المميز

فهم عطية الحياة وقبولها من عيسى المسيح


اتباع المسيح – تابعنا عشان يوصلك كل جديد

لقد تناولنا أحداث الأسبوع الأخير لعيسى المسيح عليه السلام. يسجِّل الإنجيل أنه صُلب في اليوم السادس – الجمعة الحزينة وأنه قام من الموت يوم الأحد التالي. تمَّ التنبؤ عن ذلك في التوراة والمزامير والأنبياء معاً. لكن لماذا حدث ذلك وماذا يعنيه لك ولي اليوم؟ نسعى في هذه المقالة إلى فهم ما يقدّمه لنا عيسى المسيح وكيف يمكننا الحصول على الرحمة والغفران. هناك أخبارٌ سيّئة وأخبارٌ سارّة لك ولي. هذا سيساعدنا على فهم فدية إبراهيم الواردة في سورة الصافات (سورة 37) وسورة الفاتحة (سورة 1) عندما طلب من الله ’’أهدِنا الصِراط المستقيم‘‘، بالإضافة إلى فَهم لماذا تعني كلمة ’’مُسلِم‘‘ الذي يُسَلِّم (يخضع)، ولماذا تُعتَبَر الطقوس الدينيَّة، مثل الوضوء والزكاة وتناول الطعام الحلال جيّدة، لكنّها نوايا جيّدة غير كافية في حَدِّ ذاتها ليوم الدينونة.

الأخبار السيئة – ما يقوله الأنبياء عن علاقتنا مع الله

تعلّمنا التوراة أنه عندما خلق الله البشرية، فإنه

وَشاخَ إسْحاقُ، وَضَعُفَتْ عَيناهُ فَلَمْ يَعُدْ يَقْدِرُ أنْ يُبصِرَ. فَدَعا بِكْرَهُ عِيسُو وَقالَ لَهُ: «تَعالَ يا ابْنِي.»

فَقالَ عِيسُو: «سَمْعاً وَطاعَةً.» (تكوين 27: 1)

إن كلمة “صورة” ليست بالمعنى الماديّ، لكنها تعني أننا خُلقنا لنكون مرآة لطبيعة الله بالطريقة التي نتعامل بها عاطفياً وعقلياً واجتماعياً وروحياً. إننا خُلقنا لنكون في شركة معه. بإمكاننا أن نتصوّر هذه العلاقة في الشريحة أدناه. نرى الخالق الحاكم غير المحدود، في الأعلى بينما وُضِعَ الرجل والمرأة في أسفل الشريحة لأننا مخلوقات محدودة. تظهر العلاقة بواسطة السهم الذي يربط الإثنين.

خُلقنا على صورته لنكون في شركة مع الخالق
خُلقنا على صورته لنكون في شركة مع الخالق

الله كاملٌ في طبيعته – إنه قدّوسٌ. ولهذا يقول الزبور

لَسْتَ إلَهاً يُسَرُّ بِالشَّرِّ،
وَالأشْرارُ لا يَخْشَوْنَكَ.
وَالحَمقَى [a] لا يَقِفُونَ قُدّامَكَ!
أنتَ تَرفُضُ فاعِلِي الشَّرَّ. (مزمور 4:5 – 5)

ارتكب آدم عمل عصيان واحد – واحد فقط – فتطلبت قداسة الله أن يدينه. تسجّل التوراة والقرآن أن الله جعله فانياً وطرده من حضرته. والحالة ذاتها تنطبق علينا. عندما نرتكب الخطية أو نعصي الله بأية طريقة كانت فإننا نهينه لأننا لا نسلك بحسب الصورة التي خلقنا عليها. كما أن علاقتنا معه تصبح مقطوعة. وتكون النتيجة حاجزاً صلباً كجدار من الصخر يفصلنا عن خالقنا.

خطايانا تضع حاجزاً صلباً بيننا وبين إلهنا القدوس
خطايانا تضع حاجزاً صلباً بيننا وبين إلهنا القدوس

اختراق حاجز الخطيَّة باستحقاقنا الديني

يحاول كثيرون منا اختراق هذا الحاجز المُقام بيننا وبين الله من خلال الأعمال الدينية التي تكسب لنا استحقاقاً كافياً لكسر الحاجز. إن الصلاة والصوم والذهاب إلى الحج وإلى المسجد وتقديم الأموال إلى الجمعيات الخيرية هي الطرق التي نسعى من خلالها إلى كسب الاستحقاق لاختراق الحاجز كما توضّحه الصورة التالية. وهكذا نأمل أن يمحي استحقاقنا الدينيّ بعضاً من خطايانا. وإذا ما كسبَت لنا أعمالنا الكثيرة استحقاقاً كافياً فإننا نرجو أن تُمحى جميع خطايانا.

نحاول أن نخترق هذا الحاجز بالقيام بالأعمال الحسنة لنكسب استحقاقاً أمام الله
نحاول أن نخترق هذا الحاجز بالقيام بالأعمال الحسنة لنكسب استحقاقاً أمام الله

لكن ما مقدار الاستحقاق الذي نحتاج إليه لإزالة الخطية؟ وما هو الضمان بأن أعمالنا الصالحة ستكون كافية لإزالة الخطية واختراق الحاجز الذي وُضع بيننا وبين خالقنا؟ هل نعرف ما إذا كانت جهودنا لنوايا حسنة ستكون كافية؟ ليس ثمة ضمان لنا، ولهذا نحاول أن نفعل أعمالاً صالحة كثيرة قدر استطاعتنا ونرجو أن تكون كافية يوم الدينونة.

بالإضافة إلى الأعمال التي نقوم بها لكسب الاستحقاق وجهود النوايا الحسنة، يعمل كثيرون منا جاهدين ليكونوا أنقياء. نمارس الوضوء بجدٍّ ومثابرة قبل الصلوات. ونسعى جاهدين إلى الابتعاد عن الأشخاص والأشياء والطعام الذي يجعلنا نجسين. لكن النبي إشعياء أعلن أن:

صِرنا كُلُّنا كَشَيءٍ نَجِسٍ،
وَكُلُّ أعمالِنا الصّالِحَةِ كَثَوبٍ وَسِخٍ.
كُلُّنا ذَبُلْنا وَسَقَطنا كَوَرَقَةٍ،
وَخَطايانا حَمَلَتْنا كَالرِّيحِ بَعِيداً. (إشعياء 64: 6)

يُعلمنا النبي أنه حتى لو تجنَّبنا كل شيء قد يجعلنا نجسين، فإنَّ خطايانا ستجعل “أعمال برِّنا” باطلة لا قيمة لها مثل “خرق بالية”. هذه أخبار سيئة. لكن هناك ما هو أسوأ.

أخبار أسوأ: قوة الخطية والموت

وضع النبي موسى عليه السلام المقياس بوضوح في الشريعة التي تنصّ على أن المطلوب هو الطاعة الكاملة. لم تتضمن الشريعة مطلقاً كلاماً كالتالي “حاوِلْ أن تطيع معظم الوصايا”. في الواقع، أعلنت الشريعة مراراً وتكراراً أنَّ العمل الوَحيد الذي يضمن تكفيراً عن الخطية هو الموت. رأينا في زمن نوح عليه السلام وحتى مع امرأة لوط عليه السلام بأن الموت كان نتيجة الخطية.

يلخص الإنجيل هذه الحقيقة بالطريقة التالية:

لأن أجرة الخطية هي موت…(رومية 23:6)

الموت يعني حرفياً “الانفصال”. عندما تنفصل روحنا عن جسدنا نموت جسدياً. بشكل مشابه فإننا منفصلون حتى الآن عن الله روحياً ونحن أموات ونجسون في نظره.

تكشف هذه الحقيقة مشكلة رجائنا في كسب الاستحقاق لنزيل الخطية. المشكلة هي أن جهودنا الحثيثة واستحقاقاتنا ونوايانا الحسنة وأعمالنا، مع أنها جيِّدة، إلا أنها ليست كافية لأن التقدمة (الأجرة) المطلوبة لأجل خطايانا هي “الموت”. لا يخترق هذا الحاجز إلا الموت لأنه يحقِّق عدالة الله. إن جهودنا لكسب الاستحقاق هي مثل محاولة علاج السرطان (الذي يؤدي إلى الموت) بتناول الطعام الحلال. إن تناول الطعام الحلال ليس سيئاَ – إنه جيد – وينبغي على المرء أن يتناوله – لكنه لن يشفي السرطان. لعلاج السرطان، نحتاج إلى معالجة مختلفة كلياً تُميت الخلايا السرطانية.

إذن، حتى عندما نبذل جهودنا وتكون لدينا نوايا حسنة للحصول على الاستحقاق الديني فإننا في الواقع أموات ونجسون كجثة في نظر خالقنا.

نتيجة خطايانا الموت – نحن مثل أجساد ميتة نجسة أمام الله
نتيجة خطايانا الموت – نحن مثل أجساد ميتة نجسة أمام الله

إبراهيم – يبيّن لنا الطريق المستقيم

كان الوضع مختلفاً بالنسبة إلى النبي إبراهيم عليه السلام. حُسٍب له برّاً” ليس بسبب استحقاقه بل لأنه آمن وصدَّق الوعد الذي له. لقد وضع ثقته في الله ليدفع الأجرة المطلوبة بدلاً من أن يكسبها بنفسه. رأينا في ذبيحته أن الموت (أجرة الخطية) قد تحقَّق، لكن ليس بموت ابنه بل بخروف قدّمه الله.

يتحدَّث القرآن عن هذا الأمر في سورة الصافات (سورة 37) حيث يقول:

وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ.

(سورة الصافات 37: 107- 109)

’’افتدى‘‘ اللهُ البشر (دفع الثمن) وحصلَ إبراهيم على البركة والرحمة والغفران، الذي شمل ’’السلام‘‘.

أُعلن لإبراهيم الطريق المستقيم – إنه وضع ثقته في الله فقط، فقدّم الله ذبيحة موت لأجل الخطية
أُعلن لإبراهيم الطريق المستقيم – إنه وضع ثقته في الله فقط، فقدّم الله ذبيحة موت لأجل الخطية

الأخبار السارّة: عمل عيسى المسيح نيابة عنّا

إنَّ مثال النبي عيسى المسيح عليه السلام وُجد ليبيّن لنا الصراط المستقيم وفقاً للطلب في سورة الفاتحة (سورة 1)

مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ
صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (سورة الفاتحة 1: 4 – 6)

يشرح الإنجيل أن ذلك كان مثالاً يبيّن كيف أن الله سدَّد أجرة الخطية وقدّم العلاج للموت والنجاسة بطريقة بسيطة لكنها قوية.

23 لِأنَّ الأجرَ الَّذِي يُدفَعُ مُقابِلَ الخَطِيَّةِ هُوَ المَوتُ، أمّا عَطِيَةُ اللهِ المَجّانِيَّةُ، فَهِيَ حَياةٌ أبَدِيَّةٌ فِي المَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنا. (رومية 6: 23)

كانت الأخبار لغاية الآن “أخباراً سيئة”. لكن كلمة “إنجيل” تعني “الأخبار السارّة”، وبإعلانه أن ذبيحة موت عيسى كافية لاختراق الحاجز بيننا وبين الله، يمكننا أن نرى لماذا هي أخبار سارّة كما نبيّن أدناه.

ذبيحة عيسى المسيح – حَمَلَ الله – قُدِّمت بالموت علاجاً للخطية نيابة عنا كما فعل خروف إبراهيم.
ذبيحة عيسى المسيح – حَمَلَ الله – قُدِّمت بالموت علاجاً للخطية نيابة عنا كما فعل خروف إبراهيم.

النبي عيسى المسيح قدَّم نفسه ذبيحة ثم قام من الموت كباكورة، لذلك هو يهبنا الآن حياته الجديدة. لا حاجة لنا بعد أن نبقى سجناء موت الخطية.

كانت قيامة عيسى المسيح باكورة. بإمكاننا أن نتحرر من الموت ونحصل على حياة القيامة ذاتها.
كانت قيامة عيسى المسيح باكورة. بإمكاننا أن نتحرر من الموت ونحصل على حياة القيامة ذاتها.

بذبيحته وقيامته أًصبح عيسى المسيح بوابة من خلال حاجز الخطية الذي يفصلنا عن الله. لهذا السبب قال النبي:

9 أنا هُوَ البابُ. فَإنْ دَخَلَ أحَدٌ مِنْ خِلالِي، يَخلُصُ وَيَدْخُلُ وَيَخرُجُ وَيَجِدُ مَرْعَى. 10 لا يَأْتِي السّارِقُ إلّا لِيَسْرِقَ وَيْقتُلَ وَيُدَمِّرَ. أمّا أنا فَقَدْ جِئْتُ لِكَيْ تَكُونَ لِلنّاسِ حَياةٌ، وَتَكُونَ لَهُمْ هَذِهِ الحَياةُ بِكُلِّ فَيْضِها. (يوحنا 10: 9 – 10)

عيسى المسيح هو إذن البوابة التي تخترق حاجز الخطية والموت
عيسى المسيح هو إذن البوابة التي تخترق حاجز الخطية والموت

بسبب هذه البوابة بإمكاننا الآن أن نستعيد ثانية العلاقة التي كانت لنا مع خالقنا قبل أن تصبح خطيتنا حاجزاً، ونستطيع أيضاً أن نضمن حصولنا على الرحمة وغفران خطايانا.

بهذه البوابة المفتوحة استرجعنا الآن علاقتنا مع خالقنا
بهذه البوابة المفتوحة استرجعنا الآن علاقتنا مع خالقنا

وكما يعلن الإنجيل:

5 اللهُ واحِدٌ، وَالوَسِيطُ بَينَ اللهِ وَالنّاسِ واحِدٌ هُوَ الإنسانُ يَسُوعَ المَسِيحِ. 6 وَقَدْ بَذَلَ نَفسَهُ فِديَةً لِأجلِ خَطايا جَمِيعِ النّاسِ، مُقَدِّماً شَهادَةً عَنْ مَحَبَّةِ اللهِ فِي الوَقتِ المُناسِبِ. (تيموثاوس الأولى 2: 5 – 6)

عطية الله لك

قدم النبي عيسى المسيح نفسه لأجل جميع الناس. إذن هذا يشملك ويشملني أيضاً. من خلال موته وقيامته دفع الثمن ليكون “وسيطاً” ويهبنا الحياة. كيف تُعطى لنا هذه الحياة؟

23 لِأنَّ الأجرَ الَّذِي يُدفَعُ مُقابِلَ الخَطِيَّةِ هُوَ المَوتُ، أمّا عَطِيَةُ اللهِ المَجّانِيَّةُ، فَهِيَ حَياةٌ أبَدِيَّةٌ فِي المَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنا. (رومية 6: 23)

لاحظ كيف تُعطى لنا. إنها تُقدَّم لنا كهبة. فكروا بالهبات أو الهدايا. مهما كانت الهبة أو الهدية، فإذا كانت هدية فإنها تكون شيئاً لم تقم أنت بأي عمل للحصول عليها ولا تكسبها بالاستحقاقات. إن حصلت عليها باستحقاقك فلن تكون بعد هدية – إنها ستكون أجر عملك. بالطريقة ذاتها، لا يمكنك أن تستحق أو تحصل على ذبيحة عيسى المسيح. إنها تُعطى لك كهبة، بهذه البساطة.

وما هي هذه الهبة؟ إنها “الحياة الأبدية”. هذا يعني أن الخطية التي جلبت عليك وعليَّ الموت قد تمَّ التكفير عنها. إن الله يحبك ويحبني إلى هذه الدرجة. إنها محبة قوية.

إذن كيف تحصل أنت وأحصل أنا على الحياة الأبدية؟ مرة أخرى، فكروا بالهبات والهدايا. إذا أعطاك شخص ما هدية، يجب عليك أن تقبلها. في كل مرة تُقدَّم فيها هبة ما، فإنه يوجد خياران. إما أن تَرفضَ الخطية (“كلا، أشكرك”) أو أن تقبلها (“شكراً على الهدية. سوف آخذها”). هكذا أيضاً يجب أن يتم استلام هذه الهبة. لا يمكن فقط الإيمان بها عقلياً أو دراستها أو فهمها. إنَ أية هدية توهب لك، لكي تكون ذات فائدة، يجب عليك أن “تستلمها”.

12 أمّا الَّذِيْنَ قَبِلُوهُ، أيِ الَّذِيْنَ آمَنُوا بِاسْمِهِ، فَقَدْ أعطاهُمُ الحَقَّ فِي أنْ يَصِيْرُوا أولادَ اللهِ. 13 فَهُمْ قَدْ وُلِدُوا مِنَ اللهِ، خِلافاً لِلوِلادَةِ الطَّبِيْعِيَّةِ مِنْ دَمٍ وَلَحْمٍ وَمِنْ إرادَةِ رَجُلٍ. (يوحنا 1: 12 – 13)

في الواقع يقول الإنجيل عن الله إن

الله مخلصنا الذي يريد أن الجميع يخلصون… (تيموثاوس الأولى 2: 3 – 4)

إنه المخلِّص ورغبته هي أن يقبل “جميع الناس” عطيَّته ويخلصون من الخطية والموت. إذا كانت هذه مشيئته، فقبول عطيَّته تعني ببساطة الخضوع لمشيئته – وهذا هو معنى كلمة “مُسلِم” – الذي يُسلِّم أو يخضع.

إذن كيف نقبل هذه العطية؟ يقول الإنجيل أنك

12 فَلا فَرقَ بَينَ يَهُودِيٍّ وَغَيرِ يَهُودِيٍّ. لأنَّ الرَّبَّ هُوَ نَفسَهُ رَبٌّ عَلَى الكُلِّ. وَهُوَ غَنِيٌّ فِي الرَّحمَةِ لِلَّذِينَ يَتَّكِلُونَ عَلَيهِ. (رومية 10: 12)

لاحظوا أن هذا الوعد هو لكل شخص. وبما أن عيسى المسيح قام من الموت، فهو حيٌّ الآن. فإذا طلبتَ منه فهو سيسمعك ويعطيك عطيته. اسأله واطلب منه. ربما أنك لم تفعل هذا سابقاً، لذلك تجد أدناه دليلاً يمكن أن يساعدك. إنه ليس أنشودة سحرية، وليست الكلمات في حدِّ ذاتها هي التي تعطيك قوة. إنما هو الثقة التي كانت لإبراهيم التي نضعها في عيسى المسيح ليعطينا هذه العطية. عندما نضع ثقتنا به فإنه سوف يستمع ويستجيب لنا. الإنجيل قوي لكنه أيضاً بسيط. لا تتردَّد في اتباع هذا الدليل إن وجدته مفيداً لك.

أيها النبي والرب عيسى المسيح. أنا أدرك أنه بسبب خطاياي أنا منفصل عن الله خالقي. ومع أنني أحاول جاهداً، إلا أنَّ جهودي لا تخترق هذا الحاجز. لكنني أدرك أن موتك كان ذبيحة لغسل خطاياي ولأكون نقياً. وأنا أدرك أنك قمت من الموت بعد تقديم نفسك كذبيحة، لذلك أنا أؤمن بأن ذبيحتك كانت كافية ولذا أخضع لك. أشكرك أيها الرب عيسى المسيح لأنك فعلت كل هذا من أجلي، وأسألك الآن أن تستمر في إرشادي في حياتي لكي أستطيع أن أتبعك كربّي.

                                                                بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

ما هي رسالة ’’الكتاب‘‘؟

     الكتاب المُقدَّس يعني حرفيًّا ’’الكتاب‘‘. الكتاب المقدَّس هو أوَّل نصٍّ مكتوبٍ في التاريخ وُضِعَ على شكل كتابٍ كما نراه اليوم. والكتاب المقدَّس هو كتابٌ كلاسيكي عالميّ يشمل في نطاقه جميع أُممِ وشعوبِ الأرض. ولهذا، تُرجِمَ هذا الكتاب العظيم إلى جميع لغات الأرض تقريبًا. كما كان للكتاب المقدَّس تأثيرٌ عميقٌ على أُممٍ كثيرةٍ، وهو أكثر كتابٍ مقروءٍ على نطاقٍ واسعٍ على هذا الكوكب. لكنَّ هذا الكتاب هو أيضًا كتابٌ طويلٌ وقصَّته مركَّبة من عدّة أجزاء. ولذلك، لا يعرف الكثير منّا أو يفهموا موضوع هذا الكتاب. سوف تأخذ هذه المقالة آيةً  واحدةً من الكتاب المقدّس لشرح قصّة هذا الكتاب الكلاسيكي – عمل النبيّ عيسى المسيح، عليه السلام.

لقد أُعطِيَ الكتابُ المُقدَّس لمعالجة مُشكلةٍ حقيقيّةٍ في مستقبلنا. هذه المشكلة موضَّحة في سورة المجادِلة (سورة 58) في النظر إلى يوم الدينونة الآتي.

يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.

(سورة المُجادِلة 58: 6-7)

سورة المُجادلة تُخبِرنا بأنّه ليس هناك من سِرٍّ لا يعرفهُ الله عنّا، ولسوف يستخدم هذه المعرفة ليُصدِر حكُمه علينا.

سورة القيامة (سورة 75) تدعو هذا اليوم ’’يوم القيامة‘‘، وتُحذِّرُ أيضًا من الطريقة التي سيُؤتى بها بالإنسان للإجابة عمَّا فعله في حياته؟.

يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ كَلَّا لَا وَزَرَ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ.

سورة القيامة 75: 10- 15

إذن، ماذا نفعل إذا كان في حياتنا نوايا وأفعالٍ نخجلُ منها؟ إنّ رسالة الكتاب المُقدَّس موَجَّهَة إلى أولئك الذين لديهم هذا القلق.

