الإنجيل محرَّف! ما الذي تقوله السُنَّة

     كنت قد أجريت في تقريري السابق بحثًا عمّا يقوله القرآن الكريم عن الوحي كما جاء في كتاب التوراة والزبور والإنجيل – الكتاب المقدَّس.  وقد أشَرتُ إلى أنَّ القرآن يُعلنُ بوضوح إنّه عندما أُنزِل الكتاب على محمّد (صلّى الله عليه وسلّم)، حوالي سنة 600 ميلاديّة، كان أتباع الإنجيل ما زالوا يمتلكون الرسالة التي أنزلها الله (ممّا يعني أنّها لم تكن محرَّفة في ذلك التاريخ)، ويؤكِّد القرآن الكريم، حتّى بشكلٍ أكثر وضوحًا، أنَّ الرسائل الأصليّة في الإنجيل كانت كلمة الله، وأنَّ كلمته لا يمكن أبدًا تغييرها.  إنَّ الاعتقاد بصحَّة هذين التصريحَين يعني أيضًا أنَّه سيكون من المستحيل تغيير أو تحريف كلمات التوراة والزبور والإنجيل.

     أودُّ أن أستأنفَ هذه الدراسة بالإشارة إلى ما تقوله السنَّة (النبويّة) حول هذا الموضوع.  تأمّلوا كيف يؤكِّد الحديث التالي وجود التوراة والإنجيل واستخدامهما في زمن النبيّ محمّد (صلّى الله عليه وسلَّم) (1).

     ‘‘فانطلقت به [النبيّ – صلّى الله عليه وسلَّم] خديجة (زوجته) حتّى أتت ورقة … ابن عمّ خديجة … وكان امرءًا تنصَّر في الجاهليّة، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانيّة ما شاء الله أن يكتب’’ صحيح البخاري المجلّد 1، الكتاب 1، رقم 3

     وروى أبو هُرَيرَة: .. اعتاد أهل الكتاب قراءة التوراة بالعبريّة وشرح ذلك للمسلمين في اللغة العربيّة.  ثمَّ قال رسول الله: ‘‘لا تصدِّقوا أهل الكتاب، ولا تكفِّروهم، لكنّ قولوا: ‘نحن نؤمن بالله وبكلِّ ما قد أُعلِنَ…’ ’’ صحيح البخاري المجلّد 9، الكتاب 93، رقم 632

     إنَّ اليهود جاءوا إلى رسول الله فذكروا له إنَّ رجلاً منهم وامرأة قد زنيا.  قال لهم رسول الله:  ‘‘ما تجدون في التوراة في شأن الزنا (الرجم بالحجارة)؟’’ فقالوا: (ولكن) نفضحهم ويجلدون’’.  قال عبد الله بن سلام:  ‘‘كذبتُم؛ إنَّ فيها الرجم.’’ …إنَّ آية الرجم مدوَّنة هناك.  قالوا: ‘‘صدق يا محمّد فيها آية الرجم.  صحيح البخاري المجلّد 4، الكتاب 56، رقم 829:

    روى عبد الله بن عمر:  ..أتى نفرٌ من اليهود فدعوا رسول الله (صلّى الله عليه وسلَّم) إلى القف … فقالوا:  ‘يا أبا القاسم إنَّ رجلاً منّا زنى بامرأة فاحكم بينهم’.  فوضعوا لرسول الله وسادة فجلس عليها ثمَّ قال: ‘‘ائتوني بالتوراة’’، فأُتي بها فنزع الوسادة من تحته ووضع التوراة عليها ثمّ قال: ‘‘آمنتُ بكَ وبمن أنزلك’’.  كتاب سنن أبي داود، الكتاب 38، رقم 4434:

     عن أبي هريرة:  قال رسولُ الله صلّى الله عليه وسلَّم:  خير يومٍ طلعَت فيه الشمس يوم الجمعة؛ فيه خلق آدم … قال كعب ذلك في كلِّ سنة يوم، فقلت بل في كلِّ جمعة، قال فقرأ كعب التوراة فقال صدَق النبيّ صلّى الله عليه وسلَّم.  كتاب سنن أبي داود، كتاب 3، رقم 1041

     تخبرنا هذه الأحاديث المسلَّم بصحَّتها عن موقف محمَّد (صلّى الله عليه وسلَّم) من الكتاب المقدَّس الذي كان موجودًا في زمانه.  يبلغنا الحديث الأوَّل أنَّ الإنجيل كان موجودًا وكان متاحًا عند بداية نزول القرآن الكريم على رسول الله.   ويخبرنا الحديث الثاني أنَّ اليهود كانوا يقرأون التوراة باللغة العبريّة لجماعة المسلمين الأوائل. لم يشكِّك الرسول (صلّى الله عليه وسلَّم) في نصوصهم، لكنّه كان غير مبالٍ (لم يؤكِّد ولم ينفِ) بتفسيرهم لنصوصه باللغة العربيّة.  يخبرنا الحديثان التاليان أنَّ محمَّد (صلّى الله عليه وسلَّم) استخدم التوراة كما كانت موجودة في عصره للتحكيم في القرارات.  يبيِّن لنا الحديث الأخير أنَّ التوراة، كما كانت موجودة في ذلك الزمان، قد استُخدِمَت للتحقُّق من قولٍ للرسول عن يوم خلق آدم (كان ذلك في يوم الجمعة).  لا نرى في أيٍّ من هذه الأحاديث أيّة إشارة أو تلميح إلى التعامل مع نصَّ الكتاب المقدَّس باعتباره محرَّفًا أو تمَّ تغييره.  لقد تمَّ استخدامه كما هو لاستعمالاتٍ مهمَّة.

أوائل مخطوطات الإنجيل (العهد الجديد)

في حوزتي كتابٌ عن أوائل وثائق العهد الجديد.  ويبدأ بهذه العبارات:

     ‘‘يقدِّم هذا الكتاب تدوينًا ﻟ 69 مخطوطة من مخطوطات العهد الجديد الأولى…مؤرَّخة من أوائل القرن الثاني وحتّى بداية القرن الرابع (100- 300م) … تتضمَّن 2/3 نصوص العهد الجديد تقريبًا’’ (1).

