) بينما كان يقود  الصلاة في الهيكل. كان هو وزوجته أليصابات مُسنَّين ولم يُرزقا أولادًا. لكنّ جبريل ظهر له حاملاً الرسالة التالية كما وردَت في الإنجيل:

فَقَالَ لَهُ الْمَلاَكُ: ’’لاَ تَخَفْ يَا زَكَرِيَّا، لأَنَّ طِلْبَتَكَ قَدْ سُمِعَتْ، وَامْرَأَتُكَ أَلِيصَابَاتُ سَتَلِدُ لَكَ ابْنًا وَتُسَمِّيهِ يُوحَنَّا. وَيَكُونُ لَكَ فَرَحٌ وَابْتِهَاجٌ، وَكَثِيرُونَ سَيَفْرَحُونَ بِوِلاَدَتِهِ، لأَنَّهُ يَكُونُ عَظِيمًا أَمَامَ الرَّبِّ، وَخَمْرًا وَمُسْكِرًا لاَ يَشْرَبُ، وَمِنْ بَطْنِ أُمِّهِ يَمْتَلِئُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ. وَيَرُدُّ كَثِيرِينَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى الرَّبِّ إِلهِهِمْ. وَيَتَقَدَّمُ أَمَامَهُ بِرُوحِ إِيلِيَّا وَقُوَّتِهِ، لِيَرُدَّ قُلُوبَ الآبَاءِ إِلَى الأَبْنَاءِ، َالْعُصَاةَ إِلَى فِكْرِ الأَبْرَارِ، لِكَيْ يُهَيِّئَ لِلرَّبِّ شَعْبًا مُسْتَعِدًّا‘‘. فَقَالَ زَكَرِيَّا لِلْمَلاَكِ: ’’كَيْفَ أَعْلَمُ هذَا، لأَنِّي أَنَا شَيْخٌ وَامْرَأَتِي مُتَقَدِّمَةٌ فِي أَيَّامِهَا؟‘‘ فَأَجَابَ الْمَلاَكُ وَقَالَ لَهُ: ’’أَنَا جِبْرَائِيلُ الْوَاقِفُ قُدَّامَ اللهِ، وَأُرْسِلْتُ لأُكَلِّمَكَ وَأُبَشِّرَكَ بِهذَا. وَهَا أَنْتَ تَكُونُ صَامِتًا وَلاَ تَقْدِرُ أَنْ تَتَكَلَّمَ، إِلَى الْيَوْمِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ هذَا، لأَنَّكَ لَمْ تُصَدِّقْ كَلاَمِي الَّذِي سَيَتِمُّ فِي وَقْتِهِ‘‘ (لوقا 1: 13- 20)

خُتِمَ الزبور بالوعد بأنّ المـــُعِدَّ سيأتي وسيكون مثل إيليّا (عليه السلام). وقد ذكر جبريل هذا الوعد تحديدًا بالقول إنَّ ابن زكريّا (عليه السلام) سيأتي ’بروحِ إيليَّا وقوَّته‘. وهو أتٍ ’لكي يُهيِّئ للرَّبِّ شعبًا مستعدًّا‘. إنّ هذا الإعلان يعني أنّ الوعدَ بمجيء مُعدٍّ لم يكن مَنسيًّا – لكنّه سيتحقَّق في ولادة وحياة هذا الابن القادم لزكريّا وأليصابات. ولكن، بما أنّ زكريّا لم يصدِّق الرسالة، فقد أصيب بالبُكم  ولم يعُد يستطيع الكلام.

جبريل يُعلِن عن الولادة الآتية من عذراء.

إنّ مجيء المـــُعِدّ يعني أنّ الشعب يتمّ إعداده ﻟـمجيء – المسيحِ أو المسيَّا – الذي سيأتي أيضًا قريبًا. وبالتأكيد، أُرسِل جبريل (أو جبرائيل) مرّةً أُخرى بعد بضعة أشهرٍ لفتاةٍ عذراء شابّة تُدعى مريم مبشِّرًا إيّاها بالتالي الذي وردَ في الإنجيل.