رسالة الكتاب

لقد تناولنا أحداث الأسبوع الأخير لعيسى المسيح عليه السلام. يسجِّل الإنجيل أنه صُلب في اليوم السادس – الجمعة الحزينة وأنه قام من الموت يوم الأحد التالي. تمَّ التنبؤ عن ذلك في التوراة والمزامير والأنبياء معاً. لكن لماذا حدث ذلك وماذا يعنيه لك ولي اليوم؟ نسعى في هذه المقالة إلى فهم ما يقدّمه لنا عيسى المسيح وكيف يمكننا الحصول على الرحمة والغفران. هناك أخبارٌ سيّئة وأخبارٌ سارّة لك ولي. هذا سيساعدنا على فهم فدية إبراهيم الواردة في سورة الصافات (سورة 37) وسورة الفاتحة (سورة 1) عندما طلب من الله ’’أهدِنا الصِراط المستقيم‘‘، بالإضافة إلى فَهم لماذا تعني كلمة ’’مُسلِم‘‘ الذي يُسَلِّم (يخضع)، ولماذا تُعتَبَر الطقوس الدينيَّة، مثل الوضوء والزكاة وتناول الطعام الحلال جيّدة، لكنّها نوايا جيّدة غير كافية في حَدِّ ذاتها ليوم الدينونة.

الأخبار السيئة – ما يقوله الأنبياء عن علاقتنا مع الله

تعلّمنا التوراة أنه عندما خلق الله البشرية، فإنه

وَشاخَ إسْحاقُ، وَضَعُفَتْ عَيناهُ فَلَمْ يَعُدْ يَقْدِرُ أنْ يُبصِرَ. فَدَعا بِكْرَهُ عِيسُو وَقالَ لَهُ: «تَعالَ يا ابْنِي.»

فَقالَ عِيسُو: «سَمْعاً وَطاعَةً.» (تكوين 27: 1)

إن كلمة “صورة” ليست بالمعنى الماديّ، لكنها تعني أننا خُلقنا لنكون مرآة لطبيعة الله بالطريقة التي نتعامل بها عاطفياً وعقلياً واجتماعياً وروحياً. إننا خُلقنا لنكون في شركة معه. بإمكاننا أن نتصوّر هذه العلاقة في الشريحة أدناه. نرى الخالق الحاكم غير المحدود، في الأعلى بينما وُضِعَ الرجل والمرأة في أسفل الشريحة لأننا مخلوقات محدودة. تظهر العلاقة بواسطة السهم الذي يربط الإثنين.

خُلقنا على صورته لنكون في شركة مع الخالق
خُلقنا على صورته لنكون في شركة مع الخالق

الله كاملٌ في طبيعته – إنه قدّوسٌ. ولهذا يقول الزبور

لَسْتَ إلَهاً يُسَرُّ بِالشَّرِّ،
وَالأشْرارُ لا يَخْشَوْنَكَ.
وَالحَمقَى [a] لا يَقِفُونَ قُدّامَكَ!
أنتَ تَرفُضُ فاعِلِي الشَّرَّ. (مزمور 4:5 – 5)

ارتكب آدم عمل عصيان واحد – واحد فقط – فتطلبت قداسة الله أن يدينه. تسجّل التوراة والقرآن أن الله جعله فانياً وطرده من حضرته. والحالة ذاتها تنطبق علينا. عندما نرتكب الخطية أو نعصي الله بأية طريقة كانت فإننا نهينه لأننا لا نسلك بحسب الصورة التي خلقنا عليها. كما أن علاقتنا معه تصبح مقطوعة. وتكون النتيجة حاجزاً صلباً كجدار من الصخر يفصلنا عن خالقنا.

خطايانا تضع حاجزاً صلباً بيننا وبين إلهنا القدوس
خطايانا تضع حاجزاً صلباً بيننا وبين إلهنا القدوس

اختراق حاجز الخطيَّة باستحقاقنا الديني

يحاول كثيرون منا اختراق هذا الحاجز المُقام بيننا وبين الله من خلال الأعمال الدينية التي تكسب لنا استحقاقاً كافياً لكسر الحاجز. إن الصلاة والصوم والذهاب إلى الحج وإلى المسجد وتقديم الأموال إلى الجمعيات الخيرية هي الطرق التي نسعى من خلالها إلى كسب الاستحقاق لاختراق الحاجز كما توضّحه الصورة التالية. وهكذا نأمل أن يمحي استحقاقنا الدينيّ بعضاً من خطايانا. وإذا ما كسبَت لنا أعمالنا الكثيرة استحقاقاً كافياً فإننا نرجو أن تُمحى جميع خطايانا.

نحاول أن نخترق هذا الحاجز بالقيام بالأعمال الحسنة لنكسب استحقاقاً أمام الله
نحاول أن نخترق هذا الحاجز بالقيام بالأعمال الحسنة لنكسب استحقاقاً أمام الله

لكن ما مقدار الاستحقاق الذي نحتاج إليه لإزالة الخطية؟ وما هو الضمان بأن أعمالنا الصالحة ستكون كافية لإزالة الخطية واختراق الحاجز الذي وُضع بيننا وبين خالقنا؟ هل نعرف ما إذا كانت جهودنا لنوايا حسنة ستكون كافية؟ ليس ثمة ضمان لنا، ولهذا نحاول أن نفعل أعمالاً صالحة كثيرة قدر استطاعتنا ونرجو أن تكون كافية يوم الدينونة.

بالإضافة إلى الأعمال التي نقوم بها لكسب الاستحقاق وجهود النوايا الحسنة، يعمل كثيرون منا جاهدين ليكونوا أنقياء. نمارس الوضوء بجدٍّ ومثابرة قبل الصلوات. ونسعى جاهدين إلى الابتعاد عن الأشخاص والأشياء والطعام الذي يجعلنا نجسين. لكن النبي إشعياء أعلن أن:

صِرنا كُلُّنا كَشَيءٍ نَجِسٍ،
وَكُلُّ أعمالِنا الصّالِحَةِ كَثَوبٍ وَسِخٍ.
كُلُّنا ذَبُلْنا وَسَقَطنا كَوَرَقَةٍ،
وَخَطايانا حَمَلَتْنا كَالرِّيحِ بَعِيداً. (إشعياء 64: 6)

يُعلمنا النبي أنه حتى لو تجنَّبنا كل شيء قد يجعلنا نجسين، فإنَّ خطايانا ستجعل “أعمال برِّنا” باطلة لا قيمة لها مثل “خرق بالية”. هذه أخبار سيئة. لكن هناك ما هو أسوأ.

أخبار أسوأ: قوة الخطية والموت

وضع النبي موسى عليه السلام المقياس بوضوح في الشريعة التي تنصّ على أن المطلوب هو الطاعة الكاملة. لم تتضمن الشريعة مطلقاً كلاماً كالتالي “حاوِلْ أن تطيع معظم الوصايا”. في الواقع، أعلنت الشريعة مراراً وتكراراً أنَّ العمل الوَحيد الذي يضمن تكفيراً عن الخطية هو الموت. رأينا في زمن نوح عليه السلام وحتى مع امرأة لوط عليه السلام بأن الموت كان نتيجة الخطية.

يلخص الإنجيل هذه الحقيقة بالطريقة التالية:

لأن أجرة الخطية هي موت…(رومية 23:6)

الموت يعني حرفياً “الانفصال”. عندما تنفصل روحنا عن جسدنا نموت جسدياً. بشكل مشابه فإننا منفصلون حتى الآن عن الله روحياً ونحن أموات ونجسون في نظره.

تكشف هذه الحقيقة مشكلة رجائنا في كسب الاستحقاق لنزيل الخطية. المشكلة هي أن جهودنا الحثيثة واستحقاقاتنا ونوايانا الحسنة وأعمالنا، مع أنها جيِّدة، إلا أنها ليست كافية لأن التقدمة (الأجرة) المطلوبة لأجل خطايانا هي “الموت”. لا يخترق هذا الحاجز إلا الموت لأنه يحقِّق عدالة الله. إن جهودنا لكسب الاستحقاق هي مثل محاولة علاج السرطان (الذي يؤدي إلى الموت) بتناول الطعام الحلال. إن تناول الطعام الحلال ليس سيئاَ – إنه جيد – وينبغي على المرء أن يتناوله – لكنه لن يشفي السرطان. لعلاج السرطان، نحتاج إلى معالجة مختلفة كلياً تُميت الخلايا السرطانية.

إذن، حتى عندما نبذل جهودنا وتكون لدينا نوايا حسنة للحصول على الاستحقاق الديني فإننا في الواقع أموات ونجسون كجثة في نظر خالقنا.

نتيجة خطايانا الموت – نحن مثل أجساد ميتة نجسة أمام الله
نتيجة خطايانا الموت – نحن مثل أجساد ميتة نجسة أمام الله

إبراهيم – يبيّن لنا الطريق المستقيم

كان الوضع مختلفاً بالنسبة إلى النبي إبراهيم عليه السلام. “حُسٍب له برّاً” ليس بسبب استحقاقه بل لأنه آمن وصدَّق الوعد الذي له. لقد وضع ثقته في الله ليدفع الأجرة المطلوبة بدلاً من أن يكسبها بنفسه. رأينا في ذبيحته أن الموت (أجرة الخطية) قد تحقَّق، لكن ليس بموت ابنه بل بخروف قدّمه الله.

يتحدَّث القرآن عن هذا الأمر في سورة الصافات (سورة 37) حيث يقول:

وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ.

(سورة الصافات 37: 107- 109)

’’افتدى‘‘ اللهُ البشر (دفع الثمن) وحصلَ إبراهيم على البركة والرحمة والغفران، الذي شمل ’’السلام‘‘.

أُعلن لإبراهيم الطريق المستقيم – إنه وضع ثقته في الله فقط، فقدّم الله ذبيحة موت لأجل الخطية
أُعلن لإبراهيم الطريق المستقيم – إنه وضع ثقته في الله فقط، فقدّم الله ذبيحة موت لأجل الخطية

الأخبار السارّة: عمل عيسى المسيح نيابة عنّا

إنَّ مثال النبي عيسى المسيح عليه السلام وُجد ليبيّن لنا الصراط المستقيم وفقاً للطلب في سورة الفاتحة (سورة 1)

مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ
صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (سورة الفاتحة 1: 4 – 6)

يشرح الإنجيل أن ذلك كان مثالاً يبيّن كيف أن الله سدَّد أجرة الخطية وقدّم العلاج للموت والنجاسة بطريقة بسيطة لكنها قوية.

23 لِأنَّ الأجرَ الَّذِي يُدفَعُ مُقابِلَ الخَطِيَّةِ هُوَ المَوتُ، أمّا عَطِيَةُ اللهِ المَجّانِيَّةُ، فَهِيَ حَياةٌ أبَدِيَّةٌ فِي المَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنا. (رومية 6: 23)

كانت الأخبار لغاية الآن “أخباراً سيئة”. لكن كلمة “إنجيل” تعني “الأخبار السارّة”، وبإعلانه أن ذبيحة موت عيسى كافية لاختراق الحاجز بيننا وبين الله، يمكننا أن نرى لماذا هي أخبار سارّة كما نبيّن أدناه.

ذبيحة عيسى المسيح – حَمَلَ الله – قُدِّمت بالموت علاجاً للخطية نيابة عنا كما فعل خروف إبراهيم.
ذبيحة عيسى المسيح – حَمَلَ الله – قُدِّمت بالموت علاجاً للخطية نيابة عنا كما فعل خروف إبراهيم.

النبي عيسى المسيح قدَّم نفسه ذبيحة ثم قام من الموت كباكورة، لذلك هو يهبنا الآن حياته الجديدة. لا حاجة لنا بعد أن نبقى سجناء موت الخطية.

كانت قيامة عيسى المسيح باكورة. بإمكاننا أن نتحرر من الموت ونحصل على حياة القيامة ذاتها.
كانت قيامة عيسى المسيح باكورة. بإمكاننا أن نتحرر من الموت ونحصل على حياة القيامة ذاتها.

بذبيحته وقيامته أًصبح عيسى المسيح بوابة من خلال حاجز الخطية الذي يفصلنا عن الله. لهذا السبب قال النبي:

9 أنا هُوَ البابُ. فَإنْ دَخَلَ أحَدٌ مِنْ خِلالِي، يَخلُصُ وَيَدْخُلُ وَيَخرُجُ وَيَجِدُ مَرْعَى. 10 لا يَأْتِي السّارِقُ إلّا لِيَسْرِقَ وَيْقتُلَ وَيُدَمِّرَ. أمّا أنا فَقَدْ جِئْتُ لِكَيْ تَكُونَ لِلنّاسِ حَياةٌ، وَتَكُونَ لَهُمْ هَذِهِ الحَياةُ بِكُلِّ فَيْضِها. (يوحنا 10: 9 – 10)

عيسى المسيح هو إذن البوابة التي تخترق حاجز الخطية والموت
عيسى المسيح هو إذن البوابة التي تخترق حاجز الخطية والموت

بسبب هذه البوابة بإمكاننا الآن أن نستعيد ثانية العلاقة التي كانت لنا مع خالقنا قبل أن تصبح خطيتنا حاجزاً، ونستطيع أيضاً أن نضمن حصولنا على الرحمة وغفران خطايانا.

بهذه البوابة المفتوحة استرجعنا الآن علاقتنا مع خالقنا
بهذه البوابة المفتوحة استرجعنا الآن علاقتنا مع خالقنا

وكما يعلن الإنجيل:

5 اللهُ واحِدٌ، وَالوَسِيطُ بَينَ اللهِ وَالنّاسِ واحِدٌ هُوَ الإنسانُ يَسُوعَ المَسِيحِ. 6 وَقَدْ بَذَلَ نَفسَهُ فِديَةً لِأجلِ خَطايا جَمِيعِ النّاسِ، مُقَدِّماً شَهادَةً عَنْ مَحَبَّةِ اللهِ فِي الوَقتِ المُناسِبِ. (تيموثاوس الأولى 2: 5 – 6)

عطية الله لك

قدم النبي عيسى المسيح نفسه لأجل جميع الناس. إذن هذا يشملك ويشملني أيضاً. من خلال موته وقيامته دفع الثمن ليكون “وسيطاً” ويهبنا الحياة. كيف تُعطى لنا هذه الحياة؟

23 لِأنَّ الأجرَ الَّذِي يُدفَعُ مُقابِلَ الخَطِيَّةِ هُوَ المَوتُ، أمّا عَطِيَةُ اللهِ المَجّانِيَّةُ، فَهِيَ حَياةٌ أبَدِيَّةٌ فِي المَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنا. (رومية 6: 23)

لاحظ كيف تُعطى لنا. إنها تُقدَّم لنا كهبة. فكروا بالهبات أو الهدايا. مهما كانت الهبة أو الهدية، فإذا كانت هدية فإنها تكون شيئاً لم تقم أنت بأي عمل للحصول عليها ولا تكسبها بالاستحقاقات. إن حصلت عليها باستحقاقك فلن تكون بعد هدية – إنها ستكون أجر عملك. بالطريقة ذاتها، لا يمكنك أن تستحق أو تحصل على ذبيحة عيسى المسيح. إنها تُعطى لك كهبة، بهذه البساطة.

وما هي هذه الهبة؟ إنها “الحياة الأبدية”. هذا يعني أن الخطية التي جلبت عليك وعليَّ الموت قد تمَّ التكفير عنها. إن الله يحبك ويحبني إلى هذه الدرجة. إنها محبة قوية.

إذن كيف تحصل أنت وأحصل أنا على الحياة الأبدية؟ مرة أخرى، فكروا بالهبات والهدايا. إذا أعطاك شخص ما هدية، يجب عليك أن تقبلها. في كل مرة تُقدَّم فيها هبة ما، فإنه يوجد خياران. إما أن تَرفضَ الخطية (“كلا، أشكرك”) أو أن تقبلها (“شكراً على الهدية. سوف آخذها”). هكذا أيضاً يجب أن يتم استلام هذه الهبة. لا يمكن فقط الإيمان بها عقلياً أو دراستها أو فهمها. إنَ أية هدية توهب لك، لكي تكون ذات فائدة، يجب عليك أن “تستلمها”.

12 أمّا الَّذِيْنَ قَبِلُوهُ، أيِ الَّذِيْنَ آمَنُوا بِاسْمِهِ، فَقَدْ أعطاهُمُ الحَقَّ فِي أنْ يَصِيْرُوا أولادَ اللهِ. 13 فَهُمْ قَدْ وُلِدُوا مِنَ اللهِ، خِلافاً لِلوِلادَةِ الطَّبِيْعِيَّةِ مِنْ دَمٍ وَلَحْمٍ وَمِنْ إرادَةِ رَجُلٍ. (يوحنا 1: 12 – 13)

في الواقع يقول الإنجيل عن الله إن

الله مخلصنا الذي يريد أن الجميع يخلصون… (تيموثاوس الأولى 2: 3 – 4)

إنه المخلِّص ورغبته هي أن يقبل “جميع الناس” عطيَّته ويخلصون من الخطية والموت. إذا كانت هذه مشيئته، فقبول عطيَّته تعني ببساطة الخضوع لمشيئته – وهذا هو معنى كلمة “مُسلِم” – الذي يُسلِّم أو يخضع.

إذن كيف نقبل هذه العطية؟ يقول الإنجيل أنك

12 فَلا فَرقَ بَينَ يَهُودِيٍّ وَغَيرِ يَهُودِيٍّ. لأنَّ الرَّبَّ هُوَ نَفسَهُ رَبٌّ عَلَى الكُلِّ. وَهُوَ غَنِيٌّ فِي الرَّحمَةِ لِلَّذِينَ يَتَّكِلُونَ عَلَيهِ. (رومية 10: 12)

لاحظوا أن هذا الوعد هو لكل شخص. وبما أن عيسى المسيح قام من الموت، فهو حيٌّ الآن. فإذا طلبتَ منه فهو سيسمعك ويعطيك عطيته. اسأله واطلب منه. ربما أنك لم تفعل هذا سابقاً، لذلك تجد أدناه دليلاً يمكن أن يساعدك. إنه ليس أنشودة سحرية، وليست الكلمات في حدِّ ذاتها هي التي تعطيك قوة. إنما هو الثقة التي كانت لإبراهيم التي نضعها في عيسى المسيح ليعطينا هذه العطية. عندما نضع ثقتنا به فإنه سوف يستمع ويستجيب لنا. الإنجيل قوي لكنه أيضاً بسيط. لا تتردَّد في اتباع هذا الدليل إن وجدته مفيداً لك.

أيها النبي والرب عيسى المسيح. أنا أدرك أنه بسبب خطاياي أنا منفصل عن الله خالقي. ومع أنني أحاول جاهداً، إلا أنَّ جهودي لا تخترق هذا الحاجز. لكنني أدرك أن موتك كان ذبيحة لغسل خطاياي ولأكون نقياً. وأنا أدرك أنك قمت من الموت بعد تقديم نفسك كذبيحة، لذلك أنا أؤمن بأن ذبيحتك كانت كافية ولذا أخضع لك. أشكرك أيها الرب عيسى المسيح لأنك فعلت كل هذا من أجلي، وأسألك الآن أن تستمر في إرشادي في حياتي لكي أستطيع أن أتبعك كربّي.

                                                                بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

القرآن والتاريخ: هل ماتَ عيسى المسيح على الصليب؟

     سوف نفحص هذا السؤال بالتفصيل مُستخدِمين واقعة اختفاء الحجر الأسود من الكعبة (في سنة 318 هجريّة) لتوضيح هذه القضيّة.

     إنّ الذين ينكرون أنّ عيسى المسيح، عليه السلام، مات على الصليب، يُشيرون عادةً إلى سورة النساء 157.

وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ

وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ

مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا.

سورة النساء 4: 157

هل قُتِلَ عيسى المسيح؟

     لاحظوا أنّ هذه الآية لا تقولُ إنّ عيسى المسيح لم يمُت. إنّها تقولُ إنّ اليهود ’’لم يقتلوه‘‘. وهذا أمرٌ مختلف. يُسجِّل الإنجيل أنّ اليهود ألقوا القبضَ على النبيّ، وقام قيافا رئيس الكهنة باستجوابه، لكن…

ثُمَّ جَاءُوا بِيَسُوعَ مِنْ عِنْدِ قَيَافَا إِلَى دَارِ الْوِلاَيَةِ، وَكَانَ صُبْحٌ.

وَلَمْ يَدْخُلُوا هُمْ إِلَى دَارِ الْوِلاَيَةِ لِكَيْ لاَ يَتَنَجَّسُوا، فَيَأْكُلُونَ الْفِصْحَ.

يوحنا 18: 28

     كان بيلاطس الحاكم الروماني. ولأنّ اليهود كانوا تحت الاحتلال الروماني، لم يكن لديهم السلطة لتنفيذ حكم الإعدام. ثمّ أسلَم بيلاطس النبيّ لجنوده الرومان.

فَحِينَئِذٍ أَسْلَمَهُ إِلَيْهِمْ لِيُصْلَبَ. فَأَخَذُوا يَسُوعَ وَمَضَوْا بِهِ.

يوحنا 19: 16

     إذن، الحكومة الرومانيّة والجنود الرومان هم الذين صلبوه – وليس اليهود. كان اتِّهام تلاميذ النبيّ للقادة اليهود هو

إِنَّ إِلهَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، إِلهَ آبَائِنَا، مَجَّدَ فَتَاهُ يَسُوعَ،

الَّذِي أَسْلَمْتُمُوهُ أَنْتُمْ وَأَنْكَرْتُمُوهُ أَمَامَ وَجْهِ بِيلاَطُسَ، وَهُوَ حَاكِمٌ بِإِطْلاَقِهِ.

أعمال الرُسُل 3: 13

     سلَّمه اليهود إلى الرومان فصلبوه. بعد موته على الصليب، وُضِع جسده في قبرٍ

وَكَانَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي صُلِبَ فِيهِ بُسْتَانٌ، وَفِي الْبُسْتَانِ قَبْرٌ جَدِيدٌ لَمْ يُوضَعْ فِيهِ أَحَدٌ قَطُّ.

فَهُنَاكَ وَضَعَا يَسُوعَ لِسَبَبِ اسْتِعْدَادِ الْيَهُودِ، لأَنَّ الْقَبْرَ كَانَ قَرِيبًا.

يوحنا 19: 41-42

     تقول سورة النساء 157 بأنّ اليهود لم يصلبوا عيسى المسيح. هذا صحيح. الرومان هم الذين صلبوه.

سورة مريم وموت النبيّ

     تُوَضِّحُ سورة مريم ما إذا كان عيسى المسيح قد مات أم لم يمُت.

وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا  ذَلِكَ

عيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ

سورة مريم 19: 33- 34

     تنُصُّ هذه الآيات بوضوح على أنّ عيسى المسيح قد تنبَّأ عن موته القادم وتحدَّث عنه، كما يُسجِّل الإنجيل.

نظريّة ’’يهوذا قُتِلَ بدلاً عنه‘‘

     لكن هناك نظريّة واسعة الانتشار تقول بإنّ يهوذا قد تغيَّر شكله ليبدو مثل عيسى المسيح. ثمَّ أُلقى اليهود القبض على يهوذا (الذي أصبح يشبه عيسى)، وصلبَ الرومان يهوذا (وهو لا يزال يشبه عيسى)، وأخيرًا، دُفِنَ يهوذا (وهو لا يزال يُشبه عيسى). بالنسبة إلى هذه النظريّة، ذهب عيسى المسيح مباشرةً إلى السماء دون أن يموت. مع أنّ كلاًّ من القرآن والإنجيل لا يصفان في أيّة مرحلةٍ من المراحل مثل هذا المخطَّط بشكلٍ مستفيض، إلاّ أنّه يُرَوَّج له على نطاقٍ واسعٍ. لذلك، دعنا نتفحّص هذه النظريَّة:

عيسى المسيح في السجلّات التاريخيَّة

     يسجِّل التاريخ العلماني العديد من الإشارات إلى عيسى المسيح وموته. دعنا نُلقي نطرةً على اثنين منها. أشار المؤرِّخ الروماني تاسيتوس (Tacitus) إلى عيسى المسيح عندما سجَّل  كيف اضطهَدَ الإمبراطور الروماني نيرون أتباع النبيّ الأوائل في سنة 65 ميلاديَّة. كتب تاسيتوس:

’’عاقبَ نيرون… بأشدِّ أدوات التعذيب، الأشخاص الذين كان يُدعَون مسيحيّين، والذين كانوا مكروهين بسبب أعدادهم الهائلة. قُتِلَ كريستوس، مؤسِّس هذه التسمية، على يدِ بيلاطس البُنطي، حاكم يهودا في عهد طيباريوس، لكنّ الخرافة الخبيئة التي قُمِعَت لبعض الوقت انطلقَت مرّةً أُخرى، ليس في اليهوديَّة فقط، حيث نشأ هذا الضرر، بل في أنحاء مدينة روما أيضًا‘‘.

تاسيتوس، السجلاّت 44.XV

أكَّدَ تاسيتوس أنّ عيسى المسيح كان:

  1. شخصًا تاريخيًّا؛
  2. أُعدِمَ على يد بيلاطس البُنطي؛
  3. بدأ أتباعه حركتهم في اليهوديَّة (أورشليم) بعد موت النبيّ عيسى المسيح،
  4. بحلول عام 65 ميلادي (زمن نيرون) كانوا قد انتشروا من اليهوديَّة إلى روما، إلى درجة أنّ الإمبراطور الروماني شعر أنّه يتعيَّن عليه إيقاف هذه الحركة.

     كان يوسيفوس (Josephus) قائدًا/مؤرِّخًا عسكريًّا رومانيًّا، كتب عن التاريخ اليهودي في القرن الأوّل. بفعل ذلك، سجَّل حياة عيسى المسيح بالكلمات التالية:

’’في ذلك الوقت، كان هناك رجلٌ حكيمٌ… يسوع… صالحٌ و… فاضلٌ. وأصبحت أعدادٌ كبيرةٌ من اليهود والأُمم الأُخرى من بين أتباعه. حكَمَ عليه بيلاطس بالصَلْب وبالموت. والذين أصبحوا تلاميذه لم يتخلّوا عن تلمذته. وهم أبلغوا أنّه ظهر لهم بعد ثلاثة أيّامٍ من صَلْبه وأنّه كان حيًّا.

يوسيفوس. 90 ميلاديَّة. 33.XVIII Antiquities

أكَّدَ يوسيفوس:

  1. أنّ عيسى المسيح كان موجودًا،
  2. وأنّه كان مُعلِّمًا دينيًّا،
  3. وأنّ بيلاطس الحاكم الروماني أعدمهُ،
  4. وأنّ تلاميذه قد نادوا علانيةً بقيامة عيسى المسيح بعد ذلك مباشرةً.

     يبدو من هذه السجلّات التاريخيّة أنّ موت النبيّ كان حدثًا معروفًا جدًّا لا جدال بشأنه، وأنّ تلاميذه كرزوا بقيامته في العالم الروماني.

الخلفيَّة التاريخيَّة – من الكتاب المقدَّس

     في ما يلي ما سجَّله سفر أعمال الرُسُل في الكتاب المقدّس بشأن ما حدث عندما كرز التلاميذ بقيامة عيسى المسيح في الهيكل في أورشليم بعد بضعة أسابيع من صلبهِ.

وَبَيْنَمَا هُمَا يُخَاطِبَانِ الشَّعْبَ، أَقْبَلَ عَلَيْهِمَا الْكَهَنَةُ وَقَائِدُ جُنْدِ الْهَيْكَلِ وَالصَّدُّوقِيُّونَ، مُتَضَجِّرِينَ مِنْ تَعْلِيمِهِمَا الشَّعْبَ، وَنِدَائِهِمَا فِي يَسُوعَ بِالْقِيَامَةِ مِنَ الأَمْوَاتِ. فَأَلْقَوْا عَلَيْهِمَا الأَيَادِيَ وَوَضَعُوهُمَا فِي حَبْسٍ إِلَى الْغَدِ، لأَنَّهُ كَانَ قَدْ صَارَ الْمَسَاءُ. وَكَثِيرُونَ مِنَ الَّذِينَ سَمِعُوا الْكَلِمَةَ آمَنُوا، وَصَارَ عَدَدُ الرِّجَالِ نَحْوَ خَمْسَةِ آلاَفٍ. وَحَدَثَ فِي الْغَدِ أَنَّ رُؤَسَاءَهُمْ وَشُيُوخَهُمْ وَكَتَبَتَهُمُ اجْتَمَعُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ مَعَ حَنَّانَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ وَقَيَافَا وَيُوحَنَّا وَالإِسْكَنْدَرِ، وَجَمِيعِ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ عَشِيرَةِ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ. وَلَمَّا أَقَامُوهُمَا فِي الْوَسْطِ، جَعَلُوا يَسْأَلُونَهُمَا:«بِأَيَّةِ قُوَّةٍ وَبِأَيِّ اسْمٍ صَنَعْتُمَا أَنْتُمَا هذَا؟» حِينَئِذٍ امْتَلأَ بُطْرُسُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ وَقَالَ لَهُمْ:«يَا رُؤَسَاءَ الشَّعْبِ وَشُيُوخَ إِسْرَائِيلَ، إِنْ كُنَّا نُفْحَصُ الْيَوْمَ عَنْ إِحْسَانٍ إِلَى إِنْسَانٍ سَقِيمٍ، بِمَاذَا شُفِيَ هذَا، فَلْيَكُنْ مَعْلُومًا عِنْدَ جَمِيعِكُمْ وَجَمِيعِ شَعْبِ إِسْرَائِيلَ، أَنَّهُ بِاسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ النَّاصِرِيِّ، الَّذِي صَلَبْتُمُوهُ أَنْتُمُ، الَّذِي أَقَامَهُ اللهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، بِذَاكَ وَقَفَ هذَا أَمَامَكُمْ صَحِيحًا. هذَا هُوَ: الْحَجَرُ الَّذِي احْتَقَرْتُمُوهُ أَيُّهَا الْبَنَّاؤُونَ، الَّذِي صَارَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ. وَلَيْسَ بِأَحَدٍ غَيْرِهِ الْخَلاَصُ. لأَنْ لَيْسَ اسْمٌ آخَرُ تَحْتَ السَّمَاءِ، قَدْ أُعْطِيَ بَيْنَ النَّاسِ، بِهِ يَنْبَغِي أَنْ نَخْلُصَ». فَلَمَّا رَأَوْا مُجَاهَرَةَ بُطْرُسَ وَيُوحَنَّا، وَوَجَدُوا أَنَّهُمَا إِنْسَانَانِ عَدِيمَا الْعِلْمِ وَعَامِّيَّانِ، تَعَجَّبُوا. فَعَرَفُوهُمَا أَنَّهُمَا كَانَا مَعَ يَسُوعَ. وَلكِنْ إِذْ نَظَرُوا الإِنْسَانَ الَّذِي شُفِيَ وَاقِفًا مَعَهُمَا، لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شَيْءٌ يُنَاقِضُونَ بِهِ. فَأَمَرُوهُمَا أَنْ يَخْرُجَا إِلَى خَارِجِ الْمَجْمَعِ، وَتَآمَرُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ قَائِلِينَ: «مَاذَا نَفْعَلُ بِهذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ؟ لأَنَّهُ ظَاهِرٌ لِجَمِيعِ سُكَّانِ أُورُشَلِيمَ أَنَّ آيَةً مَعْلُومَةً قَدْ جَرَتْ بِأَيْدِيهِمَا، وَلاَ نَقْدِرُ أَنْ نُنْكِرَ. وَلكِنْ لِئَلاَّ تَشِيعَ أَكْثَرَ فِي الشَّعْبِ، لِنُهَدِّدْهُمَا تَهْدِيدًا أَنْ لاَ يُكَلِّمَا أَحَدًا مِنَ النَّاسِ فِيمَا بَعْدُ بِهذَا الاسْمِ».

أعمال الرُسُل 4: 1-17

فَقَامَ رَئِيسُ الْكَهَنَةِ وَجَمِيعُ الَّذِينَ مَعَهُ، الَّذِينَ هُمْ شِيعَةُ الصَّدُّوقِيِّينَ، وَامْتَلأُوا غَيْرَةً فَأَلْقَوْا أَيْدِيَهُمْ عَلَى الرُّسُلِ وَوَضَعُوهُمْ فِي حَبْسِ الْعَامَّةِ. وَلكِنَّ مَلاَكَ الرَّبِّ فِي اللَّيْلِ فَتَحَ أَبْوَابَ السِّجْنِ وَأَخْرَجَهُمْ وَقَالَ: «اذْهَبُوا قِفُوا وَكَلِّمُوا الشَّعْبَ فِي الْهَيْكَلِ بِجَمِيعِ كَلاَمِ هذِهِ الْحَيَاةِ». فَلَمَّا سَمِعُوا دَخَلُوا الْهَيْكَلَ نَحْوَ الصُّبْحِ وَجَعَلُوا يُعَلِّمُونَ. ثُمَّ جَاءَ رَئِيسُ الْكَهَنَةِ وَالَّذِينَ مَعَهُ، وَدَعَوُا الْمَجْمَعَ وَكُلَّ مَشْيَخَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَأَرْسَلُوا إِلَى الْحَبْسِ لِيُؤْتَى بِهِمْ. وَلكِنَّ الْخُدَّامَ لَمَّا جَاءُوا لَمْ يَجِدُوهُمْ فِي السِّجْنِ، فَرَجَعُوا وَأَخْبَرُوا قَائِلِينَ:«إِنَّنَا وَجَدْنَا الْحَبْسَ مُغْلَقًا بِكُلِّ حِرْصٍ، وَالْحُرَّاسَ وَاقِفِينَ خَارِجًا أَمَامَ الأَبْوَابِ، وَلكِنْ لَمَّا فَتَحْنَا لَمْ نَجِدْ فِي الدَّاخِلِ أَحَدًا». فَلَمَّا سَمِعَ الْكَاهِنُ وَقَائِدُ جُنْدِ الْهَيْكَلِ وَرُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ هذِهِ الأَقْوَالَ، ارْتَابُوا مِنْ جِهَتِهِمْ: مَا عَسَى أَنْ يَصِيرَ هذَا؟ ثُمَّ جَاءَ وَاحِدٌ وَأَخْبَرَهُمْ قَائِلاً:«هُوَذَا الرِّجَالُ الَّذِينَ وَضَعْتُمُوهُمْ فِي السِّجْنِ هُمْ فِي الْهَيْكَلِ وَاقِفِينَ يُعَلِّمُونَ الشَّعْبَ!». حِينَئِذٍ مَضَى قَائِدُ الْجُنْدِ مَعَ الْخُدَّامِ، فَأَحْضَرَهُمْ لاَ بِعُنْفٍ، لأَنَّهُمْ كَانُوا يَخَافُونَ الشَّعْبَ لِئَلاَّ يُرْجَمُوا. فَلَمَّا أَحْضَرُوهُمْ أَوْقَفُوهُمْ فِي الْمَجْمَعِ. فَسَأَلَهُمْ رَئِيسُ الْكَهَنَةِ قِائِلاً:«أَمَا أَوْصَيْنَاكُمْ وَصِيَّةً أَنْ لاَ تُعَلِّمُوا بِهذَا الاسْمِ؟ وَهَا أَنْتُمْ قَدْ مَلأْتُمْ أُورُشَلِيمَ بِتَعْلِيمِكُمْ، وَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْلِبُوا عَلَيْنَا دَمَ هذَا الإِنْسَانِ». فَأَجَابَ بُطْرُسُ وَالرُّسُلُ وَقَالُوا:«يَنْبَغِي أَنْ يُطَاعَ اللهُ أَكْثَرَ مِنَ النَّاسِ. إِلهُ آبَائِنَا أَقَامَ يَسُوعَ الَّذِي أَنْتُمْ قَتَلْتُمُوهُ مُعَلِّقِينَ إِيَّاهُ عَلَى خَشَبَةٍ. هذَا رَفَّعَهُ اللهُ بِيَمِينِهِ رَئِيسًا وَمُخَلِّصًا، لِيُعْطِيَ إِسْرَائِيلَ التَّوْبَةَ وَغُفْرَانَ الْخَطَايَا. وَنَحْنُ شُهُودٌ لَهُ بِهذِهِ الأُمُورِ، وَالرُّوحُ الْقُدُسُ أَيْضًا، الَّذِي أَعْطَاهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُطِيعُونَهُ». فَلَمَّا سَمِعُوا حَنِقُوا، وَجَعَلُوا يَتَشَاوَرُونَ أَنْ يَقْتُلُوهُمْ. فَقَامَ فِي الْمَجْمَعِ رَجُلٌ فَرِّيسِيٌّ اسْمُهُ غَمَالاَئِيلُ، مُعَلِّمٌ لِلنَّامُوسِ، مُكَرَّمٌ عِنْدَ جَمِيعِ الشَّعْبِ، وَأَمَرَ أَنْ يُخْرَجَ الرُّسُلُ قَلِيلاً. ثُمَّ قَالَ لَهُمْ:« أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِسْرَائِيلِيُّونَ، احْتَرِزُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ جِهَةِ هؤُلاَءِ النَّاسِ فِي مَا أَنْتُمْ مُزْمِعُونَ أَنْ تَفْعَلُوا. لأَنَّهُ قَبْلَ هذِهِ الأَيَّامِ قَامَ ثُودَاسُ قَائِلاً عَنْ نَفْسِهِ إِنَّهُ شَيْءٌ، الَّذِي الْتَصَقَ بِهِ عَدَدٌ مِنَ الرِّجَالِ نَحْوُ أَرْبَعِمِئَةٍ، الَّذِي قُتِلَ، وَجَمِيعُ الَّذِينَ انْقَادُوا إِلَيْهِ تَبَدَّدُوا وَصَارُوا لاَ شَيْءَ. بَعْدَ هذَا قَامَ يَهُوذَا الْجَلِيلِيُّ فِي أَيَّامِ الاكْتِتَابِ، وَأَزَاغَ وَرَاءَهُ شَعْبًا غَفِيرًا. فَذَاكَ أَيْضًا هَلَكَ، وَجَمِيعُ الَّذِينَ انْقَادُوا إِلَيْهِ تَشَتَّتُوا. وَالآنَ أَقُولُ لَكُمْ: تَنَحَّوْا عَنْ هؤُلاَءِ النَّاسِ وَاتْرُكُوهُمْ! لأَنَّهُ إِنْ كَانَ هذَا الرَّأْيُ أَوْ هذَا الْعَمَلُ مِنَ النَّاسِ فَسَوْفَ يَنْتَقِضُ، وَإِنْ كَانَ مِنَ اللهِ فَلاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَنْقُضُوهُ، لِئَلاَّ تُوجَدُوا مُحَارِبِينَ للهِ أَيْضًا». فَانْقَادُوا إِلَيْهِ. وَدَعُوا الرُّسُلَ وَجَلَدُوهُمْ، وَأَوْصَوْهُمْ أَنْ لاَ يَتَكَلَّمُوا بِاسْمِ يَسُوعَ، ثُمَّ أَطْلَقُوهُمْ. وَأَمَّا هُمْ فَذَهَبُوا فَرِحِينَ مِنْ أَمَامِ الْمَجْمَعِ، لأَنَّهُمْ حُسِبُوا مُسْتَأْهِلِينَ أَنْ يُهَانُوا مِنْ أَجْلِ اسْمِهِ.

أعمال الرُسُل 5: 17-41

     لاحظوا كيف بذل القادة اليهود جهودًا حثيثة لمنع المناداة برسالتهم. مثلهم مثل حكومات اليوم الخائفة من حركاتٍ جديدةٍ، قاموا بتوقيف وتهديد وضرب، ثمّ أخيرًا قَتْل (بعض) التلاميذ لمحاولة منعهم من الكرازة برسالتهم. نادى هؤلاء التلاميذ برسالتهم في أورشليم – المدينة نفسها حيث تمَّ إعدام ودفن شخصٍ بمظهر عيسى المسيح منذ أسابيع قليلة فقط. لكن مَن الذي تمَّ إعدامه؟ النبيّ؟ أو يهوذا الذي تغيَّر شكله ليبدو مثله؟

     دعنا نُلقي نظرة على البدائل ونرى أيّها منطقيَّة.

جسد عيسى المسيح والقبر

     يوجدُ خياران فقط بشأن القبر. إمّا أنّ القبر كان فارغًا، أو أنّه كان لا يزال يحتوي على جسدٍ بدا مظهره كمظهر النبيّ. ليس ثمّة خيارات أُخرى.

     دعنا نفترض النظريّة التي تقول بأنّ يهوذا جُعل ليبدو مثل النبيّ، وأنّه صُلِبَ بدلًا عنه، ثمّ وُضِعَ جسده (الذي كان يُشبه النبيّ) في القبر. والآن فكّروا في الأحداث التي تلت والتي نعلم أنّها حدثت من التاريخ. يُخبرنا يوسيفوس وتاسيتوس وسفر أعمال الرُسل جميعًا أنّ التلاميذ بدأوا بنشر رسالتهم في أورشليم، وأنّ السلطات الحاكمة هناك اتَّخَّذت إجراءاتً قويّة لمقاومة رسالة التلاميذ بعد فترةٍ وجيزةٍ من صَلْبِ (يهوذا الذي كان يبدو بمظهر النبيّ – طالما نحن نفترض هذه النظريّة). لكنّ هذه النظريّة تقبل حقيقة أنّ يهوذا بقي ميّتًا. بالنسبة لهذه النظريّة، بقي الجسد في القبر (لكنّه كان لا يزال متغيِّرًا ليبدو مثل النبيّ). فالتلاميذ وتاسيتوس ويوسيفوس – والجميع – كانوا سيعتقدون مُخطئين بأنَّ الجسد كان جسد النبيّ، لكنّه في الحقيقية كان جسد يهوذا الميِّت (الذي بدا مثل النبيّ).

     وهذا يُثير سؤالًا. لماذا كان يتعيَّن على القادة الرومان واليهود في أورشليم اتِّخاذ مثل هذه التدابير القويّة لوقف انتشار قصص القيامة إذا كان هذا الجسد لا يزال في القبر، إلى جانب رسائل التلاميذ العلنية حول قيامة النبيّ من الأموات؟ لو كان جسد يهوذا (الذي كان بمظهر عيسى المسيح) لا يزال في القبر، لكانت المسألة بسيطة بالنسبة إلى السلطات، وهي عرض هذا الجسد أمام الجميع، وهكذا يتمكّنون من دحض رسالة التلاميذ (الذين قالوا إنّه قام) دون أن يضّطرّوا إلى سَجْنِهم وتعذيبهم، وأخيرًا قتلهم كشهداء. إنّ السبب في عدم قيامهم بذلك، هو أنّه لم يكن هناك جسدٌ ليعرضوه – كان القبر فارغًا.

الحجر الأسود، الكعبة، مسجد مكّة والمدينة كأمثلةٍ توضيحيَّة

     في سنة 930 ميلاديَّة (318 هجريَّة)، سُرِقَ الحجر الأسود ونُقِلَ من الكعبة في مكّة مِن قِبَل جماعةٍ شيعيَّة معارضة للحكّام العبّاسيِّين في ذلك الوقت. تمَّ الاحتفاظ به لمدّة 23 سنة قبل أن يُعاد إلى الكعبة. الحجر الأسود يمكن أن يُفقَد.

     تخيَّلوا حالةً كهذه حيث تُعلنُ جماعةٌ ما علانيةً للحشود في الجامع الكبير في مكّة (المسجد الحرام) أنّ الحجر الأسود لم يعد موجودًا في الركن الشرقيّ من الكعبة. إنّ رسالتهم مُقنعةٌ جدًّا إلى درجة أنّ الحُجَّاج في المسجد يبدأون بتصديق أنّ الحجر الأسود قد اختفى. كيف يمكن لأُمناء الحرَمَين (خادم الحَرَمَين الشريفَين) مقاومة رسالةٍ كهذه؟ إذا كانت الرسالة زائفة وكان الحجر الأسود لا يزال في الكعبة، فإنّ الوسيلة الفُضلى بالنسبة إلى الأمناء لوقف هذه الرسالة هي الإعلان بأنّ الحجر الأسود لا يزال موجودًا في الكعبة كما كان الحال لعدّة قرونٍ، وعرضه على الملأ. عندئذٍ سيرفض الناس على الفور تصديق هذه الرسالة. إنّ قُرْب الحجر الأسود من المسجد الحرام في مكّة يجعل هذا الأمر ممكنًا. وبالعكس، إذا لم يستطع الأُمناء عرض الحجر الأسود لدحض هذه الفكرة، عندئذٍ يتبيَّن أنّ الحجر الأسود قد فُقِدَ  حقًّا كما حدث في سنة 318 هجريَّة.