     هذا أمرٌ مهمٌّ لأنَّ تاريخ هذه المخطوطات يعود إلى ما قبل الإمبراطور الروماني قسطنطين (325 م تقريبًا) الذي كثيرًا ما اتُّهِمَ بتغيير نصَّ الكتاب المقدَّس.  لو كان قد عمل على تحريفه، فإنّنا كنا سنعرف ذلك من خلال ملاحظتنا التغيُّرات في النصوص التي سبقته (بما أنَّها موجودة لدينا) عن طريق مقارنتها بالنصوص التي تأتي من بعده.  بالإضافة إلى ذلك، لدينا العديد من الكتب المقدَّسة الكاملة التي لا تزال موجودة اليوم، والتي تمَّ تدوينها قبل فترة طويلة من زمن النبي محمَّد (صلّى الله عليه وسلَّم).  وأشهر هذه المخطوطات هي المخطوطة السينائيّة (350 ميلاديّة تقريبًا)، والمخطوطة الفاتيكانيّة (325 ميلاديّة تقريبًا).  هذه المخطوطات وغيرها ألوف المخطوطات تعود إلى ما قبل الأعوام 600 ميلاديّة، تأتي من أجزاءٍ مختلفة من العالم.  إنَّ فكرة تغيير المسيحيين لهذه النصوص لا معنى له على الإطلاق.  لم يكن ممكنًا بالنسبة إليهم وهم الموجودون في كلِّ مكان، الاتّفاق على التغييرات التي ينبغي إجراؤها.  حتّى لو كان الذين يقيمون في الجزيرة العربيّة قد أدخلوا تغييراتً ما، فإنَّ الفرق بين نصوصهم و نصوص إخوتهم، فلنقل في سوريا وأوروبا، لكانت ستكون واضحة.  ولكن، بما أنَّ القرآن الكريم والحديث الشريف على حدٍّ سواء، يؤكِّدان بوضوح نصَّ الكتاب المقدَّس كما كان قائمًا حوالي سنة 600 ميلاديّة، وبما أنّ الكتاب المقدَّس يستند إلى مخطوطات تسبق تاريخ هذه الفترة، فبالتالي، الكتاب المقدَّس الموجود اليوم ليس محرَّفًا.  يوضِّح الجدول الزمني أدناه هذا، مبيِّنًا كيف يرجع النصُّ الأساسيّ للكتاب المقدّس إلى ما قبل الأعوام 600 ميلاديّة.

     تعود أوائل نسخ مخطوطات التوراة والزبور إلى تاريخٍ أكثر قدمًا حتّى.  تمَّ العثور على مجموعاتٍ من المخطوطات التي تُعرَف باسم مخطوطات البحر الميِّت في عام 1948 قرب البحر الميِّت.  تشكِّل هذه المخطوطات النصوص الكاملة للتوراة والزبور، وهي تعود إلى الأعوام 200-100 قبل المسيح.  هذا يعني، على سبيل المثال، رغم أنَّ موسى (عليه الصلاة والسلام) قد أُعطيَ التوراة قبل ذلك بكثير، (1500 قبل المسيح تقريبًا)، فإنَّ لدينا نسخًا من التوراة تعود حتّى إلى ما قبل النبيّ عيسى المسيح (عليه السلام) و النبيّ محمَّد (صلّى الله عليه وسلَّم).  بما أنَّهما على حدٍّ سواء قد استخدما علانيّةً التوراة والزبور اللذَين كانا بين يديهما ووافقا عليهما (اللذَين كانا مثل مخطوطات البحر الميِّت التي لدينا اليوم)، فإنَّنا متأكِّدون من أنَّ كتب الأنبياء الأولى هذه لم تكن أيضًا محرَّفة.

     إنَّ شهادة النبيّ محمّد (صلّى الله عليه وسلّم) في السنَّة النبويّة، إلى جانب معرفة خلفيّة مخطوطات الكتاب المقدَّس، يُشيران إلى النتيجة ذاتها التي تشير إليها شهادة القرآن الكريم – لم يجرِ تحريف نصّ الكتاب المقدَّس أو تغييره.

آية قايين وهابيل

      كنّا قد اطّلعنا في الدرس الأوّل على آية آدم وحوّاء.  كان لديهما ولدان تصدّيا لبعضهما البعض بشكلٍ عنيف.  إنّها قصّة أوّل جريمة في تاريخ البشريّة.  لكنّنا نريد أيضًا أن نتعلَّم مبادئ عالميّة مــُستَخلَصة من هذه القصّة لإدراك معنى هذه الآية.  لذلك، دعونا نقرأ ونتعلَّم.  (انقرهنا   لفتح الفقرات في نافذة أخرى).

قايين و هابيل:  ابنان وذبيحتان

     تقول التوراة إنّ اسميّ ابنَي آدم وحوّاء هما قايين وهابيل.  قام كلٌّ منهما بتقديم ذبيحةٍ (قرابين) إلى الله، ولكنَّ ذبيحة هابيل فقط هي التي قُبِلَت، بينما لم تلقَ ذبيحة قايين قبولاً.  بدافعٍ من غَيرته، قتل قايين أخاه، لكنّه لم يتمكّن من إخفاء عار جريمته عن الله.  إنّ السؤال المطروح الأكثر أهميّة في هذه القصّة هو لماذا قُبِلَت ذبيحة هابيل في حين لم تُقبَل ذبيحة قايين.  يرى كثيرون أنّ السرّ يكمن في الاختلاف الموجود في شخصيّة الأخوَين.  لكنَّ قراءة متأنّية للقصّة يمكن أن تقودنا إلى التفكير بصورةٍ مختلفةٍ.  يقول كتاب التوراة في تفسيره، إنّ السبب كان الفرق بين الذبيحتين المقدَّمتَين.  قدّم قايين من ‘أثمار الأرض’ (أيّ فاكهةً وخضارًا) في حين قدّم هابيل من ‘‘أبكار غنمه وسِمانِها’’.  وهذا يعني أنّ هابيل قد ضحّى بحيوانٍ ما، مثل خروفٍ أو ماعزٍ من قطيعه.

     نرى هنا تشابهًا بين ما حصل وبين آية آدم.  حاول آدم تغطية عاره بأوراق الشجر، لكنّ الأمر تطلّب جلد حيوانٍ (وبالتالي موته) للحصول على غطاءٍ فعّال.  ليس ثمّة دماء تسري في الأوراق والفواكه والخضروات، وبالتالي ليس لديهم نوعيّة الحياة نفسها التي لدى الإنسان والحيوان.  لم يكن الغطاء المؤلّف من الأوراق التي لا تسري فيها الدماء كافيًا لتغطية آدم، وبالمثل، لم تكن الفاكهة والخضروات التي لا دماء فيها والتي قدَّمها قايين مقبولة.  أمّا قربان هابيل الذي كان يتألّف من ‘أبكار غنمه وسِمانها’ فقد عنى أنَّ دمَ ذلك الحيوان قد سُفِك وسال، تمامًا كدمِ ذلك الحيوان الذي كسا آدم وحوّاء.