 فَدَخَلَ إِلَيْهَا الْمَلاَكُ وَقَالَ: ’’سَلاَمٌ لَكِ أَيَّتُهَا الْمُنْعَمُ عَلَيْهَا! اَلرَّبُّ مَعَكِ. مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ‘‘.فَلَمَّا رَأَتْهُ اضْطَرَبَتْ مِنْ كَلاَمِهِ، وَفَكَّرَتْ: ’’مَا عَسَى أَنْ تَكُونَ هذِهِ التَّحِيَّةُ!‘‘ فَقَالَ لَهَا الْمَلاَكُ: ’’لاَ تَخَافِي يَا مَرْيَمُ، لأَنَّكِ قَدْ وَجَدْتِ نِعْمَةً عِنْدَ اللهِ. وَهَا أَنْتِ سَتَحْبَلِينَ وَتَلِدِينَ ابْنًا وَتُسَمِّينَهُ يَسُوعَ. هذَا يَكُونُ عَظِيمًا، وَابْنَ الْعَلِيِّ يُدْعَى، وَيُعْطِيهِ الرَّبُّ الإِلهُ كُرْسِيَّ دَاوُدَ أَبِيهِ، وَيَمْلِكُ عَلَى بَيْتِ يَعْقُوبَ إِلَى الأَبَدِ، وَلاَ يَكُونُ لِمُلْكِهِ نِهَايَةٌ‘‘. فَقَالَتْ مَرْيَمُ لِلْمَلاَكِ: ’’كَيْفَ يَكُونُ هذَا وَأَنَا لَسْتُ أَعْرِفُ رَجُلاً؟‘‘ فَأَجَابَ الْمَلاَكُ وَقَالَ لَها: ’’اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ، فَلِذلِكَ أَيْضًا الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ. وَهُوَذَا أَلِيصَابَاتُ نَسِيبَتُكِ هِيَ أَيْضًا حُبْلَى بِابْنٍ فِي شَيْخُوخَتِهَا، وَهذَا هُوَ الشَّهْرُ السَّادِسُ لِتِلْكَ الْمَدْعُوَّةِ عَاقِرًا، لأَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ غَيْرَ مُمْكِنٍ لَدَى اللهِ‘‘. فَقَالَتْ مَرْيَمُ: ’’هُوَذَا أَنَا أَمَةُ الرَّبِّ. لِيَكُنْ لِي كَقَوْلِكَ‘‘. فَمَضَى مِنْ عِنْدِهَا الْمَلاَكُ. (لوقا 1: 28-  38)

إنّنا نرى في إعلان جبريل نفسه هذا اللقب المحيِّر ’ابن الله‘. وأنا أناقش بمزيدٍ من التفصيل هذا الموضوع في مقالتي هنا. نتابع في هذه المقالة قصَّة الولادَتَين.

 ولادة النبيّ يحيا – عليه السلام (يوحنّا المعمَدان)

      كانت الأحداث تسير تمامًا كما قد تنبَّأ بها أنبياء الزبور. تنبَّأ النبيّ ملاخي عن مجيء مُعِدٍّ بروحِ إيليَّا، وكان جبريل قد أعلن الآن ولادته. يتابع الإنجيل