     لكن إن كانت هذه المجموعة في المسجد النبويّ في المدينة، وهي تُعلن أنّ الحجر الأسود قد نُقِلَ من الكعبة في مكّة (على بُعد 450كم)، يُصبح تكذيب قصَّتهم أكثر صعوبةً بالنسبة إلى أُمناء الحَرَمَين الشريفَين ، حيث أنّه من الصعب عليهم أن يعرضوا أمام الناس في المدينة الحجر الأسود الذي هو بعيدٌ جدًّا.

     إنَّ قُرْب الغرَض المقدّس من المكان الذي يجري فيه الجدَل حوله، يجعل من السهل دحض أو التحقُّق من الادِّعاءات المتعلِّقة به، بما أنّ هذا الغرض قريبٌ جدًّا لفحصه.

القادة اليهود المعارضون لرسالة القيامة لم يدحضوها بإظهار الجسد

     ينطبقُ هذا المبدأ على جسد يهوذا/عيسى في أورشليم. إنّ القبر الذي سُجِّيَ فيه على الظاهر جسد يهوذا (الذي يُشبه يسوع) كان على بُعد مسافةٍ قصيرة من الهيكل حيث كان تلاميذ عيسى المسيح ينادون أمام الحشود بأنّ النبيّ قد قام من الأموات. كان ينبغي أن يكون من السهل على القادة اليهود تكذيب رسالتهم عن القيامة بمجرّد إظهار الجسد (الذي يشبه يسوع) في القبر. إنّها لحقيقة أنّ رسالة القيامة (التي يمكن إثبات بطلانها مع وجود جسدٍ ما زال في القبر) بدأت بالقرب من القبر نفسه، حيث كان بإمكان الجميع رؤية الدليل. بما أنّ القادة اليهود لم يدحضوا رسالة التلاميذ (ادّعاءهم) بإظهار الجسد، فإنّه لم يكن هناك جسدٌ ليُظهروه.

آمن الآلاف برسالة القيامة في أورشليم

     تحوَّل الآلاف إلى الإيمان بقيامة عيسى المسيح الجسديَّة في أورشليم في ذلك الوقت. لو كنت واحدًا من بين الحشود التي كانت تستمع إلى بطرس، وتتساءل عمّا إذا كانت رسالته صحيحة، أما كنت لتأخذ على الأقلّ استراحة للغداء وتذهب إلى القبر لترى بنفسك إن كان لا يزال جسدٌ هناك؟ لو كان جسد يهوذا (الذي يشبه النبيّ عيسى المسيح) لا يزال في القبر، لما كان أحدٌ قد آمنَ برسالة الرُسُل. لكنَّ التاريخ يسجِّل أنّ التلاميذ ربحوا آلاف الأتباع، بدءًا من أورشليم. إنّ ذلك كان سيبدو مستحيلًا بوجود جسد يشبه النبيّ لم يزل موجودًا في أورشليم. إنّ بقاء جسد يهوذا في القبر يقود إلى تفسيراتٍ عبثيَّة، ولا معنى له.

لا يمكن لنظريَّة جسد يهوذا تفسير القبر الفارغ

     إنّ المشكلة في هذه النظريَّة التي تقول إنّ يهوذا تغيَّر ليبدو مثل عيسى المسيح، ومن ثَمَّ صُلِب ودُفِنَ في مكانه، هي أنّها تنتهي بوجود جسدٍ في القبر. لكنّ القبر الفارغ هو التفسير الوحيد لكون التلاميذ قادرين على إنشاء حركة، بعد بضعة أسابيع فقط من (عيد العنصرة) يوم الخمسين، مبنيَّة على قيامة النبيّ في مدينة تنفيذ الحكم نفسها.

     كان هناك خياران فقط، أحدهما عن جسد يهوذا الذي بدا مثل النبيّ وبقي في القبر، والآخر هو قيامة عيسى المسيح بوجود قبرٍ فارغ. بما أنّ بقاء الجسد في القبر يؤدّي إلى تفسيراتٍ عبثيّة، فلا بدَّ من أنّ عيسى المسيح قد مات على يد الرومان وقام من القبر كما هو مذكورٌ بوضوح، واهبًا لنا عطيَّة حياته.

     ولمزيدٍ من بحث هذه المسألة، يراجع الباحث كومينغ (Cumming) تفسيرات كتابات السُنَّة التي قام بها رجال الدين والعلماء.

كيف تكون علاقة راعوث وبوعز قصة حب فريدة؟

لو أنك أردت أن تسمي قصصَ حبٍّ عظيمةٍ، لكنت اقترحت قصَّة الحبِّ بين النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وخديجة، أو بين النبيِّ و زوجته المفضّلة عائشة، أو بين علي وفاطمة. وفي السينما والأدب، قد تفكر بروميو وجولييت، الجميلة والوحش، علي وياسمين في فيلم علاء الدين، وربما سندريلا والأمير الساحر. في هذه جميعها يجتمع التاريخ وثقافة الموسيقى الحديثة والروايات العاطفية الخياليّة لكي تقدّم قصص حبّ عاطفيّة تسحر قلوبنا وعواطفنا وتخيلاتنا.

بشكل يثير الدهشة، الحب الذي نما بين راعوث وبوعز قد برهن على أنّه أكثر بقاءً ونبلاً من جميع علاقات الحب هذه، وهو في الواقع لا يزال يؤثر في حياة مليارات الناس منا، الذين يعيشون اليوم. أكثر من ثلاث آلاف سنة بعد اجتماع هذين الحبيبن.

سورة الماعون، الضحى، الانشراح، والممتحنة هي أمثلةٌ في راعوث وبوعز

توضح قصة راعوث وبوعز مبادئ أزليَّة من هذه السور. إن بوعز بلطفه القليل نحو راعوث، كان العكس تمامًا من الرجل الشرير الذي تحذّرنا منه سورة الماعون (سورة 107)

فذلك الذي يدعُّ اليتيم * ولا يحضُّ على طعام المسكين *

سورة الماعون 107: 2-3

الذين هم يراءون

سورة الماعون 107: 7

راعوث هي مثالٌ كاملٌ عن الخبرات الموصوفة في سورة الضحى (سورة 93)

ووجدك ضالاً فهدىوَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ

(سورة الضحى 93: 7)

وخبرات نُعمي، الحماة في قصة راعوث، هي وصف واضحٌ للمبادئ المُدرجة في سورة الانشراح (سورة 94).

ألم نشرح لك صدرك * ووضعنا عنك وزرك* الذي أنْقضَ ظهرك*ورفعنا لك ذكرك * فإن مع العسر يسراَ *إن مع العسر يسراَ.

سورة الانشراح 94: 1-6

إن الطريقة التي امتحن بها بوعز اللاجئة المؤمنة راعوث هي مثالٌ لتطبيق سورة الممتحنة (سورة 60)

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلمُؤمِنَٰتُ مُهَٰجِرَٰت فَٱمتَحِنُوهُنَّ ٱللَّهُ أَعلَمُ بِإِيمَٰنِهِنَّ فَإِن عَلِمتُمُوهُنَّ مُؤمِنَٰت فَلَا تَرجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلّ لَّهُم يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلمُؤمِنَٰتُ مُهَٰجِرَٰت فَٱمتَحِنُوهُنَّ ٱللَّهُ أَعلَمُ بِإِيمَٰنِهِنَّ فَإِن عَلِمتُمُوهُنَّ مُؤمِنَٰت فَلَا تَرجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلّ لَّهُم وَلَا هُم يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَءَاتُوهُم مَّآ أَنفَقُواْ وَلَا جُنَاحَ عَلَيكُم أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَآ ءَاتَيتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلكَوَافِرِ وَسلُواْ مَآ أَنفَقتُم وَليَسلُواْ مَآ أَنفَقُواْ ذَٰلِكُم حُكمُ ٱللَّهِ يَحكُمُ بَينَكُم وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيم(سورة الممتحنة 60: 10)

سورة الممتحنة 60: 10

قصة راعوث وبوعز درس لنا اليوم

إن علاقة حبهما هي أيضاً صورة للحب الصوفي الروحي الذي يقدمه الله لي ولك. تعالج قصة راعوث وبوعز الحب المحرَّم عبر الثقافات والهجرة والعلاقة بين رجل قوي وامرأة مُسَضعَفَة – وهي تنطبق أيضًا على عصر ’’أنا أيضاَ‘‘ (MeToo#) بأنها تعالج العلاقات القديمة بين اليهود والعرب، وهكذا تصبح مخططاً لنا عن كيفية تأسيس زواجٍ سليمٍ جيدٍ. وبحسب أيَّ واحدٍ من هذه العوامل، فإن قصة حب راعوث وبوعز تستحق الاطّلاع عليها.

قصتهما مسجّلة في سِفر راعوث في الكتاب المقدس/الكتاب. إنه سفرٌ قصيرٌ يستحق القراءة (هنا). وقعت أحداث القصّة في سنة 1150 قبل الميلاد – مما يجعلها من أقدم قصص الحب المسجلة. وتم تمثيلها في العديد من الأفلام.

فيلم هوليوود يصف قصة حب راعوث

قصة حب راعوث

غادرت نُعمي وزوجها – وكلاهما يهوديان – مع ابنيهما، إسرائيل للهرب من الجفاف والجوع. واستقروا في بلاد موآب القريبة (الأردن اليوم). بعد أن تزوج الابنان امرأتين محلّيتين توفّيا، كما توفي زوج نُعمي، تاركاً إياها لوحدها مع زوجتَي ابنيهما. ثم قررت نُعمي الرجوع إلى وطنها إسرائيل. وقررت زوجة أحد ابنيهما، راعوث، أن ترافقها. وبعد غياب طويل، رجعت نُعمي إلى موطنها أورشليم كأرملة مفتقرَة ترافقها راعوث، المهاجرة الموآبية (العربية) الشابة المستضعفة.

راعوث تقابل بوعز

ذهبت راعوث، بدون أن يكون لديها أي دخل، لتجمع القمح من وراء الحصادين المحليين في الحقول. كانت شريعة النبي موسى، عليه السلام، التي كانت بمثابة شبكة أمانٍ اجتماعية، قد أمرت الحصّادين أن يتركوا بعض القمح وراءهم في حقولهم ليستطيع الفقراء جمعَ الطعام. وعلى ما يبدو، بطريقة عشوائية، وجدت راعوث نفسها تلتقط القمح في حقول مالك أرض غنيٍّ اسمه بوعز. لاحظ بوعز راعوث من بين الأشخاص الآخرين الذين كانوا يعملون بجدٍّ لجمع القمح من وراء العاملين لديه. فأمر مراقبي العمال أن يتركوا مزيداً من القمح وراءهم في الحقل لتستطيع راعوث أن تجمع أكثر من السابق. في عمله هذا، أعطى بوعز مثالاً مغايراً للرجل الشرير في سورة الماعون، وتم سدُّ احتياجات راعوث كما وضّحت سورة الضحى.

راعوث تقابل بوعز. رُسِمت لوحات فنية كثيرة لوصف اجتماعهما

لأن راعوث استطاعت أن تجمع بوفرة في حقول بوعز، كانت ترجع إلى حقوله كل يوم لتجمع ما بقي من القمح. وكان بوعز، وهو المحامي الدائم، يضمن ألّا يضايق أو يتحرش أي واحد من عماله براعوث. بدأ اهتمام واحدهما بالآخر يزداد، ولكن بسبب الفارق الكبير في السنّ، والمكانة الاجتماعية، واختلاف الجنسية، لم يأخذ أي واحد منهما المبادرة نحو الآخر. وهنا تدخلت نُعمي لترتيب الزواج. وأمرت راعوث أن تستلقي بجرأة بجانب بوعز في الليل بعد أن يكون قد احتفل بجمع الحصاد. فهم بوعز أن هذا العمل هو عرضٌ للزواج، وقرر أن يتزوجها.

الفادي النسيب

لكن الوضع كان أكثر تعقيداً من كونه علاقة حب بينهما. نُعمي هي قريبة بوعز، وبما أن راعوث هي زوجة ابنها، فإن بوعز وراعوث أقرباء بالزواج. كان ينبغي على بوعز أن يتزوجها “كالفادي النسيب”. كان هذا يعني في ما يتعلَّق بشريعة موسى – عليه السلام – أن يتزوجها ’’بـ اسم‘‘ زوجها الأول (ابن نُعمي)، وهكذا يعيلها. وكان هذا يعني أيضاً أن على بوعز أن يشتري حقول عائلة نُعمي. ومع أن هذا الشراء بدا مكلفاً لبوعز، إلا أنه لم يكن العقبة الأكبر. كان هناك قريب آخر أقرب لنُعمي، لديه الحق الأول في شراء حقول عائلة نُعمي (وبالتالي، يتزوج راعوث أيضاً). لذلك، كان زواج راعوث وبوعز يتوقف على ما إذا أراد رجلٌ آخر أن يتحمّل مسؤولية الاعتناء بنُعمي وراعوث. في اجتماع عام لشيوخ المدينة، قرر هذا القريب الأول رفض الزواج لأن قبوله كان يعني المخاطرة بممتلكاته. وهكذا أصبح بوعز حراً في أن يشتري ممتلكات نُعمي، ويفديها، ويتزوج راعوث. وهكذا وجدت نُعمي بعد سنوات كثيرة صعبة، الراحة والفرج.

تراث راعوث وبوعز

بعد زواجهما، رُزقا بطفل اسمه عوبيد، الذي أصبح بدوره جدّ الملك داود. أُعطيَ داود وعداً بأن المسيح سيأتي من عائلته. تنبأت نبوءات أخرى عن الولادة من عذراء، وأخيراً، عيسى المسيح، عليه السلام، وُلد في بيت لحم، وهي البلدة نفسها التي اجتمعت فيها راعوث وبوعز منذ زمن طويل. نتج عن حبهما وزواجهما وعائلتهما، طفل هو اليوم أساس التقويم الحديث، وعطلة عيد الميلاد والفصح – وهو أمرٌ ليس بالسيء بخصوص علاقة حب في قرية يملؤها الغبار أكثر من 3000 سنة مضت.

صورة قصة حب أعظم

إن الشهامة والاحترام اللذين عامَل بهما بوعز الغنيّ والقوي راعوث -المرأة الأجنبية البائسة – هما نموذجٌ مغايرٌ للمضايقات والاستغلال الشائعين في أيام ’’أنا أيضاً‘‘. إن التأثير التاريخي لخط العائلة الذي أنتجه هذا الزواج وهذا الحب، والذي يذكرنا به في كلّ مرّةٍ نلاحظ فيها التاريخ على أجهزتنا، يعطي قصة الحب هذه تراثاً دائماً. لكنّ قصة حبّ راعوث وبوعز هي أيضاً صورة حبٍّ أعظم بكثير – أنا وأنت مدعوان إليه.

الكتاب المقدس/الكتاب يصفنا على أننا مثل راعوث عندما يقول:وازرعها لنفسي في الأرض وأرحم لورُحامة وأقول للوعميّأنت شعبي وهو يقول أنت إلهي

هوشع 2: 23

استخدم النبي هوشع في العهد القديم (750 قبل الميلاد) المصالحة التي تمت في زواجه المحطَّم ليصوِّر الله وهو يقدم لنا محبته. ومثل راعوث التي دحلت الأرض كامرأة غير محبوبة، لكنّ بوعز أظهر لها المحبة بعد ذلك، يرغب الله في أن يبيّن محبته حتى للذين يشعرون أنهم بعيدون عن محبتِه. هذه الفكرة مقتبسة من الإنجيل/العهد الجديد (رومية 9: 25) لتبيّن كيف يسعى الله بشكلٍ كبير ليحب البعيدين عنه.

كيف يبين الله محبته؟ إن عيسى المسيح، الشخص المتحدِّر من بوعز وراعوث، كإنسان، هو ’’قريبنا‘‘ كما كان بوعز قريب راعوث. فهو سدَّد دَيْنَ خطيّتنا إلى الله عندما صُلِبَ على الصليب، وهكذا.

بذل نفسه لأجلنا لكي يفدينا من كلِّ إثم ويطهّر لنفسه شعباً خاصاً غيّوراً في أعمالٍ حسنة

تيطس 2: 14

وكما كان بوعز “الفادي النسيب” الذي دفع الثمن ليفدي راعوث، فإن يسوع هو فادينا القريب الذي دفع (حياته) ليفدينا.

نموذج لزواجنا

إن الطريقة التي دفع بها عيسى المسيح (وبوعز) الثمن ليفدينا ومن ثم ربح بوعز عروسه، تقدم لنا نموذجاً لكيفية بناء زواجنا. يفسّر الكتاب المقدس كيف نؤسس زواجنا:

خَاضِعِينَ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ فِي خَوْفِ اللهِ. أَيُّهَا النِّسَاءُ اخْضَعْنَ لِرِجَالِكُنَّ كَمَا لِلرَّبِّ، لأَنَّ الرَّجُلَ هُوَ رَأْسُ الْمَرْأَةِ كَمَا أَنَّ الْمَسِيحَ أَيْضاً رَأْسُ الْكَنِيسَةِ، وَهُوَ مُخَلِّصُ الْجَسَدِ. وَلَكِنْ كَمَا تَخْضَعُ الْكَنِيسَةُ لِلْمَسِيحِ، كَذَلِكَ النِّسَاءُ لِرِجَالِهِنَّ فِي كُلِّ شَيْءٍ. أَيُّهَا الرِّجَالُ، أَحِبُّوا نِسَاءَكُمْ كَمَا أَحَبَّ الْمَسِيحُ أَيْضاً الْكَنِيسَةَ وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِهَا، لِكَيْ يُقَدِّسَهَا، مُطَهِّراً إِيَّاهَا بِغَسْلِ الْمَاءِ بِالْكَلِمَةِ، لِكَيْ يُحْضِرَهَا لِنَفْسِهِ كَنِيسَةً مَجِيدَةً، لاَ دَنَسَ فِيهَا وَلاَ غَضْنَ أَوْ شَيْءٌ مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ، بَلْ تَكُونُ مُقَدَّسَةً وَبِلاَ عَيْبٍ. كَذَلِكَ يَجِبُ عَلَى الرِّجَالِ أَنْ يُحِبُّوا نِسَاءَهُمْ كَأَجْسَادِهِمْ. مَنْ يُحِبُّ امْرَأَتَهُ يُحِبُّ نَفْسَهُ. فَإِنَّهُ لَمْ يُبْغِضْ أَحَدٌ جَسَدَهُ قَطُّ بَلْ يَقُوتُهُ وَيُرَبِّيهِ، كَمَا الرَّبُّ أَيْضاً لِلْكَنِيسَةِ. لأَنَّنَا أَعْضَاءُ جِسْمِهِ، مِنْ لَحْمِهِ وَمِنْ عِظَامِهِ. مِنْ أَجْلِ هَذَا يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ، وَيَكُونُ الِاثْنَانِ جَسَداً وَاحِداً. هَذَا السِّرُّ عَظِيمٌ، وَلَكِنَّنِي أَنَا أَقُولُ مِنْ نَحْوِ الْمَسِيحِ وَالْكَنِيسَةِ. وَأَمَّا أَنْتُمُ الأَفْرَادُ، فَلْيُحِبَّ كُلُّ وَاحِدٍ امْرَأَتَهُ هَكَذَا كَنَفْسِهِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلْتَهَبْ رَجُلَهَا.

فسس 5 : 21-33

وحيث أن بوعز وراعوث أسسا زواجهما على المحبة والاحترام، وحيث أنّ عناية عيسى هي نموذج للأزواج ليحبوا زوجاتهم بمحبة مضحية، نفعل نحن حسناً أن نبني زواجنا على هذه القيم ذاتها.

دعوة للعرس لكَ ولي

كما هو الحال في جميع قصص الحب الكبيرة، يختم الكتاب المقدس/الكتاب بعرس. وكما أن الثمن الذي دفعه بوعز لفداء راعوث مهّد الطريق لعرسهما، هكذا مهّد الثمن الذي دفعه عيسى المسيح الطريق لعرسنا. ذلك العرس ليس استعارة مجازية، بل حقيقياً، والذين يقبلون دعوة عرسه يُدعَون ’’عروس المسيح‘‘ كما يقول:

لنفرح ونتهلل ونعطه المجد لأن عرس الخروف قد جاء وامرأته هيأت نفسها. (رؤيا 19: 7)

رؤيا 19: 7

الذين يقبلون عرض يسوع للفداء يصبحون ’’عروسه‘‘. هذا العرس السماويّ يُعطَى لنا جميعاً.

يختم الكتاب المقدس بهذه الدعوة لكَ ولي، لنأتي إلى عرسه.

والروح والعروس يقولان تعالَ. ومن يسمع فليقلْ تعالَ.

ومن يعطش فليأتِ. ومن يّرد فليأخذ ماء حياة مجاناً.

رؤيا 22: 17

العلاقة بين راعوث وبوعز، هي نموذج حب لا يزال له تأثيره اليوم. إنها صورة لمحبة الله السماوية. إنه سوف يتزوج كعروسٍ له، جميع الذين يقبلون عرض زواجه. وكما هو الحال في أي عرض زواج، ينبغي أن تقيّم عرضه لترى إذا كانت ستقبله. ابدأ هنا بالخطة المدرجة في البداية مع آدم، هنا لترى كيف رأى إبراهيم الخطة، و هنا كيف بيّن النبي موسى كيف سيدفع الفادي الثمن، وهنا لترى كيف تم التنبؤ عنه قبل وقتٍ طويلٍ لكي نعرف في الواقع أنه عرض الله.

اقتباسٌ آخر لسفر راعوث في فيلم

هل تساعد الملائكة عن اليمين وعن الشمال في يوم القيامة

 سورة الحق (سورة 69 – الواقع) تصف كيف سيتكشف يوم القيامة مع انفجار البوق.

ثم عندما يتم تفجير القرن بانفجار واحدوترفع الأرض والجبال وتسويت بضربة واحدة -ثم في ذلك اليوم ، ستحدث القيامةوسوف تنقسم السماء [مفتوحة] ، لأنه في ذلك اليوم عجزة.والملائكة في حوافها. وسيحمل عرش ربك فوقهم في ذلك اليوم ثمانية منهم.

