آية هرون: ثَورٌ واحدٌ واثنان من التيوس

رأينا في آية موسى الثانية أنَّ الوصايا التي أُعطِيَت على جبل سيناء كانت صعبةً جدًّا. إذن، ما الذي كان شعب العهد القديم يفعله في حال فشله في أن يُطيع الشريعة؟ لقد كان هرون (هارون)، شقيق موسى، وذرِّيته هو الذي عالج هذا الأمر بإقامة الذبائح – وكانت هذه الذبائح بمثابة تكفيرٍ عن الذنوب أو حجبٍ لها. كان لهرون ذبيحتان تحملان أهميَّةً خاصَّة، وكانت هذه الذبائح آياتً لفهم كيفيَّة تغطية الله للخطيئة التي ارتُكِبَت بمخالفة الشريعة. كانت هذه ذبيحة البقرة والتَيسَين. دعنا نبدأ بالتَيسَين.

 كبشُ الفداء ويوم الغفران (يوم الكفارَة)

بحسبِ آية موسى الأولى، كان الشعب اليهوديّ (ولا يزال!) يحتفل بالفصح في ذكرى نجاته من فرعَون. لكنَّ التوراة أمَرَت باحتفالاتٍ أخرى كذلك. كان أحدها، الذي يحمل أهميَّةً خاصَّة، يُدعى يوم الغفران أو يوم الكفارة. انقر هنا لقراءة القصَّة كاملة في التوراة.

 ما سبب وجود مثل هذه التعليمات الدقيقة والمـــُفصَّلة التي أُعطِيَت بالنسبة ليوم الغفران؟ نرى في ما يلي كيف تبدأ: وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى بَعْدَ مَوْتِ ابْنَيْ هرون عِنْدَمَا اقْتَرَبَا أَمَامَ الرَّبِّ وَمَاتَا. وَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: ‘‘كَلِّمْ هرون أَخَاكَ أَنْ لاَ يَدْخُلَ كُلَّ وَقْتٍ إِلَى الْقُدْسِ دَاخِلَ الْحِجَابِ أَمَامَ الْغِطَاءِ الَّذِي عَلَى التَّابُوتِ لِئَلاَّ يَمُوتَ. (لاويِّين 16: 1-2)

كان ما حدث قبلاً أنَّ اثنين من أبناء هرون قد ماتا عندما قاما، في لحظة تهوُّرٍ، بدخول الخيمة حيث كان حضور الربّ. لكنَّ إخفاقهما في الطاعة التامَّة للشريعة في قداسة حضوره، أدَّى إلى موتهما. لماذا؟ كان تابوت العهد موجودًا في الخيمة. يذكرُ القرآنُ الكريمُ أيضًا تابوتَ العهد هذا. يقول:

بِسْمِ الله الَّرَحمَنِ الرَّحِيمِ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ (توكيدٌ) سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هرون تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. سورة 2: 248 (البقَرَة)

كما يقول القرآن الكريم، كان ‘تابوت العهد’ هذا آيةَ مُلكِه ، لأنَّ التابوت كان رمزًا لعهدِ أو ميثاق شريعة موسى. وقد حُفِظَت الألواح الحجريَّة مع الوصايا العشر داخل هذا التابوت. وكلُّ مَن فشلَ في إطاعة الشريعة – في حضور هذا التابوت – سوف يموت. لقد مات أوَّل اثنين من أبناء هرون عندما دخلا الخيمة. لهذا، صدرت تعليماتٌ دقيقةٌ جدًّا، والتي تضمَّنَت أمرًا مفاده أنَّ هناك يومًا واحدًا فقط في السنة كلّها يمكن لهرون فيه أن يدخل الخيمة – وهذا اليوم هو يوم التكفير. إذا دخل الخيمة في أيِّ يومٍ آخر، كان هو أيضًا سيموت. ولكن حتّى في هذا اليوم الأوحد، وقبل أن يتمكَّن هرون من الدخول في وجود تابوت العهد، كان عليه أن

 يُقَرِّبُ هرون ثَوْرَ الْخَطِيَّةِ الَّذِي لَهُ، وَيُكَفِّرُ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ بَيْتِهِ… فَتُغَشِّي سَحَابَةُ الْبَخُورِ الْغِطَاءَ الَّذِي عَلَى الشَّهَادَةِ فَلاَ يَمُوتُ. (لاويِّين 16: 6، 13)

لذلك قُدِّم الثورُ ذبيحةً للتكفير عن خطايا هرون التي ارتكبها ضدَّ ألواح الشريعة أو تغطيةً لهذه الخطايا. ثمَّ بعد ذلك مباشرةً، قام هرون بتنفيذ طقس كبش الفداء الاستثنائي.

 وَيَأْخُذُ التَّيْسَيْنِ وَيُوقِفُهُمَا أَمَامَ الرَّبِّ لَدَى بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ. 8وَيُلْقِي هرون عَلَى التَّيْسَيْنِ قُرْعَتَيْنِ: قُرْعَةً لِلرَّبِّ وَقُرْعَةً لِعَزَازِيلَ (كَبش الفِداء). وَيُقَرِّبُ هرون التَّيْسَ الَّذِي خَرَجَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ لِلرَّبِّ وَيَعْمَلُهُ ذَبِيحَةَ خَطِيَّةٍ. (لاويِّين 16: 7- 9)

بعد أن قُدِّم الثور ذبيحة خطاياه، قام هرون بذبح تيسَين وألقى القُرعَتين. كان أحد التَيسَين سيُخَصَّص ليكون كبش فداء. وكان سيُضحَّى بالتَيسِ الآخر كذبيحة خَطِيَّة. لماذا؟

ثُمَّ يَذْبَحُ تَيْسَ الْخَطِيَّةِ الَّذِي لِلشَّعْبِ… فَيُكَفِّرُ عَنِ الْقُدْسِ مِنْ نَجَاسَاتِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَمِنْ سَيِّئَاتِهِمْ مَعَ كُلِّ خَطَايَاهُمْ. (لاويِّين 16: 15- 16)

وما الذي حصل لكبشِ الفداء؟

وَيَضَعُ هرون يَدَيْهِ عَلَى رَأْسِ التَّيْسِ الْحَيِّ وَيُقِرُّ عَلَيْهِ بِكُلِّ ذُنُوبِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَكُلِّ سَيِّئَاتِهِمْ مَعَ كُلِّ خَطَايَاهُمْ، وَيَجْعَلُهَا عَلَى رَأْسِ التَّيْسِ، وَيُرْسِلُهُ بِيَدِ مَنْ يُلاَقِيهِ إِلَى الْبَرِّيَّةِ، لِيَحْمِلَ التَّيْسُ عَلَيْهِ كُلَّ ذُنُوبِهِمْ إِلَى أَرْضٍ مُقْفِرَةٍ… (لاويِّين 16: 20-22)

إنَّ التضحية بثورٍ وموته، كان من أجل خطيئة هرون. إنَّ التضحية بالتَيْس الأوَّل كذبيحة خَطِيَّة، كانت لأجل خَطِيَّة شعب إسرائيل. وعند ذلك، يضعُ هرون يديه على رأس التَّيسِ الحيّ و – كرمزٍ – ينقلُ ذنوبَ الشعب ويجعلها على التَيس (كبش الفداء). ثمَّ يُطلَقُ التَّيس في البَرّيَّة كعلامةٍ على أنَّ خطايا الشعب كانت الآن بعيدةً عنهم. بهذه الذبائح تمَّ التكفير عن خطاياهم. وكان كلُّ ذلك يتمُّ مرَّةً واحدةً في السنة في يوم الغفران.

 العِجْلَة أم البَقَرَة

كان لهرون كذلك ذبائح أخرى يُقيمها. كانت إحدى هذه الذبائح غير العاديَّة إلى حدٍّ بعيد، ذبيحة عِجْلَةٍ (بقرة أُنثى بدلاً من ثورٍ ذَكَر). كانت هذه العِجْلَة والتضحية بها هي السبب في إطلاق اسم البقرة على السورة 2. إذًا، يتحدَّث القرآن الكريم مباشرةً عن هذا الحيوان. انقر هنا لقراءة القصَّة في القرآن الكريم. كما يمكن أن ترى، أُصيب الشعب بالذهول والارتباك عند صدَرَت إليه الأوامر بأن تُستَخدَم بقرة (أي أُنثى) لهذه الذبيحة، وليس حيوانٌ ذكرٌ كما جَرَت العادة. وانتهى الأمر على هذا النحو:

 بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ. (سورة 2: 73 – البَقَرَة)

لهذا، تُعتَبَرُ هذه إحدى الآيات (المــُعجزات) – ويجب أن نوليها اهتمامنا. ولكن كيف تكون هذه البقرة آيةً؟ نقرأ أنَّ ذلك يتعلَّق بمسألة الموت والحياة. ‘‘من المحتَمَل أن نفهم’’ ونحن ندرس التعليمات الأصليَّة في التوراة التي أُعطِيَت لهرون حول هذه الذبيحة. انقر هنا لترى الفقرة الكاملة في التوراة. نرى هنا هذه الآية:

 وَتُحْرَقُ الْبَقَرَةُ أَمَامَ عَيْنَيْهِ. يُحْرَقُ جِلْدُهَا وَلَحْمُهَا وَدَمُهَا مَعَ فَرْثِهَا. وَيَأْخُذُ الْكَاهِنُ خَشَبَ أَرْزٍ وَزُوفَا وَقِرْمِزًا وَيَطْرَحُهُنَّ فِي وَسَطِ حَرِيقِ الْبَقَرَةِ. (العدد 19: 5- 6)

كانت الزوفا فرعًا من فروع إحدى الأشجار المورِقة. في الفِصح، عندما كان على الإسرائيليِّين أن يرسموا بدم خروف الفصح على أبواب بيوتهم حتّى يتجاوزهم الموت، أُمِروا بما يلي:

خُذُوا بَاقَةَ زُوفَا وَاغْمِسُوهَا فِي الدَّمِ الَّذِي فِي الطَّسْتِ وَمُسُّوا الْعَتَبَةَ الْعُلْيَا وَالْقَائِمَتَيْنِ بِالدَّمِ الَّذِي فِي الطَّسْتِ. وَأَنْتُمْ لاَ يَخْرُجْ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ بَابِ بَيْتِهِ حَتَّى الصَّبَاحِ (خروج 12: 22)

تُستَخدَم الزوفا أيضًا مع البقَرة، ثمَّ تُحرَقُ البقرةُ والزوفا والصوف وخشب الأرْز حتّى لا يتبقَّى سوى الرماد. ثمَّ

 وَيَجْمَعُ رَجُلٌ طَاهِرٌ رَمَادَ الْبَقَرَةِ وَيَضَعُهُ خَارِجَ الْمَحَلَّةِ فِي مَكَانٍ طَاهِرٍ، فَتَكُونُ لِجَمَاعَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي حِفْظٍ، مَاءَ نَجَاسَةٍ. إِنَّهَا ذَبِيحَةُ خَطِيَّةٍ. (العدد 19: 9)

وهكذا، يُخلَط الرماد ﺒ ‘‘مياه التطهير’’. من شأن شخصٍ غير طاهرٍ أن يقوم بالاغتسال (طقوس الاغتسال أو الوضوء) ليستعيد طهارته باستخدام هذا الرماد الممزوج بالماء. لكنَّ الرماد لم يكن لتطهير أيَّة نجاسة، بل لنوعٍ بعينه.

 مَنْ مَسَّ مَيْتًا مَيْتَةَ إِنْسَانٍ مَا، يَكُونُ نَجِسًا سَبْعَةَ أَيَّامٍ. يَتَطَهَّرُ بِهِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، وَفِي الْيَوْمِ السَّابعِ يَكُونُ طَاهِرًا. وَإِنْ لَمْ يَتَطَهَّرْ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَفِي الْيَوْمِ السَّابعِ لاَ يَكُونُ طَاهِرًا. كُلُّ مَنْ مَسَّ مَيْتًا مَيْتَةَ إِنْسَانٍ قَدْ مَاتَ وَلَمْ يَتَطَهَّرْ، يُنَجِّسُ مَسْكَنَ الرَّبِّ. (العدد 19: 11- 13)

لذلك كان هذا الرماد الممزوج بالماء للاستخدام في عمليَّة الاغتسال أو الوضوء عندما يتنجَّس أحد الأشخاص من ملامسة جثَّة ما. ولكن لماذا يؤدّي لمس جثَّة إلى مثل هذه النجاسة البالغة؟ فكِّر في هذا الأمر! جُعِل آدم فانيًا بسبب عصيانه، هو وجميع أولاده (أنا وأنتَ!) كذلك. وبالتالي، الموت هو نجسٌ لأنّه نتيجة الخطيئة – فهو مرتبطٌ بنجاسة الخطيئة. عندما يلمس أحد الأشخاص جثَّةً هادئة، فسيصبح أيضًا نجِسًا. لكنَّ هذا الرماد كان بمثابة رمزٍ (آيةٍ) – من شأنه أن يُزيل (يغسل) هذه النجاسة. إنَّ الشخص غير الطاهر، الذي هو ميِّتٌ في ‘نجاسته’، سيجد ‘حياةً’ في التطهُّر بواسطة الاغتسال برماد البَقَرة. ولكن لماذا كان يجب أن يموت حيوانٌ أُنثى، في هذه الحالة الخاصَّة، وليس حيوانٌ ذكرٌ؟ لم يُقدَّم أيُّ تفسيرٍ مباشرٍ، لكن يمكننا أن نجد المسوِّغ من الكتب المقدَّسة. في الكتب المقدَّسة كلِّها، يعلنُ الله عن نفسه بصيغة المــُذكَّر – ‘هو’. وترِد عبارة أمَّة إسرائيل بشكلٍ جماعيّ بصيغة التأنيث ‘هي’. وكما هو الحال في علاقات الرجل والمرأة التقليديَّة، الله قاد، فاستجاب شعبه. لكنَّ المبادرة كانت دائمًا مع الله. فقد بادر إلى إصدار الأمر إلى إبراهيم بالتضحية بابنه؛ وقد بادر إلى إعطاء الوصايا على ألواح؛ وبادر إلى إصدار الحكم على نوح، إلخ… لم تكن الفكرة أبدًا بادرة من الإنسان (نبيًّا كان أو غير ذلك) – كان أتباعه يخضعون بكلِّ بساطة لقيادته. كان رماد البقَرَة لتلبية حاجة الإنسان – وهي التطهُّر من النجاسة. فلكي تكون هذه آيةً خاصّة لحاجة الإنسان، كان الحيوان الذي سيموت أُنثى. تُشير هذه النجاسة إلى شعورنا بالخجل عندما نخطئ، وليس شعورنا بالذنب أمام الله. عندما أُخطِئ، فإنَّني لا أكون قد خالفتُ الشريعة فحسب وأنا مُذنِبٌ أمام الديَّان، بل إنّني أشعر بالخجل والندم أيضًا. كيف يقدِّم الله الحلَّ لهذا الشعور بالعار؟ بادئ ذي بِدء، يمدُّنا الله بغطاءٍ من الملابس. تلقَّى البشر الأوائل (آدم وحوّاء) ثيابًا من الجلد لتغطية عريهم وعارهم. ومنذ ذلك الوقت، كان بنو آدم يقومون دائمًا بتغطية أنفسهم بالملابس – في الواقع، من الطبيعيّ جدًّا القيام بذلك بحيث أنّنا نادرًا ما نتوقَّف لنسأل ‘لماذا؟’. كان هذا الاغتسال بماء التطهير وسيلةً أخرى كي نتمكَّن من الشعور ‘بالنظافة’ من الأشياء التي تلوِّثنا. كان الهدف من البقرة هو تطهيرنا.