 

     ربّما يمكننا تلخيص هذه الآية باستخدام تعبيرٍ تعلّمته وأنا صبيّ:  ‘‘إنّ الطريق إلى الجحيم معبّدةٌ بالنوايا الحسنة’’.  يبدو أنّ التعبير يلائم قايين.  لقد كان يؤمن بالله، وأظهر ذلك عن طريق قدومه ليعبده حاملاً قربانًا كتقدمة.  لكنَّ الله لم يقبل القربان، وبالتالي لم يقبَل قايين.  ولكن لماذا؟  هل كان موقفه سيِّئًا؟  لا يذكر الكتاب المقدّس ذلك في البداية.  يمكن أنّه كانت لديه ربّما حتّى أفضل النوايا والمواقف.  تقدِّم لنا آية آدم والده، فكرةً تساعدنا على معرفة الجواب.  عندما أصدر الله حكمه على آدم وحوّاء، جعلهما فانيَين.  وهكذا كان الموت هو أجرة خطيئتهما.  ثمَّ أعطى الله لهم الآية (العلامة) – الثياب (جلود) من الحيوان التي غطّت عريهم.  ولكنَّ ذلك يعني أنّ الحيوان المعنيّ كان يجب أن يموت.  ذُبِح حيوان وسال الدم ليغطّي عار آدم وحوّاء.  والآن قدّم ولداهما قربانَين، لكنَّ قربان  هابيل فقط (‘أبكار غنمه وسِمانها’) كان يتطلَّب الموت وأن يُسفَك دم الذبيحة ويسيل.  ‘أثمار الأرض’ لا يمكن أن تموت لأنّه لم يكن ‘فيها حياة’ بالطريقة نفسها، وليس فيها دمٌ ليسيل.

 

ماذا تعني الآية بالنسبة إلينا:  سفك الدم وسيلانه

 يعلِّمنا الله درسًا هنا.  لسنا نحن من يقرِّر كيف نقترب من الله.  إنّه هو من يضع المعيار ونحن نقرِّر ما إذا كنّا سنخضع له أم لا.  والمعيار هنا هو أنَّ هناك ذبيحةً تموت، يُسفك دمها ويسيل.  ربّما كنت لأفضِّل أيَّ مطلبٍ آخر لأنّه سيكون بإمكاني حينها أن أقدِّمه من مواردي الخاصّة.  يمكنني أن أقدِّم وقتًا، طاقةً، مالاً، صلواتً، تفانيًّا، ولكن ليس حياةً. لكنّ ذلك – قربان الدم – هو بالضبط ما يطلبه الله.  أيُّ شيءٍ آخر غيره لن يكون كافيًا.  سوف يكون من المثير للاهتمام أن نرى ما إذا كان هذا النموذج سيتكرَّر في علامات النبوءة المتعاقبة، لأنّ ذلك سوف يؤكِّد هذا الاستنتاج.

تحريف الإنجيل! ماذا يقول القرآن الكريم في هذا الشأن؟

     لديَّ أصدقاء مسلمون كُثُر.  ونظرًا إلى كوني أنا أيضًا مؤمنٌ بالله وممَّن يتَّبعون الإنجيل، نتناول عادةً أنا وأصدقائي المسلمون وعلى نحوٍ منتَظمٍ في أحاديثنا مواضيع تتعلَّق بالمعتقدات والإيمان.  هناك حقيقةً الكثير من القواسم المشتركة بيننا، أكثر من تلك الموجودة بيني وبين أشخاصٍ علمانيين غربيّين إمّا لا يؤمنون بالله، أو يعتقدون بأنَّ لا علاقة للإيمان بحياتهم.  ولكنّي أسمع في محادثاتي، دون استثناءٍ تقريبًا، الادّعاء بأنَّ الإنجيل محرَّف (وكذلك الكتاب المقدَّس)، أو أنّه تمَّ تزويره بحيث أنَّ رسالته كما تُقرأ اليوم هي رسالة تمَّ الحطّ من قيمتها وهي مليئة بالأخطاء ممّا كان قد أُوحيَ به في البدء وتمَّ تدوينه من قِبَل أنبياء الله ورسله.  ليس هذا بادِّعاءٍ بسيط، لأنَّ ذلك يعني أنّنا لا يمكن أن نثق في الكتاب المقدّس كما يُقرَأ اليوم ليكشف عن حقيقة الله.  لقد قرأت كلاً من الكتاب المقدَّس والقرآن الكريم وقمت بدراستهما، وبدأت بدراسة السُنَّة.  إنَّ ما أجده مدعاةً للعجب هو أنَّ روح الشكّ في الكتاب المقدّس، على الرغم من شيوعها إلى حدٍّ بعيد اليوم، لم أجدها في القرآن الكريم.  في الواقع، أذهلني مدى الجديّة التي يتناول بها القرآن الكريم الكتاب المقدّس.  أودُّ أن أبيِّن باختصار ما أُعنيه.  (في النصّ الإنكليزي، استخدمتُ ترجمة يوسف علي للقرآن الكريم)

ما يقوله القرآن الكريم عن الكتاب المقدَّس

قلْ يا أهل الكتابِ لستُم على شيءٍ حتّى تُقيموا التوراةَ والإنجيلَ وما أُنزِلَ إليكم من ربِّكم ولَيَزيدَنَّ كثيرًا منهم ما أُنزِلَ إليكَ من رَّبِّك طُغيانًا وكُفرًا.  سورة 68:5 المائدة (انظر أيضًا 136:4)

فإن كنتَ في شكٍّ ممَّا أنزلنا إليكَ فاسألِ الذين يقرءُون الكتابَ من قَبلِكَ لقد جاءَكَ الحقُّ من ربِّكَ فلا تكونَنَّ من الممترينَ.  سورة 94:10 يونس (يونان)

     ألاحظ أنّ هذا يعلن بشكلٍ عام أنَّ الوحي الذي أعطيَ ‘لأهل الكتاب’ (المسيحيين واليهود) هو من عند الله.  ردًّا على ذلك، يقول أصدقائي المسلمون إنَّ هذا الوحي المــُنزَل من الله ينطبق فقط على أسفار الكتاب المقدّس كما جاءت في الأصل، ولكنَّ هذه الأسفار الأصليّة قد تمَّ تغييرها.  وبالتالي فإنَّ الكتاب المقدَّس الحاليّ هو كتابٌ محرَّف، وهذا الوعد بالوحي لا ينطبق على الكتاب المقدَّس كما يُقرَأ اليوم.  ولكنَّ الفقرة الثانية أيضًا تؤكِّد على هؤلاء الذين يقرؤون (في الزمن الحاضر وليس في الزمن الماضي ‘قرأوا’) الكتب المقدَّسة اليهوديّة.  لا تتحدّث الفقرة عن الوحي الأصليّ، بل عن الكتب المقدّسة التي كانت موجودة في الزمن الذي أُنزِل فيه القرآن الكريم.  وقد أُنزِل على النبيّ محمّد (صلّى الله عليه وسلَّم) على مدى سنوات نحو العام 600 للميلاد.  ولذلك فإنَّ هذه الفقرة تؤكِّد صحَّة الكتاب المقدَّس اليهوديّ كما كان قائمًا في القرن السادس الميلادي.  والفقرات الأخرى مماثلة.   تأمَّل في ما يلي:

وما أرسلنا من قَبلِك إلاَّ رجالاً نوُّحِى إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون.  سورة 43:16 النحل

وما أرسلنا قبلَكَ إلاَّ رجالاً نوُّحِى إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون. سورة 7:21 الأنبياء

     تتحدَّث هذه الفقرات عن الرسل الذين سبقوا النبيّ محمد (صلّى الله عليه وسلّم).  ولكن، الأهمّ من ذلك هو أنّها تؤكّد أنّ الرسائل التي أعطاها الله لهؤلاء الرسل/الأنبياء كانت (في الأعوام 600 ميلاديّة) في حوزة أتباعهم.  لم يكن الوحي كما ورد في الأصل قد تمَّ تحريفه في زمن النبيّ محمّد (صلّى الله عليه وسلَّم).

يقول القرآن الكريم إنَّ كلمة الله لا يمكن تغييرها

     ولكن بمعنى أقوى، حتّى احتمال تحريف الكتاب المقدَّس/تغييره لا يوجد له سندٌ في القرآن.  فلنتذكَّر ما جاء في سورة المائدة 68:5 (التوراةَ والإنجيلَ… ما أُنزِلَ إليكم من ربِّكم)، وفكِّر في ما يلي:

ولقد كُذِّبَت رسلٌ من قَبلِك فصَبروا على ما كُذِّبوا وأُوذوا حتّى أتاهُم نصرُنا ولا مبدِّلَ لكلماتِ اللهِ ولقد جاءَك من نبأِ المــُرسَلينَ.  سورة  34:6 الأنعام

وتمَّت كلمة ربِّكَ صدقًا وعدلاً لا مبدِّلَ لكلمتهِ وهو السَّميعُ العليمُ.  سورة 115:6 الأنعام

لهُمُ البُشرى في الحياةِ الدُّنيا وفي الآخرةِ لا تبديلَ لكلماتِ اللهِ ذلك هو الفوزُ العظيمُ.  سورة 64:10 يونس (يونان)

واتلُ ما أُحِيَ إليكَ مِن كتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّل لكلمتهِ.، سورة 27:18 الكهف

     وبالتالي، إذا ما اتّفقنا على أنَّ الأنبياء الذين سبقوا النبيّ محمّد (صلّى الله عليه وسلَّم) قد أتاهم الوحي من الله (كما تقول سورة المائدة 68:5-69)، وبما أنَّ هذه الفقرات تقول بشكلٍ واضحٍ جدًّا مرَّاتٍ عدّة إنَّ أحدًّا لا يستطيع تغيير كلمة الله، فكيف إذًا يمكن أن يصدِّق أحدٌ أنّ التوراة والزبور والإنجيل (أيّ الكتاب المقدَّس) كان محرَّفًا أو تمَّ تغييره أو تزويره مِن قِبَلِ الإنسان؟  إنَّ ذلك يتطلَّبُ إنكار القرآن نفسه لتصديق أنّ الكتاب المقدَّس قد تمَّ تحريفه أو تغييره.

     في واقع الأمر، إنَّ فكرةَ الحكم على أنواعٍ مختلفة من الوحي الآتي من الله كأفضل أو أسوأ من غيره،  على الرغم من تبنّيها على نطاقٍ واسعٍ، لا سندَ لها في القرآن الكريم.

قولوا آمَنَّا بالله وما أُنزِلَ إلينا وما أُنزِلَ إلى إِبراهيمَ وإِسماعيلَ وإِسحاقَ ويعقوبَ والأسباطَ وما أُوتِىَ موسي وعيسى وما أُوتِى النَّبيُّونَ من ربِّهِم لا نفرِّقُ بين أحدٍ منهم ونحنُ له مسلمونَ.  سورة 136:2 البقرة (انظر أيضًا 285:2).

     لذا، ينبغي ألاّ يكون ثمّة اختلافٍ في كيفيَّة تعاملنا مع جميع أنواع الوحي.  ويجب أن يتضمَّن هذا دراستنا لها.  بعبارةٍ أخرى، ينبغي أن ندرس الكتب المقدّسة كلّها.  في الواقع، إنّني أحثُّ المسيحيّين على دراسة القرآن الكريم كما أحثُّ المسلمين على دراسة الكتاب المقدَّس.

     إنَّ دراسة هذه الكتب المقدّسة تستغرق وقتًا وشجاعةً.  سوف يُثار العديد من الأسئلة.  على أنَّ هذا بالتأكيد هو استخدامٌ للوقت يستحقُّ الجهد هنا على الأرض – لنتعلَّم من جميع الكتب المقدّسة التي أعلن عنها الأنبياء.  أنا أعلم أنّه على الرغم من أنّ الأمر بالنسبة إليَّ قد احتاج إلى الشجاعة وبعض الوقت لدراسة جميع الكتب المقدّسة وأثار العديد من الأسئلة في ذهني، إلاّ أنّه كان خبرةً مجزيّة شعرت معها ببركة الله وقد حلَّت عليّ.  آمل أن تستمرّوا في استكشاف بعض المواد والدروس على هذا الموقع.  ربّما كان المقال حول ما يقوله الحديث وما يراه النبيّ محمد (صلّى الله عليه وسلَّم) في ما يتعلَّق بالتوراة والزبور والإنجيل (الكتب التي تشكِّل الكتاب المقدَّس) واستخدامهم.  إنَّ رابط هذا المقال هو هنا .  إذا كان لديك اهتمامٌ علميّ بكيفيّة تحديد موثوقيّة جميع الكتب المقدّسة وبما إذا كان الكتاب المقدَّس يُعتَبَر موثوقًا أو محرَّفًا من وجهة النظر العلميّة هذه، انظر المقال هنا .

كلمات البحث

التوراة – القرآن إلى الإنجيل – الدرس الأوّل: آية آدم

     إنَّ آدم وزوجته حوّاء هما حالة استثنائيّة فريدة من نوعها لأنَّ الله خلقهما بيديه بشكلٍ مباشر ولأنّهما عاشا في جنَّةِ عدن.  إنّ معنى كلمة ‘آدم’ هو ‘التراب’ في اللغة العبريّة الأصليّة للدلالة على أنَّه خُلِقَ من عناصر الأرض أو الغبار.  من آدم وحوّاء انحدر كلُّ ما تبقّى من الجنس الإنساني.  ولأنّهما ‘رأس’ الجنس البشريّ، فهما يمثّلان بالنسبة إلينا رمزًا مهمًّا لنكتشفه ونفهمه.  إنَّني أنظر إلى فقرتين متوازيتين في القرآن الكريم تتحدّثان عن آدم، وإلى فقرة في سفر التكوين الذي هو جزءٌ من توراةِ موسى.  (انقر هنا لتفتح هذه الفقرات في نافذة أخرى).