،سورة الحق 69: 13-18

تصفُ سورة ق (أو: قاف) (سورة 50) اليوم الذي يُنفَخٌ في بوق الله وتكشف الملائكة الحارسة على الجانبَين الأيمن والأيسر عن سجلِّ أعمالنا ومزايانا. تقولُ هذه الآيات:


ولقد خلقنا الإنسان بالفعل ونعرف ما تهمس به روحه ، ونحن أقرب إليه من الوريد الوداجيعندما استقبال اثنين من أجهزة الاستقبال ، يجلس على اليمين وعلى اليسار.لا ينطق الإنسان بأي كلمة إلا أنه مراقب مُعد [للتسجيل]وتسمم الموت سيجلب الحقيقة. هذا ما كنت تحاول تجنبه.وسوف يكون في مهب القرن. هذا هو يوم [تنفيذ] التهديد.وسوف تأتي كل روح ، معها سائق وشاهد.سيقال] ، “لقد كنت بالتأكيد في غموض من هذا ، وقمنا بإزالة غطاء الخاص بك ، لذلك بصرك ، هذا اليوم ، هو حاد”.ورفيقه ، [الملاك] ، سيقول ، “هذا [السجل] هو ما هو معي ، معد”.

(سورة قاف 50: 16- 23)

     تقول الآية 20 إنّ تحذير البوق قد وردَ ذكره من قبل (قبل نزول الوحي في القرآن الكريم). متى ورد ذكره؟ لقد ذكره عيسى المسيح (عليه الصلاة والسلام) عندما تنبَّا في الإنجيل بأنّ عودته إلى الأرض سيُعلنها بوقٌ من السماء.

31 وَسَيُرسِلُ مَلائِكَتَهُ بِمُصاحَبَةِ صَوتِ بُوقٍ مُرتَفِعٍ، فَيَجمَعُونَ الَّذِينَ اختارَهُمْ مِنَ الجِهاتِ الأربَعِ، مِنْ أقصَى السَّماءِ إلَى أقصاها.

متى 24: 31

     ما الذي سيحدثُ بعد هذا؟ تصفُ سورة (ق) ملاكًا عن يميننا وملاكًا عن شمالنا يُسجِّل أفعالنا. بما أنّ الله أقربُ إلينا من حبل الوريد، فإنّ الإنجيل يُخبرنا أنّ سجلّات أعمالنا هذه واسعةٌ للغاية إلى درجة أنّها في الواقع ’’كتبٌ‘‘. ورد وصف هذا الأمر في رؤيا يوحنا، وهو تلميذ عيسى، عليه الصلاة والسلام، في الكتاب (السفر) الأخير من الأنجيل. كما قد كُتِبَ.

11 ثُمَّ رَأيتُ عَرشاً كَبِيراً أبيَضَ، وَرَأيتُ الجالِسَ عَلَيهِ. السَّماءُ وَالأرْضُ هَرَبَتا مِنْ أمامِهِ، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُما أثَرٌ!   15 وَمَنْ لَمْ يَكُنِ اسْمُهُ مَكتُوباً فِي كِتابِ الحَياةِ، طُرِحَ فِي البُحَيرَةِ المُتَّقِدَةِ.

رؤيا 20: 11-15

 يُعلِنُ هذا السِفر أنّه سيُحكَم على الجميع ’’بحسب أعمالهم‘‘ كما هو مُسَجَّل في الكُتُب‘‘. لذلك نحن نُسلِّم على الملائكة عن يميننا وعن شمالنا بعد الصلوات، آملين الحصول على بعض  المزايا عند تسجيل الأعمال.

كتاب الحياة

     لكن لاحظْ أنّ هناك كتابًا آخر بعنوان’’كتاب الحياة‘‘ الذي يختلف عن كُتُب حِفظ السجلّات الخاصّة باستحقاق الصالح والطالح.  وهو كتابٌ ينصُّ على أنّ ’’أيَّ شخصٍ‘‘ لا يُعثَر على اسمه في كتاب الحياة سيُطرَحُ في بحيرة النار (وهو مُصطَلَحٌ آخرٌ للجحيم). لذلك، حتى ولو كانت قائمة المزايا الحسنة التي سجّلها الملاك عن يميننا طويلةً جدًّا، وقائمة الخطايا التي سجّلها الملاك عن يسارنا قصيرةً جدًّا – حتى في ذلك الحين، إذا لم يكن اسمنا مذكورًا في ’’كتاب الحياة‘‘ فإنّنا نكون لا نزال محكومين بالذهاب إلى الجحيم. ما هو ’’كتاب الحياة‘‘ هذا، وكيف يُسَجَّل اسمنا في هذا الكتاب؟

     يقول كلُّ من التوراة والقرآن أنّه عندما أخطأ آدم، طرده الله من الجنَّة وجعله إنسانًا فانيًا. وهذا معناه إنّنا (نحن أولاده) قد انفصلنا عن مصدر الحياة. وهذا هو سبب كوننا بشرًا فانين وسنموت يومًا ما. جاء النبيّ عيسى المسيح، عليه السلام، لإعادة هذه الحياة لنا بحيث يمكن إدخال أسمائنا في كتاب الحياة. كما أعلنَ

«أقُولُ الحَقَّ لَكُمْ: إنَّ مَنْ يَسْمَعُ كَلامِي وَيُؤْمِنُ بِمَنْ أرسَلَنِي، يَنالُ حَياةً إلَى الأبَدِ. وَلا يَكُونُ تَحْتَ حُكْمِ الدَّيْنُونَةِ، بَلْ قَدْ عَبَرَ مِنَ المَوْتِ إلَى الحَياةِ

يوحنا 5: 24

     كيف تنبَّأ النبيّ إبراهيم، عليه السلام، بهبةِ الحياة هذه، ولماذا يستطيع عيسى المسيح أن يهبنا الحياة، موضَّحٌ هنا بالتفصيل. تحذِّرنا سورة (ق) من أنّه

“رمي في الجحيم كل كافر عنيد

سورة قاف 50: 24

إذا كان هناك حياة أبديّة مُقدَّمة لنا، فلماذا لا نكون مُطَّلعينَ عليها؟

مَن كان النبيّ أيّوب؟ وما سبب أهميّته اليوم؟

تُورِدُ سورة البيِّنة (سورة 98) وصفًا للمُتطَلَّبات اللازمة ليكون الشخص رجلاً صالحًا.

وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ

وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ.

سورة البَيِّنَة 98: 5

وبالمثل، تُورِدُ صورة العصر (سورة 103) الصفات التي يجب أن نتَّصِف بها لتَجنُّب الهلاك (الخسارة) أمام الله.

إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ

وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْ.

سورة العصر 103: 2- 3

     كان النبيُّ أيّوب، عليه السلام، هو هذا الرجل الذي تصفه سورة البيِّنة وسورة العصر. لم يكن النبيّ أيّوب معروفًا جيِّدًا. ذُكِرَ اسمه في القرآن أربع مرّات.

إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ ۚ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ ۚ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا

سورة النساء 4: 163

وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ.

سورة الأنعام 6: 8

وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ.

سورة الأنبياء 21: 83

وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ.

سورة صاد 38: 41

     يظهر اسمُ أيّوب في قائمة الأنبياء، بمن فيهم إبراهيم، عيسى المسيح، داود، لأنّه كتب سِفرًا في الكتاب المقدَّس. يصفُ سِفره سيرة حياته. وقد عاش في الفترة الواقعة ما بين النبيّ نوح وإبراهيم، عليهما السلام. يصفه الكتاب المقدّس على هذا النحو:

كانَ رَجُلٌ فِي أَرْضِ عَوْصَ اسْمُهُ أَيُّوبُ. وَكَانَ هذَا الرَّجُلُ كَامِلاً وَمُسْتَقِيمًا، يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ. وَوُلِدَ لَهُ سَبْعَةُ بَنِينَ وَثَلاَثُ بَنَاتٍ. وَكَانَتْ مَوَاشِيهِ سَبْعَةَ آلاَفٍ مِنَ الْغَنَمِ، وَثَلاَثَةَ آلاَفِ جَمَل، وَخَمْسَ مِئَةِ فَدَّانِ بَقَرٍ، وَخَمْسَ مِئَةِ أَتَانٍ، وَخَدَمُهُ كَثِيرِينَ جِدًّا. فَكَانَ هذَا الرَّجُلُ أَعْظَمَ كُلِّ بَنِي الْمَشْرِقِ. وَكَانَ بَنُوهُ يَذْهَبُونَ وَيَعْمَلُونَ وَلِيمَةً فِي بَيْتِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي يَوْمِهِ، وَيُرْسِلُونَ وَيَسْتَدْعُونَ أَخَوَاتِهِمِ الثَّلاَثَ لِيَأْكُلْنَ وَيَشْرَبْنَ مَعَهُمْ. وَكَانَ لَمَّا دَارَتْ أَيَّامُ الْوَلِيمَةِ، أَنَّ أَيُّوبَ أَرْسَلَ فَقَدَّسَهُمْ، وَبَكَّرَ فِي الْغَدِ وَأَصْعَدَ مُحْرَقَاتٍ عَلَى عَدَدِهِمْ كُلِّهِمْ، لأَنَّ أَيُّوبَ قَالَ: «رُبَّمَا أَخْطَأَ بَنِيَّ وَجَدَّفُوا عَلَى اللهِ فِي قُلُوبِهِمْ». هكَذَا كَانَ أَيُّوبُ يَفْعَلُ كُلَّ الأَيَّامِ.

أيّوب 1: 1- 5

كان أيّوب يتحلَّى بجميع الصفات التي أعلنت سورة البَيِّنة وسورة العصر أنّها ضَروريَّة. ثمَّ ظهر الشيطان أمام الربّ. يسجِّل سفر أيّوب حديثهما.

وَكَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَنَّهُ جَاءَ بَنُو اللهِ لِيَمْثُلُوا أَمَامَ الرَّبِّ، وَجَاءَ الشَّيْطَانُ أَيْضًا فِي وَسْطِهِمْ. فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: «مِنَ أَيْنَ جِئْتَ؟». فَأَجَابَ الشَّيْطَانُ الرَّبَّ وَقَالَ: «مِنْ الْجَوَلاَنِ فِي الأَرْضِ، وَمِنَ التَّمَشِّي فِيهَا». فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: «هَلْ جَعَلْتَ قَلْبَكَ عَلَى عَبْدِي أَيُّوبَ؟ لأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُهُ فِي الأَرْضِ. رَجُلٌ كَامِلٌ وَمُسْتَقِيمٌ، يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ». فَأَجَابَ الشَّيْطَانُ الرَّبَّ وَقَالَ: «هَلْ مَجَّانًا يَتَّقِي أَيُّوبُ اللهَ؟ أَلَيْسَ أَنَّكَ سَيَّجْتَ حَوْلَهُ وَحَوْلَ بَيْتِهِ وَحَوْلَ كُلِّ مَا لَهُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ؟ بَارَكْتَ أَعْمَالَ يَدَيْهِ فَانْتَشَرَتْ مَوَاشِيهِ فِي الأَرْضِ. وَلكِنِ ابْسِطْ يَدَكَ الآنَ وَمَسَّ كُلَّ مَا لَهُ، فَإِنَّهُ فِي وَجْهِكَ يُجَدِّفُ عَلَيْكَ». فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: «هُوَذَا كُلُّ مَا لَهُ فِي يَدِكَ، وَإِنَّمَا إِلَيهِ لاَ تَمُدَّ يَدَكَ». ثمَّ خَرَجَ الشَّيْطَانُ مِنْ أَمَامِ وَجْهِ الرَّبِّ.

(أيّوب 1: 6-12

ثمَّ أوقعَ الشيطان كارثةً على أيّوب بهذه الطريقة:

وَكَانَ ذَاتَ يَوْمٍ وَأَبْنَاؤُهُ وَبَنَاتُهُ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ خَمْرًا فِي بَيْتِ أَخِيهِمِ الأَكْبَرِ، أَنَّ رَسُولاً جَاءَ إِلَى أَيُّوبَ وَقَالَ: «الْبَقَرُ كَانَتْ تَحْرُثُ، وَالأُتُنُ تَرْعَى بِجَانِبِهَا، فَسَقَطَ عَلَيْهَا السَّبَئِيُّونَ وَأَخَذُوهَا، وَضَرَبُوا الْغِلْمَانَ بِحَدِّ السَّيْفِ، وَنَجَوْتُ أَنَا وَحْدِي لأُخْبِرَكَ». وَبَيْنَمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ إِذْ جَاءَ آخَرُ وَقَالَ: «نَارُ اللهِ سَقَطَتْ مِنَ السَّمَاءِ فَأَحْرَقَتِ الْغَنَمَ وَالْغِلْمَانَ وَأَكَلَتْهُمْ، وَنَجَوْتُ أَنَا وَحْدِي لأُخْبِرَكَ». وَبَيْنَمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ إِذْ جَاءَ آخَرُ وَقَالَ: «الْكَلْدَانِيُّونَ عَيَّنُوا ثَلاَثَ فِرَق، فَهَجَمُوا عَلَى الْجِمَالِ وَأَخَذُوهَا، وَضَرَبُوا الْغِلْمَانَ بِحَدِّ السَّيْفِ، وَنَجَوْتُ أَنَا وَحْدِي لأُخْبِرَكَ». وَبَيْنَمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ إِذْ جَاءَ آخَرُ وَقَالَ: «بَنُوكَ وَبَنَاتُكَ كَانُوا يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ خَمْرًا فِي بَيْتِ أَخِيهِمِ الأَكْبَرِ، وَإِذَا رِيحٌ شَدِيدَةٌ جَاءَتْ مِنْ عَبْرِ الْقَفْرِ وَصَدَمَتْ زَوَايَا الْبَيْتِ الأَرْبَعَ، فَسَقَطَ عَلَى الْغِلْمَانِ فَمَاتُوا، وَنَجَوْتُ أَنَا وَحْدِي لأُخْبِرَكَ». فَقَامَ أَيُّوبُ وَمَزَّقَ جُبَّتَهُ، وَجَزَّ شَعْرَ رَأْسِهِ، وَخَرَّ عَلَى الأَرْضِ وَسَجَدَ، وَقَالَ: «عُرْيَانًا خَرَجْتُ مِنْ بَطْنِ أُمِّي، وَعُرْيَانًا أَعُودُ إِلَى هُنَاكَ. الرَّبُّ أَعْطَى وَالرَّبُّ أَخَذَ، فَلْيَكُنِ اسْمُ الرَّبِّ مُبَارَكًا». فِي كُلِّ هذَا لَمْ يُخْطِئْ أَيُّوبُ وَلَمْ يَنْسِبْ للهِ جِهَالَةً.

(أيّوب 1: 13-22

لكنّ الشيطان استمرَّ في استفزاز أيّوب ودَفْعِهِ ليلعنَ الربّ. لذلك كانت هناك تجربة ثانية.

وَكَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَنَّهُ جَاءَ بَنُو اللهِ لِيَمْثُلُوا أَمَامَ الرَّبِّ، وَجَاءَ الشَّيْطَانُ أَيْضًا فِي وَسْطِهِمْ لِيَمْثُلَ أَمَامَ الرَّبِّ. فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: «مِنْ أَيْنَ جِئْتَ؟» فَأَجَابَ الشَّيْطَانُ الرَّبَّ وَقَالَ: «مِنَ الْجَوَلاَنِ فِي الأَرْضِ، وَمِنَ التَّمَشِّي فِيهَا». فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: «هَلْ جَعَلْتَ قَلْبَكَ عَلَى عَبْدِي أَيُّوبَ؟ لأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُهُ فِي الأَرْضِ. رَجُلٌ كَامِلٌ وَمُسْتَقِيمٌ يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ. وَإِلَى الآنَ هُوَ مُتَمَسِّكٌ بِكَمَالِهِ، وَقَدْ هَيَّجْتَنِي عَلَيْهِ لأَبْتَلِعَهُ بِلاَ سَبَبٍ». فَأَجَابَ الشَّيْطَانُ الرَّبَّ وَقَالَ: «جِلْدٌ بِجِلْدٍ، وَكُلُّ مَا لِلإِنْسَانِ يُعْطِيهِ لأَجْلِ نَفْسِهِ. وَلكِنْ ابْسِطِ الآنَ يَدَكَ وَمَسَّ عَظْمَهُ وَلَحْمَهُ، فَإِنَّهُ فِي وَجْهِكَ يُجَدِّفُ عَلَيْكَ». فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: «هَا هُوَ فِي يَدِكَ، وَلكِنِ احْفَظْ نَفْسَهُ». فَخَرَجَ الشَّيْطَانُ مِنْ حَضْرَةِ الرَّبِّ، وَضَرَبَ أَيُّوبَ بِقُرْحٍ رَدِيءٍ مِنْ بَاطِنِ قَدَمِهِ إِلَى فَأَخَذَ لِنَفْسِهِ شَقْفَةً لِيَحْتَكَّ بِهَا وَهُوَ جَالِسٌ فِي وَسَطِ الرَّمَادِ. فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: «أَنْتَ مُتَمَسِّكٌ بَعْدُ بِكَمَالِكَ؟ بَارِكِ اللهِ وَمُتْ!». فَقَالَ لَهَا: «تَتَكَلَّمِينَ كَلاَمًا كَإِحْدَى الْجَاهِلاَتِ! أَالْخَيْرَ نَقْبَلُ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَالشَّرَّ لاَ نَقْبَلُ؟». فِي كُلِّ هذَا لَمْ يُخْطِئْ أَيُّوبُ بِشَفَتَيْهِ.

أيّوب 2: 1- 10

     لهذا السبب، تصِفُ سورة الأنبياء أيّوب وهو يصرخ في ضِيقته، وتوضِّحُ سورة صاد أنّ الشرّير (الشيطان) قد ابتلاهُ بالآلام.

في بؤسهِ وشقائه، كان لدى أيّوب 3 أصدقاء زاروه ليقدِّموا له العزاء ويُخفِّفوا عنه أساهُ.

فَلَمَّا سَمِعَ أَصْحَابُ أَيُّوبَ الثَّلاَثَةُ بِكُلِّ الشَّرِّ الَّذِي أَتَى عَلَيْهِ، جَاءُوا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ مَكَانِهِ: أَلِيفَازُ التَّيْمَانِيُّ وَبِلْدَدُ الشُّوحِيُّ وَصُوفَرُ النَّعْمَاتِيُّ، وَتَوَاعَدُوا أَنْ يَأْتُوا لِيَرْثُوا لَهُ وَيُعَزُّوهُ. وَرَفَعُوا أَعْيُنَهُمْ مِنْ بَعِيدٍ وَلَمْ يَعْرِفُوهُ، فَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ وَبَكَوْا، وَمَزَّقَ كُلُّ وَاحِدٍ جُبَّتَهُ، وَذَرَّوْا تُرَابًا فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ نَحْوَ السَّمَاءِ، وَقَعَدُوا مَعَهُ عَلَى الأَرْضِ سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَسَبْعَ لَيَال، وَلَمْ يُكَلِّمْهُ أَحَدٌ بِكَلِمَةٍ، لأَنَّهُمْ رَأَوْا أَنَّ كَآبَتَهُ كَانَتْ عَظِيمَةً جِدًّا.

أيّوب 2: 11- 13

يُسَجِّل سِفر أيّوب مناقشاتهم حول سبب حدوث مثل هذه المصيبة التي حلَّت على أيّوب. يمتَدُّ حديثهم على مدى فصولٍ عديدة. باختصار، يقول أصدقاء أيّوب له أنّ هكذا مصيبة كبيرة لا تُصيب سوى الأشرار، لذلك، لا بُدَّ أنّ أيّوب قد أخطأ سرًّا. وإذا ما اعترف بهذه الخطايا، فلربّما يُمنَح الغفران. لكنَّ أيّوب يردُّ باستمرار أنَّ لا لوم عليه في ما يتعلَّق بارتكاب الخطأ. إنّه لا يستطيع أن يفهم لماذا حلَّت عليه هذه المصائب.

لا يمكننا تتَبُّع كلّ جزءٍ من محادثتهم الطويلة، لكن في منتصف أسئلته، يُصرِّحُ أيّوب بما يعرفه بشكلٍ مؤكَّدٍ.

أَمَّا أَنَا فَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ وَلِيِّي حَيٌّ، وَالآخِرَ عَلَى الأَرْضِ يَقُومُ، وَبَعْدَ أَنْ يُفْنَى جِلْدِي هذَا، وَبِدُونِ جَسَدِي أَرَى اللهَ. الَّذِي أَرَاهُ أَنَا لِنَفْسِي، وَعَيْنَايَ تَنْظُرَانِ وَلَيْسَ آخَرُ.إِلَى ذلِكَ تَتُوقُ كُلْيَتَايَ فِي جَوْفِي.

أيّوب 19: 25-27

     مع أنّ أيّوب لم يفهم لماذا حلَّت عليه هذه المصائب، إلاّ أنّه عرف أنّ هناك ’’فاديًا‘‘ سيأتي إلى الأرض. الفادي هو الشخصُ القادر على سداد ما يكفي عن خطاياه. يدعو أيّوب الفادي باسم ’’فاديَّ‘‘ فهو عرف أنّ الفادي سيأتي لأجله. بعد اندثار جلد أيّوب (أيّ موته) سيرى الله في جسده.

     يتطلَّع أيّوب إلى يوم القيامة. لكنّه سيواجه الله في يوم القيامة بثقةٍ لأنَّ فاديهِ حيٌّ وقد فداهُ.

     تتحدَّث صورة المعارج (سورة 70) أيضًا عن فادٍ يوم القيامة. لكنَّ سورة المعارج تصفُ رجلًا أحمقًا يبحث بشكلٍ محمومٍ عن أيّ فادٍ في ذلك اليوم.

يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ

سورة المعارج 70: 11-14

     يبحثُ الرجلُ الأحمقُ في سورة المعارج دون جدوى عن أيّ شخصٍ ليفديه. إنّه يبحث عن فادي يفديه من ’’عقاب ذلك اليوم‘‘ – يوم الدينونة. لا يستطيع أولاده أو زوجته أو أخوه وجميع مَن هم على الأرض فدائه. فهم غير قادرين على أن يفدوه، لأنّ عليهم هم أيضًا عقابًا ليدفعوا ثمنه.