 لِنَتَقَدَّمْ بِقَلْبٍ صَادِق فِي يَقِينِ الإِيمَانِ، مَرْشُوشَةً قُلُوبُنَا مِنْ ضَمِيرٍ شِرِّيرٍ، وَمُغْتَسِلَةً أَجْسَادُنَا بِمَاءٍ نَقِيٍّ. (عبرانيِّين 10: 22)

وعلى العكس من ذلك، فإنَّ التضحية بذَكَر الماعز في يوم الغفران، كانت في المقام الأوّل في سبيل الله. لاحظنا مع آية الوصايا العَشْر أنَّ عقوبة العصيان كانت واضحة ومكرَّرة بشكلٍ محدَّد، وهي الموت (انقر هنا لمراجعة الفقرات). كان الله (ولا يزال!) الديَّان، وهو كديّان، كان يُطالِبُ بعقوبة الموت. إنَّ موت الثور الذَكَر، وفى بمَطلب الله الأوّل الذي اشترط أن يكون الموت هو ثمن خطيئة هرون. ثمَّ لبَّى موت ذكر التَّيس الأوّل مطلَب الله بأن يكون الموت ثمنًا لذنوب بني إسرائيل. ثمَّ يمكن أن توضَع خطايا المجتمع الإسرائيلي بشكلٍ رمزيٍّ على كبش الفداء مِنْ قِبَل هرون، كان إطلاق كبش الفداء في البرّيَّة بمثابة علامةٍ على تحرُّر المجتمع من خطاياه. كان يتمُّ الاحتفال بتقديم هذه الذبائح مِن قِبَل هرون وذريّته على مدى تاريخ بني إسرائيل في الأرض التي أُعطِيَت لهم؛ كانت هذه الذبائح تُقام لتلبية هذه الاحتياجات حتّى نصل إلى حياة عيسى المسيح (عليه السلام). وهكذا وصلت رسائل التوراة إلى نهايتها مع آيات هرون الأخيرة هذه. سيأتي قريبًا أنبياءٌ آخرون، وسيواصل الزبور إيصال رسائل من الله. ولكن كان هناك أوّلاً رسالة واحدة أخيرة للتوراة. كان النبيّ موسى (عليه السلام) بصدد النظر إلى المستقبل، إلى مجيء نبيٍّ، وكذلك النظر إلى البركات واللعنات التي ستحلُّ في المستقبل على نسل إسرائيل. قمنا ببحث هذا الموضوع في دراساتنا السابقة في التوراة.

آية موسى الثانية – الشريعة

رأينا في آية موسى الأولى – الفصح – أنَّ الله قد أمرَ بموتِ جميع الأبكار، ما عدا أبكار الساكنين في بيوتٍ قد قُدِّم فيها خروف كذبيحة ورُسِم بالدم على قوائم أبواب البيوت. لم يخضع فرعَون فمات ابنه، وقاد موسى (عليه السلام) الإسرائيليّين خارج مصر، وغرق فرعَون أثناء مطاردتهم وهو يجتاز البحر الأحمر.

لكنَّ دور موسى كنبيّ (عليه السلام)لم يكن مجرَّد قيادتهم للخروج من مصر، بل كان أيضًا إرشادهم إلى أسلوبٍ جديدٍ للعَيش – ليعيشوا وفقًا للشريعة التي وضعها الله.

سورة الأعلى (سورة 87) تُذكّرنا كيف جعل الله العالم يعمل وفقًا لقوانين الطبيعة.

سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى.

(سورة الأعلى 87: 1- 5)

وبالمِثل، مشيئته هي أن يسلك البشر بحسب القوانين الأخلاقيّة.

وهكذا، بعد خروجهم من مصر بوقتٍ قصيرٍ، وصل موسى (عليه السلام) وبنو إسرائيل إلى جبل سيناء. فصعد إلى الجبل وبقي هناك 40 يومًا ليتلقِّى الناموس. يُشير القرآن الكريم إلى هذا الزمن في الآيتين التاليتين.

 بِسْمِ الله الّرَحْمَنْ الّرَّحيمِ

‘‘وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ (جبل سيناء) خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ

وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ’’. (سورة 2: 63 – البَقَرَة)

بِسْمِ الله الّرَحْمَنْ الّرَّحيمِ

‘‘وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا (المـــُدَّة) بِعَشْرٍ (زيادةً) فَتَمَّ مِيقَاتُ

رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً…’’. (سورة 7: 142 – الأعراف)

فما كانت إذًا الشريعة التي نزلت على موسى (عليه السلام)؟ على الرغم من أنَّ الشريعة كاملةً كانت طويلةً جدًّا (613 أمرًا وقانونًا تقرِّر ما يُسمَح به وما لا يُسمَح به – تشبه إلى حدٍّ كبيرٍ حكم الشرعِ على ما هو حرامٌ وما هو حلالٌ) وهذه الأوامر أو الفرائض تشكِّل جزءًا كبيرًا من التوراة، تلقَّى موسى (عليه السلام) أوَّلاً، مجموعةً من الأوامر المعيَّنة كتبها الله على ألواحٍ حجريَّة. وتُعرَف هذه الأوامر بالوصايا العشر التي أصبحت الأساس لجميع الأحكام والنُظُم. كانت هذه الوصايا العشر، الأصل المطلق للشريعة– المتطلَّبات الأساسيَّة التي سبَقت جميع الأحكام الأخرى. يُشير القرآن الكريم إلى هذا الأمر في الآيتين (التاليتين لتلك الواردة أعلاه)

 بِسْمِ الله الّرَحْمَنْ الّرَّحيمِ

وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا

بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ َّذِينَ

يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ

لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا

وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ. (سورة 7: 145 – 146- الأعراف)

 الوصايا العشر

إذًا، يقول القرآن الكريم إنَّ الوصايا العشر المكتوبة في ألواحٍ من حجر كانت آياتً من الله نفسه. ولكن ما كان فحوى هذه الوصايا أو الأوامر؟ نقدِّم هنا هذه الوصايا كما وردت تمامًا في سفر الخروج في التوراة، والتي قام موسى (عليه السلام) بنسخها عن الألواح الحجريَّة. (سوف أقوم فقط بإضافة الأرقام بحيث يمكنكم أن تعدُّوا الوصايا).

ثم تكلم الله بجميع هذه الكلمات قائلا:

‘‘أنا الربَّ إلهُكَ الذي أخرجَك من أرضِ مِصرَ من بيتِ العبوديَّة.

1) لا يكن لكَ آلهةً أُخرى أمامي.

2) لا تصنع لك تمثالاً منحوتًا، ولا صورةً ما ممَّا في السماء مِن فوق، وما في الأرضِ مِن تحت، وما في الماء مِن تحتِ الأرضِ. لا تسجُدْ لهنَّ ولا تَعبُدْهُنَّ لأنِّي أنا الربُّ إلهك إلهٌ غيورٌ، أفتقدُ ذنوبَ الآباءِ في الأبناءِ في الجيلِ الثالثِ والرابعِ مِن مُبغضيَّ وأصنعُ إحسانًا إلى ألوفٍ مِن مُحبِّيَّ وحافظي وصايايّ.

3) لا تَنْطقْ باسمِ الربِّ إلهكِ باطلاً، لأنَّ الربَّ لا يُبرِئ مَن نطقَ باسمهِ باطلاً.

4) اذكرْ يومَ السبت لتقدِّسهُ. ستَّة أيَّامٍ تعمَل وتصنَعُ جميعَ عمَلِك، وأمَّا اليومُ السابعُ ففيه سبتٌ للربِّ إلهكِ. لا تصنع عملاً ما أنتَ وابنُكَ وابنتُكَ وعبُدكَ وأمَتُكَ وبهيمتُكَ ونزيلُك الذي دخلَ أبوابَك. لأنْ في ستَّةِ أيَّامٍ صنعَ الربُّ السماءَ والأرضَ والبحرَ وكلَّ ما فيها، واستراح في اليومِ السابعِ. لذلك باركَ الربُّ يومَ السبتِ وقدَّسَه.

5) أكرِم أباكَ وأمُّكَ لكي تطولَ أيَّامُكَ على الأرضِ التي يُعطيكَ الربُّ إلهُك.

6) لا تقتُلْ.

7) لا تَزنِ.

8) لا تسرقْ.

9) لا تَشهَد على قريبِكَ شهادةَ زورٍ.

10) لا تشتهِ بيتَ قريبِكَ. لا تشتهِ امرأةَ قريبِك، ولا عبْدَهُ، ولا أمَتَه، ولا ثورَه ، ولا حمارَهُ، ولا شيئًا ممَّا لقريبِكَ.

وكان جميعُ الشعبِ يَرَونَ الرعودَ والبروقَ وصوتَ البوقِ، والجبلُ يدَّخِّن. ولمـــَّا رأى الشعبُ ارتعدوا ووقفوا من بعيدٍ’’. سفر الخروج 20: 1- 18

في كثيرٍ من الأحيان، يبدو أنَّ الكثيرين منَّا من الذين يعيشون في البلدان العلمانيّة، ينسون أنَّ هذه الوصايا كانت أوامر. لم تكن اقتراحات. لم تكن توصيات. ولا كانت قابلة للتفاوض. كان عليه الشريعة. كانت أوامر يجب أن تُطاع – أن يُخضع لها. وكان بنو إسرائيل في خوفٍ من قداسة الله.

 مستوى الطاعة

سورة الحشر (سورة 59) تُشيرُ إلى كيفيّة إعطاء الوصايا العشر بمقارنتها بنزول القرآن. وعلى عكس القرآن، أُعطِيَت الوصايا العشر فوق جبلٍ في عرضٍ مُخيفٍ.

لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ.

(سورة الحشر 59: 21-22)

ولكن يبقى سؤالٌ مهمٌّ. كَمْ من الأوامر كان يتوجَّب عليهم أن يُطيعوا؟ ترِدُ الآية التالية تمامًا قبل نزول الوصايا العشر المذكورة أعلاه.

 …وَجَاءُوا إِلَى بَرِّيَّةِ سِينَاءَ فَنَزَلُوا فِي الْبَرِّيَّةِ. هُنَاكَ نَزَلَ إِسْرَائِيلُ مُقَابِلَ الْجَبَلِ.

وَأَمَّا مُوسَى فَصَعِدَ إِلَى اللهِ. فَنَادَاهُ الرَّبُّ مِنَ الْجَبَلِ قَائِلاً: ‘‘…إِنْ سَمِعْتُمْ لِصَوْتِي، وَحَفِظْتُمْ عَهْدِي تَكُونُونَ لِي خَاصَّةً مِنْ بَيْنِ جَمِيعِ الشُّعُوبِ. (سفر الخروج 19: 2- 5)

ونزلَت هذه الآية تمامًا بعد نزول الوصايا العشر

 وَأَخَذَ كِتَابَ الْعَهْدِ وَقَرَأَ فِي مَسَامِعِ الشَّعْبِ، فَقَالُوا:

‘‘كُلُّ مَا تَكَلَّمَ بِهِ الرَّبُّ نَفْعَلُ وَنَسْمَعُ لَهُ’’. (سفر الخروج 24: 7)

في السفر الأخير من التوراة (هناك خمسة أسفار) الذي هو رسالة موسى النهائيَّة، أوجز طاعةَ شريعة الله على هذا النحو.

 فَأَمَرَنَا الرَّبُّ أَنْ نَعْمَلَ جَمِيعَ هذِهِ الْفَرَائِضَ وَنَتَّقِيَ الرَّبَّ إِلهَنَا، لِيَكُونَ لَنَا خَيْرٌ كُلَّ الأَيَّامِ،

وَيَسْتَبْقِيَنَا كَمَا فِي هذَا الْيَوْمِ.وَإِنَّهُ يَكُونُ لَنَا بِرٌّ إِذَا حَفِظْنَا جَمِيعَ هذِهِ الْوَصَايَا

لِنَعْمَلَهَا أَمَامَ الرَّبِّ إِلهِنَا كَمَا أَوْصَانَا. (تثنية 6: 24- 25)

 الحصول على البِرِّ

تظهرُ هنا هذه الكلمة ‘البرّ’ مرَّةً أخرى. وهي كلمة مهمَّة جدًّا. رأيناها لأوَّل مرَّة وقد ورَدَت في آية آدم عندما قال الله لبني آدمَ (أيّ نحنُ!):

 بِسْمِ الله الّرَحْمَنْ الّرَّحيمِ

‘‘يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا. وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ – ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ’’ [سورة 7: 26 (الأعراف)]

ثمَّ شاهدناها في آية إبراهيم الثانية عندما وعده الله بابنٍ، وصدَّق إبراهيم (عليه السلام) هذا الوَعد، وتقول الآية بعد ذلك إنَّه (أيّ إبراهيم)

…آمَنَ بِالرَّبِّ فَحَسِبَهُ (أيّ الله) لَهُ بِرًّا. (سفر التكوين 15: 6)

(يُرجى الاطِّلاع على آية إبراهيم الثانية للحصول على شرحٍ كاملٍ لما تعنيه كلمة برّ).

تقول الآية هنا، إنَّ الوسيلة للحصول على البرِّ من خلال الشريعة هي التالي: ‘‘وَإِنَّهُ يَكُونُ لَنَا بِرٌّ إِذَا حَفِظْنَا جَمِيع هذِهِ الْوَصَايَا…’’ (تثنية 6: 25).

لكنَّ شرط الحصول على البرّ عسيرٌ وصارم. فهو يقول إنَّنا يجب أن ‘نحفَظ جميع هذه الوصايا’ و عندها فقط يمكن أن نحصل على البرِّ. هذا الأمر يذكِّرنا ﺑــ آية آدم. كان يكفي أن يعصيا الله مرَّةً واحدةً فقط ليدينهما ويُخرِجهما من الجنَّة. لم ينتظر الله حدوث عدَّة أفعال عصيان. وهذا ما حدث مع زوجة لوط في آية لوط. لمساعدتنا حقًا على فهمِ خطورة وجديِّة هذا الأمر، وضعت في رابطٍ هنا الآياتالعديدة في التوراة التي تؤكِّدُ على هذا المستوى الدقيق المطلوب من طاعة الشريعة.

دعنا نفكِّر للحظة واحدة في ما يعنيه هذا. في الدورات الدراسيّة التي أخذتها في الجامعة، كان الأستاذ في بعض الأحيان يعطينا العديد من الأسئلة (على سبيل المثال، 25 سؤالاً) في الامتحان، ومن ثمَّ يطلب منا الإجابة فقط على بعض الأسئلة التي نختار الإجابة عليها. لذلك يمكننا، على سبيل المثال، اختيار 20 سؤالاً من أصل 25 للإجابة عليها في الامتحان. قد يجد طالبٌ ما أحد الأسئلة صعبًا جدًّا وأنّه يمكنه أن يقرِّر تخطِّيه، لكنَّ طالبًا آخر يجد سؤالاً مختلفًا صعبًا ويتخطّى ذلك السؤال. في الواقع، كان علينا الإجابة على 20 سؤالاً من اختيارنا من أصل 25 سؤالاً. بهذه الطريقة، يجعل الأستاذ الامتحان أكثر سهولة بالنسبة إلينا.

يتعامل العديد من الأشخاص مع وصايا الشريعة العشر بالطريقة نفسها. فهم يعتقدون بأنَّ الله بعد إعطائه الوصايا العشر كان يعني ‘‘حاولوا إطاعة خمس وصايا من اختياركم من هذه العشر’’. لكن لا، لم تُعطَ الوصايا لتُطبَّق على هذا النحو. لقد أُعطِيَت لكي تُطاع وتُحفَظ جميعها، وليس فقط البعض منها من اختيارنا. فقط في حفظ جميع الوصايا، ‘‘يكون هذا برًّا لهم’’

لكن لماذا يتعامل بعض الأشخاص مع الوصايا على هذا النحو؟ لأنّه من الصعب جدًّا طاعة الوصايا، خاصَّةً لأنّها لم تُعطَ ليومٍ واحدٍ فقط، بل لحياتك كلِّها. لذلك، من السهل بالنسبة إلينا أن نخدع أنفسنا ونقوم بخفض المستوى. يُرجى مراجعة هذه الوصايا مرَّةً أخرى وأن تطرَح على نفسك هذا السؤال: ‘‘هل يمكنني إطاعة هذه الوصايا؟ جميعها؟ كلِّ يوم؟ دون أن أفشل؟ إنَّ السبب الذي يدعونا إلى طرح هذا السؤال على أنفسنا هو أنَّ الوصايا العشر لا تزال سارية المفعول. إنَّ الله لم يوقِفُ هذه الوصايا حتّى عندما جاء أنبياءٌ آخرون (بمن فيهم عيسى المسيح (عليه السلام) والنبيّ محمَّد (صلَّى الله عليه وسَلَّم –انظر هنا) بعد موسى (عليه السلام). بما أنَّ هذه هي الوصايا الأساسيَّة التي تتعامل مع عبادة الأصنام، عبادة الإله الواحد، الزنا، القتل، الكذب، وما إلى ذلك. فهي صالحة لكلِّ زمان، ولهذا علينا جميعًا أن نسأل عمَّا إذا كنّا نطيعها. لا أحد يستطيع الإجابة عن شخصٍ آخر على هذا السؤال – يمكنه وحده فقط الإجابة عليه. وسوف يُسألُ عنه يوم الدينونة أمام الله.