     عند قراءتي لهاتين الفقرتين في الأسفار المقدَّسة، فإنَّ أوّل ما لاحظته كان التشابه بين الروايتين.  تتطابق الشخصيّات في كلتا القصّتين (آدم، حوّاء، الشيطان، الله)؛  والمكان هو عينه في الروايتين (الفردوس)؛  وفي كلٍّ من الروايتين يكذب الشيطان ويخدع آدم وحوّاء؛  وفي كلٍّ من القصّتين يضع آدم وحوّاء أوراق الشجر لإخفاء عار عُريهما؛  وفي الروايتين يأتي الله عندها ويتحدَّث إليهما ويلفظ الحكم؛  ثمَّ يُظهِر لهما الرحمة من خلال تزويدهما باللباس لتغطية ‘عار أو سَوءَةَ’ عُريهم.  يستهلُّ القرآن الكريم هذا بقوله ‘لبني آدم’ (الذين سيكونون نحن!) إنَّ هذا هو من ‘بين آيات الله’.  بعبارةٍ أخرى، ليست هذه القصّة مجرَّد درسٍ في التاريخ حول أحداثٍ مقدّسة جرت في الماضي.  ينبغي أن يجعلنا هذا ننتبه لأنّه يقول صراحةً إنَّ هذه القصَّة موجَّهَة لنا – وبالتالي ينبغي أن نتساءل ونكتشف بأيّة طريقةٍ تكون هذه الرواية بمثابة إعلانٍ لنا.

تحذير آدم لنا

     ثمّة ملاحظة واحدة يجب أن نأخذها حقًّا على محمل الجدّ – في كلتا الروايتين (أي في القرآن والتوراة)، ارتكب آدم وحوّاء خطيئةً واحدة وهي العصيان قبل أن يُصدِر الله حكمه.  فهما مثلاً لم يقترفا عشر خطايا عصيان وبعدها وجَّه لهما الله تسعة تحذيرات ثمَّ أصدر حكمه في النهاية.  أصدر الله حكمه عليهما نتيجة عمل عصيانٍ واحدٍ فقط.  إنَّ معظم الناس الذين يؤمنون بالله في الغرب يعتقدون أنّه سيُدينهم بعد أن يكونوا قد ارتكبوا خطايا عديدة.  ويعللوا ذلك بأنّهم إذا ما ارتكبوا ‘خطايا أقلّ’ من معظم الأشخاص الآخرين، أو إذا ما كانت حسناتهم تفوق عدد أفعالهم العاصية، فإنَّ الله عندئذٍ (ربّما) لن يُدينهم.  إنَّ تجربة آدم وحوّاء هي بمثابة تحذيرٍ لنا أنّ هذا ليس هو الحال.  إنَّ الله سيدين حتّى خطيئة عصيانٍ واحدة.

     يبدو هذا الأمر معقولاً تمامًا إذا ما قارنّا عصيان الله بمخالفة قانون الدولة.  في كندا حيث أعيش، إذا ارتكبت مخالفة واحدة ضدَّ القانون (كالغشِّ في موضوع الضرائب المفروضة عليَّ) فإنَّ لدى الدولة سببًا كافيًا للحكم عليَّ.  وأنا لا أستطيع أن أدافع عن نفسي بأنّني خالفت قانونًا واحدًا فقط ولم أخالف قوانين بتهمة القتل والسرقة والاختطاف.  يكفي أن أرتكب مخالفةً ضدَّ قانونٍ واحدٍ لمواجهة الحكم في كندا.  الأمر هو نفسه بالنسبة إلى الله.

     هناك بالتالي إعلانٌ لنا هنا في معصية آدم وحوّاء.  كما نرى في أفعالهما التالية أنّهما يختبران عار عريهما ويحاولان أن يضعا أوراق شجرٍ لتغطية هذا العريّ.  وبالمثل، عندما أرتكب أفعال المعصية، أشعر بالعار وأحاول أن أستتر وإخفاء ذلك بطريقةٍ ما – لإخفاء ذلك عن الآخرين.  فعل آدم وحوّاء الأمر نفسه ولكنَّ جهودهما كانت بلا جدوى.  كان بإمكان الله أن يرى ضعفهما وفشلهما، ومن ثمَّ تصرَّف وتكلَّم.  دعونا نرى ما الذي فعله وقاله.

أفعال الله في الدينونة والرحمة

     إذا ما تأمّلنا مليًّا في ما فعله الله (مرَّة أخرى في كلٍّ من الروايتين) نرى أنّه يفعل ثلاثة أمور:

  1. جعلهما الله فانيَين – سوف يموتان الآن.
  2. طردهما الله من الفردوس.  عليهما الآن أن يعيشا في مكانٍ على الأرض أكثر صعوبةٍ بكثير.
  3. أعطاهما الله ثيابًا من الجلد.

     إنَّ ما هو رائع بالنسبة إلى هذه الأمور الثلاثة هو أنَّ كلَّ واحدٍ منّا، حتّى يومنا هذا، لا يزال مشاركًا فيها.  الكلُّ سيموت؛  ما من أحد – نبيًّا كان أم غير ذلك – قد عاد يومًا إلى الفردوس؛  والجميع لا يزالون يرتدون الثياب.  هذه الأمور الثلاثة هي في الواقع ‘طبيعيّة’ جدًّا بالنسبة إلى الجميع بحيث أنّنا تقريبًا لا نلاحظ هذه الحقيقة التي ضاعت منّا، وهي أنَّ ما فعله الله لآدم وحوّاء لا نزال نستشعره حتّى يومنا هذا، بعد مرور آلاف السنين.  يبدو الأمر وكأنَّ عواقب ما حدث في ذلك اليوم لا تزال تؤثِّر فينا في هذه النواحي على الأقلّ.