     كان أيّوبُ  رجلًا مستقيمًا، لكنّه أدرك مع ذلك أنّه كان يحتاج إلى مَن يفديه لأجل ذلك اليوم.  بالرغم من كلِّ مصائبه، كان واثقًا من أنّ لديه فاديًا. بما أنّ التوراة أعلنت أنّ عقاب كلّ خطيّة هو الموت، كان على الفادي أن يدفع الثمن بحياته. عرف أيّوب أن فاديه ’’في نهاية الأمر سيقوم  على الأرض‘‘. مَن كان ’’فادي‘‘ أيّوب؟ الشخص الوحيد على الإطلاق الذي مات ثمَّ قام من الأموات ليقوم على الأرض مرّةً أُخرى،  هو النبيّ عيسى المسيح عليه السلام. إنّه الشخص الوحيد القادر على دفع ثمن العقاب (الموت) لكنّه ’’ في النهاية سيقوم على الأرض‘‘.

     إذا كان إنسانٌ بارٌّ مثل أيّوب يحتاج إلى فادٍ لنفسه، فكم بالحري نحتاج أنت وأنا إلى فادٍ ليدفع ثمن عقابنا؟ إذا كان رجلٌ ذو صفاتٍ صالحة مذكورٌ في سورة البَيِّنة وسورة الأسر يحتاج إلى فادٍ، ألا نحتاج نحن أيضًا إليه؟ دعنا لا نكون مثل الرجل الأحمق في سورة المعارج الذي انتظر حتّى اليوم الأخير  وهو يحاول بشكلٍ محمومٍ العثور على أيّ شخصٍ يستطيع فدائه من عقابه. أرجو أن تفهم الآن كيف يستطيع النبيّ عيسى المسيح، عليه السلام، أن يفديك  كما تنبَّأ النبيّ أيّوب.

     في نهاية السِفر، جرى لقاءٌ بين أيّوب والربّ (هنا)، واستعاد ثروته (هنا).

لا يوجدُ تغييرٌ في النصِّ القرآني: ماذا تقول الأحاديث؟

’’القرآن هو الكتاب الأصلي – اللغةُ والحروف والتلاوات هي نفسها. لا مكانٌ للتفسير البشريّ أو لترجمةٍ مُحرَّفة… إذا أخذتَ نسخةً من القرآن من أي بيتٍ في جميع أنحاء العالم، فأنا أشكُّ في أنّك ستجد حتَّى فرقًا واحدًا بينهما‘‘.

     أرسل لي أحد الأصدقاء هذه الملاحظة. كان يقارن نص القرآن الكريم بنص الإنجيل/الكتاب المقدَّس. توجد أربع وعشرون ألف مخطوطة قديمة من الإنجيل، وفيها اختلافات ثانويَّة، حيث تختلف فيها بعض  الكلمات فقط. بالرغم من أنَّ جميع المواضيع والأفكار هي نفسها في جميع المخطوطات البالغ عددها 24000 مخطوطة، بما في ذلك موضوع عيسى المسيح يفدينا في موته وقيامته، إلا أنّه غالبًا ما يُدَّعى، كما هو مذكورٌ أعلاه، أنه لم يكن هناك تغييرات في القرآن. ويُنظَر إلى هذا  الادّعاء كدليل على تفوُّق القرآن على الكتاب المقدس ، ودليلٌ على حمايته الإعجازيَّة. ولكن ماذا تُخبرنا كتُب الحديث عن تكوين القرآن وتجميعه؟

تكوين القرآن من النبيّ إلى الخلفاء

رواهُ عمرُ بْن الخطَّاب

سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ – رضى الله عنه – يَقُولُ سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَؤُهَا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – أَقْرَأَنِيهَا (بطريقةٍ مختلفة)، وَكِدْتُ أَنْ أَعْجَلَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَمْهَلْتُهُ حَتَّى انْصَرَفَ، ثُمَّ لَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ فَجِئْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – فَقُلْتُ إِنِّى سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَأْتَنِيهَا، فَقَالَ لِى أَرْسِلْهُ. ثُمَّ قَالَ لَهُ اقْرَأْ». فَقَرَأَ. قَالَ «هَكَذَا أُنْزِلَتْ». ثُمَّ قَالَ لِى «اقْرَأْ». فَقَرَأْتُ فَقَالَ «هَكَذَا أُنْزِلَتْ. إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فَاقْرَءُوا مِنْهُ مَا تَيَسَّرَ«.

صحيح البُخاري 2419: الكتاب 44، الحديث 9

رواهُ ن ابنِ مسعود

«سَمِعْتُ رَجُلاً قَرَأَ آيَةً (قُرآنيَّة) وَسَمِعْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقْرَأُ خِلاَفَهَا، فَجِئْتُ بِهِ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَأَخْبَرْتُهُ، فَعَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ الْكَرَاهِيَةَ وَقَالَ: كِلاَكُمَا مُحْسِنٌ، وَلاَ تَخْتَلِفُوا، فَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ اخْتَلَفُوا فَهَلَكُوا«. صحيح البُخاري

3476: الكتاب 60، الحديث 143

يخبرنا هذان الحديثان بوضوح أنه كانت هناك، خلال حياة النبيّ محمَّد، عدّة نُسَخٍ مختلفة لتلاوة القرآن قد استُخدِمَت وتمَّ الموافقة عليها من قبل النبيّ محمدصلى الله عليه وسلم، فما الذي حدث بعد وفاته؟

أبو بكر والقرآن

 رواه زَيد بن ثابت

أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ مَقْتَلَ أَهْلِ اليَمَامَةِ، فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ عِنْدَهُ”، قَال أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَال: إِنَّ القَتْلَ قَدْ اسْتَحَرَّ يَوْمَ اليَمَامَةِ بِقُرَّاءِ القُرْآنِ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ القَتْلُ بِالقُرَّاءِ بِالْمَوَاطِنِ، فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنَ القُرْآنِ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ القُرْآنِ، قُلْتُ لِعُمَرَ: “كَيْفَ تَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ ” قَال عُمَرُ: هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ، “فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِذَلِكَ، وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأَى عُمَرُ”، قَال زَيْدٌ: قَال أَبُو بَكْرٍ: إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ لَا نَتَّهِمُكَ، وَقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَتَبَّعِ القُرْآنَ فَاجْمَعْهُ، “فَوَاللَّهِ لَوْ كَلَّفُونِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الجِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي مِنْ جَمْعِ الْقُرْآنِ قُلْتُ كَيْفَ تَفْعَلُونَ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسَلَّم قَالَ هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ فَلَمْ يَزَلْ أَبُو بَكْرٍ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ـ رضى الله عنهما ـ فَتَتَبَّعْتُ (ما كُتِبَ في) الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنَ الْعُسُبِ وَاللِّخَافِ وَصُدُورِ الرِّجَالِ حَتَّى وَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِيِّ لَمْ أَجِدْهَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرَهُ ‏لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَتَّى خَاتِمَةِ بَرَاءَةَ، فَكَانَتِ الصُّحُفُ (النُسخة) عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَيَاتَهُ ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ ـ رضى الله عنه.

صحيح البُخاري 4986: الكتاب 66، الحديث 8

     حدثّ ذلك في أيّام خلافة أبو بكرٍ، الذي جاء مباشرةً بعد النبيّ محمَّدﷺ. يُخبرنا هذا الحديث أنّ محمّد لم يقُم قَطّ بجمعِ القرآن في نصٍّ قياسيّ، ولم يُعطِ أيّة إشارة إلى أنّ هذا ما ينبغي القيام به. وبسبب الإصابات البالغة في المعارك بين الذين حفظوا القرآن غيبًا، أقنعَ أبو بكر وعُمَر (الذي أصبح ثاني الخلفاء) زَيدًا بالبدء في جمع القرآن من مصادر متنَوِّعة. كان زيدٌ مُتَردِّدًا في البداية لأنّ النبيّ محمّدﷺ لم يُشِرْ مطلقًا إلى الحاجة إلى جعل النصّ مقياسًا. فقد اتَّكلَ على أصحابه ليُعلِّموا القرآن لأتباعهم كما يُخبرنا هذا الحديث.

رواهُ مسروق

»خُذُوا (تعَلَّموا) الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ، مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَسَالِمٍ وَمُعَاذٍ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْب«.

صحيح البُخاري 4999: الكتاب 66، الحديث 21

     ولكن بعد موت النبيّﷺ، نشأت الخلافات بين الصحابة بسبب تلك التلاوات المختلفة. يُخبرنا الحديث أدناه عن خلافٍ حول

سورة 92: 1-3 (اللَّيل

رواهُ إبراهيم

حَدَّثَنَا عُمَرُ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ قَدِمَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ فَطَلَبَهُمْ فَوَجَدَهُمْ فَقَالَ أَيُّكُمْ يَقْرَأُ (القرآن) عَلَى قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ كُلُّنَا‏.‏ قَالَ فَأَيُّكُمْ يَحْفَظُ وَأَشَارُوا إِلَى عَلْقَمَةَ‏.‏ قَالَ كَيْفَ سَمِعْتَهُ يَقْرَأُ (عبد الله بن مسعود سورة اللّيل)‏ {‏وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى‏}‏‏‏؟.‏ قَالَ عَلْقَمَةُ ‏{‏وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى‏}‏‏.‏ قَالَ (أبو الدرداء) أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ هَكَذَا، وَهَؤُلاَءِ يُرِيدُونِي عَلَى أَنْ أَقْرَأَ ‏}‏وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى{‏ وَاللَّهِ لاَ أُتَابِعُهُمْ‏.‏ قاعدة بيانات الحديث:

المُجَلَّد 6، الكتاب 60، الحديث 468

     في قرآن اليوم، هناك قراءة ثانية لسورة اللّيل 92: 3. ومن المثير للاهتمام أنّ عبد الله، وهو أحد الأربعة المذكورين في الحديث السابق الذي اختاره النبيّ مُحمَّدﷺ وخصَّه بسلطةٍ على التلاوة القرآنيّة، وأبي الدرداء قد استخدمَا تلاوةً مختلفةً لهذه الآية ولم يرغبا في اتّباع الآخرين.

     يُبيِّن الحديث التالي أنّ أقاليم كاملة من الإمبراطوريّة الإسلاميّة كانت تتبع تلاواتً مختلفة، بحيث أنّه كان بالإمكان إثبات حقيقة منشأ شخصٍ ما من التلاوة التي كان يستخدمها. في الحالة المذكورة أدناه، كان عراقيّو الكوفة يتبعون تلاوة عبد الله بن مسعود لسورة 92: 1-3.

رواهُ علقَمة

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي، هِنْدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ لَقِيتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ فَقَالَ لِي مِمَّنْ أَنْتَ قُلْتُ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ ‏.‏ قَالَ مِنْ أَيِّهِمْ قُلْتُ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ ‏.‏ قَالَ هَلْ تَقْرَأُ عَلَى قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ؟ قَالَ قُلْتُ نَعَمْ ‏.‏ قَالَ فَاقْرَأْ (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى‏‏) قَالَ فَقَرَأْتُ ‏{‏ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى* وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى‏}‏ ‏.‏ قَالَ فَضَحِكَ ثُمَّ قَالَ هَكَذَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلَّم يَقْرَؤُهَا.‏

صحيح مُسلِم 824: الكتاب 6، الحديث 346

عن ابن عبّاس

قَالَ عُمَرُ: أُبَىٌّ أَقْرَؤُنَا (للقرآن) وَإِنَّا لَنَدَعُ مِنْ لَحَنِ أُبَىٍّ، وَأُبَىٌّ يَقُولُ أَخَذْتُهُ مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَلاَ أَتْرُكُهُ لِشَىْءٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {‏مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نَنْسَأْهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا‏}‏. صحيح البُخاري 5005: الكتاب 66، الحديث 27

صحيح البُخاري 5005: الكتاب 66، الحديث 27

     مع أنَّ أُبَيَّ كان يُعتبر ’’أفضل‘‘ مَن يتلو القرآن (وهو أحد الذين كان النبيُّ محمد-صلى الله عليه وسلم قد أشار إليهم) ، إلَّا أنَّ آخرين في المجتمع استبعدوا بعض ما كان يتلوه. كان هناك خلافٌ حول ما كان ينبغي أن يُنسَخ أو لا يُنسَخ. كانت الخلافات حول القراءات المختلفة والنسخ تُسبِّب التوتُّر. نرى في الحديث أدناه كيف تمّ تسوية هذه المشكلة.

الخليفة عثمان بن عفّان

رواهُ أنَس بن مالك

حَدَّثَنَا مُوسَى حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُ أَنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ وَكَانَ يُغَازِي أَهْلَ الشَّأْمِ فِي فَتْحِ إِرْمِينِيَةَ وَأَذْرَبِيجَانَ مَعَ أَهْلِ الْعِرَاقِ فَأَفْزَعَ حُذَيْفَةَ اخْتِلاَفُهُمْ  فِي الْقِرَاءَةِ (أهل الشام والعراق) فَقَالَ حُذَيْفَةُ لِعُثْمَانَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَدْرِكْ هَذِهِ الأُمَّةَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِفُوا فِي الْكِتَابِ اخْتِلاَفَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى حَفْصَةَ أَنْ أَرْسِلِي إِلَيْنَا بِالصُّحُفِ نَنْسَخُهَا فِي الْمَصَاحِفِ ثُمَّ نَرُدُّهَا إِلَيْكِ فَأَرْسَلَتْ بِهَا حَفْصَةُ إِلَى عُثْمَانَ فَأَمَرَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ فَنَسَخُوهَا فِي الْمَصَاحِفِ وَقَالَ عُثْمَانُ لِلرَّهْطِ الْقُرَشِيِّينَ الثَّلاَثَةِ إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ فَفَعَلُوا حَتَّى إِذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ فِي الْمَصَاحِفِ رَدَّ عُثْمَانُ الصُّحُفَ إِلَى حَفْصَةَ وَأَرْسَلَ (عثمان) إِلَى كُلِّ أُفُقٍ بِمُصْحَفٍ مِمَّا نَسَخُوا وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ مِنَ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ صَحِيفَةٍ أَوْ مُصْحَفٍ أَنْ يُحْرَقَ.

صحيح البُخاري 4987: الكتاب 66، الحديث 9

     لهذا السبب لا توجد قراءاتٌ مختلفةٌ اليوم. لم يكن السبب أنّ النبيّ محمّدﷺ تلَقَّى قراءة واحدة أو استخدَمَ تلاوة واحدة فقط (فهو لم يفعل ذلك، لقد استخدَمَ سبع تلاوات)، ولا لأنّه جمعَ قرآنًا مُوَحَّدًا. إنّه لم يفعل ذلك. في الواقع، إذا ما بحث شخصٌ ما عن تلاواتٍ مختلفة في السُنَّة على شبكة الإنترنت، هناك 61 حديثًا يناقش تلاواتً قرآنيّة مختلفة. قرآن اليوم ليس متباينًا أو مُتغَيِّرًا لأنّ عثمان (ثالث الخلفاء) أخذ إحدى القراءات ونقّحها وحرقَ جميع التلاوات الأُخرى. توضِّح الأحاديث التالية كيف بقيَ هذا التنقيح في قرآن اليوم.

رواهُ ابن عبّاس

قَالَ عُمَرُ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَطُولَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ حَتَّى يَقُولَ قَائِلٌ لاَ نَجِدُ الرَّجْمَ فِى كِتَابِ اللَّهِ. فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ، أَلاَ وَإِنَّ الرَّجْمَ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى، وَقَدْ أَحْصَنَ، إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ، أَوْ كَانَ الْحَمْلُ أَوْ الاِعْتِرَافُ – قَالَ سُفْيَانُ كَذَا حَفِظْتُ – أَلاَ وَقَدْ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ. 

صحيح البُخاري 6829: الكتاب 86، الحديث 56

رواهُ ابن عبّاس

إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم بِالْحَقِّ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ فَكَانَ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ آيَةُ الرَّجْمِ، فَقَرَأْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا، رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَرَجَمْنَا

بَعْدَهُ. البُخاري: الكتاب 86، الحديث 57

     ليس هناك آية حول الرَجْم لعلَّة الزِنى في القرآن اليوم. فهي بالتالي قد حُذِفَت.

قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ قُلْتُ لِعُثْمَانَ: هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ: ‏’’وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا...‏ إِلَى قَوْلِهِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ‏ قَدْ نَسَخَتْهَا الأُخْرَى، فَلِمَ تَكْتُبُهَا (في القرآن)؟ قَالَ عثمان. ’’تَدَعُهَا‏ (حيث هي)…‏ لاَ أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْهُ مِنْ مَكَانِهِ (أيّ القرآن)‏‏‘‘.

قاعدة بيانات الحديث: المُجلَّد 6، الكتاب 60، الحديث 60 ‏

          نرى هنا خلافًا بين عثمان وابن الزُبَير حول ما إذا كان نسخُ آية يعني أن تبقى أو لا تبقى في القرآن. رجَحَت كفّة عثمان، لذلك بقيَت هذه الآية في القرآن اليوم. ولكن كان هناك جدلٌ حولها.

عثمان وترويسة الآية 9 (التَوبة)

رواهُ عثمان ابن عفّان

عَنْ يَزِيدَ الْفَارِسِيِّ، قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ قُلْتُ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ مَا حَمَلَكُمْ أَنْ عَمَدْتُمْ، إِلَى (سورة) بَرَاءَةَ وَهِيَ مِنَ (سوَر) الْمِئِينَ (التي تحتوي مائة سورة) وَإِلَى (سورة) الأَنْفَالِ وَهِيَ مِنَ (سورة) الْمَثَانِي (السورة أو الآيات الأولى الأطول في القرآن) أو  فَجَعَلْتُمُوهُمَا فِي السَّبْعِ الطُّوَلِ وَلَمْ تَكْتُبُوا بَيْنَهُمَا سَطْرَ ‏{‏بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}‏؟

قَالَ عُثْمَانُ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِمَّا يَنْزِلُ عَلَيْهِ الآيَاتُ فَيَدْعُو بَعْضَ مَنْ كَانَ يَكْتُبُ لَهُ وَيَقُولُ لَهُ ‏ “‏ضَعْ هَذِهِ الآيَةَ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا‏”‏ ‏.‏ وَتَنْزِلُ عَلَيْهِ الآيَةُ وَالآيَتَانِ فَيَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ وَكَانَتِ الأَنْفَالُ مِنْ أَوَّلِ مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ وَكَانَتْ بَرَاءَةُ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ وَكَانَتْ قِصَّتُهَا شَبِيهَةً بِقِصَّتِهَا فَظَنَنْتُ أَنَّهَا مِنْهَا (أيّ جزء من الأنفال) فَمِنْ هُنَاكَ وَضَعْتُهُمَا فِي السَّبْعِ الطُّوَلِ وَلَمْ أَكْتُبْ بَيْنَهُمَا سَطْرَ ‏{‏بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}‏ ‏.

سُنَن أبي داود 786: الكتاب 2، الحديث 396

     سورة 9 (التوبة أو البراءة) هي السورة الوحيدة في القرآن التي لاتبدأ بالبَسمَلة ‏{‏بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}.‏  يُوضِّح الحديث السبب. اعتقَدَ عثمان أنّ سورة 9 كانت جزءًا من سورة 8 حيث أنّ المادّة فيهما متشابهة. نرى من طريقة الاستفهام أنّه كان هناك جدلٌ داخل المجتمع الإسلامي الأوّل. يُبيِّن الحديث التالي ردّ فعل أحد الصحابة على قرآن عثمان.

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ (بن مسعود) أَنَّهُ قَالَ (لأصحابه أن يخفوا نسخهم من القرآن) : ‏‏وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ‏، ثُمَّ قَالَ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ تَأْمُرُونِي أَنْ أَقْرَأَ فَلَقَدْ قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلّى اللهُ عليهِ وسَلَّم بِضْعًا وَسَبْعِينَ سُورَةً وَلَقَدْ عَلِمَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنِّي أَعْلَمُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَلَوْ أَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا أَعْلَمُ مِنِّي لَرَحَلْتُ إِلَيْهِ ‏.‏ قَالَ شَقِيقٌ فَجَلَسْتُ فِي حَلَقِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَرُدُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَلاَ يَعِيبُهُ.‏

صحيح مُسلِم 2462: الكتاب 44، الحديث 162

تبرز أمامنا عدّة أشياء:

  1. يطلبُ عبد الله بن مسعود من أتباعه تخبئة قرآنهم لسببٍ ما.
  2. يبدو أنّ أحدهم أمَرَه باستخدام تلاوةٍ مختلفة. يُفهَمُ هذا الأمر بشكلٍ أفضل على أنّه يُشيرُ إلى الوقت الذي قام فيه عثمان بتوحيد نسخته من القرآن.
  3. كان اعتراض ابن مسعود على تغيير طريقته في تلاوة القرآن هو أنّه: ’’أنا (مسعود) لديَّ فَهمٌ أفضل للقرآن.
  4. قال شقيق إنّ صحابة النبيّ مُحمَّدﷺ لم يُخالفوا مسعود.

النُسَخ النَصيَّة للقرآن اليوم

     لكن بعد نسخة عثمان، بقيت هناك قراءات مختلفة. في الواقع، يبدو أنّه كانت هناك عودة قانونيَّة لقراءاتٍ مختلفة في القرن الرابع بعد النبيﷺ. لذلك، ومع أنّ القراءة النصيّة الرئيسيّة العربيّة اليوم هي قراءة حفص، إلاّ أّنَّ هناك قراءة الورش، التي تُستَخدَم في الغالب في شمال أفريقيا، وقراءة الدوري التي هي أكثر ما تُستَخدَم في غرب أفريقيا، وقراءات أُخرى. إنَّ الفَرق بين هذه القراءات غالبًا ما يكون في التهجئة وفي بعض التغييرات الطفيفة في الكلمات، ولا يكون له عادةً أيّ تأثيرٍ في المعنى، لكن مع بعض الفروقات التي تؤثِّر في المعنى في السياق المباشر، ولكن ليس في الفكر الأوسع.