السؤال الذي هو غاية في الأهميَّة، والذي يُطرَح أمام الله

لهذا سوف أقوم بطرح سؤالٍ معدَّلٍ من سفر التثنية 6: 25 بحيث يصبح شخصيًّا ويمكنك الإجابة عنه بنفسك. تختلف طُرق تطبيق حُكم الشريعة عليك تبعًا لكيفيَّة الردّ على هذا الكلام الصادر عن الله. لهذا، عليك أن تفكِّر مليًّا ومن ثمَّ تختار الجواب الذي تعتقد بأنَّه صحيح بشأنك. انقر على الإجابة التي تنطبق عليك.

سؤالٌ من سفر التثنية 6: 24- 25 جُعِل شخصيًّا لأجلك

 الرَّبُّ أمَرَني أن أُطيع جميع هذه الأحكام والفرائض وأن أتَّقي الرَّبَّ إلهَنا، ليكون لي خيرٌ كلَّ الأيَّام، ويَستبقيني كما في هذا اليَوم. وإنَّه يكونُ لي بِرٌّ إذا حَفِظتُ جميعَ هذه الوصايا لأعملها أمام الربِّ إلهِي كما أوصاني.

نعم – هذا صحيحٌ بالنسبة إليَّ.

كلاّ – لم أُطِع جميع الوصايا، وهذا غير صحيحٍ بالنسبة إليَّ.

آية موسى الأولى: عيد الفصح عند اليهود

ولادة النبي موسى

لقد مرَّ الآن نحو 500 عام منذ النبيُّ إبراهيم (عليه السلام)  أيّ في عام  1500 تقريبًا قبل المسيح.  بعد وفاة إبراهيم (عليه السلام)، أصبحت ذرّيته من خلال ابنه إسحق، التي يُطلَق الآن عليها اسم الإسرائيليين، شعبًا كثير العدد، لكنَّهم أصبحوا كذلك عبيدًا في مصر.  حدث هذا لأنَّ يوسف، وهو حفيد إبراهيم (عليه السلام) قد بِيع كعبدٍ إلى مصر، ثمَّ بعد سنواتٍ، تبعته عائلته.  وهذا كلُّه موضَّحٌ في تكوين 45-46   – سفر موسى الأوَّل في التوراة.

     وهكذا نصل الآن إلى آيات نبيٍّ عظيمٍ آخر – موسى (عليه السلام) – الذي ترد قصَّته في السفر الثاني من التوراة الذي يُدعى سفر الخروج لأنَّه يسردُ كيف قاد موسى (عليه السلام) الإسرائيليين خارج مصر خلال مئات السنين بعد إبراهيم (عليه السلام).  لقد أمرَ الربُّ موسى (عليه السلام) بأن يقابل فِرعَون مصر ممّا أدَّى إلى نشوب خلافٍ بين موسى (عليه السلام) وبين سَحَرَة فرعون.  وقد نتج عن هذا الخلاف الضربات أو الكوارث التسع المعروفة الموجَّهة ضدَّ فرعون والتي كانت آياتً له.  لكنَّ فرعون لم يستسلم لإرادة الربّ وعصى هذه الآيات.

سورة النازعات (سورة 79) تصف هذه الأحداث بهذه الطريقة

هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى فَأَرَاهُ الْآَيَةَ الْكُبْرَى.

(سورة النازعات  79: 15- 20)

سورة المُزَمِّل (سورة 73) تصفُ جواب فِرعَون:

فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا.

(سورة المُزَمِّل 73: 16)

ماذا كانت ’’الآية الكبرى‘‘ لموسى التي وردَ ذكرها في سورة النازعات و ’’العقاب الشديد‘‘ الذي نزل على فِرعَون كما وردَ وصفه في سورة المُزَمِّل؟  نجد كلًّا من الآية والعقاب في الضربة العاشرة.

الضربة العاشرة

     وهكذا كان الله سيرسل الضربة العاشرة، وهي الضربة (الكارثة) الأكثر ترويعًا.  عند هذه النقطة، تقدِّم القصَّة في التوراة بعض التمهيد والتوضيح قبل وصول الضربة العاشرة.  يُشير القرآنُ الكريمُ أيضًا إلى هذه النقطة في القصَّة في الآية التالية:

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَسْئَلْ بَنِي إسرائيل إِذْ جاءَهُمْ فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُورًا

قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلاَّ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (سورة 17 الإسراء: 101-102)

     إذًا، إنَّ الفرعونَ ‘محكومٌ عليه بالهلاك’.  ولكن كيف كان لهذا أن يحدث؟  لقد أرسل الله الهلاك في الماضي بطرقٍ متنوِّعة.  بالنسبة إلى الناس في أيّام نوح، كان ذلك بالموت غرقًا في طوفانٍ حدث في جميع أنحاء العالم، أمَّا بالنسبة إلى زوجة لوط، فقد كان ذلك بتحويلها إلى عمودٍ من الملح.  لكنَّ هذا الهلاك كان ليكون مختلفًا لأنَّه كان أيضٍا بمثابة آيةٍ لجميع الشعوب – آيةٍ عظيمةٍ.  كما يقول القرآنُ الكريمُ:

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

فَأَرَاهُ (موسى) الْآيَةَ الْكُبْرَى.  (سورة 79 النازعات: 20)

     يمكنكم قراءة شرح الضربة العاشرة في التوراة في سفر الخروج  في الرابط هنا، و أنا أحثّكم على القيام بذلك لأنَّ السرد فيه مكتملٌ جدًّا ونابض بالحياة، وهو سيساعدكم على أن تفهموا بشكلٍ أفضل التفسير الوارد أدناه.

 حَمَل الفصح ينقذ من الموت

     يُخبِرنا هذا السِفر أنَّ الهلاك الذي أمر به الله كان أنَّ على كلِّ ابنٍ بكرٍ أن يموت تلك الليلة، في ما عدا أولئك الذين يبقون في بيتٍ قد تمَّ التضحية فيه بحَمَلٍ ويتمُّ وضع دمه على قائمتَي باب ذلك البيت.  إنَّ الهلاك الذي سيُصيب فرعون إذا لم يطع سيكون موت ابنه ووريث عرشه.  وسيفقد كلُّ بيتٍ في مصر ابنه البكر – إذا لم يخضعوا وذلك بتقديمهم ذبيحة الحَمَل ووضع دمه على قائمتي الباب.  لذلك واجهت مصر كارثةً قوميَّة.

     ولكن في البيوت التي تمَّ التضحية فيها بحَمَلٍ ووُضِع دمه على قوائم الأبواب، فكان الوعد أن يكون الجميع بمأمنٍ.  إنَّ غضبَ الله سيعبر عن ذلك البيت.  وهكذا دُعِيَ هذا اليوم وهذه العلامة، الفصح (أيّ العبور – لأنَّ الموت عَبَر عن جميع البيوت التي صُبِغَت أبوابها بدمِ الحَمَل).  ولكن لِمَن كان الدمُ على الأبواب علامةً؟  تقول لنا التوراة:

قال الربُّ لموسى… ‘‘وَيَكُونُ لَكُمُ الدَّمُ عَلاَمَةً عَلَى الْبُيُوتِ الَّتِي أَنْتُمْ فِيهَا، فَأَرَى الدَّمَ وَأَعْبُرُ عَنْكُمْ، فَلاَ يَكُونُ عَلَيْكُمْ ضَرْبَةٌ لِلْهَلاَكِ حِينَ أَضْرِبُ أَرْضَ مِصْرَ.  (سفر الخروج 13:12)

     لذلك، وعلى الرغم من أنَّ الربَّ كان يبحث عن الدَّمِ على الباب، وعندما يراه يَعْبرُ عنه، فإنَّ الدَّمَ لم يكن علامةً له.  فقد قيلَ بوضوحٍ تامّ إنَّ الدَّم كان ‘علامةً لكم’ – الشعب.  واستطرادًا، هو علامةٌ لنا جميعًا، نحن الذين نقرأ هذه القصَّة في التوراة.  إذًا، كيف يكون الدَّمُ علامةً لنا؟  بعد وقوع هذا الحدث أمَرَهم الربُّ:

فتَحفَظونَ هَذَا الأَمْرَ فَرِيضَةً لَكُمْ وَلأَوْلاَدِكُمْ إِلَى الأَبَدِ.  وَعِنْدَمَا تَدْخُلُونَ الأَرْضَ… إِنَّكُمْ تحفَظونَ هَذِهِ الخِدمَة…  إِنَّهَا ذَبِيحَةُ فِصْحٍ لِلرَّبِّ (خروج 27:12)

يبدأ التقويم اليهودي بعيدِ الفصح

     لذلك أمرَ الله بني إسرائيل بأن يحتفلوا بعيد الفصح في نفس اليوم من كلِّ عام.  إنَّ التقويم الإسرائيليّ يختلف قليلاً عن التقويم الغربيّ، وبالتالي فإنَّ اليوم يتغيَّر قليلاً كلَّ سنة إذا كنت تتبع ذلك بحسب التقويم الغربيّ، وهذا يشبه إلى حدٍّ بعيدٍ توقيت شهر رمضان، ولأنَّه قائمٌ على طولٍ مختلفٍ للسنة، فهو يتحرَّك كلَّ سنة في التقويم الغربيّ.  ولكن حتّى يومنا هذا، وبعد مرور 3500 سنة، لا يزال الشعب اليهوديّ مستمرًّا في الاحتفال بعيد الفصح كلَّ عام تخليدًا لذكرى هذا الحدث من زمن موسى (عليه السلام) إطاعةً للأمر الذي أصدره الربُّ إليهم في التوراة.

Slide1

 

هنا صورة من العصر الحديث لأشخاصٍ يهودٍ يذبحون حملانًا لعيد الفصح اليهودي المقبل.  وهذا مشابهٌ لطقوس الاحتفال بعيد الأضحى.

     وبِتَتبُّع طقوس هذا الاحتفال على مدى التاريخ، يمكننا أن نلاحظ شيئًا استثنائيًّا إلى حدٍّ بعيدٍ.  يمكنكم ملاحظة هذا الأمر في الإنجيل حيث يسجِّل تفاصيل إلقاء القبض على النبيّ عيسى المسيح (عليه السلام) ومحاكمته:

‘‘ثُمَّ جَاءُوا (اليهود) بِيَسُوعَ… إِلَى دَارِ الْوِلاَيَةِ (بيلاطس) … وَلَمْ يَدْخُلُوا هُمْ إِلَى دَارِ الْوِلاَيَةِ لِكَيْ لاَ يَتَنَجَّسُوا، فَيَأْكُلُونَ الْفِصْحَ’’  … وقالَ [بيلاطس] لهم [لرؤساء اليهود] ‘‘… وَلَكُمْ عَادَةٌ أَنْ أُطْلِقَ لَكُمْ وَاحِدًا فِي الْفِصْحِ. أَفَتُرِيدُونَ أَنْ أُطْلِقَ لَكُمْ ‘مَلِكَ الْيَهُودِ’؟ [أيّ المسيح]’’.
فَصَرَخُوا أَيْضًا جَمِيعُهُمْ قَائِلِينَ: ‘‘لَيْسَ هذَا…’’ (يوحنا 28:18، 39-40)

     بعبارةٍ أخرى، أُلقِيَ القبض على عيسى المسيح (عليه السلام) وأُرسِلَ ليتمَّ تنفيذ الحكم فيه في يوم الفصح في التقويم اليهودي.  إذا كنتَ تتذكَّر الآن ما جاء في آية إبراهيم الثالثة، فإنَّ أحد الألقاب التي أُطلِقَت على عيسى مِن قِبَل النبيّ يحيا (عليه السلام) كان:

وَفِي الْغَدِ نَظَرَ يُوحَنَّا (أيّ يحيا) يَسُوعَ (أيّ عيسى) مُقْبِلاً إِلَيْهِ، فَقَالَ: ‘‘هُوَذَا حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ.  هذَا هُوَ الَّذِي قُلْتُ عَنْهُ: ‘يَأْتِي بَعْدِي، رَجُلٌ صَارَ قُدَّامِي، لأَنَّهُ كَانَ قَبْلِي’’’. (يوحنا 29:1-30)

تمَّ الحُكْم على عيسى (عليه السلام) في عيد الفصح

     وهنا نرى تَفَرُّد هذه الآية، أُرسِل عيسى (عليه السلام)، ‘حَمَلُ الله’، ليتمَّ فيه تنفيذ الحكم (الذبيحة) في اليوم نفسه الذي كان جميع اليهود الأحياء حينها (العام 30 ميلادي) يقدِّمون فيه حَمَلاً كذبيحةٍ في ذكرى الفصح الأوَّل الذي حدث قبل 1500 سنة.  لهذا السبب يقع عيد فصح اليهود كلَّ عامٍ تقريبا (يختلف أحيانا بسبب التقويمات اليهودية والغربية لديها تعديلات مختلفة لهذا العام) في يوم عيد الفصح المسيحيّ – ذكرى موت عيسى المسيح – لأنَّ عيسى (عليه السلام) قد أُرسِل كذبيحةٍ في اليوم نفسه.

     فلنفكِّر الآن لحظةً واحدةً بما تفعله ‘العلامات’.  يمكنكم أن تروا بعض العلامات هنا أدناه.

Slide2

عندما نرى علامة ‘الجمجمة والعظام’ يجعلنا هذا نفكِّر في الموت والخطر.  أمَّا علامة ‘الأقواس الذهبيَّة’ فمن المــُفتَرَض أنتجعلنا نفكِّر في ماكدونالد McDonalds. أمَّا علامة‘   ’ المطبوعة على منديل لاعب التنس نادال Nadal فهي العلامة التجاريَّة الخاصَّة ﺑـــنايك Nike.  تريدنا شركة نايك أن نفكِّر فيها عندما نرى هذه العلامة على عصابة رأس نادال.  بعبارة أخرى، العلامات هي مؤشِّرات في أذهاننا لتوجيه تفكيرنا نحو الهدف المرغوب.  وبآية موسى (عليه السلام) هذه، فإنَّ الله هو من أعطانا هذه العلامة.  لماذا أعطانا هذه العلامة؟  حسنًا، إنَّ العلامة، مع التوقيت الجدير بالملاحظة للحَمَل وهو يُقدَّم كذبيحة في اليوم نفسه كما عيسى (عليه السلام)، يجب أن يكون مؤشِّرًا إلى ذبيحة عيسى المسيح (عليه السلام).

Slide3

 إنَّ العلامة تعمل في عقولنا كما قد بيَّنتُ هنا في الرسم البيانيّ كيفيَّة عملها انطلاقًا من عقلي.  العلامة كانت هناك لتوجيهي إلى تقديم عيسى المسيح كذبيحة.  في الفصح الأوَّل، كانت الحملان تُذبَحُ ويُراق الدّم ويُهرَق لكي يحيا البشر.  وبالتالي، فإنَّ هذه العلامة التي تُشير إلى عيسى هي لإخبارنا أنَّه هو ‘حَمَل الله’ قد سُلِّمَ أيضًا للموت حتَّى نحصل نحن على الحياة.

Slide4

رأينا في آية إبراهيم الثالثة أنَّ المكان الذي تمَّ فيه اختبار إبراهيم (عليه السلام) بالتضحية بابنه، كان جبل موريا.  لكن تمَّ التضحية بحَمَلٍ بدلاً من ابنه في اللحظة الأخيرة.  مات حَمَلٌ لكي يعيش ابن إبراهيم.  كان جبل موريا هو المكان عينه الذي قُدِّم فيه عيسى المسيح (عليه السلام) كذبيحةٍ.  تلك كانت علامة لتجعلنا نفكِّر في عيسى المسيح (عليه السلام) وهو يُقدَّم ذبيحةً بالإشارة إلى المكان.  هنا في آية موسى، نجد مؤشِّرًا آخر للحدث نفسه – تقديم عيسى (عليه السلام) ليُضحَّى به – وذلك بالإشارة إلى اليوم المحدَّد في التقويم لذبيحة الفصح.  استُخدِمَت ذبيحة الحَمَل مرّة أخرى للإشارة إلى الحدث نفسه.  لماذا؟  نتابع مع آية موسى القادمة للحصول على مزيدٍ من الفهم.  هذه الآية هي تسليم الشريعة على جبل سيناء.

    ولكن لإنهاء هذه الآية، ما الذي حدث لفرعون؟  كما نقرأ في فقرة في التوراة، فهو لم يَسْتَجِب للتحذير ومات ابنه البكر (الوريث) في تلك الليلة.  ولذلك سمح أخيرًا للإسرائيليّين بمغادرة مصر.  ولكنَّه بدَّل رأيه بعد ذلك وطاردهم إلى البحر الأحمر.  وهناك، وبسببٍ من الربّ، استطاع بنو إسرائيل المرور عبره، لكنَّ فرعون غرق مع جيشه.  بعد الضربات التسع ووفيَّات الفصح وخسارة الجيش، تضاءلت مصر إلى حدٍّ كبير ولم تستعِد مكانتها كالقوَّة الأولى في العالم مرَّةً أخرى.  لقد وقعت عليها دينونة الله.