     هناك أمرٌ آخر ينبغي الإشارة إليه هنا وهو أنَّ الملابس التي قدّمها الله كانت رحمةً من عنده.  لقد أصدر حكمه عليهما، نعم، ولكنه قدَّم لهما الرحمة.  لم يكن الله مضطرًّا إلى منحهما إيّاها.  ولم يكسب آدم وحوّاء الثياب من خلال سلوكهما الورِع الذي جعلهما يحصلان على ‘جدارة الاستحقاق’ في مقابل فعل المعصية الذي ارتكباه (في الحقيقة، إنَّ سلوكهما في كلٍّ من التوراة والقرآن بعيدٌ عن أن يكون سلوكًا صالحًا).  كان بإمكان آدم وحوّاء الحصول فقط على ما يقدِّمه لهما الله من دون أن يكونا جديرين به أو يستحقّانه.  ولكنَّ أحدًا ما دفع الثمن.  تخبرنا التوراة بشكلٍ أكثر تحديدًا أنَّ الثياب المقدَّمَة من الله كانت ‘جلودًا’.   إذًا هي جاءت من حيوان.  حتّى هذه المرحلة لم يكن هناك موت، ولكن بعض الحيوانات الآن (ربّما كانت أغنام أو ماعز، على أيِّ حال كانت حيوانات جلدها مناسبٌ لصنع غطاءٍ من الملابس) دفعت حياتها ثمن ذلك.  مات حيوانٌ بحيث يستطيع آدم وحوّاء أن يتلقَّيا الرحمة من الله.

     يُضيف القرآن الكريم بعد ذلك ويقول لنا إنَّ الثياب كانت لتغطية سَوءَتَهُما، ولكنَّ الملابس التي كانا حقًّا في حاجةٍ إليها كانت ‘الطهارة والبِرّ’، وإنَّ الثياب التي كانت لديهما (الجلود) هي بطريقةٍ ما علامة على هذا البرِّ والصلاح، وهي علامةٌ لنا.  أقتبس ذلك بالتفصيل حتّى تتمكّنوا من متابعة ما أنا ألاحظه في هذه الفقرة.

‘‘يا بني آدمَ قد أنزلنا عليكُم لباسًا يُواري سَوءتِكُم وريشًا ولِباسُ التَّقوى ذلك خيرٌ ذلك من آياتِ الله لعلَّهم يَذَّكَّرون’’ [سورة 26:7 (الأعراف)]

     ربَّما تطرح هذه الآية سؤالاً جيِّدًا ينبغي أخذه بعين الاعتبار وهو:  كيف يمكننا الحصول على ‘‘لباس البِرِّ هذا’؟  سوف يُعلن لنا الأنبياء في وقتٍ لاحقٍ الإجابة على هذا السؤال المهمِّ جدًّا.

كلام الله في إصدار الحكم وفي الرحمة

     ولكنَّ لنستأنف الكلام في موضوع هذه الآية – لم يفعل الله هذه الأمور الثلاثة لآدم وحوّاء ولنا نحنُ (أولاده) فحسب، بل قال أيضًا كَلمته.  في كلٍّ من الروايتين، تحدَّث الله عن ‘العداوة’ بينهما، لكنَّ التوراة تقول وبشكلٍ أكثر تحديدًا إنّ هذا ‘العداء’ سيكون بين المرأة (حوّاء) والحيَّة (الشيطان).  إنَّني أُكرِّر هنا هذه العبارة المحدّدة الصادرة من الله.  لقد أدرجت بين قوسين الأشخاص المــُشار إليهم.  يتكلَّم الله قائلاً:

        ‘‘وأضعُ (أنا الله) عداوةً

        بينكِ (الشيطان) وبينَ المرأةِ ،

        وبين نسلِك ونسلها.

        هو (نسل المرأة) يسحقُ رأسَكِ (رأس الشيطان)،

        وأنتِ (الشيطان) تسحقينَ عقِبَهُ (عقب نسل المرأة)’’ (سفر التكوين 15:3)

إنّه لغزٌ – لكنّه لغزٌ مفهومٌ. عند قراءته بعناية سترى أنّه يُشير إلى خمس شخصيّات مختلفة، و أنّ هذا يُعتَبَر بمثابة نبوءة من حيث أنّه يتطلَّع إلى زمنٍ آتٍ (نرى ذلك في تكرار استخدام كلمة ’سوف‘ كما في صيغة المستقبل). الشخصيّات هي:

 

  1. الله
  2. الشيطان (أو إبليس)
  3. المرأة
  4. نسل المرأة
  5. نسل الشيطان

    sign of virgin birth  يرسم اللغز كيف سترتبط هذه الشخصيّات ببعضها البعض في المستقبل. وهذا مُوَضَّح في ما يلي أو في الجدول أدناه:

إنّه لا يذكر مَنْ تكون المرأة.  سوف تلاحظون أنَّ الله يتحدَّث عن ‘نسل’ الشيطان و ‘نسل’ المرأة.  بالرغم من الغموض الذي يكتنف هذا الحديث، فإننا نعرف شيئًا واحدًا حول نسل المرأة هذا.  يُشار إلى كلمة ‘نسل’ إلى أنّه ‘هو’ و ‘له’، ما نعرفه هو أنّه إنسانٌ ذكرٌ واحدٌ.  بهذه المعرفة يمكننا استبعاد بعض المعاني المحتمَلة.  بما أنّه ‘هو’ فإنّ النسل ليس ‘هي’، وبالتالي لا يمكن أن يكون امرأة – ولكنّه يأتي من المرأة.  وبما أنّه ‘هو’ فإنَّ النسل ليس ‘هم’ (أيّ ليس بصيغة الجمع).  وبالتالي، فإنَّ النسل المـُشار إليه ليس مجموعةً من الأشخاص سواء كان ذلك يُشير إلى هويّة قوميّة أو إلى مجموعة تنتمي إلى دينٍ معيَّن.  وبما أنَّه ‘هو’ فإنَّ كلمة نسل لا تُشير إلى ضمير ‘غير العاقل’ (النسل هو إنسان).  ولو أنَّ هذا قد يبدو واضحًا، فإنَّ ذلك يقضي على إمكانيّة أن يكون النسل هو فلسفة أو تعليمًا أو دينًا معيَّنًا.  إذًا، النسل ليس (على سبيل المثال) الديانة المسيحيّة أو الإسلام لأنّه في هذه الحالة كان أُشير إليه باستخدام ‘ضمير غير العاقل’، ولا هو مجموعة من الأشخاص، كما هو الحال في كلمة اليهود أو المسيحيّون أو المسلمون لأنَّه في هذه الحالة سيُشار إليهم باستخدام الضمير ‘هم’.  على الرغم من أنَّ الغموض لا يزال يكتنف ما تعنيه كلمة ‘نسل’، إلاّ أنّنا أزلنا العديد من الاحتمالات التي قد تتبادر إلى أذهاننا بشكلٍ طبيعيّ.