ولِدُ يُوحَنّا

57 وَحانَ الوَقتُ لِتَضَعَ ألِيصاباتُ طِفلَها، فَأنجَبَتْ صَبِيّاً. 58 فَسَمِعَ جِيرانُها وَأقارِبُها أنَّ اللهَ قَدْ أظهَرَ لَها رَحمَةً عَظِيمَةً، فَابتَهَجُوا مَعَها.59 وَفِي اليَومِ الثّامِنِ جاءُوا لِيَختِنُوا الطِّفلَ، وَأرادُوا أنْ يُسَمُّوهُ زَكَرِيّا عَلَى اسْمِ أبيهِ. 60 لَكِنَّ أُمَّهُ قالَتْ: «لا، بَلْ سَيُدعَى يُوحَنّا.»61 فَقالُوا لَها: «لَيسَ بَينَ أقارِبِكِ مَنْ يَحمِلُ هَذا الاسمَ.» 62 فَأشارُوا بِأيدِيهِمْ إلَى أبِيْهِ يَسألُونَهُ أيَّ اسْمٍ يُرِيدُ أنْ يُسَمِّيَهُ!63 فَطَلَبَ لَوحاً وَكَتَبَ عَلَيهِ: «اسْمُهُ يُوحَنّا،» 64 فَدُهِشُوا جَمِيعاً! وَفي الْحالِ انفَتَحَ فَمُ زَكَرِيّا وَانحَلَّ لِسانُهُ، وَبَدَأ يَتَكَلَّمُ وَيُسَبِّحُ اللهَ. 65 فَتَمَلَّكَ الخَوفُ الجِيرانَ كُلَّهُمْ. وَراحَ النّاسُ فِي كُلِّ أنحاءِ المِنطَقَةِ الجَبَلِيَّةِ مِنَ الجَلِيلِ يَتَحَدَّثُونَ عَنْ هَذِهِ الأُمُورِ. 66 فَتَعَجَّبَ كُلُّ مَنْ سَمِعَ عَنْ ذَلِكَ وَقالَ: «تُرَى ماذا سَيُصبِحُ هَذا الطِّفلُ؟» لِأنَّ قُوَّةَ الرَّبِّ كانَتْ مَعَهُ. (لوقا 1: 57- 66)

ولادة عيسى المسيح – عليه السلام (يسوع المسيح)

     كان النبيّ أشعياء (عليه السلام) قد تنبَّأ بنبوءةٍ فريدةٍ (موضَّحة تمامًا هنا) بأنَّ:

هَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ. (أشعياء 7: 14)

لقد بشَّر جبريل رئيس الملائكة الآن مريم بالولادة المقبلة، حتّى على الرغم من بقائها عذراء – في تحقيقٍ مباشرٍ لهذه النبوءة التي أُعطِيَت منذ زمنٍ طويلٍ جدًّا. هكذا يسجِّل الإنجيل ولادة عيسى المسيح (عليه السلام).