آية إبراهيم الثالثة: الذبيحة

قصة النبي ابراهيم

في الآية السابقة، وُعِد النبيُّ العظيم إبراهيم (عليه السلام) بابن. وأوفى الله بوعدهِ. في الواقع، تتابع التوراة سرد قصَّة إبراهيم (عليه السلام) لتصف كيف رُزِقَ بولدَين. في الآية 16 من سفر التكوين، تُخبِرنا التوراة كيف رُزِقَ بابنه إسماعيل من هاجر، ثمَّ يُخبِرنا بعد ذلك أصحاح 21 من سفر التكوين كيف رُزِقَ بابنه إسحق من سارة بعد أربعة عشر عامًا تقريبًا. وقد أدّى ذلك، لسوء حظِّ أهلِ البيت، إلى منافسة كبيرة بين المرأتين، هاجر وسارة، انتهت بأن أرسل إبراهيم (عليه السلام) هاجر وابنها بعيدًا. يمكنك أن تقرأ هنا كيف حدث هذا الأمر وكيف بارك الله هاجر وإسماعيل بطريقةٍ أخرى.

ذبيحة إبراهيم النبيّ (عليه السلام): أساس عيد الأضحى

وهكذا، مع بقاء ابنٍ واحدٍ في البيت، واجه إبراهيم (عليه السلام) اختباره الأعظم، لكنّه كان اختبارًا فتح أمامنا مجالاً أوسع لفهم الصراط المستقيم. يمكنك أن تقرأ من التوراة والقرآن الكريم القصَّة المتعلِّقة باختبار التضحية بابنه هنا. إنَّ هذا القصَّة المــُستَقاة من هذه الكتب المقدَّسة هي سبب الاحتفال بعيد الأضحى. لكنَّ هذا ليس مجرَّد حدثٍ تاريخيّ. إنَّه يتجاوز ذلك.

يمكننا أن ندرك من القصَّة في الكتب المقدَّسة أنَّ ما حدث كان اختبارًا لإبراهيم (عليه السلام)، لكنّه أكثر من مجرَّد ذلك. وبما أنَّ إبراهيم (عليه السلام) هو نبيٌّ، فإنَّ هذا الاختبار هو أيضًا آيةٌ لنا حتَّى نتمكَّن من معرفة المزيد عن رعاية الله لنا. كيف يمكننا اعتبارها علامة؟ يُرجى ملاحظة الاسم الذي أطلقه إبراهيم على المكان حيث كان ابنه سيُقدَّم كذبيحة. يظهر هذا الجزء من التوراة هنا حتَّى تتمكَّن من قراءته بشكلٍ مباشر.

فَرَفَعَ إبراهيمُ عينيهِ ونظرَ وإذا كبشٌ وراءَهُ مُمْسكًا في الغابةِ بقرنيهِ. فذهبَ إبراهيمُ وأخذَ الكبشَ وأصعدهُ محرقةً عوضًا عن ابنهِ. فدعا إبراهيمُ اسم ذلك الموضع ‘يهوَه يَرأَه’. حتَّى أنّهُ يُقالُ اليومَ ‘في جبلِ الربِّ يُرى’. (تكوين 13:22-14)

لاحظوا الاسم الذي أطلقه ابرهيم على هذا المكان. فقد دعاه ‘الله سيُعطي’. هل الفعل في تلك العبارة هو فعلٌ ماضي أو مضارع أو في صيغة المستقبل؟ من الواضح أنّه بصيغة المستقبل. وحتّى أكون أكثر وضوحًا، فإنَّ التعليق التالي (الذي أدرجه موسى – عليه السلام – عندما كتب هذه القصَّة في التوراة بعد 500 عام تقريبًا) يكرِّر ‘‘… سوف يُعطي’’. وقد ورد مرَّةً أخرى في صيغة المستقبل والتطلُّع إلى المستقبل. يعتقد معظم الناس أنَّ إبراهيم يُشير إلى الكبش (ذَكَر الخراف) الذي تمَّ الإمساك به في الدُغل وضحَّى به بدل ولده. لكن عندما دعا إبراهيم (عليه السلام) المكان بهذا الاسم، كان الكبش قد مات فعلاً وتمَّ تقديمه كذبيحة في مِحرَقَة. لو كان إبراهيم يفكِّر في الكبش – الذي كان قد مات، وقُدِّم ذبيحةً في مِحرَقَة – لكان دعا المكان ‘الربُّ قد أعطى’، أيّ في صيغة الماضي. ولو كان موسى (عليه السلام) يفكِّر في الكبش الذي حلَّ محلَّ ابن إبراهيم، لكان كتب معلِّقًا، ‘ولغاية هذا اليوم يُقال-‘‘على جبل الربِّ قد أُعطِيَ’’’. ولكن كلاًّ من إبراهيم وموسى (عليهما السلام) أعطيا بوضوح اسمًا في صيغة المستقبل، وبالتالي لم يكونا يفكِّران في الكبش الذي كان قد مات بالفعل وقُدِّم ذبيحةً.

بالتالي، ما الذي كانا يفكِّران فيه إذن؟ إذا كنّا نبحث عن دليلٍ، فإنَّنا نرى أنَّ المكان الذي قال الله لإبراهيم أن يذهب إليه في بداية هذه الآية كان:

فقالَ ‘‘خُذ ابنكَ وحيدكَ الذي تحبُّهُ اسحق واذهب إلى أرضِ المـــُرِيَّا واصعدهُ هناكَ محرَقةً على أحدِ الجبالِ الذي أقولُ لك’’. (الآية 2)

حدث هذا في ‘المــُرِيَّا’. وأين يقع هذا المكان؟ على الرغم من أنَّه كان بريَّةً في زمن إبراهيم، (2000 ق.م)، بنى الملك داود الشهير بعد ألف عام (1000 ق.م) مدينة أورشليم في ذلك المكان، وبنى ابنه سليمان الهيكل هناك. نقرأ في الزبور عن ذلك ما يلي:

وشرَعَ سُليمان في بناءِ بيتِ الربِّ في أورشليم في جبلِ المـــُرِيَّا حيث تراءى لداود أبيهِ (أخبار الأيّام الثاني 1:3)

بعبارةٍ أخرى، كان ‘جبل المـــُرِيَّا’ في زمن إبراهيم (وموسى من بعده) قمَّة جبلٍ منعزلٍ في البريَّة، ولكنَّه أصبح بعد 1000 عام في زمن داود وسليمان مركز المدينة وعاصمة بني إسرائيل حيث قاما ببناء هيكل الرب. وهو ما زال حتّى يومنا هذا مكانًا مقدَّسًا للشعب اليهودي.

الربُّ هو الذي اختار جبل موريا وليس إبراهيم، عليه السلام. كما توضِّح سورة الجنّ (سورة 72):

وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا.

سورة الجنّ 72: 18

إنّ أماكن العبادة قد اختِيرَت مِن قِبَل الرَبّ. نكتشف هنا سبب اختيار  هذا المَوقع.

عيسى المسيح (عليه السلام) والذبيحة على جبل المــُرِيَّا

نجد هنا صلة مباشرة بعيسى المسيح (عليه السلام) والإنجيل. نرى هذه الصلة حين نتعرَّف على واحدٍ من ألقاب عيسى (عليه السلام). كان لعيسى العديد من الألقاب الممنوحة له. ربَّما يكون أكثر هذه الألقاب شهرةً هو ‘‘المسيَّا’’ (الذي هو أيضًا ‘المسيح’). ولكن هناك أيضًا لقبًا آخر أُطلِقَ عليه ليس بمثل شهرة لقب المسيح، لكنَّه مهمٌّ جدًّا. نرى هذا في الإنجيل عندما نجد أنَّ النبيّ يحيا (يوحنّا المعمدان في الإنجيل – عليه السلام) يقول:

وفي الغد نظر يوحنّا (أيّ يحيا) يسوع مقبلاً إليهِ فقالَ ‘‘هوذا حملُ اللهِ الذي يرفعُ خطيَّةَ العالم. هذا هو الذي قلتُ عنهُ يأتي بعدي ‘رجلٌ صارَ قدَّامي لأنَّه كان قبلي’ ’’. (يوحنّا 29:1-30)

‘حمل الله’ اسمٌ مهمٌّ مِن أسماء عيسى (عليه السلام) ولكنّه أقلُّ شهرةً، دَعاه به يحيا. والآن فكِّر مليًّا في نهاية حياة عيسى. أين تمَّ القبض عليه وأين حُكِمَ ونُفِّذ فيه الحُكم؟ كان ذلك في أورشليم (التي كما رأينا هي ‘جبل المــُرِيَّا’). وذُكِرَ بشكلٍ واضحٍ جدًّا خلال القبض عليه أنَّ:

وحين علِمَ أنّه من سلطنة هيرودس أرسلهُ إلى هيرودس إذ كان هو أيضًا تلك الأيّام في أورشليم. (لوقا 7:23)

بعبارةٍ أخرى، حدث إلقاءُ القبضِ على عيسى ومحاكمته وإصدار الحكم عليه في أورشليم (= جبل المـــُورِيَّا).

فلنعُد إلى إبراهيم (عليه السلام). لماذا سمّى المكان في صيغة المستقبل ‘‘الربُّ سيُعطي’’؟ لقد كان نبيًّا وعرفَ أنَّ شيئًا ما ‘سيُعطى’ هناك. وفي دراميَّة المشهد، يتمُّ إنقاذ ابن إبراهيم (عليه السلام) من الموت في اللحظة الأخيرة لأنَّ حملاً يموت مكانه. بعد أكثر من ألفَي سنة، دُعيَ عيسى ‘حملُ الله’ وأُلقيَ القبضُ عليه وحُكِم عليه بالموت في المكان نفسه!

الذبيحة افْتَدَت إبراهيم: من الموت

أهذا مهمٌّ بالنسبة إلينا؟ إنّي أُلاحظ كيف تنتهي آية إبراهيم هذه. تقول الآية 107 من سورة الصَّافَّات في القرآن الكريم عن إبراهيم (عليه السلام) ما يلي:

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ

وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ

ما معنى أن ‘يُفتَدى’ إنسانٌ ما؟ إنَّ دفع فدية هو تسديد دفعة لإطلاق سراح شخصٍ تمَّ احتجازه. يُعني ‘افتداء’ إبراهيم (عليه السلام) أنَّه كان أسيرَ شيءٍ ما (نعم، حتّى نبيّ عظيم!). أسير ماذا كان هو؟ يُخبرنا بذلك المشهد مع ابنه. كان أسير الموت. بالرغم من أنَّه كان نبيًّا، إلاّ أنّه كان أسيرًا في قبضة الموت. نرى من آية آدم أنَّ الله خلق آدم وأبناءه (الجميع – بمن فيهم الأنبياء) فانين – وكانوا الآن أسرى الموت. لكنَّ إبراهيم (عليه السلام) في دراما ذبيحة الحمل هذه، تمَّ ‘افتداؤه’ من الموت. إذا كنتَ تستعرضُ سلسلة آيات (آدم, قايين و هابيل, نوح, إبراهيم) حتّى الآن، سوف ترى أنَّ ذبيحة الحيوان كانت دائمًا تقريبًا تُمارَسُ مِنْ قِبَل الأنبياء. لقد كانوا يعرفون شيئًا عن هذا ربَّما يفوتنا. ويمكننا أن نرى أنّه بسبب أنَّ هذا الفعل يُشير أيضًا إلى الأمام في المستقبل إلى عيسى ‘حمل الله’ فإنَّ هناك صلةٌ له به.

 الذبيحة: هي بركةٌ لنا

وذبيحةُ الحملِ على جبل المــُرِيَّا مهمَّةٌ بالنسبة إلينا أيضًا. بعد انتهاء عمليَّة الاستبدال، يعلن الله لإبراهيم (عليه السلام) ما يلي:

‘‘ويتبارك في نَسلِكَ جميعُ أُممِ الأرضِ. من أجل أنَّك سمعتَ لقولي’’ (تكوين 18:22)

إذا كنتَ تنتمي لإحدى ‘أُممِ الأرضِ’ (وأنت كذلك!) فما قاله الله يتعلَّق بكَ لأنَّ الوعدَ يقول إنَّك تستطيع الحصول على ‘البركة’ من الله نفسه! أليس ذلك جديرٌ بالاهتمام؟ كيف تعمل العلاقة بين قصَّة إبراهيم وبين عيسى على أن تحلَّ البركةُ علينا؟ ولماذا؟ نلاحظ أنَّ إبراهيم (عليه السلام) قد ‘أفتُديَ’ وقد يكون هذا أيضًا مؤشِّرًا بالنسبة إلينا، ولكن بغضِّ النظر عن ذلك، فإنَّ الجوابَ لا يبدو واضحًا هنا بحيث أنّنا سنتابع مع آيتَي موسى (لديه اثنتان)، وسوف توضِّحان هذه الأسئلة لنا.

ولكن في الوقت الراهن، أريدُ فقط أن أشير إلى أنَّ كلمة ‘نسل’ هنا هي في صيغة المفرَد. إنَّها ليس ‘أنسال’ كما هو الحال عند ذكر عدد من الأحفاد أو الأشخاص. إنَّ وعد البركة كان من خلال ‘نسلٍ’ من إبراهيم في صيغة المفرَد – كما في الضمير ‘هو’، وليس من خلال أُناسٍ كثيرين أو مجموعة من الناس، كما في الضمير ‘هم’. سوف تساعدنا آية الفصح اليهوديّ الخاصَّة بموسى الآن على أن نفهم ذلك بصورةٍ أفضل.

آية إبراهيم الثانية: التقوى

ما الشيء الذي نحن جميعًا في حاجةٍ إليه من عند الله؟ يمكننا التفكير في إجاباتٍ عديدة على هذا السؤال، لكنَّ آية آدم تذكِّرنا بأنَّ أوَّلى حاجاتنا وأعظمها هي التقوى. توجد هنا الكلمات الموجَّهَة مباشرةً إلينا (بني آدم).

بِسْمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرحيمِ

يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ

(7) سورة الأعراف – الآية 26

فما هي التقوى أو البرّ إذن؟ تخبرنا التوراة في (سفر التثنية 32: 3-4) عن الله قوله:

إنِّي باسمِ الربِّ أُنادي.

أعطوا عظَمَةً لإلَهِنا!

هو الصخرُ الكاملُ صنيعهُ.

إنَّ جميعَ سُبُلهِ عدلٌ.

إلهُ أمانةٍ لا جورَ فيه

صدِّيقٌ وعادلٌ هو

هذه هي صورة تقوى أو برَّ الله كما جاءت في التوراة. تعني كلمة برّ أو تقوى أنَّ أحدًا ما يتَّصف بالكمال! وأنَّ جميعَ (وليس فقط بعض أو معظم، بل كلّ) سبُلهِ عادلةٌ، وأنَّه لا يرتكب خطأً (ولا حتّى خطأً صغيرًا)؛ وهو مستقيمٌ. هذا هو البرُّ، وهذا هو وصف الله كما جاء في التوراة. ولكن ما حاجتنا إلى البرِّ والتقوى؟ فلننتقل بسرعة إلى فقرة في كتاب الزبور للإجابة على هذا السؤال. نقرأُ في المزمور 15 (الذي كتبه داود النبيّ) ما يلي:

 يا ربُّ مَنْ ينزل في مسكنكَ؟

مّنْ يسكنُ في جبلِ قُدسِكَ؟

 

2 السالكُ بالكمالِ

والعاملُ الحقّ

والمتكلِّم بالصدق في قلبهِ.

3 الذي لا يشي بلسانهِ

ولا يصنعُ شرًّا بصاحبهِ

ولا يحمل تعييرًا على قريبهِ.

4 والرذيلُ محتَقَرٌ في عينيهِ

ويكرم خائفي الربّ.

يحلف للضرر ولا يغيِّر.

5 فضّتهُ لا يُعطيها بالربا

ولا يأخذ الرشوة على البريءِ…

إنَّ السؤال عمَّن سيسكن في ‘جبل الله المقدَّس’، هو طريقة أُخرى للسؤال عمَّن سيكون مع الله في الفردوس. ويمكننا أن نرى من الجواب أنَّ السالك بالكمال والعامل ‘الحقِّ’ (الآية 2) – يمكنهُ أن يدخل الفردَوس ليكون مع الله. لهذا نحن في حاجةٍ إلى البرِّ والتقوى. بما أنَّ الله كامل، البرُّ والتقوى مطلوبان ليكون المرء مع الله.

