مَن كان النبيّ أيّوب؟ وما سبب أهميّته اليوم؟

تُورِدُ سورة البيِّنة (سورة 98) وصفًا للمُتطَلَّبات اللازمة ليكون الشخص رجلاً صالحًا.

وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ

وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ.

سورة البَيِّنَة 98: 5

وبالمثل، تُورِدُ صورة العصر (سورة 103) الصفات التي يجب أن نتَّصِف بها لتَجنُّب الهلاك (الخسارة) أمام الله.

إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ

وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْ.

سورة العصر 103: 2- 3

     كان النبيُّ أيّوب، عليه السلام، هو هذا الرجل الذي تصفه سورة البيِّنة وسورة العصر. لم يكن النبيّ أيّوب معروفًا جيِّدًا. ذُكِرَ اسمه في القرآن أربع مرّات.

إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ ۚ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ ۚ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا

سورة النساء 4: 163

وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ.

سورة الأنعام 6: 8

وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ.

سورة الأنبياء 21: 83

وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ.

سورة صاد 38: 41

     يظهر اسمُ أيّوب في قائمة الأنبياء، بمن فيهم إبراهيم، عيسى المسيح، داود، لأنّه كتب سِفرًا في الكتاب المقدَّس. يصفُ سِفره سيرة حياته. وقد عاش في الفترة الواقعة ما بين النبيّ نوح وإبراهيم، عليهما السلام. يصفه الكتاب المقدّس على هذا النحو:

كانَ رَجُلٌ فِي أَرْضِ عَوْصَ اسْمُهُ أَيُّوبُ. وَكَانَ هذَا الرَّجُلُ كَامِلاً وَمُسْتَقِيمًا، يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ. وَوُلِدَ لَهُ سَبْعَةُ بَنِينَ وَثَلاَثُ بَنَاتٍ. وَكَانَتْ مَوَاشِيهِ سَبْعَةَ آلاَفٍ مِنَ الْغَنَمِ، وَثَلاَثَةَ آلاَفِ جَمَل، وَخَمْسَ مِئَةِ فَدَّانِ بَقَرٍ، وَخَمْسَ مِئَةِ أَتَانٍ، وَخَدَمُهُ كَثِيرِينَ جِدًّا. فَكَانَ هذَا الرَّجُلُ أَعْظَمَ كُلِّ بَنِي الْمَشْرِقِ. وَكَانَ بَنُوهُ يَذْهَبُونَ وَيَعْمَلُونَ وَلِيمَةً فِي بَيْتِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي يَوْمِهِ، وَيُرْسِلُونَ وَيَسْتَدْعُونَ أَخَوَاتِهِمِ الثَّلاَثَ لِيَأْكُلْنَ وَيَشْرَبْنَ مَعَهُمْ. وَكَانَ لَمَّا دَارَتْ أَيَّامُ الْوَلِيمَةِ، أَنَّ أَيُّوبَ أَرْسَلَ فَقَدَّسَهُمْ، وَبَكَّرَ فِي الْغَدِ وَأَصْعَدَ مُحْرَقَاتٍ عَلَى عَدَدِهِمْ كُلِّهِمْ، لأَنَّ أَيُّوبَ قَالَ: «رُبَّمَا أَخْطَأَ بَنِيَّ وَجَدَّفُوا عَلَى اللهِ فِي قُلُوبِهِمْ». هكَذَا كَانَ أَيُّوبُ يَفْعَلُ كُلَّ الأَيَّامِ.

أيّوب 1: 1- 5

كان أيّوب يتحلَّى بجميع الصفات التي أعلنت سورة البَيِّنة وسورة العصر أنّها ضَروريَّة. ثمَّ ظهر الشيطان أمام الربّ. يسجِّل سفر أيّوب حديثهما.

وَكَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَنَّهُ جَاءَ بَنُو اللهِ لِيَمْثُلُوا أَمَامَ الرَّبِّ، وَجَاءَ الشَّيْطَانُ أَيْضًا فِي وَسْطِهِمْ. فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: «مِنَ أَيْنَ جِئْتَ؟». فَأَجَابَ الشَّيْطَانُ الرَّبَّ وَقَالَ: «مِنْ الْجَوَلاَنِ فِي الأَرْضِ، وَمِنَ التَّمَشِّي فِيهَا». فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: «هَلْ جَعَلْتَ قَلْبَكَ عَلَى عَبْدِي أَيُّوبَ؟ لأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُهُ فِي الأَرْضِ. رَجُلٌ كَامِلٌ وَمُسْتَقِيمٌ، يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ». فَأَجَابَ الشَّيْطَانُ الرَّبَّ وَقَالَ: «هَلْ مَجَّانًا يَتَّقِي أَيُّوبُ اللهَ؟ أَلَيْسَ أَنَّكَ سَيَّجْتَ حَوْلَهُ وَحَوْلَ بَيْتِهِ وَحَوْلَ كُلِّ مَا لَهُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ؟ بَارَكْتَ أَعْمَالَ يَدَيْهِ فَانْتَشَرَتْ مَوَاشِيهِ فِي الأَرْضِ. وَلكِنِ ابْسِطْ يَدَكَ الآنَ وَمَسَّ كُلَّ مَا لَهُ، فَإِنَّهُ فِي وَجْهِكَ يُجَدِّفُ عَلَيْكَ». فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: «هُوَذَا كُلُّ مَا لَهُ فِي يَدِكَ، وَإِنَّمَا إِلَيهِ لاَ تَمُدَّ يَدَكَ». ثمَّ خَرَجَ الشَّيْطَانُ مِنْ أَمَامِ وَجْهِ الرَّبِّ.

(أيّوب 1: 6-12

ثمَّ أوقعَ الشيطان كارثةً على أيّوب بهذه الطريقة:

وَكَانَ ذَاتَ يَوْمٍ وَأَبْنَاؤُهُ وَبَنَاتُهُ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ خَمْرًا فِي بَيْتِ أَخِيهِمِ الأَكْبَرِ، أَنَّ رَسُولاً جَاءَ إِلَى أَيُّوبَ وَقَالَ: «الْبَقَرُ كَانَتْ تَحْرُثُ، وَالأُتُنُ تَرْعَى بِجَانِبِهَا، فَسَقَطَ عَلَيْهَا السَّبَئِيُّونَ وَأَخَذُوهَا، وَضَرَبُوا الْغِلْمَانَ بِحَدِّ السَّيْفِ، وَنَجَوْتُ أَنَا وَحْدِي لأُخْبِرَكَ». وَبَيْنَمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ إِذْ جَاءَ آخَرُ وَقَالَ: «نَارُ اللهِ سَقَطَتْ مِنَ السَّمَاءِ فَأَحْرَقَتِ الْغَنَمَ وَالْغِلْمَانَ وَأَكَلَتْهُمْ، وَنَجَوْتُ أَنَا وَحْدِي لأُخْبِرَكَ». وَبَيْنَمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ إِذْ جَاءَ آخَرُ وَقَالَ: «الْكَلْدَانِيُّونَ عَيَّنُوا ثَلاَثَ فِرَق، فَهَجَمُوا عَلَى الْجِمَالِ وَأَخَذُوهَا، وَضَرَبُوا الْغِلْمَانَ بِحَدِّ السَّيْفِ، وَنَجَوْتُ أَنَا وَحْدِي لأُخْبِرَكَ». وَبَيْنَمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ إِذْ جَاءَ آخَرُ وَقَالَ: «بَنُوكَ وَبَنَاتُكَ كَانُوا يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ خَمْرًا فِي بَيْتِ أَخِيهِمِ الأَكْبَرِ، وَإِذَا رِيحٌ شَدِيدَةٌ جَاءَتْ مِنْ عَبْرِ الْقَفْرِ وَصَدَمَتْ زَوَايَا الْبَيْتِ الأَرْبَعَ، فَسَقَطَ عَلَى الْغِلْمَانِ فَمَاتُوا، وَنَجَوْتُ أَنَا وَحْدِي لأُخْبِرَكَ». فَقَامَ أَيُّوبُ وَمَزَّقَ جُبَّتَهُ، وَجَزَّ شَعْرَ رَأْسِهِ، وَخَرَّ عَلَى الأَرْضِ وَسَجَدَ، وَقَالَ: «عُرْيَانًا خَرَجْتُ مِنْ بَطْنِ أُمِّي، وَعُرْيَانًا أَعُودُ إِلَى هُنَاكَ. الرَّبُّ أَعْطَى وَالرَّبُّ أَخَذَ، فَلْيَكُنِ اسْمُ الرَّبِّ مُبَارَكًا». فِي كُلِّ هذَا لَمْ يُخْطِئْ أَيُّوبُ وَلَمْ يَنْسِبْ للهِ جِهَالَةً.