     نرى من خلال معنى التطلُّع في كلام الله (جاء كلُّ ذلك في صيغة المستقبل مترافقًا ﺒ ‘سوف’ التي تكرَّرت في كلِّ مكان) أنَّ خطَّةً بنتيجةٍ مقصودة كانت في ذهن الله.  سوف يسحق هذا النسل رأس الشيطان ( أي يدمِّره) بينما الشيطان في الوقت نفسه ‘يسحق عقبه’.  لم يتَّضح سرَّ ما يعنيه هذا القول إلى حدِّ أبعد عند هذه المرحلة.  ولكنّنا نعرف أنَّ هناك خطةً إلهيّة سوف تتكشَّف.

     ثمّة ملاحظة أخرى مثيرة للاهتمام تأتي ممّا لا يقوله الله للإنسان (آدم).  إنّه لا يعِد الإنسان بنسلٍ محدّد مثلما وعد المرأة.  هذا أمرٌ استثنائيّ إلى حدٍّ بعيد، وخاصّةً بالنظر إلى التركيز على الأبناء الذين يأتون من خلال الآباء في كلِّ مكانٍ في التوراة والزبور والإنجيل.  في الواقع، إنَّ واحدة من الانتقادات التي يوجِّهها الأشخاص العصريّون لهذه الكتب المقدّسة في كندا هو أنّها تتجاهل الأنسال التي  تأتي من خلال النساء.  إذا نظرتم إلى الأنساب الواردة في التوراة (سفر التكوين 5)، الزبور (أخبار الأيّام الأوّل 1-5) والإنجيل (متّى 1 و لوقا 3)، سوف ترون أنّهم يتحدّثون بشكلٍ حصريّ تقريبًا عن أبناء يأتون من الآباء.  ولكن في هذه الحالة وفي ما وعد الله به آدم وحوّاء والحيّة، فإنَّ الأمر كان مختلفًا – لم يكن هناك وعد بنسلٍ ‘هو’ يأتي من رجلٍ.  يقول كتاب التوراة فقط أنّه سيكون هناك نسلٌ يأتي من امرأة – لا أكثر ولا أقلّ.

 مِنْ بين جميع البشر الذين وُجِدوا في أيما وقتٍ مضى، اثنان فقط لم يكن لهما أبٌ بشريّ. كان الأوّل آدم الذي خلقه الله بشكلٍ مباشر. وكان الثاني يسوع (عيسى – عليه السلام) الذي ولِدَ مِن عذراء – وبالتالي لم يكن له أبٌ بشريّ. وهذا ينتاسب مع الملاحظة بأنّ النسل يكون ’هو‘ وليس ’هي‘ أو ’هم‘ أو ’ضمير الغائب لغير العاقل‘. إذا قرأتَ اللغز من هذا المنظور، فكلُّ شيءٍ سيصبح منطقيًّا ومفهومًا. عيسى (عليه السلام) هو النسل من امرأة. ولكن مَنْ هو عدوّه، أهو نسل الشيطان؟ على الرغم من أنّه ليس لدينا هنا مجال لشرح ذلك بالتفصيل، إلاّ أنّ الأسفار المقدّسة تتحدّث عن ’ابن الهلاك‘ وغيره من الألقاب التي تصوِّر مجيء حاكمٍ بشريّ سوف يقاوم ’المسيح‘. تتحدّث أسفار الكتاب المقدّس الأخيرة أو اللاحقة عن صراعٍ قادمٍ بين هذا ’’المسيح الدجّال‘‘ وبين المسيح (عليه السلام). لكنّ ذلك مُشارٌ إليه هنا بصورةٍ بدائيّة، تمامًا في بدء التاريخ.

إذًا، إنّ ذروة التاريخ، خاتمة الصراع ما بين الله و الشيطان، الذي بدأ منذ زمنٍ طويل في الفردَوس، قد تمّ التنبؤ به في تلك البداية نفسها – في السفر الأوّل من الكتاب المقدّس. إنّ الانطلاق من هنا في البداية، وتقدّمنا إلى الأمام متتبّعين الرسل المتعاقبين الذي جاؤوا عبر التاريخ، سوف يكون بمثابة تبليغٍ أو تحذيرٍ لنا بحيث نفهم بصورةٍ أفضل الزمن الذي نعيش فيه.     لقد تعلَّمنا الكثير مع هذه الملاحظات حول علامة آدم وحوّاء.  لقد قدَّم لنا كلاًّ من القرآن والتوراة الكثير من الأدلَّة.  ومع ذلك، ثمّة الكثير من الأسئلة لا تزال مطروحة، وأكثر منها قد تمَّ إثارتها.  ولكنّنا نستطيع الآن الاستمرار في تتبُّع خطّ الأنبياء لنرى المزيد ممّا يمكن أن يعلِّموه لنا.  وهكذا نواصل مع ولَدي آدم وحوّاء، قايين وهابيل.

مقدِّمة: نموذج ‘الإنجيل’ في القرآن الكريم كآيةٍ من الله

عندما قرأت القرآن لأوَّل مرّة أدهشني من عدَّة نواحٍ.  أوّلاً وقبل كلِّ شيء، كان هناك العديد من الإشارات الصريحة والمباشرة إلى الإنجيل.  ولكن كان هناك أيضًا هذا الأسلوب المحدَّد في الاقتباسِ من الإنجيل الذي أسرني حقًّا.  في ما يلي جميع آيات القرآن الكريم التي تذكر الإنجيل بشكلٍ مباشر.  ربّما تكون قد لاحظت النمط الذي لاحظته أنا.  (إنّني أستخدم ترجمة يوسف علي).

(هو الذي) نزَّلَ عليكَ الكتاب بالحَقِّ مصدِّقًا لِما بين يديه وأنزَلَ التوراة (ناموس موسى) والإنجيل (إنجيل يسوع) مِن قبلُ هُدىً للناسِ وأنزَلَ الفُرقان (للحكم بين الحقِّ والباطل).  إنَّ الذين كَفَروا بآياتِ الله لهم عذابٌ شديدٌ والله عزيزٌ ذو انتقامٍ [سورة 3:3-4 (آل عمران)]

و(الله) يعلِّمه [يسوع] الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيلَ [سورة  48:3 (آل عمران)]

يا أهل الكتاب لِمَ تُحَاجُّونَ في إِبراهيمَ وما أُنزِلَتِ التوراةُ والإنجيلُ إلاّ مِن بعدِهِ أفَلا تَعقِلون؟  [سورة 65:3 (آل عمران)]

وقَفَينا على أثَرِهم [الأنبياء] بعيسى ابنِ مريَم مُصَدِّقًا لِما بين يديه من التوراةِ وآتَينَاهُ الإنجيل فيه هُدى ونورٌ ومُصدِّقًا لما بين يديه من التوراةِ وهُدى وموعِظة للمُتَّقين [سورة 46:5 (المائدة)]

لو أنَّهم [أهل الكتاب] أقاموا التوراة والإنجيلَ وما أُنزِلَ إليهم من ربِّهِم [سورة 66:5 (المائدة)]