بأخذنا هذه الحاجة في الاعتبار، سننظر الآن في آية إبراهيم (عليه السلام) الثانية. انقر هنا لفتح الفقرة في الكتب المقدَّسة. نرى في قراءة التوراة والقرآن الكريم أنَّ أبراهام (عليه السلام) من ‘شِيعَتِهِ’ (37 سورة الصَّافَّات – آية 83) وبذلك حصل على ‘البرّ’ (تكوين 6:15) – وهو بالذات الشيء الذي أخبرتنا آية آدم بحاجتنا إليه.. لذا، السؤال المهمُّ بالنسبة إلينا هو: كيف حصل على البرِّ؟

يمكنني التفكير في كثيرٍ من الأحيان في أنّني أستطيع الحصول على البرِّ بإحدى طريقتين. في الطريقة الأولى (في اعتقادي)، أحصل على البرِّ بالإيمان بوجود الله أو بالاعتراف بوجوده. أنا ‘أؤمِنُ’ بالله. ودعمًا لهذا التفكير أقول، ألم يفعل إبراهيم (عليه السلام) ذلك ‘فآمَنَ بالربِّ’ في سفر التكوين 6:15؟ ولكن بعد مزيدٍ من التفكير أدركتُ أنَّ هذا لا يعني أنَّه يؤمنُ فقط بوجود إلهٍ واحدٍ. كلاّ، لقد أعطاه الله وعدًا قاطعًا – بأنَّه سيولد له ابنٌ. وكان ذلك الوعد هو ما كان على إبراهيم (عليه السلام) أن يختار ما إذا كان عليه الإيمان به أو عدم الإيمان به. فكِّروا أكثر في ذلك، الشيطان (المعروف أيضًا باسم إبليس) يؤمن بوجود الله – وهو بدون أدنى شكّ ليس بارًّا. لذا، ليس الإيمانُ فقط بوجود الله هو كلُّ ما يعنيه أن يكون مِن ‘شِيعَته’. إنَّه لأمرٌ جيِّدٌ، لكنَّه ليس كافيًا.

الطريقة الثانية التي غالبًا ما أفكِّر في أنَّني أستطيع من خلالها الحصول على البرّ، هو أنَّني أستحقُّ الحصول عليه أو أستأهله من الله عن طريق فعل الأمور الصالحة. فعل أشياءٍ صالحة تفوق الأشياء السيِّئة، أو القيام بنوعٍ أو كمٍّ معيَّنٍ من العمل الدينيّ يجعلني أستأهل أو أستحقُّ الحصول على البرّ. ولكن لاحظوا أنَّ ذلك ليس ما تقوله التوراة على الإطلاق. أقتبسُ مرَّة أخرى من الآية 6 من سفر التكوين في التوراة حتّى نتمكَّن أن نرى حقًّا ذلك.

 فآمَنَ (أبرام) بالربِّ فحسِبهُ (أيّ الله) لهُ (أيّ إبراهيم) برًّا.

لم يكن إبراهيم يستحقُّ الحصول على ‘البرّ’؛ لقد ‘حُسِبَ’ له. ما الفرق إذًا؟ حسنًا، إذا كنت قد استحققتَ شيئًا فهذا يعني أنّك سعيتَ وعملتَ للحصول عليه – فأنتَ تستحقّه. إنّه مثل تلقِّي أجور العمل الذي تقوم به. ولكن عندما يُحسَب لك شيءٌ ما، فهو يُعطى لك. إنَّه ليس شيئًا استحققته أو استأهلته.

إذًا، كان إبراهيم (عليه السلام) رجلاً آمَنَ إيمانًا عميقًا بوجود إلهٍ واحدٍ. وكان رجلَ صلاة وعبادة، وكان يساعد الناس (مثل مساعدة ابن أخيه لوط والصلاة من أجله). لهذا، ليس علينا تجاهُل هذه الأمور. لكنَّ وصف ‘السبيل الذي اتَّبَعه’ إبراهيم (عليه السلام) هنا بسيطٌ جدًّا بحيث يمكن عدم الانتباه إليه بسهولة. تخبرنا التوراة أنَّ إبراهيم (عليه السلام) قد حصل على البرّ لأنّه آمَنَ بالوعدِ الذي أُعطيَ له من الله. إنَّ هذا يقلب المفاهيم الشائعة التي نعتنقها حول الحصول على البرِّ، إمَّا بالتفكير في أنَّ الإيمان بوجود الله هو كافٍ، أو بالقيام بما يكفي من الأعمال الصالحة والدينيَّة بحيث نتمكَّن من الحصول على البرّ أو استحقاقه. ليست هذه هي الطريقة التي اتَّبعها إبراهيم (عليه السلام)، لقد اختار بكلِّ بساطةٍ أن يؤمن بالوعد.

الآن، ربّما كان اختيار الإيمان بوعد الابن هذا بسيطًا، لكن من المؤكَّد أنّه لم يكن سهلاً! كان بإمكان إبراهيم (عليه السلام) أن يتجاهل الوعد بسهولة بالتفكير في أنَّه إذا ما كانت لدى الله حقيقةً الإرادة وكذلك القدرة على أن يمنحه ولدًا، لكان قد فعل ذلك من قبل. لأنَّ إبراهيم (عليه السلام) وسارة (امرأته)، في هذه المرحلة من حياته، كانا مُسنَّين – قد تجاوزا إلى حدٍّ بعيدٍ سنَّ الحصول على الأولاد. تذكَّروا أنَّه كان، كما جاء في التوراة، في الخامسة والسبعين من عمره في آية إبراهيم الأولى عندما غادر موطنه وذهب إلى كنعان. في ذلك الوقت، كان الله قد وعده بأنّه سيكون له ‘أمّة عظيمة’. ولقد مرَّت سنواتٌ عديدةٌ منذ ذلك الحين حتِّى أصبح إبراهيم (عليه السلام) وزوجته سارة مسنَّيْن حقًّا، وقد انتظرا فترةً طويلةً. وليس لديهما حتّى الآن حتّى ولدٌ واحدٌ – وليس بالتأكيد أمَّة عظيمة! كان إبراهيم (عليه السلام) ليتساءل ‘‘لماذا لم يعطنا الله ولدًا حتّى الآن إن كان يمكنه أن يفعل ذلك’’؟ بعبارةٍ أخرى، لقد آمن بوعد الله بولادة ابنٍ له على الرغم من أنَّه كانت لديه أسئلةٌ لا إجابات عليها حول الوعد. لقد صدَّق الوعد لأنَّه كان يثق بالله الذي أعطى الوعد – بالرغم من أنّه لم يفهم كلَّ شيءٍ عن الوعد. ولتصديق ذلك الوعد (مجيء ابنٍ بعد تجاوز سنِّ الإنجاب)، يتطلَّب الأمر الإيمان بأنَّ الله سيُجري معجزة له ولزوجته.

كان الإيمان بالوعد سيتطلَّب أيضًا انتظارًا نشطًا. كانت حياته كلّها، إلى حدٍّ ما، متوقِّفة عندما كان يُقيم في خيامٍ في كنعان، أرض الميعاد، بانتظار (بعد عدَّة سنوات) مجيء الابن الموعود. كان الأمر سيكون أكثر سهولةً بكثير أن يتجاهل الوعد ويعود إلى دياره، إلى الحضارة في بلاد ما بين النهرين (العراق في العصر الحديث) التي كان قد غادرها قبل عدَّة سنوات، حيث لا يزال يعيش شقيقه والعائلة. لذا كان على إبراهيم (عليه السلام) العيش مع صعوبة الاستمرار في الإيمان بالوعد – يوميًّا وكلَّ يوم – لسنواتٍ عديدةٍ في انتظار الوعد الذي قُطِع. كانت ثقته بالوعد كبيرةً بحيث كانت لها الأولويّة على أهداف الحياة العاديَّة – الراحة والرفاهية. إنَّ إيمانه بوعد الله أظهر كلاً من ثقته بالله ومحبّته له.

وهكذا ذهب ‘الإيمان’ بالوعد إلى ما هو أبعد من مجرَّد القبول الفكريّ له. كان على إبراهيم (عليه السلام) أن يراهن بحياته وبسمعته وبسلامته، وبالأعمال الحاضرة وآمال المستقبل على هذا الوعد. لأنّه آمَنَ، فقد كان ينتظر بنشاطٍ وطاعةٍ.

وبالتالي، إنَّ آية إبراهيم (عليه السلام) تكمن في كيفيَّة إيمانه بوعدٍ من الله بإنجاب ابن، وبذلك أُعطيَ له أيضًا البرّ، أو حُسِبَ له. بالمعنى الحقيقيّ، استسلم إبراهيم لهذا الوعد. كان من الممكن أن يختار عدم الإيمان ويعود أدراجه إلى الأرض التي جاء منها (عراق اليوم). وكان من الممكن أن يتجاهل الوعد بينما يستمرُّ في الإيمان بوجود الله ويستمرُّ في رفع الصلوات ومساعدة الآخرين. لكنَّه سيكون حينذاك قد التزم بتعاليم دينه فقط لكن لم يُحسَب له ذلك ‘برًّا’. وكما يقول القرآن الكريم، نحن جميعًا أبناء آدم – ‘‘وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ذَٰلِكَ’’. هذا هو سبيل إبراهيم (عليه السلام).

وهكذا قد تعلَّمنا الكثير. البرّ أو التقوى، هذا الشيء بالذات الذي نحن في حاجةٍ إليه لدخول الفردوس، ليس استحقاقًا بل فضلاً من الله لنا. وهو يُحسَب لنا بالثقة بوعد الله. لكنَّ آية إبراهيم (عليه السلام) لم تكتمل بعد. نتابع مع آية 3.

آية إبراهيم الأولى: البَرَكَة

 إبراهيم!  وهو يُعرَفُ أيضًا باسمِ أبرام (عليه السلام).  تنظر إليه الديانات السماويَّة الثلاث كلّها، اليهوديَّة والمسيحيَّة والإسلام باعتباره قدوةً يُحتَذى بها.  ويعود العرب واليهود بأنسابهم إليه اليوم من خلال ولدَيهِ إسماعيل وإسحاق.  وهو مهمٌّ أيضًا في سلسلة الأنبياء باعتبار أنَّ آياته قد أسَّسَت إلى حدٍّ كبيرٍ لجميع الأنبياء الآخرين.  ما الذي كان يمتلكه أو كان يفَعَلَهُ أو كان يعرفه إذًا، ما سمح بأن يكون له دورٌ كهذا حتَّى بين الأنبياء؟  إنَّ الإجابة على هذا السؤال مهمَّةٌ جدًّا بحيث أنَّنا سوف ننظر في آية إبراهيم (عليه السلام) في أقسامها المختلفة.  انقر هنا لقراءة الآية الأولى كما وردت في القرآنِ الكريمِ و في التوراة.

     إنَّنا نرى في آياتِ القرآنِ الكريم هذه أنَّ إبراهيم (عليه السلام) كان سيكون لديه ‘قبائل’ من البشر ينحدرون منه.  كان الله سيُؤتي هؤلاء الناس ‘‘مُلْكًا عظيمًا’’.

     ولكنَّ يجب أن يكون للمرء ابنٌ واحدٌ على الأقلّ قبل أن يكون له ‘قبائلً’ من البشر، ويجب أن يكون له أيضًا مكانٌ قبل أن يتمكَّن هؤلاء الناس من الحصول على ‘مُلْكٍ عظيمٍ’.

وعدُ إبراهيم (عليه السلام)

     تُظهِرُ لنا الفقرة الواردة في التوراة (تكوين 1:12-7) كيف أنَّ الله كان على وشك تحقيق هذا الكشف المزدوج، ‘القبائل’ و ‘المــُلك العظيم’ الذي يأتي من إبراهيم (عليه السلام).  يُعطيه الله وعدًا يُعتَبَر تأسيسيًّا لخططه المستقبليَّة.  دعونا نستعرِض ذلك بمزيدٍ من التفصيل.  نحن نرى أنَّ الله يقولُ لإبراهيم:

2 ‘‘فَأَجْعَلَ مِنْكَ أُمَّةً كَبِيرَةً

وَأُبَارِكَكَ وَأُعَظِّمَ اسْمَكَ، وَتَكُونَ بَرَكَةً (لِكَثِيرِينَ).

3 وَأُبَارِكُ مُبَارِكِيكَ وَأَلْعَنُ لاعِنِيكَ،

وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ أُمَمِ الأَرْضِ’’.

عظَمَة إبراهيم (عليه السلام)

      يتساءلُ كثيرٌ من الناس اليوم في الغرب حيث أعيش الآن عمَّا إذا كان هناك إله، وكيف يمكن للمرءِ أن يعرف ما إذا أعلن عن نفسه حقيقةً من خلال التوراة.  أمامنا الآن وَعدٌ نستطيع التحقُّق من جزءٍ منه.  تقول نهاية هذا الوحي إنَّ الله وعد إبراهيم (عليه السلام) مباشرةً ‘وأعظِّمُ اسمكَ’.  ها نحن الآن في القرن الواحد والعشرين وما زال اسم إبراهيم/أبراهام/أبرام واحدًا من أكثر الأسماء المعروفة عالميًّا في التاريخ.  لقد تحقَّق هذا الوعد حرفيًّا وتاريخيًّا.  إنَّ أقدم نُسَخ التوراة الموجودة اليوم هي من مخطوطات البحر الميِّت التي تعود إلى الأعوام 200-100 قبل الميلاد (انظر مقالتي حول ما إذا كانت السنَّة النبويَّة تشهد على توراةٍ وزبورٍ وإنجيلٍ دون تغيير أم لا).  إنَّ معنى هذا هو أنَّ هذا الوعد على أقلِّ تقدير كان مسجَّلاً كتابةً منذ ذلك الوقت.  بيد أنَّ اسم شخصيَّة إبراهيم واسمه لم يكونا معروفَين- فقط لقلَّةٍ من اليهود الذين اتّبعوا التوراة.  ولكن لأنَّنا نعرف عظمة اسمهِ اليوم، يمكننا أن نرى أنَّ تحقيق الوعد قد جاء فقط بعد أن سُجِّل هذا الوعد كتابةً وليس قبل ذلك.

     إذًا، حدث هذا الجزء من وعد الله لإبراهيم (عليه السلام) بشكلٍ مؤكَّد، كما لا بدَّ أنَّ ذلك كان واضحًا حتَّى النسبة إلى غير المؤمنين، وهذا من شأنه أن يمدّنا بثقةٍ أكبر لفهم الجزء المتبقّي من هذا الوعد الذي أعطاه الله لإبراهيم (عليه السلام).  دعونا نواصل دراسة هذا الوعد.

بركة الله لنا

     يمكننا أن نرى مرَّةً أخرى وعدَ الله بأن يجعل من إبراهيم (عليه السلام) ‘أُمَّةً كبيرةً’ و ‘أُباركك’.  ولكن ثمَّة شيءٌ آخر كذلك، إنَّ البرَكة ليست فقط لإبراهيم لأنّها تقول ‘‘وتتباركُ فيك جميعُ أممِ الأرضِ’’ (أيّ من خلال إبراهيم عليه السلام).  وهذا ينبغي أن يجعلنا أنا وأنت أن نقف ونفكِّرَ مليًّا.  لأنّنا، أنا وأنتَ جزءٌ من ‘جميعِ أُممِ الأرضِ’ – بغضِّ النظر عن ديننا أو خلفيَّتنا العرقيَّة أو أين نعيش أو وضعنا الاجتماعي أو اللغة التي نتحدَّث بها.  هذا الوعد يشمل كلَّ شخصٍ حيٍّ اليوم!  على الرغم من أنَّ أدياننا المختلفة، وخلفيّاتنا العرقيَّة، ولغاتنا، تؤدّي في كثيرٍ من الأحيان إلى تقسيم الناس وتتسبَّبُ بالصراعات، فإنَّ هذا وعدٌ يبدو أنّه يتجاوز هذه الأمور التي  غالبًا ما تفرِّقنا.  كيف؟  متى؟ أيُّ نوعٍ من البركة هي؟  لم يُكشَف عن هذا بوضوح، لكنَّ هذه الآية قد أدَّت إلى ولادةِ وعدٍ هو مهمٍّ بالنسبة إليك وبالنسبة إليَّ  من خلال إبراهيم (عليه السلام).  وبما أنَّنا نعرف أنَّ جزءًا من هذا الوعد قد تحقَّق، يمكننا أن نثق في أنَّ هذا الجزء الآخر الذي ينطبق علينا سيتحقَّق بشكلٍ واضحٍ وحرفيٍّ – علينا فقط العثور على المفتاح لفتحهِ.