(أيّوب 1: 13-22

لكنّ الشيطان استمرَّ في استفزاز أيّوب ودَفْعِهِ ليلعنَ الربّ. لذلك كانت هناك تجربة ثانية.

وَكَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَنَّهُ جَاءَ بَنُو اللهِ لِيَمْثُلُوا أَمَامَ الرَّبِّ، وَجَاءَ الشَّيْطَانُ أَيْضًا فِي وَسْطِهِمْ لِيَمْثُلَ أَمَامَ الرَّبِّ. فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: «مِنْ أَيْنَ جِئْتَ؟» فَأَجَابَ الشَّيْطَانُ الرَّبَّ وَقَالَ: «مِنَ الْجَوَلاَنِ فِي الأَرْضِ، وَمِنَ التَّمَشِّي فِيهَا». فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: «هَلْ جَعَلْتَ قَلْبَكَ عَلَى عَبْدِي أَيُّوبَ؟ لأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُهُ فِي الأَرْضِ. رَجُلٌ كَامِلٌ وَمُسْتَقِيمٌ يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ. وَإِلَى الآنَ هُوَ مُتَمَسِّكٌ بِكَمَالِهِ، وَقَدْ هَيَّجْتَنِي عَلَيْهِ لأَبْتَلِعَهُ بِلاَ سَبَبٍ». فَأَجَابَ الشَّيْطَانُ الرَّبَّ وَقَالَ: «جِلْدٌ بِجِلْدٍ، وَكُلُّ مَا لِلإِنْسَانِ يُعْطِيهِ لأَجْلِ نَفْسِهِ. وَلكِنْ ابْسِطِ الآنَ يَدَكَ وَمَسَّ عَظْمَهُ وَلَحْمَهُ، فَإِنَّهُ فِي وَجْهِكَ يُجَدِّفُ عَلَيْكَ». فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: «هَا هُوَ فِي يَدِكَ، وَلكِنِ احْفَظْ نَفْسَهُ». فَخَرَجَ الشَّيْطَانُ مِنْ حَضْرَةِ الرَّبِّ، وَضَرَبَ أَيُّوبَ بِقُرْحٍ رَدِيءٍ مِنْ بَاطِنِ قَدَمِهِ إِلَى فَأَخَذَ لِنَفْسِهِ شَقْفَةً لِيَحْتَكَّ بِهَا وَهُوَ جَالِسٌ فِي وَسَطِ الرَّمَادِ. فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: «أَنْتَ مُتَمَسِّكٌ بَعْدُ بِكَمَالِكَ؟ بَارِكِ اللهِ وَمُتْ!». فَقَالَ لَهَا: «تَتَكَلَّمِينَ كَلاَمًا كَإِحْدَى الْجَاهِلاَتِ! أَالْخَيْرَ نَقْبَلُ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَالشَّرَّ لاَ نَقْبَلُ؟». فِي كُلِّ هذَا لَمْ يُخْطِئْ أَيُّوبُ بِشَفَتَيْهِ.

أيّوب 2: 1- 10

     لهذا السبب، تصِفُ سورة الأنبياء أيّوب وهو يصرخ في ضِيقته، وتوضِّحُ سورة صاد أنّ الشرّير (الشيطان) قد ابتلاهُ بالآلام.

في بؤسهِ وشقائه، كان لدى أيّوب 3 أصدقاء زاروه ليقدِّموا له العزاء ويُخفِّفوا عنه أساهُ.

فَلَمَّا سَمِعَ أَصْحَابُ أَيُّوبَ الثَّلاَثَةُ بِكُلِّ الشَّرِّ الَّذِي أَتَى عَلَيْهِ، جَاءُوا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ مَكَانِهِ: أَلِيفَازُ التَّيْمَانِيُّ وَبِلْدَدُ الشُّوحِيُّ وَصُوفَرُ النَّعْمَاتِيُّ، وَتَوَاعَدُوا أَنْ يَأْتُوا لِيَرْثُوا لَهُ وَيُعَزُّوهُ. وَرَفَعُوا أَعْيُنَهُمْ مِنْ بَعِيدٍ وَلَمْ يَعْرِفُوهُ، فَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ وَبَكَوْا، وَمَزَّقَ كُلُّ وَاحِدٍ جُبَّتَهُ، وَذَرَّوْا تُرَابًا فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ نَحْوَ السَّمَاءِ، وَقَعَدُوا مَعَهُ عَلَى الأَرْضِ سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَسَبْعَ لَيَال، وَلَمْ يُكَلِّمْهُ أَحَدٌ بِكَلِمَةٍ، لأَنَّهُمْ رَأَوْا أَنَّ كَآبَتَهُ كَانَتْ عَظِيمَةً جِدًّا.