     إذن، هناك خيارٌ في ما يتعلَّق بأيّة نسخة من القرآن يجب استخدامها.

     لقد تعلَّمنا أنّ هناك قراءات مختلفة عربيّة للقرآن اليوم، وقد مرَّت هذه العمليّة بمراحل التنقيح والاختيار بعد موت النبيّ مُحمَّدﷺ. إنّ السبب في وجود تباينٍ ضئيلٍ في النصّ القرآني اليوم هو أنّ جميع الاختلافات النصيَّة قد أُحْرِقَت في ذلك الوقت. لا يوجد للقرآن حواشي لقراءة بديلة، ليس لأنّه لم يكن لديه قراءات البديلة، ولكن لأنّه تمَّ إِتلافَها.  ربما قدَّم عثمان تلاوةً جيّدةٍ للقرآن ، لكنها لم تكن التلاوة الوحيدة، ولم تُعتَمَد دون أن يدور جدلٌ حولها. وهكذا ظهرَت الفكرة المقبولة على نطاق واسعٍ بأنَّ القرآن هو ’’نصٌّ أصليٌّ – اللّغة والحروف والتلاوة هي نفسها. إنّ القَول بعدم وجود مكانٍ للتفسير البشري ’’غير صحيح‘‘. على الرغم من أن كلًّا من الكتاب المقدس والقرآن لديهما قراءات متباينة، إلّا أنَّ لديهما أدلّة قويّة على شكل مخطوطات تُشير إلى أنَّ النصَّ كما هو اليوم قريبٌ جدًّا من النصّ الأصليّ. يمكن أن يقدِّم لنا كلاهما صورة موثوقة عن الأصل. ينشغل كثيرون عن السعي لفهم رسالة الكتب المقدَّسة بالتبجيل المُفرِط لعصمة القرآن، وبالازدراء الذي لا مُبرَّر له لطريقة حفظ الكتاب المقدس. سيكون من الأفضل لنا التركيز على فهم الكتب المقدَّسة. لقد كان هذا هو سبب إعطائها في المقام الأول. المكان المُلائم للبدء به هو آدم.

مَن كان النبيّ إلياس؟ كيف يمكن أن يُرشدنا اليوم؟

     يُذكَر اسم النبيّ إلياس (إيليّا) ثلاث مرّات في سورة الأنعام وسورة الصافات. وهاتان السورتان تقولان لنا:

وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ

الأنعام 6: 85

وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ

اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آَبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ.

الصافات 37: 123-132

      يُذكَر اسم إلياس جنبًا إلى جنب مع يوحنا (يحيى) ويسوع (عيسى المسيح) لأنّه هو أيضًا أحد أنبياء الكتاب المقدَّس. وكما هو مذكورٌ، واجه النبيّ إلياس (إيليًّا) أنبياء الإله الصَنَم المعبود بَعل. هذه المباراة مُسَجَّلة بتفصيلٍ كبيرٍ في الكتاب المقدَّس هنا. سوف نستكشفُ أدناه البركة المُعطاة لنا (’’الآخرين‘‘ كما تَعِدُ بها سورة الصافات).

  لياس وامتحان أنبياء بعل

   كان إيليّا رجلاَ صارمًا وقويًّا واجه 450 نبيًّا لبعل. كيف يمكنه مقاومة كلّ هؤلاء؟ يشرحُ الكتاب المقدَّس أنّه استخدم امتحانًا ذكيًّا. كان عليه وعلى أنبياء بعل أن يُضحّوا بحيوانٍ، لكنّهم لن يُشعِلوا النار لتحرِق الذبيحة. كان على كلِّ جانب أن يدعو إلَهِهِ لإشعال النار من السماء. فالإله الذي يُشعِل الذبيحة بالنار من السماء  -يكون هو الإله الحقيقي الحيّ. وهكذا أخذ هؤلاء الأنبياء الأربعمائة وخمسين يدعون  إلى بعل، لمدّة يومٍ كاملٍ، ليُشعل ذبيحتهم من السماء – لكن لم تأتِ النار قَط. ثمَّ دعا إيليّا، وهو لوحده فقط، إلى الخالق ليُشعِل ذبيحته، وحالاً نزلت النار من السماء وأحرقَت الذبيحة كلّها. عرف الناس الذين عاينوا هذه المبارزة مَن هو الإله الحقيقيّ ومَن هو الإله الكاذب. وقد تبيَّنَ أنّ بعل كان كاذبًا.

امتحانًا ذكيًّا. كان عليه وعلى أنبياء بعل أن يُضحّوا بحيوانٍ، لكنّهم لن يُشعِلوا النار لتحرِق الذبيحة. كان على كلِّ جانب أن يدعو إلَهِهِ لإشعال النار من السماء. فالإله الذي يُشعِل الذبيحة بالنار من السماء  -يكون هو الإله الحقيقي الحيّ. وهكذا أخذ هؤلاء الأنبياء الأربعمائة وخمسين يدعون  إلى بعل، لمدّة يومٍ كاملٍ، ليُشعل ذبيحتهم من السماء – لكن لم تأتِ النار قَط. ثمَّ دعا إيليّا، وهو لوحده فقط، إلى الخالق ليُشعِل ذبيحته، وحالاً نزلت النار من السماء وأحرقَت الذبيحة كلّها. عرف الناس الذين عاينوا هذه المبارزة مَن هو الإله الحقيقيّ ومَن هو الإله الكاذب. وقد تبيَّنَ أنّ بعل كان كاذبًا.

     لم نكن نحن شهودًا لتلك المبارزة، لكن يمكننا تطبيق استراتيجيّة امتحان إيليَّا نفسها لمعرفة ما إذا كانت رسالة ما أو نبيٌّ قد أتيا من الله. تتمثَّل الاستراتيجيّة في القيام باختبارٍ بطريقةٍ لا يمكن إلاّ لله ورسله فقط أن ينجحوا فيه، في حين لا ينجح أولئك الذين يمتلكون قدرة بشريّة فقط مثل أنبياء بعل.

اختبار إيليّا اليوم

     ماذا سيكون مثل هذا الاختبار، بروح إيليَّا؟

تُجيبنا سورة النَجْم:

فَلِلَّهِ الْآَخِرَةُ وَالْأُولَ.

سورة النجم 53: 25

     الله وحده يعلم نهاية كلّ شيء حتّى قبل حدوث الآخرة. لا يعرف البشر نهاية الأشياء قبل حدوثها، لا يعرفونها إلاّ بعد حدوثها. إذن، الاختبار هو أن نرى ما إذا كانت الرسالة تتنبّأ بشكلٍ صحيحٍ عن المستقبل قبل أن يحدث بوقتٍ طويلٍ. لا يستطيع أيّ إنسان أو صَنمٍ معبودٍ أن يفعل هذا. الله وحده يستطيع.

     يتساءل كثيرون عمّا إذا كان النبيّ عيسى المسيح، عليه السلام، كما هو مُعلَنٌ عنه في الإنجيل، هو رسالة حقيقيّة من الله، أو عمّا إذا كان قد اختلقها أشخاصٌ أذكياء. يمكننا تطبيق اختبار إيليّا على هذا السؤال. أسفار التوراة والزبور، بالإضافة إلى أسفار الأنبياء، مثل إلياس، قد كُتِبَت قبل زمن عيسى المسيح عليه السلام بمئات، وحتّى بآلاف السنين. هذه الأسفار قد كتبها أنبياءٌء يهود، ولذلك هي ليست كتابات ’’مسيحيّة‘‘. هل تتضمَّن هذه الكتابات الأولى نبوّات تتنبّأ بشكلٍ صحيحٍ عن أحداث عيسى المسيح؟ في ما يلي مُلَخَّص النبوّات الواردة في التوراة. وهنا أيضًا مُلَخَّص للنبوّات في الزبور والأنبياء اللاّحقين. يمكنكم الآن القيام باختبارٍ، مثل اختبار النبيّ إلياس، لمعرفة ما إذا كان النبيّ عيسى المسيح عليه السلام، كما هو مُسَجَّل في الإنجيل، هو حقًّا من الله أم أنّه تشويهٌ بشريٌّ زائفٌ.

     ذكرَت سورة الإنعام بالإسم النبيّ إلياس جنبًا إلى جَنب مع يحيى وعيسى المسيح. ومن المُثير للاهتمام،  التنَبّو عن إلياس في السِفْر الأخير في العهد القديم على أنّه آتٍ ليُعِدّ القلوب لمجيء المسيح. ونرى في الإنجيل كيف جاء النبيّ يحيى بطريقة إلياس لمواجهة الناس ولإعدادهم لمجيء المسيح. إنّ شخص إلياس نفسه مُرتبط أيضًا ارتباطًا وثيقًا بالنبوّات عن يحيى والمسيح.

ليلة القدر، يوم المجد، وكلمة الأنبياء

سورة القدر (سورة97) تصفُ ليلة القدر عندما أُعلِنَ القُرآنُ للمرَّة الأولى.

إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ.

سورة القدر 97: 1-5

مع أنّ سورة القدر تصف ليلة القدر على أنّها ’’خيرٌ من ألفِ شهرٍ‘‘، إلاّ أنّها لا تزال تطرح السؤال: ما هي ليلة القدر؟ ماذا كان الروح يعمل حتّى جعل ليلة القدر خيرٌ من ألف شهر؟

سورة الليل (سورة 92) لديها موضوعٌ مُشابهٌ لليوم والنور الذي يتبع اللّيل. يأتي اليوم بمجدٍ، والله يهدي لأنّه يعرف كلّ شيءٍ من البداية إلى النهاية. لذلك، هو يُحذّرنا من النار في النهاية.

وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى.

سورة الليل 92: 1-2

   إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى وَإِنَّ لَنَا لَلْآَخِرَةَ وَالْأُولَى فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى.

سورة اللّيل 92: 12-14

قارن بين سورة القدر وسورة اللّيل بما يلي:

وَعِنْدَنَا الْكَلِمَةُ النَّبَوِيَّةُ، وَهِيَ أَثْبَتُ، الَّتِي تَفْعَلُونَ حَسَنًا إِنِ انْتَبَهْتُمْ إِلَيْهَا، كَمَا إِلَى سِرَاجٍ مُنِيرٍ فِي مَوْضِعٍ مُظْلِمٍ، إِلَى أَنْ يَنْفَجِرَ النَّهَارُ، وَيَطْلَعَ كَوْكَبُ الصُّبْحِ فِي قُلُوبِكُمْ.

2 بطرس 1: 19

هل ترى أوجُه تشابُه؟ عندما قرأتُ سورة القدر وسورة الليل، تذكّرتُ هذه الآية. إنّها تُعلنُ أيضًا طلوع النهار بعد اللّيل. أُعطي الإعلان للأنبياء خلال الليل. كما أنّها تُحذّرنا من عدم تجاهُل الرسائل النبويَّة. وإلاّ سنواجه عواقب وخيمة.

كتبَ الرسول بطرس هذه الآية، وهو الرسول الرئيسي ومرافق النبيّ عيسى المسيح، عليه السلام. تقول سورة الصَف (سورة 61) عن تلاميذ عيسى المسيح ما يلي:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ.

سورة الصَفّ 61: 14

تُعلِن سورة الصَفّ أنّ تلاميذ عيسى المسيح كانوا ’’أنصارَ الله‘‘. والذين يؤمنون برسالة التلاميذ يحصلون على هذه القوّة المذكورة. وبما أنّ بطرس كان التلميذ القائد، فهو كان قائد أنصار الله. ومع أنّه كان أحد تلاميذ عيسى المسيح، عليه السلام، شاهدًا لمعجزاته الكثيرة، ومُستمعًا لتعاليمه الكثيرة، معاينًا ممارسة سلطانه، إلاّ بطرس أعلنَ أكثر من كلّ ذلك أنّ كلمات الأنبياء كانت ’’أثبت‘‘. لماذا كان متأكِّدًا من أنّ الأنبياء أثبتَ ممّا شهده هو نفسه؟ يُتابع ويقول:

عَالِمِينَ هذَا أَوَّلاً: أَنَّ كُلَّ نُبُوَّةِ الْكِتَابِ لَيْسَتْ مِنْ تَفْسِيرٍ خَاصٍّ. لأَنَّهُ لَمْ تَأْتِ نُبُوَّةٌ قَطُّ بِمَشِيئَةِ إِنْسَانٍ، بَلْ تَكَلَّمَ أُنَاسُ اللهِ الْقِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ.

2 بطرس 1: 20-21

تُخبرنا هذه الآية أنّ الأنبياء كانوا ’’مَسوقين‘‘ من الروح القُدُس، ولهذا، فإنّ ما سردوه ومن ثَمَّ كتبوه كان ’’من الله‘‘. لهذا السبب، ليلةٌ مثل هذه أفضلُ من ألفِ شهرٍ لأنّها مُتأصِّلةٌ بالروح القُدس بدلاً من ’’إرادة الإنسان‘‘. تُخبرنا سورة الصَف أنّ الذين ينتبهون لرسالة بطرس سيحصلون على القوّة التي مورِسَت في ليلة القدر، وسينجحون.

في زمن النبيّ عيسى المسيح، كان ’’الأنبياء ‘‘ الذين كتبَ عنهم بطرس هم الأنبياء المذكورين في ما يُسمّى الآن العهد القديم – الكُتب المقدَّسة التي أتت قبل الإنجيل. تتضمَّن توراة النبيّ موسى سجلاّت من آدم، قايين وهابيل، نوح، لوط، وابراهيم. وكذلك تتضمَّن الروايات التي تتحدَّث عن موسى عندما واجه فرعَون، ثمَّ تسلَّم الشريعة، وأيضًا ذبائح أخيه هرون التي أخذَت منها سورة البقرة اسمها.

بعد انتهاء التوراة، أتى الزبور، حيث أوحى لداود أن يتكلَّم عن المسيّا القادم. ثمّ تنبَّأ أنبياءٌ متوالون عن المسيّا المولود من عذراء، وعن ملكوت الله المفتوح للجميع، وأيضًا عن الآلام العظيمة للخادم الآتي. ثمّ تمَّ التنَبّؤ عن اسم المسيّا بالإضافة إلى وقت مجيئه والوَعد بالمُعِدّ.

لم تُتَح الفرصة لكثيرين منّا لقراءة هذه الكتابات بأنفسنا. لكن هنا في هذه الروابط المختلفة، لدينا فرصة. تُحذِّر سورة اللّيل من نارٍ آتية. وتُعلِن سورة القدر أنّ روح الله كان يعمل في ليلة القدر. وتَعِدُ سورة الصَفّ بالقوّة للَّذين يؤمنون برسالة التلاميذ. ثمّ ينصحنا بطرس، قائد هؤلاء التلاميذ، أن ’’ننتبِه‘‘ إلى إعلان الأنبياء الأوائل الذي أُعطيَ في الليل، والمُنتظرين ذلك اليوم. ألن يكون من الحكمة معرفة رسائلهم؟

العنصرة – يأتي المُعين ليمنح القوّة والهداية

سورة البلد (سورة 90) تُشيرُ إلى شاهدٍ في كلِّ أنحاء المدينة، وسورة النصر (سورة 110) ترى في المستقبل حشودٌ من الناس يـأتونَ إلى عبادة الله الحقيقيَّة.

لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ.

(سورة البلد 90: 1-2)

إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ  وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا  فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا.

 (سورة النصر 110: 1- 3)

بعد 50 يومًا بالضبط من قيامة عيسى المسيح، عليه السلام، تحقَّقَت الرؤيا التي وصفتها سورة البلد وسورة النصر. المدينة كانت أورشليم، وكان تلاميذ عيسى المسيح هم الرجال الأحرار الذين كانوا الشهود لتلك المدينة لكنّ روحُ الله هو الذي كان يتحرَّك بين الحشود في تلك المدينة، ممّا أدّى إلى الاحتفال والتسبيح والمغفِرة. يمكننا اليوم أن نختبر ذلك اليوم الذي نتعرَّف عليه حين نفهم تاريخ هذا اليوم الفريد.

كان النبيّ عيسى المسيح عليه السلام قد صُلِبَ في عيد الفصح، لكنه قام من الموت يوم الأحد التالي. وهو يقدِّم الآن مع هذا الانتصار على الموت هبة الحياة لأيِّ شخصٍ مستعدٍّ لأن يقبلها. بعد أن مكث مع تلاميذه مدّة أربعين يومًا بحيث يصبحون متيقّنين من قيامته، صعد إلى السماء. ولكن قبل أن يصعد قدّم هذه الإرشادات:

الانتصار على الموت هبة الحياة لأيِّ شخصٍ مستعدٍّ لأن يقبلها. بعد أن مكث مع تلاميذه مدّة أربعين يومًا بحيث يصبحون متيقّنين من قيامته، صعد إلى السماء. ولكن قبل أن يصعد قدّم هذه الإرشادات:

19 فَاذهَبُوا، وَتَلمِذُوا جَمِيعَ أُمَمِ الأرْضِ، وَعَمِّدوهُمْ بِاسْمِ الآبِ وَالابْنِ وَالرُّوحِ القُدُسِ، 20 وَعَلِّمُوهُمْ أنْ يُطِيعُوا كُلَّ ما أوصَيتُكُمْ بِهِ. وَتَذَكَّرُوا أنِّي سَأكُونُ مَعَكُمْ دائِماً، وَإلَى نِهايَةِ الدَّهْرِ.

(متى 28: 19-20)

وعدَ المسيح بأن يكون معهم دائمًا لكنّه تركهم بعد ذلك بوقتٍ قصيرٍ عندما صعد إلى السماء. كيف يمكن أن يكون لا يزال معهم (وكذلك معنا) بعد صعوده؟

يأتينا الجواب في ما حدث بعد فترةٍ قصيرة. في العشاء الأخير قبل إلقاء القبض عليه، كان قد وعدَ بمجيء المُعين. بعد خمسين يومًا من قيامته (وبعد 10 أيام من صعوده)، تمّ الوفاء بهذا الوعد. يُسمّى هذا اليوم يوم العنصرة أو أحد العنصرة. وهو يحتفي بيومٍ رائعٍ غير عاديّ، ولكن ليس فقط ما حدث في ذلك اليوم، بل متى ولماذا حدث هو الذي يكشف عن آية الله، وعن عطيّةٍ قويّةٍ لك أنتَ.

ما حدث في يوم العنصرة

دُوِّنَت الأحداث الكاملة في الكتاب المقدّس  في الأصحاح الثاني من أعمال الرسل. في ذلك اليوم، حلّ الروح القُدس على أوائل أتباع عيسى المسيح عليه السلام فبدأوا يتكلّمون بصوتٍ عالٍ بلغاتٍ من جميع أنحاء العالم. لقد أدّى ذلك إلى درجةٍ  عالية من الهياج بحيث خرج آلاف الأشخاص الذين كانوا في أورشليم القدس في ذلك الوقت لرؤية ما كان يحدث. وأمام هذا الحشد المجتمع، تكلّم بطرس عن رسالة الإنجيل الأولى فانضمَّ ’’نحو ثلاثة آلاف نفسٍ إلى عددهم في ذلك اليوم‘‘ (أعمال الرسل 2: 41). لقد كان عدد أتباع الإنجيل ينمو منذ أحد العنصرة. إنّ هذه الخلاصة ليوم العنصرة ليست كاملة. لأنّه، تمامًا كما في مجريات أحداث النبيّ الأُخرى، صادف يوم العنصرة في اليوم نفسه الذي بدأ فيه مهرجان الاحتفال بالتوراة في زمن النبيّ موسى عليه السلام.

يوم العنصرة كما جاء في توراة موسى عليه السلام

أقام النبيّ موسى عليه السلام (1500 ق.م.) العديد من الأعياد التي يتمّ الاحتفال بها خلال العام. كان عيد الفصح هو أوّل احتفالات السنة اليهوديّة. صُلِبَ عيسى في يوم احتفال عيد الفصح. إنّ التوقيت الدقيق لموته المرتبط بتقديم ذبائح خراف عيد الفصح هو بمثابة علامةٍ لنا.

كان الاحتفال الثاني هو عيد باكورة الفاكهة، وقد رأينا كيف قام النبيّ من الموت في يوم هذا العيد. بما أنّ  قيامة المسيح عليه السلام حدثت في عيد باكورة الفاكهة، فإنّ ذلك كان بمثابة وعدٍ بقيامتنا الآتية وقيامة كلّ مَن يؤمن به. إنّ قيامته هي ’’باكورة‘‘، تمامًا كما تنبَّأ اسم العيد.

تمامًا بعد خمسين يومًا من إعلان ’’الباكورة‘‘ يوم الأحد، طلب كتاب التوراة من اليهود الاحتفال بالعنصرة (التي تُحسَب خمسين يومًا). سُمِّيَ هذا العيد في البداية باسم عيد الأسابيع لأنّه حُسبَ بسبعة أسابيع. كان اليهود يحتفلون بعيد الأسابيع منذ 1500 سنة في زمن النبيّ عيسى المسيح عليه السلام. كان السبب في وجود أشخاصٍ من جميع أنحاء العالم لسماع رسالة بطرس في ذلك اليوم الذي نزل فيه الروح القُدس في أورشليم، هو بالتحديد أنّهم كانوا هناك للاحتفال بعنصرة التوراة. يستمرّ اليهود اليوم الاحتفال بعيد العنصرة لكنّهم يُطلقون عليه اسم Shavuot.