     ولكن يمكننا أن نلاحظ أنَّه عندما تلقَّى إبراهيم هذا الوعد أطاع الله و…

     ‘‘فارتحَلَ أبرامُ كما أمَرَهُ الربُّ’’ (الآية 4)

خريطة رحلة إبراهيم (هجرة إبراهيم من أور-< حاران - < أرض كنعان)
خريطة رحلة إبراهيم
(هجرة إبراهيم من أور-< حاران – < أرض كنعان)

كم من الوقت استغرقت هذه الرحلة إلى أرض الميعاد؟  تبيِّن لنا الخريطة هنا مسار هذه الرحلة.  كان إبراهيم يعيش في الأصل في أور (جنوب العراق اليوم) وانتقل إلى حاران (شمالي العراق).  ثمَّ ارتحلَ إبراهيم (عليه السلام) إلى ما كان يُدعى أرض كنعان في تلك الأيّام.  يمكنكم أن تروا أنَّ الرحلة كانت طويلةً جدًّا.  قد يكون سافر على ظهر جملٍ أو حصانٍ أو حمارٍ، وبالتالي قد يكون استغرقه ذلك شهورًا عديدة.  ترك إبراهيم أُسرته وحياته المريحة (كانت بلاد ما بين النهرين في ذلك الزمان مركز الحضارة) وأمنه وكلَّ ما كان مألوفًا لديه ليسافر إلى أرضٍ كانت غريبة بالنسبة إليه.  وحدث هذا، كما تقول لنا التوراة، عندما كان في الخامسة والسبعين من عمره!

الذبائح الحيوانيَّة مثل الأنبياء السابقين

     تقول لنا التوراة أيضًا إنَّه عند وصول إبراهيم (عليه السلام) إلى كنعان بسلام:

     ‘‘فَبَنَى أَبْرَامُ هُنَاكَ مَذْبَحاً لِلرَّبِّ’’ (آية 7)

     سيُبنى المذبحُ حيثُ قدَّم لله دماء الذبائح الحيوانيَّة كما فعل قايين و نوح من قَبْلِهِ.  إنَّنا نرى أنَّ هذا هو نمطٌ لكيفيَّة عبادة الأنبياء الله.

     لقد جازف إبراهيم (عليه السلام) كثيرًا وفي مرحلة متأخِّرة جدًّا من حياته في السفر إلى هذه الأرض الجديدة.  ولكنَّه بفعله هذا، أخضع نفسه لوعد الله بأن يتبارك هو وبأن تتباركَ فيه جميعُ أُممِ الأرضِ.  وهذا هو السبب الذي يجعله مهمًّا جدًّا بالنسبة إلينا.  ولكنَّ آيته لا تنتهي هنا.  نواصل مع آية إبراهيم الثانية في مقالتنا القادمة.

علم النقد النَصِّيّ لمعرفة ما إذا كان الكتابُ المقدَّسُ محرَّفًا أم لا

‘‘ما الذي يدعوني إلى التفكير حتّى في أسفارِ الكتابِ المقدَّس؟ لقد كُتِبَ منذ فترةٍ طويلةٍ جدًّا، وقد تمَّ تنقيحه عدَّة مرَّاتٍ وله عددٌ كبيرٌ جدًّا من الترجمات – لقد سمعتُ أنَّ الرسالةَ الأصليَّة قد تغيَّرت بمرور الوقت’’. لقد سمعتُ أسئلةً وأقوالًا كهذه العديد من المرّات حول كتُبِ التوراة والزبور والإنجيل الذين يشكِّلون الكتاب أو الكتاب المقدَّس.

إنَّ هذا سؤالٌ مهمٌّ جدًّا، وهو مبنيٌّ على ما سمعناه حول الكتاب/الكتابُ المقدَّس. وهو قد كُتِبَ في النهاية منذ ما يزيد على ألفي سنة. لم يكن هناك مطبعةٌ أو آلات تصويرٍ أو شركات نشر خلال معظم تلك الفترة من الزمن. لذلك تمَّ نسخُ المخطوطات الأصليَّة باليد جيلاً بعد جيلٍ بالتزامنِ مع موتِ لغاتٍ وبروزِ لغاتٍ جديدةٍ، ومع انهيارِ إمبراطوريَّاتٍ وولادة إمبراطوريَّاتٍ جديدةٍ أُخرى. وبما أنَّ المخطوطات الأصليَّة لم تعد موجودة، فكيف نعلمُ أنَّ ما نقرأه اليوم في الكتاب (الكتاب المقدَّس) هو في الواقع ما كتبه الأنبياء الأصليُّون منذ زمنٍ بعيدٍ؟ وبمعزلٍ عن الدين، هل توجدٌ أيَّةُ أسبابٍ علميَّة أو منطقيَّة تدعونا إلى معرفة ما إذا كان ما نقرأُه اليوم محرَّفًا أم لا؟

المبادئ الأساسيَّة في النقد النصِّيّ

لا يُدركُ العديد ممَّن يقومون بطرح هذا السؤال أنَّ هناك قواعد علميَّة مُتَّبَعَة معروفة باسم النقد النصِّيّ والتي يمكننا من خلالها الإجابة على هذه الأسئلة. ولأنَّها قواعد سلوكٍ علميَّة، فهي تنطبق على أيِّ نوعٍ من أنواع الكتابة القديمة. ستقدِّمُ لنا هذه المقالة المبدأين الرئيسَين المــُستَخدَمَين في النقد النصِّيّ، ثمَّ يتمُّ تطبيقهما على الكتاب المقدَّس. وللقيام بذلك، نبدأ بهذا الشكل الذي يوضِّح العمليَّة التي تجعل أيَّة كتابةٍ قديمةٍ محفوظة بمرور الوقت بحيث نتمكَّن من قراءتها اليوم.

Article_13 arabic timeline
جدول زمني يوضح كيف جميع الكتب القديمة يأتون إلينا اليوم

يُبيِّنُ هذا الرسم البيانيّ مثالاً لكتابٍ كُتِبَ سنة 500 قبل المسيح. إنَّ هذا النصَّ الأصليّ لا يبقى إلى ما لا نهاية، ولذلك، وقبل أن يضمحلّ، يضيع أو يُتلَف، يتمُّ عمل نُسَخةٍ منه (النسخة الأولى). كانت فئة من الأشخاص المحترفين الذين يُطلَق عليهم اسم الكَتَبة تقوم بأعمال النسخ. ومع مرور السنين، كان يتمُّ عمل نسخٍ من النسخة (النسخة الثانية و النسخة الثالثة). وفي مرحلةٍ ما، يتمُّ الاحتفاظُ بإحدى النُسخ بحيث أنّها بقيت (موجودة) اليوم (النسخة الثالثة). في الرسم البياني الذي هو مثالنا، تعود هذه النسخة الموجودة إلى سنة 500 بعد الميلاد. وهذا يعني أنَّ أقرب ما يتسنَّى لنا معرفته عن حالة هذا الكتاب هو ابتداء من سنة 500 بعد الميلاد فقط. ومن ثمَّ، فإنَّ الفترة الممتدَّة من سنة 500 قبل الميلاد إلى سنة 500 بعد الميلاد (التي أُشيرَ إليها في الرسم البياني بعلامة ×)، هي الحقبة التي لا يمكننا أن نقوم بتدقيق أيّة نسخة من النسخ فيها بما أنَّ جميع مخطوطات تلك الحقبة قد اختَفت. على سبيل المثال، إذا تمَّ التحريف عند القيام بعمل النسخة الثانية من النسخة الأولى، فلن يكون بمقدورنا كشف هذا التحريف لأنَّ أيًّا من هذه الوثائق لم يعد موجودًا لمقارنته مع بعضه البعض. إنَّ هذه الفترة الزمنيّة قبل النُسَخ الموجودة هي الفاصل الزمنّي لعدم اليقين النصِّي – حيث يمكن أن يكون قد حدث التحريف. ومن ثمَّ، فإنَّ المبدأ الأوّل للنقد النصِّيّ هو أنَّه كلَّما كان الفاصل الزمنيّ × أقصر، كلَّما زادت ثقتنا في صحَّة الوثيقة المحفوظة إلى يومنا هذا، بما أنَّ فترة عدم اليقين تكون أقصر.

بطبيعة الحال، يوجد عادةً أكثر من نسخة مخطوطة واحدة من وثيقةٍ ما اليوم. لنفترض أنَّ لدينا نسختَين، وفي الفقرة نفسها من كلِّ واحدةٍ منهما العبارة التالية:

Article_13 arabic documents

 

يبيِّن لنا هذا الشكل قراءة مختلفة (تقول إحدى القراءتين ‘جوان’ وتقول القراءة الأخرى ‘جون’) لكن مع وجود عددٍ قليلٍ من المخطوطاتٍ فإنَّه من الصعب تحديد أيَّهما خطأ.

كان المؤلِّف الأصليّ يكتب إمّا عن جوان أو عن جون، وفي إحدى هاتَين المخطوطتَين يوجد خطأ. السؤال المطروحُ هو – في أيَّهما يوجد الخطأ؟ من الصعب جدًّا اتِّخاذ قرارٍ بهذا الشأن انطلاقًا من الأدلَّة المتوفِّرة (أيّ نسختين فقط).

لنفترض الآن أنَّنا وجدنا مخطوطتَين منسوختين إضافيَّتين من الوثيقة نفسها كما هو موضَّحٌ أدناه:

Article_13 arabic 4 documents

 

لدينا الآن أربع مخطوطات ومن السهل أن نرى في أيّة واحدة منها يكمن الخطأ.

أصبح من السهل الآن أن نقرِّر في أيّة مخطوطة وقع الخطأ. من المرجَّح أن الخطأ وقع مرَّةً واحدةً فقط ولم يتكرَّر الخطأ نفسه ثلاث مرَّات، لذلك، من المرجَّح أنَّ تكون المخطوطة المنسوخة الثانية هي النسخة التي وقع فيها الخطأ، وأنَّ المؤلِّف كان يكتب عن جوان وليس جون. ‘جون’ هو الاسم المحرَّف.

يوضِّح هذا المثال البسيط المبدأ الثاني في النقد النصِّيّ: كلَّما زاد عدد المخطوطات المنسوخة الموجودة اليوم، كلَّما كان كشف أخطائها وتصحيحها ومعرفة ما جاء في النصِّ الأصليّ أكثر سهولةً.

النقد النصِّيّ للكتب التاريخيَّة

لدينا الآن اثنان من مبادئ النقد النصِّي التي تُستَخدَم لتحديد الدقَّة أو الموثوقيَّة النصيَّة لأيِّ كتابٍ قديمٍ: 1) قياس الفترة الزمنيَّة الممتدَّة بين زمن الكتابة الأصليَّة وأقرب (أوائل) نسخ المخطوطات الموجودة، و 2) حساب عدد نسخ المخطوطات. وبما أنَّ هذين المبدأين يُطبَّقان على جميع الكتابات القديمة، فإنَّ باستطاعتنا أن نطبِّقهما على الكتاب المقدَّس وعلى الكتب القديمة الأخرى على حدٍّ سواء، كما فعلنا في الجداول أدناه (من كتاب جي. ماك دويل، McDowell J. أدلَّة تتطلَّب حكمًا Evidence That Demands a Verdict. 1979. صفحة 42-48).

 

 

المؤلِّف

 

تاريخ الكتابة

 

أقدم النسخ

زمنيًّا

 

الفاصل الزمنيّ

 

العدد

 

قيصر

  50ق.م

900   م   

950

10

أفلاطون

350 ق.م

900   م 

1250

7

أرسطو*

300 ق.م

1100 م

1400

5

ثيوسيديدز

400 ق.م

900  م 

1300

8

هيرودوت

400 ق.م

900  م

1300

8

سوفوكليس

400 ق.م

1000م

1400

100

تاسيتوس

100 م

1100م

1000

20

بليني

100 م

850  م

750

7

 

* مِن أيِّ عمل من أعماله

يمثِّل هؤلاء المؤلِّفون كتَّابَ الأدب الكلاسيكي الرئيسيّين من العصور القديمة – الكتابات التي شكَّلَت تطوُّر الحضارة الحديثة. إنَّ ما وصل إلينا من هذه الكتابات، لكن بعد 1000 سنة تقريبًا من كتابة المخطوطة الأصليَّة، هو بمعدَّل 10- 100 مخطوطة محفوظة.

 

النقد النصِّي للكتاب المقدَّس/الكتاب

يُقارن الجدول التالي كتابات الكتاب المقدَّس (الإنجيل على وجه الخصوص) بموجب هذه النقاط ذاتها. (من كتاب بي. دبليو. كومفورت Comfort, P. W. أصل الكتاب المقدَّس

The Origin of the Bible، 1992. صفحة 193).

 

 

نُسَخ المخطوطة

تاريخ

الكتابة

تاريخ المخطوطة

المنسوخة

الفاصل الزمنيّ

جون رايلَن

90  ميلاديّة

130 ميلاديّة

40 سنة

بودمِر

90 ميلاديَّة

150-200 م

110 سنوات

كتابات على ورق البردى

 

 

بعد

الميلاد

 

شيستر بيتي

60 ميلاديّة

200 ميلاديَّة

140 سنة

المخطوطات الفاتيكانيًّة

60-90

ميلاديَّة

325

ميلاديَّة

290

سنة

المخطوطات السينائيّة

60-90

ميلاديَّة

350

ميلاديَّة

290

سنة

 

موجز النقد النصِّيّ للكتاب المقدَّس/الكتاب

إنَّ عدد مخطوطات العهد الجديد هو من الكثرة بحيث أنَّه سيكون من المستحيل جدولتها. كما صرَّح أحد الباحثين الذي أمضى سنوات في دراسة هذه المسألة:

‘‘يوجد لدينا اليوم أكثر من 24000 نسخة من مخطوطات العهد الجديد… ما من وثيقةٍ أخرى تعود إلى العصور القديمة تبدأ حتّى في الاقتراب من مثل هذا العدد والشواهد. بالمقارنة، تأتي ملحمة الإلياذة لهوميروس في المرتبة الثانية بعددٍ من المخطوطات المنسوخة يبلغ 643 ما زالت موجودة’’ (من كتاب جي. ماك دويل، McDowell J. أدلَّة تتطلَّب حكمًا Evidence That Demands a Verdict. 1979. صفحة 40).

يتَّفق باحثٌ بارزٌ في المتحف البريطانيّ مع هذا القول:

‘‘إنَّ العلماء راضون عن امتلاكهم فعليًّا النصّ الحقيقيّ للكتَّاب الرئيسيِّين الإغريق والرومان… لكنَّ معرفتنا لكتاباتهم لا تزال تعتمد على مجرَّد حفنة من المخطوطات المنسوخة، في حين أنَّ مخطوطات العهد الجديد المنسوخة تُعَدُّ ﺒ… الآلاف’’ Kenyon, F.G. إف. جي. كينيون (المدير السابق للمتحف البريطاني) Our Bible and the Ancient Manuscripts كتابنا المقدَّس والمخطوطات القديمة. 1941 صفحة 23.

أمتلكُ كتابًا عن أوائل وثائق العهد الجديد. وهو يبدأ بهذه العبارات:

‘‘يقدِّم هذا الكتاب تدوينًا ﻟـ 69 مخطوطة من أوائل مخطوطات العهد الجديد… مؤرَّخة من أوائل القرن الثاني وحتّى بداية القرن الرابع (100 – 300 ميلاديَّة)… تحتوي على ما يُقارب ثلثي نصوص العهد الجديد’’ (بي. كومفورت P. Comfort، ‘‘ The Text of the Earliest New Testament Greek Manuscripts أوائل نصوص مخطوطات العهد الجديد باللغة اليونانيّة’’. مقدِّمة صفحة 17. 2001)

بعبارةٍ أخرى، إنَّ العديد من هذه المخطوطات الموجودة تعود إلى فتراتٍ تاريخيَّة مبكِّرة جدًّا، مائة سنة أو نحو ذلك فقط بعد كتابات العهد الجديد الأصليِّة. تأتي هذه المخطوطات في وقتٍ سابقٍ لصعود قسطنطين إلى السلطة وقبل نشوء الكنيسة الرومانيّة. وهذه المخطوطات منتشرة في جميع أنحاء الدول التي تطلُّ على البحر الأبيض المتوسِّط. إذا كان البعضُ منها من منطقةٍ ما محرَّفًا، فلسوف نرى الاختلاف من خلال مقارنته بمخطوطاتٍ موجودة في مناطق أخرى. لكنَّها متماثلة.