أيّوب 2: 11- 13

يُسَجِّل سِفر أيّوب مناقشاتهم حول سبب حدوث مثل هذه المصيبة التي حلَّت على أيّوب. يمتَدُّ حديثهم على مدى فصولٍ عديدة. باختصار، يقول أصدقاء أيّوب له أنّ هكذا مصيبة كبيرة لا تُصيب سوى الأشرار، لذلك، لا بُدَّ أنّ أيّوب قد أخطأ سرًّا. وإذا ما اعترف بهذه الخطايا، فلربّما يُمنَح الغفران. لكنَّ أيّوب يردُّ باستمرار أنَّ لا لوم عليه في ما يتعلَّق بارتكاب الخطأ. إنّه لا يستطيع أن يفهم لماذا حلَّت عليه هذه المصائب.

لا يمكننا تتَبُّع كلّ جزءٍ من محادثتهم الطويلة، لكن في منتصف أسئلته، يُصرِّحُ أيّوب بما يعرفه بشكلٍ مؤكَّدٍ.

أَمَّا أَنَا فَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ وَلِيِّي حَيٌّ، وَالآخِرَ عَلَى الأَرْضِ يَقُومُ، وَبَعْدَ أَنْ يُفْنَى جِلْدِي هذَا، وَبِدُونِ جَسَدِي أَرَى اللهَ. الَّذِي أَرَاهُ أَنَا لِنَفْسِي، وَعَيْنَايَ تَنْظُرَانِ وَلَيْسَ آخَرُ.إِلَى ذلِكَ تَتُوقُ كُلْيَتَايَ فِي جَوْفِي.

أيّوب 19: 25-27

     مع أنّ أيّوب لم يفهم لماذا حلَّت عليه هذه المصائب، إلاّ أنّه عرف أنّ هناك ’’فاديًا‘‘ سيأتي إلى الأرض. الفادي هو الشخصُ القادر على سداد ما يكفي عن خطاياه. يدعو أيّوب الفادي باسم ’’فاديَّ‘‘ فهو عرف أنّ الفادي سيأتي لأجله. بعد اندثار جلد أيّوب (أيّ موته) سيرى الله في جسده.

     يتطلَّع أيّوب إلى يوم القيامة. لكنّه سيواجه الله في يوم القيامة بثقةٍ لأنَّ فاديهِ حيٌّ وقد فداهُ.

     تتحدَّث صورة المعارج (سورة 70) أيضًا عن فادٍ يوم القيامة. لكنَّ سورة المعارج تصفُ رجلًا أحمقًا يبحث بشكلٍ محمومٍ عن أيّ فادٍ في ذلك اليوم.

يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ

سورة المعارج 70: 11-14

     يبحثُ الرجلُ الأحمقُ في سورة المعارج دون جدوى عن أيّ شخصٍ ليفديه. إنّه يبحث عن فادي يفديه من ’’عقاب ذلك اليوم‘‘ – يوم الدينونة. لا يستطيع أولاده أو زوجته أو أخوه وجميع مَن هم على الأرض فدائه. فهم غير قادرين على أن يفدوه، لأنّ عليهم هم أيضًا عقابًا ليدفعوا ثمنه.

     كان أيّوبُ  رجلًا مستقيمًا، لكنّه أدرك مع ذلك أنّه كان يحتاج إلى مَن يفديه لأجل ذلك اليوم.  بالرغم من كلِّ مصائبه، كان واثقًا من أنّ لديه فاديًا. بما أنّ التوراة أعلنت أنّ عقاب كلّ خطيّة هو الموت، كان على الفادي أن يدفع الثمن بحياته. عرف أيّوب أن فاديه ’’في نهاية الأمر سيقوم  على الأرض‘‘. مَن كان ’’فادي‘‘ أيّوب؟ الشخص الوحيد على الإطلاق الذي مات ثمَّ قام من الأموات ليقوم على الأرض مرّةً أُخرى،  هو النبيّ عيسى المسيح عليه السلام. إنّه الشخص الوحيد القادر على دفع ثمن العقاب (الموت) لكنّه ’’ في النهاية سيقوم على الأرض‘‘.