قُلْ يا أهلَ الكتابِ لستم على شيءٍ حتّى تُقيموا التوراة والإنجيلَ وما أُنزِلَ إليكُم من ربِّكم [سورة 68:5 (المائدة)]

إذ قال الله يا عيسى [يسوع] … إذ عَلَّمتُك الكتابَ والحكمةَ والتوراة والإنجيل … [سورة 110:5 (المائدة)]

… وعدًا عليه حقًّا في التوراةِ والإنجيلِ والقرآنِ [سورة 111:9 (التوبة)]

… ذلك مَثَلَهم في التوراة [الناموس] ومَثَلَهم في الإنجيلِ كزرعٍ أخرَجَ شطئه فأزرهُ فاستَغلَظَ فاستوى على سوقِهِ [سورة 29:48 (الفتح)]

     إنَّ ما يبرز للعيان عند وضع أو تصنيف جميع الإشارات إلى الإنجيل في القرآن هو أنَّ ‘الإنجيل’ لا يُذكَرُ بمفرده.  فهو في كلِّ حالةٍ من الحالات يكون مسبوقًا بعبارة ‘توراة’.  و‘الشريعة’ هي أسفار موسى المعروفة باسم ‘التوراة’ بين المسلمين و ‘توراة’ بين الشعب اليهودي.  الإنجيل هو كتابٌ فريدٌ من نوعه بين الكتب المقدَّسة في هذا الصدد باعتبار أنَّه لم يُذكَر قط بمعزلٍ عن غيره.  على سبيل المثال، يمكنك أن تجد إشارات إلى التوراة (الشريعة أو الناموس) والقرآن لوحدهما.  هنا بعض الأمثلة على ذلك:

ثمَّ آتينا موسى الكتابَ تمامًا على الذي أحسنَ وتفصيلاً لكُلِّ شيءٍ وهدىً ورحمةً لعلَّهم بلقاءِ ربِّهم يؤمنون.  وهذا كتابٌ أنزَلنَاه مُباركٌ فاتَّبِعوهُ واتَّقوا لعلَّكم تُرحَمون [سورة 154:6-155 (الأنعام)]

أفلا يتدبَّرون القرآن (بعناية) ولو كان من عِندِ غير اللهِ لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا [سورة 82:4 (النساء)]

     وبعبارةٍ أخرى، نجد أنّ القرآن عندما يذكر الإنجيل فإنّه يذكره دائمًا جنبًا إلى جنب مع ‘التوراة’ ومسبوقًا به.  وهذا يُعتَبَرُ أمرًا استثنائيًّا لأنّ القرآن يُشير إلى نفسه بمعزلٍ عن الإشارة إلى الكتب المقدَّسة الأخرى، وكذلك يذكر التوراة دون أن يذكر الكتب المقدَّسة الأخرى.

النمط المتَّبع حتّى في الاستثناء الوحيد

      ثمّة استثناءٌ واحدٌ فقط لهذا النمط المتَّبع قد وجدته.  لاحظ كيف تذكر الآية التالية ‘الإنجيل’

ثمَّ قفَّينا على أثرِهِم برُسُلنا [نوح و إبراهيم و الأنبياء] وقفَّينا بعيسى ابنِ مريمَ وأتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوبِ الذين اتَّبَعوه رأفةً ورَحمةً [سورة 27:57 (الحديد)]

وإن كانت هذه هي الحالة الوحيدة التي يرد فيها ذكرُ ‘الإنجيل’ غير مسبوقٍ بإشارةٍ مباشرة إلى ‘الناموس’، إلاّ أنّ سياق هذه الآية يؤكِّد هذا النمط.  لقد ورد في الآية (26 [1]) السابقة صراحةً ذِكرَ نوح وإبراهيم (أبراهام) وغيرهم من الأنبياء، ثمَّ ذُكِرَ في هذه الآية ‘الإنجيل’.  إنّه ‘الناموس’ – توراة موسى- الذي يقدِّم ويفسِّر نوح وإبراهيم وغيرهم من الأنبياء.  لذلك، حتّى في هذا الاستثناء، يبقى النمط، لأنَّ مضمون الناموس يسبق ذِكرَ كلمة ‘إنجيل’ بدلاً من أن تسبقه التسمية (توراة) فقط.

أهو علامةٌ لنا من الأنبياء؟

     وبالتالي، أهو نمطٌ ذو مغزى؟  قد يكتفي البعض بصرف النظر عنه باعتباره حدثًا وقع مصادفةً أو يعود إلى مجرّد عادةٍ بسيطة في الإشارة إلى الإنجيل بهذه الطريقة.  لقد تعلَّمتُ أن آخذ مثل هذه الأنماط في الأسفار المقدَّسة على محمل الجدّ.  ربّما هي علامة مهمّة لنا لمساعدتنا على إدراك مبدأ كرَّسه الله ووضعه بنفسه – بحيث لا نتمكَّن من أن نفهم الإنجيل إلاَّ من خلال المرور أوّلاً بالتوراة (الناموس).  وكأنَّ التوراة شرطٌ أساسيّ مُسبَق قبل أن نتمكَّن من فهم الإنجيل.  قد يكون من المفيد إذًا أن نستعرض أوّلاً التوراة ونرى ما يمكن أن نتعلَّمه ممّا قد يساعدنا على فهمٍ أفضل للإنجيل.  يقول لنا القرآن إنَّ هؤلاء الأنبياء الأوّلين كانوا بمثابة ‘آيةٍ’ لنا.  تأمَّل في ما يقوله:

يا بني آدمَ إِمَّا يأتيَنَّكُم رُسُلٌ منكم يقُصُّون علَيكم آياتي فمَن اتَّقى وأصلَحَ فلا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون.  والذين كذَّبوا بآياتِنا واستكبروا عنها أولئك أصحابُ النَّارِ هم فيها خالدون [سورة 35:7-36 (الأعراف)]

     بعبارةٍ أخرى، كان هؤلاء الأنبياء آياتً لحياتهم ورسالة لبني آدم (نحن!)، وسيسعى أولئك الذين يملكون الحكمة والحصافة إلى أن يفهموا هذه الآيات أو العلامات.  لذا، دعونا نبدأ في النظر في الإنجيل انطلاقًا من التوراة (الناموس) – آخذين بعين الاعتبار الأنبياء الأوائل من البداية لكي نرى ما العلامات أو الآيات التي قد أعطونا إيّاها لمساعدتنا على فهم الطريق القويم.

     نبدأ انطلاقًا من بدء الزمن مع آية آدم.

________________________________________
[1] ‘ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريّتهما النبوَّة والكتاب فمِنهم مُهتدٍ وكثيرٌ مِنهم فاسقون’ [سورة 57: 26 (الحديد)]