ما الذي يمكننا إذًا أن نستنتجه من هذا؟ بالتأكيد، على الأقلّ ما نستطيع أن نقيسه بموضوعيَّة (عدد نسخ المخطوطات الموجودة والفترة الزمنيَّة الممتدَّة بين تاريخ المخطوطة الأصليّة وأقرب المخطوطات المنسوخة الموجودة إلى هذا التاريخ) هو أنَّ الأدلَّة والبراهين التي يستند إليها العهد الجديد (الإنجيل) هي أكثر بكثير من التي يستند إليها أيٌّ من الكتابات الكلاسيكيَّة الأخرى. إنَّ حكمنا الذي تدفعنا الأدلَّة إلى إصداره يوجزه على أحسن وجه الاقتباس التالي:

 ‘‘إنَّ ارتيابنا في محصِّلة نصّ العهد الجديد يعني السماح بسقوط الأدب الكلاسيكي في العصور القديمة كلّه في الضبابيّة والغموض، لأنَّه ما من وثائق أخرى من العصور القديمة أفضل دعمًا بالأدلّة والمراجع مثل العهد الجديد’’ مونتغمري Montgomery، التاريخ والمسيحيَّة History and Christianity. 1971. صفحة 29

إنَّ ما يقوله هو أنَّنا يجب أن نكون ثابتين على مبدأ واحدٍ، إذا كنَّا نشكِّك في مصداقيَّة الكتاب (الكتاب المقدَّس) فقد يجوز لنا كذلك أن نرفض كلَّ ما نعرفه عن التاريخ الكلاسيكي بشكلٍ عام – وهذا ما لم يفعله أيُّ مؤرِّخٍ في أيِّ وقتِ من الأوقات. إنَّنا نعلم أنَّ نصوص الكتاب المقدَّس لم تتغيَّر بمجيء عصورٍ ولغاتٍ وإمبراطوريّاتٍ وأُفولها بما أنَّ أقدم نسخ المخطوطات الموجودة وُجِدَت قبل هذه الأحداث. على سبيل المثال، نحن نعلم أنَّه لا البابا ولا الإمبراطور الروماني قسطنطين قد قاما بتغيير الكتاب المقدَّس لأنَّ في حوزتنا مخطوطاتٍ تعود إلى زمن سابقٍ لزمن قسطنطين والباباوات، وكلُّ هذه المخطوطات السابقة تتضمَّن الأحداث نفسها.

يتبيَّن هذا في الجدول الزمنيّ التالي حيث يظهر أنَّ مصادر المخطوطة المـــُستَخدَمَة في ترجمة الكتب المقدَّسة الحديثة تأتي في زمنٍ أكثر قِدَمًا بكثير.

Article_13 arabic dotted timeline
تُرجِمَت الكتب المقدَّسة الحديثة من أوائل المخطوطات الموجودة، والتي يعود تاريخ الكثير منها إلى الأعوام 100- 300 ميلاديّة. تأتي هذه المخطوطات التي هي المصدر قبل قسطنطين أو قبل القوى السياسيّة الدينيَّة الأخرى بوقتٍ طويلٍ.

مجمل القول، لا الزمن ولا الزعماء المسيحيّون قد حرَّفوا الأفكار والرسالات الأصليَّة التي تمَّ وضعها في نصوص الكتاب أو الكتاب المقدَّس الأصليَّة. يمكننا أن نعرف أنَّنا نقرأ اليوم تمامًا ما كتبه المؤلِّفون فعلاً، وذلك من أُلوف المخطوطات القديمة التي لدينا اليوم. يدعم عِلمُ النقد النصِّيّ موثوقيَّة الكتاب/الكتاب المقدَّس.

النقد النصِّيّ في محاضرة جامعيَّة

كان لي شرف إلقاء محاضرةٍ عامَّةٍ حول هذا الموضوع في جامعة ويسترن أونتاريو Western Ontario في كندا منذ زمنٍ ليس ببعيد. في ما يلي يوجد فيديو مدَّته 17 دقيقة يعرِضُ جزءًا من المحاضرة يغطِّي هذا الموضوع.

لقد بحثنا في الواقع حتّى الآن في النقد النصِّيّ للعهد الجديد – الإنجيل. ولكن ماذا بشأن التوراة والزبور – الكتب التي تشكِّل العهد القديم؟ في الفيديو التالي الذي مدَّته 7 دقائق، قمتُ بإيجاز مبادئ النقد النصِّيّ للعهد القديم.

هل يحلُّ القرآن الكريم محلَّ الكتاب المقدَّس! ماذا يقولُ القرآنُ الكريمُ؟

تابعنا عشان يوصلك كل جديد

حتّى لو أنَّنا ندرك أنَّ كلاًّ من القرآن الكريم والسنَّة على حدٍّ سواء يؤكِّدان أنَّ الكتابَ المقدَّسَ (التوراة والزبور والإنجيل الذين يشكِّلون الكتاب) لم يتمّ تغييرهم أو تحريفهم (كما بيَّنتُ في موقعي هنا و هنا) فما يزال السؤال حول ما إذا كان الكتاب المقدَّس/الكتاب قد استُبدِلَ بالقرآنِ الكريم، أو أنَّ القرآنَ الكريم قد ألغاه أو حلَّ محلَّه مطروحًا. ماذا يقولُ القرآنُ الكريمُ عن هذا القول؟

بِسْمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ

وأَنزَلْنا إليكَ الكتابَ بالحَقِّ مُصَدِّقًا لما بين يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ وَمُهَيمنًا عَلَيْهِ… سورة 48:5 (المائدة)

 

بِسْمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ

وَمِنْ قَبْلِهِ (القرآنُ الكريمُ) كِتابُ موسى إِمامًا ورَحمَةً وهذا كِتابٌ (القرآنُ الكريمُ) مُصَدِّقٌ (له) لِسانًا عربيًّا… سورة 46: 12 (الأحقاف)

بِسْمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ

وهَذا كِتابٌ أَنزَلْناهُ مُبارَكٌ مُّصَدِّقٌ (الوَحيَ) الذي بينَ يَدَيْهِ.. سُورَة 6: 92 (الأنعام)

 

بِسْمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ

والذي أوحَينا إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ هُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا (للّوحي) لِما بَينَ يَدَيْهِ: سورة 31:35 (فاطِر)

تتحدَّث هذه الفقرات عن تأكيدِ القرآنِ الكريمِ على أنَّه (لا يحلُّ محلَّ رسالة الكتابِ المقدَّس ‘الكتاب’ التي سَبَقَت في النزول، ولا يُهَيمنُ عليها، وأنّه ليس بديلاً عنها). بعبارةٍ أخرى، فإنَّ هذه الآيات لا تقول إنَّ على المؤمنين أن يضعوا جانبًا الوحيَ الأسبَق في النزول ويقرؤوا الوحيَ الأخير فقط. ولذلك ينبغي أن يقرأ المؤمنون الوحي الأسبق ويُطيعوه.

وهذا ما تؤكِّده الآية التي تقولُ لنا إنَّه لا يوجدُ تمييزٌ بين أنواع الوحيِّ المختلفة. أُورِدُ هنا اثنتين من تلك الآيات التي لاحظتها:

بِسْمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ

آمَنَ الرَّسولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيهِ مِن رَّبِّهِ وَالمؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ. (قالوا) لا نُفرِّقُ بَينَ أَحَدٍ مِن رُسُلِهِ. وَقالوا سَمِعْنا وأَطِعْنَا (نلتَمِس) غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وإِلَيْكَ المَصِيرُ. (سُورَة 285:2 – البَقَرَة)

 

بِسْمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ

قُولوا آمنَّا باللهِ وَما أُنزِلَ إِلَينا وَمَا أُنزِلَ إِلى إبراهِيم وإِسمَاعيلَ وإِسحَقَ وَيَعْقُوبَ والأَسْباط وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبيُّونَ مِن رَّبِّهِم لا نُفَرِّقُ بَينَ أَحَدٍ مِّنهُم وَنَحنُ لَهُ مُسلِمُونَ. (سُورَة 136:2 – البَقَرَة)

 

تقولُ لنا الآيَة الأولى إنَّه لا يوجد تمييزٌ بين الرسل – يجب أن نستمع إليهم جميعًا، وتقول الآية الثانية إنَّه ليس ثمَّةَ فرق ما بين الوحي الذي أُنزِلَ من خلال عدَّة أنبياء – ينبغي قبوله كلّه. لا يوجد في أيٍّ من هذه الآيات أيُّ تلميحٍ أو مُقتَرَح بوجوب تجاهل (أو الاستخفاف ﺒ) الوحي السابق لأنَّ الوحيَ اللاحق قد حلَّ محلَّه. وهذا الأسلوب يتناسب مع مثال وتعاليم عيسى المسيح (عليه السلام). لم يقُل هو نفسه إنَّ الوحي السابق للتوراة ومن بعده الزبور قد أُبطِلَ. لقد كان يعلِّم ما هو عكس ذلك في الواقع. لاحظوا الاحترام والاهتمام المستمرّ والمتواصل الذي يُبديه نحو توراة موسى في تعاليمه في الإنجيل.

‘‘لا تظنّوا أنّي جئتُ لأنقُضَ الناموسَ (أيّ التوراة) أو الأَنبياءَ (أيّ الزبور). ما جِئتُ لأنقُض بلّ لأُكمِّل. 18 فإنّي الحقَّ أقولُ لكم إلى أن تزولَ السماءُ والأرضُ لا يزولُ حرفٌ واحدٌ أو نقطةٌ واحدةٌ من الناموس حتّى يكونَ الكلُّ. 19 فمَن نقضَ إحدى هذه الوصايا الصُّغرى وعلَّمَ الناسَ هكذا يُدعى أصغر في ملكوت السموات. وأمّا مَن عمل وعلَّم فهذا يُدعى عظيمًا في ملكوتِ السموات. 20 فإنّي أقولُ لكُم إنّكم إن لم يزِد برُّكم على الكَتَبَة والفرِّيسيِّين لن تدخلوا ملكوتَ السموات’’.

(متّى 17:5-20)

في الواقع، لكي نفهمَ تعاليمه بشكلٍ صحيحٍ، فقد قال إنَّه يتوجَّبُ على المرءِ أن يقرأ التوراةَ أوَّلاً ثمَّ الزبور. إليكم هنا كيف كان يعلِّمُ تلاميذه:

 ثمَّ ابتدأ من موسى ومِن جميعِ الأنبياءِ يفسِّرُ لهما الأمورَ المختصَّة به في جميعِ الكتب. (لوقا 27:24)

 

وقال لهم هذا هو الكلامُ الذي كلَّمتكم بهِ وأنا بعدُ معكُم أنَّه لا بدَّ أن يتمَّ جميع ما هو مكتوبٌ عنِّي في ناموسِ موسى (أيّ التوراة)، والأنبياءِ والمزامير (أيّ الزبور)’’. (لوقا 44:24)

لم يحاول عيسى المسيح (عليه السلام) أن يتجاوز الوحي السابق. لقد بدأ تعاليمه وإرشاده، في الواقع، من هذا الوحي. هذا هو الذي جعلني أقتدي به عبر البدء بالتوراة لتقديم الأساس لفهم الإنجيل.

آية لوط

     كان لوط ابن شقيقِ النبي إبراهيم (عليه السلام).  وقد اختار العيشَ في مدينةٍ تعجُّ بأُناسٍ أشرارٍ.  لكنَّ الله استخدمَ هذا الوضع كآياتٍ نبويَّة لجميعِ الناس.  ولكن أيَّةُ آياتٍ هي؟  للإجابة على هذا السؤال يجب علينا أن نولي اهتمامًا وثيقًا لمختلف الأشخاص في هذه القصَّة.  انقرْ هنا لتقرأ القصَّة كما وردتْ في كلٍّ من التوراةِ والقرآنِ الكريمِ.

     يمكنُنا أن نرى في القصَّتَين اللتَين وردتا في التوراةِ والقرآنِ الكريمِ أنَّ هناكَ ثلاثَ مجموعاتٍ من الناسِ، وكذلك ملائكة (أو رسُل) الله.  دعونا نفكِّر في كلِّ واحدةٍ من هذه المجموعاتِ بدورها.

رجالُ سَدوم

     كان هؤلاء الأشخاص فاسدين ومنحرفين إلى أبعد الحدود.  ونحن نرى أنَّ هؤلاءِ الرجالِ كانوا يأملون في اغتصابِ الرجالِ الآخرين (الذين كانوا حقًّا ملائكة، ولكن بما إنَّ رجالَ سَدوم اعتقدوا أنّهم كانوا رجالاً، فقد كانوا يخطِّطونَ لاغتصابهم اغتصابًا جماعيًّا).  إنَّ هذا النوعَ من الإثْمِ كان شرِّيرًا جدًّا إلى حدٍّ جعل الله يصمِّم على أن يُدينَ المدينةَ بأكملِها.  وكانَ الحكمُ متَّسقًا مع الحكم الذي أصدَرَه على آدمَ.  قبل ذلك، كان اللهُ في البدايةِ قد حذَّر آدمَ من أنَّ عقوبةَ الخطيئة كانت الموت.  لم يكن أيُّ نوعٍ آخرٍ من العقابِ (مثل الضربِ والسَجنِ وما إلى ذلك) كافيًا.  وقد قال اللهُ لآدم:

 ‘‘وأمَّا شجرة معرفةَ الخيرِ والشرِّ فلا تأكلَ منها. لأنَّكَ يومَ تأكلَ منها موتًا تموتُ’’.  (سفر التكوين 17:2)

     وبالمثلِ، كان عقابُ خطايا رجال سَدوم أن يموتوا هم أيضًا.  بل إنَّ المدينة بأكملها في الواقع، وجميع الذين يعيشون فيها، كانت النيران الآتية من السماء ستدمِّرُها.  هذا هو مثالٌ على وجودِ نمطٍ تمَّ شرحه لاحقًا في الإنجيل:

                لأنَّ أُجرَةِ الخطيَّة هي موت (رومية 23:6)

أصهار لوط

     في قصَّة نوح، أدان الله العالم كلَّه، ومتَّسقًا مع آية آدم، كانت الدينونة هي الموت في طوفانٍ عظيمٍ.  لكنَّ التوراةَ والقرآنَ الكريمِ يُخبراننا أنَّ العالم أجمع كان ‘شرِّيرًا’ في ذلك الحين.  أدان اللهُ رجالَ سَدوم، لكنَّهم كانوا هم أيضًا أشرارًا منحَرِفين.  قد تدفعني قراءتي لهاتين القصَّتَين فقط إلى الاعتقاد بأنَّني في مأمنٍ من دينونةِ اللهِ لأنَّني لست بذلك الشرّ.  بالرغم ممّا قيل، أنا أُؤمنُ باللهِ، وأفعل أشياءَ صالحة كثيرة، ولم أرتكب يومًا مثل هذه الأفعال الشرِّيرة.  أأنا آمنٌ إذًا؟  إنَّ آية لوط مع صهريه تحذيرٌ لي.  فهم لم يكونوا جزءًا من جماعة الرجال الذين كانوا يحاولون ممارسة اللواط عن طريق الاغتصاب.  لكنَّهم لم يأخذوا التحذير من الدينونة الآتية على محمل الجدِّ.  في الواقع، تقولُ لنا التوراة إنَّهم كانوا يعتقدون ‘أنَّ (لوط) كان مازحًا’.  أكانَ مصيرهم مختلفًا في أيِّ شيءٍ عن مصير رجال المدينة الآخرين؟  كلاّ!  لقد عانوا المصير نفسه.  لم يكن هناك اختلافٌ في المحصِّلة بين هؤلاء الأصهار وبين رجال سَدوم الأشرار.  مغزى الآية هنا أنَّ على الجميع أن يأخذوا هذه التحذيرات على محمَل الجَدّ.  فهي ليست موجَّهة فقط للأشخاص المنحرفين جنسيًّا.

زوجة لوط

     تُعتَبَر زوجة لوط آيةً كبيرةً لنا.  يُذكَر في كلِّ من التوراةِ والقرآنِ الكريم على حدٍّ سواء أنّها لقِيَت حتفها جنبًا إلى جَنبٍ مع الآخرين.  ولقد كانت زوجة نبيٍّ.  ولكن علاقتها الخاصَّة بلوط لم تنقذها بالرغم من أنَّها لم تكن تمارس الجنس المثليّ مثل ما كان رجال سَدوم يفعلون.  لكنَّ الملائكة أمروهُم قائلين:

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَحيمِ

                 ‘… ولا يلتَفِتُ مِنكُمْ أحَدٌ…’ (سورة هود 81:11)

 أو

                 ‘… لا تنظُرْ إلى ورائكَ…’ (سفر التكوين 17:19)

     تخبرنا التوراة  في سفر التكوين ‘ونظَرَت امرأَتَهُ مِن ورائِهِ فصارت عمودَ ملحٍ.’ (تكوين 26:19).  لم توضِّح التوراة ما تعنيه بالضبط نظرَتْها إلى الوراء’.  ولكن من الواضح أنَّها اعتقدَت أنَّ بإمكانها تجاهل أمرٍ أصدره الله بدا صغيرًا حتّى، واعتقدت أنَّه لن يكون بذي أهميَّةَ.  لكنَّ مصيرها – مع خطيئتها ‘الصغيرة’ – كان كمصيرِ رجال سدوم بخطيئتهم ‘الكبيرة’ – الموت.  إنَّها لآيةٍ مهمَّةٍ بالنسبة إليَّ تبعدني عن التفكير في أنَّ بعض الخطايا ‘الصغيرة’ مُعفاة من دينونة الله – إنَّ زوجةَ لوط هي آيتنا لتحذِّرنا من هذا الاعتقاد الخاطئ.