 فَذَهَبَ يُوسُفُ أيضاً مِنْ بَلدَةِ النّاصِرَةِ فِي الجَلِيلِ، إلَى بَلدَةِ داوُدَ الَّتِي تُدعَى بَيتَ لَحمَ – فَقَدْ كانَ مِنْ عائِلَةِ داوُدَ وَنَسلِهِ. فَذَهَبَ لِيُسَجَّلَ اسْمُهُ مَعَ مَريَمَ خَطِيبَتِهِ الَّتِي كانَتْ حُبلَى. وَبَينَما كانا هُناكَ حانَ وَقْتُ وِلادَتِهاَ. فَوَلَدَتِ ابنَها البِكرَ، وَقَمَّطَتْهُ وَوَضَعَتهُ  فِي مِعلَفٍ لِلدَّوابِ، إذْ لَمْ يَكُنْ لَهُما مَكانٌ داخِلَ الخانِ.بَعضُ الرُّعاةِ يَسمَعُونَ عَنْ مَولِدِ يَسُوع وَكانَ فِي تِلكَ المِنطَقَةِ بَعضُ الرُّعاةِ ساهِرِيْنَ فِي الحُقُولِ يَحْرُسُونَ قُطعانَهُمْ أثناءَ اللَّيلِ. فَظَهَرَ لَهُمْ مَلاكٌ مِنْ عِندِ الرِّبِّ، وَأضاءَ مَجدُ الرَّبِّ حَولَهُمْ، فَخافُوا خَوفاً شَدِيْداً. 10 فَقالَ المَلاكُ لَهُمْ: «لا تَخافُوا، فَأنا أُعلِنُ لَكُمْ بُشْرَى فَرَحٍ عَظِيْمٍ لِكُلِّ الشَّعبِ: 11 لَقَدْ وُلِدَ مِنْ أجلِكُمُ اليَومَ فِي بَلدَةِ داوُدَ مُخَلِّصٌ هُوَ المَسِيْحُ الرَّبُّ. 12 سَتُمَيِّزُونَهُ هَكَذا: سَتَجِدُونَ طِفلاً مُقَمَّطاً مَوضُوعاً فِي مِعلَفٍ لِلدَّوابِّ.» 13 وَفَجأةً ظَهَرَ مَعَ المَلاكِ جَمعٌ مِنْ جَيشِ السَّماءِ يُسَبِّحُونَ اللهَ وَيَقولونَ:14 «المَجدُ للهِ فِي الأعالِي،
وَعَلَى الأرْضِ السَّلامُ،
لِلنّاسِ الَّذينَ يُسَرُّ بِهِمُ اللهُ.»15 ثُمَّ تَرَكَتْهُمُ المَلائِكَةُ وَعادَتْ إلَى السَّماءِ. فَقالَ الرُّعاةُ بَعضُهُمْ لِبَعضٍ: «فَلْنَذهَبْ إلَى بَيتَ لَحمَ لِكَيْ نَرَى هَذا الأمرَ الَّذِي حَدَثَ، وَقَدْ أعلَنَهُ لَنا الرَّبُّ.»16 فَانطَلَقُوا مُسْرِعِيْنَ، وَوَجَدُوا مَريَمَ وَيُوسُفَ وَالطِّفلَ مَوضُوعاً فِي مِعلَفِ الدَّوابِّ. 17 وَعِندَما رَآهُ الرُّعاةُ، أخبَرُوا الجَمِيعَ بِالرِّسالَةِ الَّتِي أعلَنَها لَهُمُ المَلاكُ عَنْ هَذا الطِّفلِ. 18 فَدُهِشَ كُلُّ الَّذِيْنَ سَمِعُوا الأُمُورَ الَّتِي أخبَرَهُمْ بِها الرُّعاةُ. 19 أمّا مَريَمَ، فَكانَتْ تُخَبِّئُ كُلَّ هَذِهِ الأُمُورَ فِي قَلبِها، وَظَلَّتْ تَتَأمَّلُها عَلَى الدَّوامِ. 20 وَعادَ الرُّعاةُ وَهُمْ يُمَجِّدُونَ اللهَ وَيُسَبِّحُونَهُ عَلَى كُلِّ ما سَمِعُوهُ وَرَأوهُ. فَقَدْ حَدَثَ كُلُّ شَيءٍ كَما قِيلَ لَهُمْ تَماماً.21 وَجاءَ اليَومُ الثّامِنُ، مَوعِدُ خِتانِ الطِّفلِ، فَسَمَّوهُ يَسُوعَ. وَهُوَ الاسْمُ الَّذِي سَمّاهُ بِهِ المَلاكُ قَبلَ أنْ تَحبَلَ بِهِ مَريَمُ.(لوقا 2: 4-21)

الدَوْران القادمان لهذين النبيَّين العظيمَين

      لقد وُلِدَ نبيّان عظيمان تفصل أشهرٌ بين ولادة احدهما وولادة الآخر، جاء كلاهما كتحقيقٍ لنبوءتين معيَّنتَين قد أُعطِيَتا قبل مئات السنين! ماذا ستكون عليه حياتهما ورسالتيهما؟ تنبَّأ زكريّا (عليه السلام)، والد يوحنّا المعمدان (يحيا – عليه السلام) عن كلٍّ من الابنَين بأنَّ:

زَكَرِيّا يُسَبِّحُ الله

67 ثُمَّ امتَلأ أبُوهُ زَكَرِيّا بِالرُّوحِ القُدُسِ وَتَنَبَّأ فَقالَ:

68 «مُبارَكٌ هُوَ الرَّبُّ إلَهُ إسْرائِيلَ،
لِأنَّهُ جاءَ لِيُعِينَ شَعبَهُ وَيُحَرِّرَهُمْ.
69 قَدَّمَ لَنا مُخَلِّصاً قَوِيّاً
مِنْ نَسلِ داوُدَ خادِمِهِ.
70 هَذا ما وَعَدَنا اللهُ بِهِ مُنذُ القَدِيمِ.
71 وَعَدَنا بِالخَلاصِ مِنْ أعدائِنا
وَمِنْ أيدِي جَمِيعِ مُبغِضِيْنا.
72 وَعَدَ بِأنْ يُظهِرَ رَحمَةً لآبائِنا
وَيَتَذَكَّرَ عَهدَهُ المُقَدَّسَ مَعَهُمْ.
73 وَحَفِظَ الوَعدَ الَّذِي أقسَمَ بِهِ
لِأبِينا إبْراهِيمَ.
74 وَعَدَ بِأنْ يُنقِذَنا مِنْ أيدِي أعدائِنا،
لِكَي نَخدِمَهُ دُونَ خَوفٍ،
75 وَنَحيا بِالقَداسَةِ وَالبِرِّ
جَمِيعَ أيّامِ حَياتِنا.
76 أمّا أنتَ، يا ابنِي،
فَسَتُدعَى نَبِيّاً لِلعَلِيِّ.
فَأنتَ سَتَتَقَدَّمُ الرَّبَّ
لِتُعِدَّ لَهُ الطَّرِيقَ.
77 سَتَتَقَدَّمُهُ لِتُخْبِرَ شَعبَهُ
بِأنَّهُم سَيُخَلَّصُونَ،
وَسَتُغْفَرُ خَطاياهُمْ.
78 هَذا بِفَضلِ رَحمَةِ إلَهِنا المُحِبَّةِ،
فَسَيُشْرِقُ نُورٌ عَلَينا مِنَ السَّماءِ.
79 وَسَيُضِيءُ عَلَى الَّذِيْنَ يَعِيشُونَ
فِي ظِلِّ المَوتِ المُظلِمِ.
وَسَيَهدِي خَطَواتِنا فِي طَرِيقِ السَّلامِ.»(لوقا 1: 67- 79)

ربط زكريّا (عليه السلام) وقد تلقّى تلاوة وحيٍ، بين ولادة عيسى (عليه السلام) والوعد الذي أُعطيَ لداود (عليه السلام – انظر الوعد هنا) وكذلك لابراهيم (عليه السلام – انظر الوعد هنا). كانت خطّة الله التي تمّ التنبؤ بها وتنامت على مدى قرون، قد بلغت الآن ذروتها. ولكن ما الذي يمكن أن تنطوي عليه هذه الخطّة؟ أهو الخلاص من الرومان الأعداء؟ أهو شريعة جديدة تحلُّ مكان شريعة موسى (عليه السلام)؟ أم هو دينٌ أو نظامٌ سياسيٌّ جديد؟ ولا واحدة من هذه (التي هي ما من شأننا نحن البشر أنَّ نعتبرها تحقيقًا للخطّة) قد ذُكِرَت. إنّ الخطّة المحدَّدة، بدلاً من ذلك، هي ’وأن يعطينا إنّنا بلا خوفٍ نعبده  بقداسةٍ وبرٍّ‘ مع ’لتعطي شعبه معرفة الخلاص بمغفرة خطاياهم بأحشاء رحمة إلهنا‘ نحو الذين من بيننا ’يعيشون… في ظلال الموت يهدي أقدامنا في طريق السلام‘. منذ آدم والحُكم علينا بالعداوة والموت ونحن نحاول نَيل البرِّ وغفران خطايانا. وفي مواجهة آدم وحوّاء والشيطان، أعلن الله خطّةً تُركِّز على ’نسلٍ‘ من ’المرأة‘.  كانت هذه الخطّة تتعلَّق بشخصٍ آتٍ ليفعل شيئًا نيابةً عنّا. من المؤكِّد أنّ مثل هذا النوع من الخطط هو أفضل من أيِّ خطَّة لشنِّ حروبٍ ومن مناهج تفكيرٍ وسلوكٍ نتطلَّع إليها أو نبحث عنها. إنَّ هذه الخطّة سوف تلبّي أعمق احتياجاتنا، وليس احتياجاتنا السطحيّة. ولكن الآن، كيف ستتجلّى للعيان هذه الخطّة التي تشمل المـــُعِدَّ والمسيح؟  سوف نبحث عن إجابات ونحن نواصل التعرُّف على أخبار الإنجيل السارَّة.