     نقرأ في كتاب التوراة كيف كان يتمّ الاحتفال بعيد الأسابيع:

16 احسِبُوا خَمسِينَ يَوماً إلَى اليَومِ الَّذِي يَلِي السَّبتَ، وَقَدِّمُوا تَقدِمَةً جَدِيدَةً للهِ. 17 أحْضِرُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ رَغِيفَيِّ خُبزٍ تَقدِمَةً مَرفُوعَةً للهِ. يُصْنَعُ الرَّغِيفانِ مِنْ عُشْرَي قُفَّةٍ مِنْ طَحِينٍ جَيِّدٍ، وَيُخبَزانِ مَعَ خَمِيرَةٍ. هَذِهِ هِيَ تَقدِمَتُكُمْ للهِ مِنْ باكُورَةِ أوَّلِ الحَصادِ

(لاويين 23: 16-17)

دقّة توقيت يوم العنصرة. آيةُ أو علامة من الله

هناك توقيتٌ دقيقٌ لعيد العنصرة عند حلول الروح القدس على الناس بما أنّه وقع في اليوم نفسه الذي يُحتَفَل فيه بعيد الأسابيع (أو عيد العنصرة) الخاصّ بالتوراة. إنّ صلب عيسى المسيح الذي وقع خلال الاحتفال بعيد الفصح، وقيامته التيحدثت في وقت الاحتفال بعيد الباكورة، وحضور الروح القدس في عيد الأسابيع، هي علاماتٌ أو آياتٌ واضحة لنا من الله. مع وجود هذا العدد الكبير من الأيام في السنة، لماذا يجب أن يحدث الصَلب والقيامة، ثمّ حضور الروح القدس، تمامًا في كلِّ يومٍ من أيّام الاحتفالات بأعياد الربيع الثلاثة التوراتيّة، إلاَ إذا كان هذا ليُظهر لنا الله خطّته؟

أحداث الإنجيل التي وقعت بالضبط في أيّام الاحتفالات بأعياد  الربيع الثلاثة
أحداث الإنجيل التي وقعت بالضبط في أيّام الاحتفالات بأعياد  الربيع الثلاثة

العنصرة: يمنح المُعينُ قوّةً جديدةً


اتبع المسيح – تابعنا عشان يوصلك كل جديد

في شرحه لعلامات مجيء الروح القدس، أشار بطرس إلى نبوءةٍ النبيّ يوئيل تنبّأ فيها بأنّ روح الله سوف يتدفّق يومًا ما على جميع الشعوب. حقَّقت أحداث يوم العنصرة ذاك هذه النبوءة.

لقد رأينا كيف كشف لنا الأنبياء عن طبيعة عطشنا الروحيّ الذي يقودنا إلى الخطيئة. كما تنبّأ الأنبياء بقدوم ميثاقٍ  جديدٍ حيث تُكتَب الشريعة داخل قلوبنا وليس فقط على ألواحٍ حجريّة أو في الكتب. فقط عندما تُكتَب الشريعة في قلوبنا، سوف يكون لدينا القدرة والقوّة على اتّباع الشريعة. إنّ مجيء الروح القدس في يوم العنصرة ذاك ليسكن في المؤمنين هو تحقيقٌ لهذا الوعد.

إنّ أحد الأسباب التي تجعل من الإنجيل ’’أخبارًا سارّة‘‘ هو كونه يوفّر القدرة على عيش الحياة بشكلٍ أفضل. إنّ الحياة الآن هي اتّحادٌ بين الله والناس. يحدث هذا الاتّحاد من خلال حلول روح الله الذي بدأ في يوم أحد العنصرة كما جاء في الأصحاح 2 من سِفر أعمال الرسل. إن إمكانيّة العيش الآن على مستوىً مختلفٍ  في علاقةٍ مع الله من خلال روحه هي أخبارٌ سارّة. يمنحنا الروح القدس إرشادًا داخليًّا حقيقيًّا – إرشادًا من الله. يفسّر الكتاب المقدّس الأمر على النحو التالي:

13 وَأنتُمْ أيضاً عِندَما سَمِعْتُمْ رِسالَةَ اللهِ الحَقِيقِيَّةَ الَّتِي هِيَ بِشارَةُ خَلاصِكُمْ، وَآمَنتُمْ بِالمَسِيحِ، خَتَمَكُمُ اللهُ فِي المَسِيحِ بِخَتمِ الرُّوحِ القُدُسِ المَوعُودِ. 14 فَالرُّوحُ القُدُسُ هُوَ العَربُونُ الَّذِي يَضمَنُ حُصُولَنا عَلَى كُلِّ ما لَنا عِندَ اللهِ، إلَى أنْ يَفتَدِيَنا اللهُ كُلِّيّاً، نَحنُ شَعبَهُ، فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى مَدحِ مَجدِهِ.

(أفسس 1: 13-14)

11 وَإنْ كانَ رُوحُ الَّذِي أقامَ المَسيحَ مِنَ المَوتِ ساكِناً فيكُمْ، فَإنَّ الَّذِي أقامَهُ مِنَ المَوتِ سَيُعطِي أيضاً حَياةً لِأجسامِكُمُ الفانِيَةِ بِرُوحِهِ السّاكِنِ فِيكُمْ.

(رومية 8: 11)

23 وَلَيسَ العالَمُ المَخلُوقُ وَحدَهُ، بَلْ نَحنُ أيضاً نَئِنُّ فِي أعماقِنا، نَحنُ الَّذِينَ أخَذنا الرُّوحَ القُدُسَ كَأوَّلِ حَصادِ بَرَكاتِ اللهِ. وَنَحنُ أيضاً نَنتَظِرُ بِشَوقٍ أنْ يَتَبَنّانا اللهُ بِشَكلٍ كامِلٍ، حِينَ يُحَرِّرُ أجسامَنا.

(رومية 8: 23)

إنّ روح الله الساكن في المؤمنين هو باكورةُ ثانية لأّن الروح هو نذيرٌ – ضمانٌ – لاستكمال تحوّلنا إلى ’’أبناءٍ لله‘‘.

يقدّم الإنجيل حياةً جديدةً، لا بمحاولة إطاعة الشريعة والفشل في إطاعتها. ولا بوفرة العيش من خلال الممتلكات، المكانة، الثروة، وجميع الملذّات الأخرى في هذا العالم التي وجدها النبيّ سليمان عليه السلام فارغة. بدلاً من ذلك، يقدّم الإنجيل حياةً جديدةً وفيرةً من خلال سكَن روح الله في قلوبنا. إذا كان الله يعرض علينا السكَن فينا ومنحنا القوّة والإرشاد، فتلك يجب أن تكون أخبارًا سارّة! إنّ عيد العنصرة التوراتيّ والاحتفال بالفطير المخبوز مع الخميرة هو وصفٌ وتصويرٌ لهذه الحياة القادمة الفُضلى. إنّ دقّة التوقيت بين العنصرة القديمة والعنصرة الجديدة هي علامة واضحة على أنّ خطّة الله لنا هي أن نحظى بحياةٍ فُضلى.

كيف تنبأت المزامير والأنبياء عن عيسى المسيح

كشفت توراة النبي موسى عليه السلام عن علم مسبق عن عيسى المسيح عليه السلام من خلال علامات شكلت نموذجاَ عن مجيء النبي. وأظهر الأنبياء الذين أتوا بعد موسى خطة الله بنبوات وإعلانات. كان داود عليه السلام، الذي أوحي له من الله، أول من تنبأ عن مجيء المسيح في مزمور 2 سنة 1000 قبل الميلاد تقريباً. ثم كتب نبوة في مزمور 22 عن شخص “طُعِنَتْ” يداه وقدماه في عذاب وألم، ثم “وُضع في تراب الموت”. هل كانت تلك نبوة عن صلب وقيامة عيسى القادمين؟ نتطرق إلى هذا الأمر هنا.

نبوة مزمور 22

يمكنك أن تقرأ المزمور 22 بأكمله هنا. يوجد أدناه جدول يحتوي على المزمور 22 جنباً إلى جنب مع وصف لصلب عيسى المسيح كما شاهده تلاميذه (أصحابه) في الإنجيل. النصوص متماثلة باللون حيث تصبح ملاحظة أوجه الشبه أكثر سهولة.

تفاصيل الصلب من الإنجيل مزمور 22- كُتِب سنة 1000 قبل الميلاد
… ومضوا به (يسوع) للصلب… وكان المجتازون (1) يجدفون عليه، وهم (2) يهزّون رؤوسهم قائلين… خلّص نفسك! إن كنت ابن الله فانزل عن الصليب. وكذلك رؤساء الكهنة أيضاً وهم (3) يستهزئون مع الكتبة والشيوخ. قالوا خلًّصَ آخرين أما نفسه فما يقدر أن يخلصها. إن كان هو ملك إسرائيل فلينزل الآن عن الصليب فنؤمن به. (4) قد اتكل على الله فلينقذه الآن إن أراده…ونحو الساعة التاسعة صرخ يسوع… (5) إلهي إلهي لماذا تركتني؟… (6) وللوقت ركض واحد منهم وأخذ اسفنجة وملأها خلّاَ وجعلها على قصبة وسقاه. (7) فمضى به العسكر… وألبسوه أرجواناً وضفروا إكليلاً من شوك ووضعوه عليه. وابتدأوا يسلّمون عليه قائلين السلام يا ملك اليهود. وكانوا يضربونه على رأسه ويبصقون عليه ثم يسجدون له جاثين على ركبهم. وبعدما استهزأوا به نزعوا عنه الأرجوان وألبسوه ثياباً ثم خرجوا به ليصلبوه… (1) فصرخ يسوع بصوت عظيم وأسلم الروح. لم يكسروا ساقيه…، طعن (8) جنبه بحربة وللوقت خرج دم وماء…

(9) صلبوه… إن لم أبصر في يده أثر المسامير… إن العسكر كانوا قد (9) صلبوا يسوع أخذوا (10) ثيابه وجعلوها أربعة أقسام لكل عسكري قسماً، (5) وأخذوا القميص أيضاً… فقال بعضهم لبعض لا نشقّه بل نقترع عليه لمن يكون…

(5) إلهي إلهي لماذا تركتني بعيداً عن خلاصي عن كلام زفيري. إلهي في النهار أدعو فلا تستجيب، في الليل أدعو فلا هُدوُّ  لي… كل الذين يرونني (3) يستهزئون بي. (1) يفغرون الشفاه، (2) وينغّصون الرأس. (4) اتكل على الرب فلينجه، ينقذه لأنه سُرَّ به. لأنك أنت جذبتني من البطن. جعلتني مطمئناَ على ثدي أمي. عليك أُلقيت من الرحم. من بطن أمي أنت إلهي. لا تتباعد عني لأن الضيق قريب. لأنه لا معين. (7) أحاطت بي ثيران كثيرة. أقوياء باشان اكتنفتني. ففغروا عليَّ أفواههم كأسد مفترس مزمجر. كالماء انسكبتُ. انفصلَت كل عظامي. صار قلبي كالشمع. قد ذاب في وسط أمعائي. (6) يَبسَتْ مثل شقفة قوتي ولصق لساني بحنكي (7) لآنه قد أحاطت بي كلاب. جماعة من الأشرار اكتنفتني. ثقبوا يدي ورجلي. أحصي كل عظامي. (10) وهم ينظرون ويتفرسون فيَّ. يقسمون ثيابي بينهم وعلى لباسي يقترعون.

كُتب الإنجيل من منظور شهود عيان شاهدوا الصلب. لكن مزمور 22 كُتب من منظور شخص اختبره. كيف نفسّر هذا التشابه بين مزمور 22 وصلب عيسى المسيح؟ هل هي صدفة أن تتشابه التفاصيل بدقة كبيرة إلى درجة أنها تذكر أن الثياب سوف تقسم (كانت الثياب التي خيطت وصلتها بغرز تُقسم عند هذه الغرز وتوزع على العساكر) ويقترعون عليها (كان الثوب ذو الغرز سينشق إذا ما تمت قسمته ولذلك اقترعوا عليه). كُتب المزمور 22 قبل حدوث الصلب لكنه يصف تفاصيله الدقيقة (ثقب اليدين والرجلين، خروج العظام من المفاصل – لأنها كانت تتمدّد عند تعليق الضحية على الخشبة). بالإضافة إلى هذا، ينص إنجيل يوحنا على أن واحداً من العسكر طَعن جنبه بحربة وللوقت خرج دم وماء، مما يشير إلى تجمع السوائل في تجويف القلب. إذن مات عيسى المسيح نتيجة نوبة قلبية. يتماثل هذا الوضع مع وصف مزمور 22 “صار قلبي كالشمع”. الكلمة العبرية في مزمور 22 التي تُرْجمت “ثَقَب” تعني “مثل الأسد”. بكلمات أخرى، كانت اليدان والقدمان تُبتر وتتقطع كما لو أن أسداً قد افترسها عندما كانت تثقب.

يجيب غير المؤمنين بأن التشابه بين مزمور 22 وسجلات شهود العيان في الإنجيل يعود إلى أن تلاميذ عيسى ربما يكونون قد اختلقوا الأحداث “لتلائم” النبوة. لكن هل هذا يفسر التشابه؟

مزمور 22 وتراث عيسى المسيح

لكن مزمور 22 لا ينتهي بالآية 18 في الجدول أعلاه – إنه يتابع. لاحظوا مدى الانتصار العظيم في النهاية – بعد الموت!

26 تَعالَوا أيُّها الوُدَعاءُ، كُلُوا وَاشْبَعُوا.
سَبِّحُوا اللهَ يا مَنْ تَطلُبُونَهُ،
وَلْتَحْيَ قُلُوبُكُمْ إلَى الأبَدِ!
27 يا سُكّانَ الأرْضِ كُلِّها،
تَذَكَّرُوا اللهَ وَارجِعُوا إلَيهِ!
لَيتَ البَشَرَ كُلَّهُمْ يَنحَنُونَ وَيَعبُدُونَكَ.
28 لِأنَّ المُلْكَ للهِ.
اللهُ يَحكُمُ عَلَى كُلِّ الشُّعُوبِ.
29 كُلُّ الأغْنِياءِ وَالأصِحّاءِ سَيَأْكُلُونَ وَيَسجُدُونَ.
نَعَمْ، كُلُّ الَّذِينَ يَنحَدِرُونَ إلَى التُّرابِ،
وَحَتَّى الَّذِينَ لَمْ يُعْطَوْا حَياةً،
سَيَسجُدُونَ كُلُّهُمْ.
30 ذُرِّيَتُهُمْ سَتَخدِمُهُ.
وَسَتُحَدِّثُ النّاسَ عَنْ فَضلِ رَبِّنا
فِي الأجيالِ التّالِيَةِ.
31 يَأْتِي أُناسٌ وَيُخبِرُونَ مَنْ لَمْ يُولَدُوا بَعْدُ
بِأعْمالِ اللهِ الحَسَنَةِ.

(مزمور 22: 26-31)

لا تتحدث هذه الآيات عن تفاصيل موت هذا الشخص. لقد تمَّ تناولها في بداية المزمور. إن النبي داود عليه السلام يتطلع الآن إلى المستقبل ويعالج تأثير موت هذا الشخص في ذرّيته والأجيال الآتية (آية 30)، أي نحن الذين نعيش 2000 سنة بعد عيسى المسيح. يخبرنا داود أن تلك الذرية التي ستتبع هذا الرجل ذا اليدين والقدمين المثقوبين والذي مات موتاً مروعاً كهذا، سيخدمونه ويخبرون عنه. تتنبأ الآية 21 عن مدى هذا التأثير – إنه سيصل إلى أقاصي الأرض وبين كل قبائل الأمم، ويجعلها تسجد قدامه. وتشير الآية 29 إلى أن “من لم يحيي نفسه” (جميعنا) سيجسد أمامه يوماً ما. كما أن برَّ هذا الرجل سوف يُعلَن إلى أشخاص لم يكونوا بعد أحياء. (غير مولودين آنذاك) وقت موته.

هذه النهاية لا علاقة لها بما إذا كان الإنجيل قد تم اختلاقه ليلائم مزمور 22 لأنه يعالج الآن أحداثاً مستقبلية – تلك التي تحدث في زمننا. لم يكن باستطاعة كتاب الإنجيل في القرن الأول اختلاق تأثير موت عيسى المسيح في وقتنا هذا. إن تبرير غير المؤمنين لا يفسر تراث عيسى المسيح الطويل الأمد والمنتشر في أنحاء العالم الذي تنبأ عنه بشكل صائب مزمور 22 قيل 3000 سنة.

القرآن – معرفة داود بالمستقبل مُعطاة من الله

هذا التسبيح المُنتَصر في نهاية المزمور 22، هو بالضبط ما تعنيه سورة سبـأ وسورة النمل (سبأ 34 و النمل 27) في القرآن عندما تقولان عن مزامير داود الموحى بها ما يلي:

وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ.

(سورة سبأ 34: 10)

وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ.

(سورة النمل 27: 15)

وكما تقولان، أعطى الله داود المعرفة ونعمة التنَبُّؤ بالمستقبل، وبتلك المعرفة، أنشدَ التسابيح المُسَجَّلة في المزمور 22.

والآن، فكِّر في السؤال المطروح في سورة الواقعة (سورة 56)

فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُون فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ.

(سورة الواقعة 56: 83- 87)

مَن يستطيع استدعاء الروح من الموت؟ هذا التحدِّي هو لفصل عمل الإنسان عن عملِ الله. ومع ذلك، فإنّ سورة الواقعة هي بالضبط ما يصفه المزمور 22 –  وهو يفعل ذلك من خلال تَوَقُّع أو التنبّؤ بعمل عيسى المسيح عليه السلام.

لا يمكن لأحد أن يتنبأ بشكل أفضل عن تأثير صلب عيسى المسيح من مزمور 22. من يستطيع في تاريخ العالم أن يدعي أن تفاصيل موته بالإضافة إلى تراث حياته في المستقبل البعيد سيتم التنبؤ عنهما قبل 1000 سنة قبل أن يعيش هو؟ بما أنه لا يمكن لأي مخلوق بشري أن يتنبأ عن المستقبل البعيد بتفاصيل كهذه، فإن هذا دليل على أن ذبيحة عيسى المسيح كانت “بمشورة الله المحتومة وعلمه السابق”.

الأنبياء الآخرون تنبأوا عن ذبيحة عيسى المسيح

مثلما بدأت التوراة بصورة تعكس أحداث الأيام الأخيرة في حياة عيسى المسيح ومن ثمَّ جعلت الصورة أكثر وضوحاً بتفاصيل إضافية، هكذا وضح الأنبياء تفاصيل إضافية عن موت وقيامة عيسى المسيح. يلخص الجدول أدناه بعض هؤلاء الأنبياء الذين تطرقنا إليهم.

الأنبياء يتحدثون كيف أعلنوا خطة مجيء المسيح
علامة الولادة من عذراء “سيولد ابن من عذراء” هكذا تنبأ النبي أشعياء في سنة 700 قبل الميلاد وسيعيش تماماً بلا خطية. لا يمكن إلا لحياة كاملة أن تُقَدَّم كذبيحة لأجل شخص آخر. عيسى المسيح الذي وُلد تحقيقاً لتلك النبوة، عاش حياة كاملة.
“الغصن الآتي” تنبأ باسم عيسى وإزالة خطيتنا أعطى الأنبياء أشعياء وارميا وزكريا، سلسلة نبوَّات عن شخص آتٍ دعاه زكريا مصيباً عيسى – وذلك قبل 500 سنة من ولادة عيسى. تنبأ زكريا بأنه ستُمحى خطايا الشعب في أحد الأيام. قدَّم عيسى نفسه كذبيحة، وهكذا في يوم واحد بالضبط تم التكفير عن الخطايا، مما حقق جميع هذه النبوات.
النبي دانيال ووقت مجيء النبي تنبأ دانيال بجدول زمني من 480 سنة بالضبط لمجيء المسيح. وُلد عيسى تماماً حسب جدول النبوة.
النبي دانيال تنبأ أن المسيح سوف “يُقطع” بعد وصول المسيح، كتب النبي دانيال أنه “سيُقطع وليس له”. كانت تلك نبوة عن موت عيسى المسيح القادم عندما “قُطع” عن الحياة.
النبي أشعياء يتنبأ عن موت وقيامة العبد الآتي

 

تنبأ النبي أشعياء بتفاصيل كثيرة كيف “سيُقطع المسيح من أرض الأحياء”، بما في ذلك التعذيب والرفض و “مسحوق لأجل آثامنا”، “كشاةٍ تُساق إلى الذبح”، وكانت حياته تقدمة لأجل الخطية، لكن في ما بعد سيرى “الحياة” ثانية ويكون منتصراً. إن جميع هذه النبوات التفصيلية تحققت عندما صُلب عيسى المسيح ثم قام من الأموات. إن هذه التفاصيل التي كان بالإمكان التنبؤ عنها قبل 700 سنة هي علامة عظيمة على أن هذه كانت خطة الله.
النبي يونس وموت عيسى المسيح اختبر النبي يونس القبر عندما كان داخل حوت كبير. كانت تلك صورة اعتاد عيسى المسيح على استخدامها ليشرح أنه بطريقةٍ مشابهة سيختبر هو أيضاً الموت.
النبي زكريا وتحرير المأسورين من الموت يشير عيسى المسيح إلى نبوة زكريا بأنه سيُطلق المأسورين من الموت (الذين هم موتى). وإن مهمته ليذوق الموت ويطلق المأسورين هناك تمَّ التنبؤ عنها من قبل الأنبياء.

إن هذه النبوات الكثيرة، من أنبياء كانت تفصلهم عن بعض مئات السنين وعاشوا في دول مختلفة وكان لديهم خلفيات مختلفة، ومع ذلك ركزوا جميعاً على التنبؤ ببعض جوانب الانتصار العظيم لعيسى المسيح من خلال موته وقيامته – هي دليل على أن كل ذلك كان بحسب خطة الله. لهذا السبب قال بطرس، وهو قائد تلاميذ عيسى المسيح، لمستمعيه:

18 لَكِنْ هَكَذا تَحَقَّقَ ما سَبَقَ أنْ أعلَنَهُ اللهُ عَلَى لِسانِ جَمِيعِ أنبِيائِهِ مِنْ أنَّ مَسِيحَهُ لا بُدَّ أنْ يَتَألَّمَ.

(أعمال الرسل 18:3)

وبعد ذلك مباشرة أعلن بطرس:

18 لَكِنْ هَكَذا تَحَقَّقَ ما سَبَقَ أنْ أعلَنَهُ اللهُ عَلَى لِسانِ جَمِيعِ أنبِيائِهِ مِنْ أنَّ مَسِيحَهُ لا بُدَّ أنْ يَتَألَّمَ.

(أعمال الرسل 19:3)

هناك وعد بالبركة لنا جميعاً بحيث يكون بالإمكان محو خطايانا. نتطرق إلى ما يعنيه هذا هنا.