لوط، الله والرُسُل الملائكة

     كما رأينا في آيةِ آدم، عندما أصدرَ اللهُ حُكمهُ، قدَّم كذلك الرحمة.  تمثَّلت رحمته في تلك الدينونة في توفير ثيابٍ من الجلد.  في آية نوح، عندما أصدر الله حكمهُ، أبدى رحمتهُ مرَّةً أخرى من خلال الفُلْك.  ونرى مرَّةً أخرى أنَّ اللهَ حتّى في دينونته حريصٌ على إبداءِ الرحمة.  تصف التوراة ذلك على هذا النحو:

                 ولمــَّا توانى أمسكَ الرجلانِ بيدهِ وبيدِ امرأَتِهِ وبيدِ ابنتَيهِ لشَفقةِ الربِّ عليهِ وأخرجاهُ ووضعاهُ خارج المدينةِ.  (تكوين 16:19)

     ما الذي يمكننا أن نتعلَّمه من هذا؟  كما في الآياتِ السابقة، كانت الرحمةُ شاملة، لكنَّها لم تُقدَّم إلاَّ من خلالِ سبيلٍ واحدٍ – إرشادهم للخروج من المدينة.  لم يقدِّم الله تعالى، على سبيل المثال، الرحمة أيضًا من خلال إقامةِ مكانٍ يأوونَ إليه في المدينة يمكن أن يصمُدَ أمام النار الآتية من السماء.  لم يكن هناك إلاّ طريقة واحدة لتلقِّي الرحمة. – أن يتبعوا الملائكة للخروج من المدينة.  لم تمتدّ رحمة الله تعالى إلى لوط وعائلته لأنَّ لوط كان إنسانًا مثاليًّا.  في الواقع، نرى في كلٍّ من التوراة والقرآنِ الكريمِ أنَّ لوط كان على استعدادٍ لتقديمِ ابنتيهِ إلى المغتَصبين – وهي لفتةٌ (عملٌ) لا يمكنُ وصفها بالنبالةِ.  ثمَّ تقول لنا التوراة حتّى إنَّ لوط ‘تَوانى’.  ولكن حتّى بالرغم من كلِّ هذا، بسط الله رحمَته عن طريق ‘إمساك’ الملائكة بيده وإخراجه خارج المدينة.  هذه علامةٌ لنا:  إنَّ الله تعالى سيمدُّنا بالرحمة، ولن يتوقَّف ذلك على جدارتنا .  ولكنَّنا، مثلنا مثل لوط من قبلنا، بحاجةٍ إلى الحصول على هذه الرحمة لكي تعيننا.  لم يحصل الأصهارُ على الرحمة، وبذلك لم يستفيدوا منها.

     تقول لنا التوراةُ في سفر التكوين إنَّ الله بسط هذه الرحمة للوط لأنَّ عمَّه، النبيُّ العظيم إبراهيم (عليه السلام)، قد تشفَّع له (انظر الفقرة في سفر التكوين هنا).  ثمَّ تتابع التوراة من خلال آياتِ إبراهيم مع وعدِ اللهِ بأن ‘يتبارك في نسلِكَ جميعُ أُممِ الأرضِ من أجل أنّكَ سمعتَ لقَولي’ (تكوين 18:22).  ينبغي أن ينبِّهنا هذا الوَعد لأنّنا بغضِّ النظر عمَّن نكون أو أيَّة لغةٍ نتكلَّم أو أيَّ دينٍ نعتنق أو أين نعيش، يمكننا أن نعرف أنَّنا، أنت وأنا، جزءٌ من ‘جميعِ أُممِ الأرضِ’.  إذا كانت شفاعة إبراهيم قد جعلتِ اللهُ أن يمدَّ لوط برحمتهِ، على الرغم من أنّه لم يكن يستحّقها، فكم بالحري هو كمُّ الرحمات الكثيرة التي ستمدّنا بها آيات إبراهيم، نحن الذين ننتمي إلى ‘جميعِ أممِ الأرضِ’؟  مع هذه الفكرة في أذهاننا، نواصل رحلتنا عبر أنبياء التوراة من خلال البحث في آياتِ إبراهيم (عليه السلام).

الإنجيل بحسب… مَنْ؟

     طُرِح عليَّ مؤخّرًا سؤالٌ ممتازٌ.  وأنا أنقله هنا.

        مرحبًا، هل يمكنك أن توضِّح سبب وجود عبارة بحسب لوقا، بحسب يوحنّا في الإنجيل؟          بقدر ما أستطيع أن أفهم، فإنَّ كلمة بحسب تعني قصَّة استلهمها ذلك الشخص استنادًا     إلى ما فهمه.

        ولذا، أنا مهتمٌّ بالإنجيل (الأناجيل) بحسب يسوع عليه السلام و ‘‘ليس بحسب’’ لوقا، يوحنّا وغيرهم.  إذا كانت لديك نسخة، فسأكون سعيدًا بالحصول عليها منك.

     فكَّرت أنَّ إعطاء إجابة متعمِّقة كانت أمرًا يستحقُّ الجهد.  دعونا نفكِّر بالسؤال وحتّى إعادة صياغته بعض الشيء.

ماذا تعني كلمة ‘إنجيل’؟

     يوجد كتبُ أناجيلٍ أربعة في كتاب العهد الجديد:  إنجيل متّى و مرقس و لوقا و يوحنَّا.  ما معنى أن تكون هذه الأناجيل ‘بحسب’ هؤلاء الكتّاب المختلفين؟  هل يعني هذا وجود أربعة أناجيل مختلفة؟  وهل تختلف هذه الأناجيل عن ‘إنجيل يسوع’؟  هل يعني هذا أنَّ هذه الأناجيل هي قصصٌ ‘استوحاها ذلك الشخص اعتمادًا على فهمه’؟

     من السهل جدًا مع أسئلةٍ كهذه أن نطرح جانبًا التفكير الجدّيَ بسبب آرائنا المــُسبَقَة.  ولكن للحصول على إجابةٍ منهجيَّةٍ، إجابةٍ تستندُ إلى المعرفة، علينا أن نفهم معنى كلمة ‘إنجيل’.  في اللغة اليونانيّة الأصليَّة (وهي لغة العهد الجديد الأصليَّة، انظر هنا للحصول على التفاصيل) الكلمة المرادفة لكلمة الإنجيل في اللغة اليونانيّة هي εὐαγγελίου (تُلفَظ euangeliou باللغة الإنكليزيَّة).  هذه الكلمة تعني ‘رسالة أخبارٍ سارَّة’.  نحن نعرف هذا من خلال معرفتنا كيفيَّة استخدامها في التاريخ القديم.  كُتِب العهدُ القديم (التوراة و الزبور) باللغة العبريَّة (انظر هنا للحصول على التفاصيل).  ولكن حوالي 200 قبل الميلاد – قبل العهد الجديد – ولأنَّ اللغة اليونانيّة في ذلك العصر أصبحت لغة العالم المنطوقة إلى حدٍّ كبير، قام علماء الدين اليهود في ذلك العصر بترجمة العهد القديم من اللغة العبريّة إلى اللغة اليونانيَّة.  دُعِيَت هذه الترجمة بالسبعينيّة (انظر هنا للحصول على مزيدٍ من التفاصيل حول الترجمة السبعينيّة من الموقع الآخر الخاص بي على الإنترنت).  انطلاقًا من الترجمة السبعينيَّة، يمكننا أن ندرك كيف تمَّ استخدام الكلمات اليونانيّة في ذلك العصر (أيّ 200 قبل المسيح).  إليكم هنا فقرة من العهد القديم حيث تمَّ استخدام كلمة  εὐαγγελίου (‘الأخبار السارَّة أو البشارة’) في الترجمة السبعينيَّة.

        فأجاب داود ركاب وبعنة أخاهُ ابنيّ رمُّون البئيروتي وقال لهما.  حيٌّ هو الربُّ     الذي فدى نفسي من كلِّ ضيقٍ.  إنَّ الذي أخبرني قائلاً هوذا قد مات        شاول وكان في عيني نفسهِ كمبشِّرٍ قبضتُ عليهِ وقتلتهُ في صقلغ.  ذلك أعطيتهُ بشارةً.  (2 صموئيل 9:4-10)

     هذه إحدى الفقرات حيث يتحدَّث الملك داود عن كيفيّة مجيء أحد الأشخاص حاملاً له أخبارَ موت عدوِّه معتقدًا أنّها ستكونُ أخبارًا سارَّة بالنسبة إلى الملك.  تُرجِمَت كلمة ‘الأخبار السارّة’ إلى εὐαγγελίου في الترجمة اليونانيّة السبعينيّة في الأعوام 200 قبل المسيح.  وهكذا فإنَّ هذا يعني أنَّ  εὐαγγελίου باللغة اليونانيّة تعني ‘الأخبار السارَّة’.

     لكنَّ  εὐαγγελίου تعني أيضًا الكتاب التاريخي أو الوثيقة التي تتضمَّن ‘الأخبار السارّة’.  على سبيل المثال، كان Justin Martyr جستن الشهيد أحد أوائل أتباع الإنجيل (وهذا ما سيجعله أشبه ما يكون ﺒ ‘خليفة’ صحابة النبيّ (صلّى اللهُ عليه وسلَّم) و كاتبٌ على نطاقٍ واسعٍ.  استخدم جستن الشهيد كلمة εὐαγγελίου على هذا النحو عندما كتب ‘‘… لكن كُتِبَ في الإنجيل أيضًا أنَّ اللهَ قال…’’ (جستن الشهيد، حوار مع تريفو  Trypho، 100).  استُخدِمَت عبارة ‘الأخبار السارّة’ هنا للإشارة إلى كتاب.

     في العنوانين ‘الإنجيل بحسب…’ وردت كلمة إنجيل εὐαγγελίου بالمعنى الأوّل للكلمة، في حين تشير أيضًا إلى المعنى الثاني.  ‘الإنجيل بحسب متّىيعني الأخبار السارّة كما هو مدوَّن في سجلٍّ كتبه متّى.

مقارنة الإنجيل ﺒـ ‘الأخبار’

     إنَّ الكلمة ‘الأخبار’ اليوم المعنى المزدوج نفسه.  كلمة ‘أخبار’ بمعناها الأساسيّ تعني الأحداثٍ المأساويّة التي تقع، مثل المجاعة أو الحرب.  لكن يمكن أن تُشير أيضًا إلى وكالات أنباء مثل قناة BBC أو الجزيرة أو CNN التي تنقل هذه المواد ‘الإخباريّة’ إلينا.  بينما أنا أكتب هذا، تصنع الحرب الأهليّة في سوريا الكثير من الأخبار، وسيكون من الطبيعيّ بالنسبة إليَّ أن أقول ‘‘سأستمع إلى أخبار قناة BBC حول سوريا.  تشير كلمة ‘أخبار’ في هذه الجملة في المقام الأوّل إلى الأحداث، لكنّها تشير أيضًا إلى وكالة الأنباء التي تنقل الأحداث.  لكنَّ قناة BBC لا تصنع الأخبار، كما أنَّ الأخبار لا تتعلَّق بها – فهي تتعلَّق بالحدث الدراماتيكيَّ المؤثِّر. إنَّ المستمع الذي يريد الاطّلاع على حدثٍ إخباريّ ما قد يستمع إلى تقاريرٍ إخباريّةٍ متعدِّدةٍ من وكالات أنباءٍ مختلفة للحصول على منظورٍ عامّ أكثر اكتمالاً- وكلُّ ذلك يتعلَّق بالحدث الإخباريّ عينه.

     بالطريقة ذاتها، يتحدَّث الإنجيل عن عيسى المسيح – يسوع (عليه السلام).  إنّه هو وحده موضوع التركيز الإخباري، وهناك إنجيلٌ واحدٌ فقط.  لاحظوا كيف استهلَّ مرقس كتابه:

‘‘بدءُ إنجيلِ يسوع المسيح…’’ (مرقس 1:1)

     يوجد إنجيلٌ واحدٌ وهو عن يسوع (عيسى – عليه السلام)، ويتضمَّن رسالةً واحدةً، لكنَّ هذه الرسالة قد دوِّنت مِن قِبَل مرقس في كتاب، وهذا الكتاب يُدعى أيضًا إنجيلاً.

 الأناجيل – مماثلة للحديث الشريف

     يمكنك أيضًا أن تفكِّر في الأناجيل من منطلق أنّها أحاديث.  هناك أحاديث شريفة حول الحدث نفسه تأتي من خلال أحاديث شريفة مُسنَدَة مختلفة أو من خلال سلسلة من الرواة.  إنَّ الحدث شيءٌ واحدٌ، لكنَّ سلسلة الرواة يمكن أن تكون مختلفة.  إنَّ ما يتضمَّنه الحديث الشريف من حدثٍ أو من قولٍ لا يتعلَّق بالرواة – إنَّه يتعلَّق بشيءٍ ما قاله النبيُّ محمَّد (صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم) أو فعله.  الشيء نفسه تمامًا ينطبق على الأناجيل، باستثناء أنَّ سلسلة الأحاديث المــُسنَدَة ما هي إلاَّ حلقة واحدة طويلة فقط.  إذا  كنت تقبل مبدئيًّا بأنَّ الإسناد (بعد القيام بالتدقيق الصحيح الذي قام به البخاري ومسلم) يمكن أن يقدِّم بشكلٍ دقيقٍ أقوال وأفعال النبيّ محمَّد (صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم)، حتّى ولو أنّه يمكن أن توجد أحاديث مُسنَدة مختلفة من خلال رواة مختلفين يعودون إلى الحدث نفسه، فلماذا تجد صعوبةً في قبول الحلقة الواحدة أو  ‘إسناد’ الراوي الطويل لكتبة الإنجيل؟  إنَّه المبدأ ذاته تمامًا لكنَّ سلسلة الإسناد أقصر بكثير ومكتوبة بصورةٍ أكثر وضوحًا بكثير لكونها كُتِبَت بعد فترةٍ قصيرةٍ جدًّا من وقوع الحَدَث وليس بعد بضعة أجيالٍ كما فعل العالمــَين البخاري ومُسلم عندما قاما بتحويل الأحاديث المــُسنَدَة الشفويَّة في أيّامهما إلى أحاديث مكتوبة.

لم يكن وحي كتبة الإنجيل إلهامًا ذاتيًّا

     لقد وعد عيسى المسيح (عليه السلام) كتبة الأناجيل هؤلاء بأنَّ ما يكتبونه سيكون وحيًا من الله – ليست الكتابة من إلهامهم البشريّ.  يقول بذلك الأناجيل والقرآن الكريم.

        ‘‘بهذا كلَّمتُكم وأنا عندكم.  وأمَّا المعزِّي الروحُ القُدُسِ الذي سيرسلهُ الآب      باسمي فهو يعلِّمُكم كلَّ شيءٍ ويذكِّركم بكلِّ ما قلتهُ لكم’’   (يوحنا 25:14-26)

 بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحيمِ

        وإذا أوحَيْتُ إلى الحَوارِيِّين أَن آمِنُوا بِي وَبِرَسُولي قالُوا آمَنَّا وَاشْهَد بأنَّنَا مُسلِموُنَ (سورة 111:5 – المائدة)

 إذن، إنَّ الوثائق المكتوبة التي قاموا بتدوينها – الأناجيل التي هي بين أيدينا اليوم – لم تكن وحيًا ذاتيًّا.  كانت بوحيٍّ مِن عند الله، وهذا الأمر يستحقُّ التفكير الجادّ.  إنَّ أناجيل متّى و مرقس و لوقا و يوحنّا كانت دائمًا (منذ كتابتها في القرن الأوّل) إنجيل يسوع – لقد كانوا هم رواة ذلك الإنجيل.  اقرأ كتاباتهم لتقرأ رسالة يسوع (عيسى – عليه السلام) وتفهم ﺍﻟــ ‘الأخبار السارَّة’ التي كان يعلِّمها.