     إذا كان إنسانٌ بارٌّ مثل أيّوب يحتاج إلى فادٍ لنفسه، فكم بالحري نحتاج أنت وأنا إلى فادٍ ليدفع ثمن عقابنا؟ إذا كان رجلٌ ذو صفاتٍ صالحة مذكورٌ في سورة البَيِّنة وسورة الأسر يحتاج إلى فادٍ، ألا نحتاج نحن أيضًا إليه؟ دعنا لا نكون مثل الرجل الأحمق في سورة المعارج الذي انتظر حتّى اليوم الأخير  وهو يحاول بشكلٍ محمومٍ العثور على أيّ شخصٍ يستطيع فدائه من عقابه. أرجو أن تفهم الآن كيف يستطيع النبيّ عيسى المسيح، عليه السلام، أن يفديك  كما تنبَّأ النبيّ أيّوب.

     في نهاية السِفر، جرى لقاءٌ بين أيّوب والربّ (هنا)، واستعاد ثروته (هنا).

لا يوجدُ تغييرٌ في النصِّ القرآني: ماذا تقول الأحاديث؟

’’القرآن هو الكتاب الأصلي – اللغةُ والحروف والتلاوات هي نفسها. لا مكانٌ للتفسير البشريّ أو لترجمةٍ مُحرَّفة… إذا أخذتَ نسخةً من القرآن من أي بيتٍ في جميع أنحاء العالم، فأنا أشكُّ في أنّك ستجد حتَّى فرقًا واحدًا بينهما‘‘.

     أرسل لي أحد الأصدقاء هذه الملاحظة. كان يقارن نص القرآن الكريم بنص الإنجيل/الكتاب المقدَّس. توجد أربع وعشرون ألف مخطوطة قديمة من الإنجيل، وفيها اختلافات ثانويَّة، حيث تختلف فيها بعض  الكلمات فقط. بالرغم من أنَّ جميع المواضيع والأفكار هي نفسها في جميع المخطوطات البالغ عددها 24000 مخطوطة، بما في ذلك موضوع عيسى المسيح يفدينا في موته وقيامته، إلا أنّه غالبًا ما يُدَّعى، كما هو مذكورٌ أعلاه، أنه لم يكن هناك تغييرات في القرآن. ويُنظَر إلى هذا  الادّعاء كدليل على تفوُّق القرآن على الكتاب المقدس ، ودليلٌ على حمايته الإعجازيَّة. ولكن ماذا تُخبرنا كتُب الحديث عن تكوين القرآن وتجميعه؟

تكوين القرآن من النبيّ إلى الخلفاء

رواهُ عمرُ بْن الخطَّاب

سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ – رضى الله عنه – يَقُولُ سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَؤُهَا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – أَقْرَأَنِيهَا (بطريقةٍ مختلفة)، وَكِدْتُ أَنْ أَعْجَلَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَمْهَلْتُهُ حَتَّى انْصَرَفَ، ثُمَّ لَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ فَجِئْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – فَقُلْتُ إِنِّى سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَأْتَنِيهَا، فَقَالَ لِى أَرْسِلْهُ. ثُمَّ قَالَ لَهُ اقْرَأْ». فَقَرَأَ. قَالَ «هَكَذَا أُنْزِلَتْ». ثُمَّ قَالَ لِى «اقْرَأْ». فَقَرَأْتُ فَقَالَ «هَكَذَا أُنْزِلَتْ. إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فَاقْرَءُوا مِنْهُ مَا تَيَسَّرَ«.

صحيح البُخاري 2419: الكتاب 44، الحديث 9

رواهُ ن ابنِ مسعود

«سَمِعْتُ رَجُلاً قَرَأَ آيَةً (قُرآنيَّة) وَسَمِعْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقْرَأُ خِلاَفَهَا، فَجِئْتُ بِهِ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَأَخْبَرْتُهُ، فَعَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ الْكَرَاهِيَةَ وَقَالَ: كِلاَكُمَا مُحْسِنٌ، وَلاَ تَخْتَلِفُوا، فَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ اخْتَلَفُوا فَهَلَكُوا«. صحيح البُخاري

3476: الكتاب 60، الحديث 143

يخبرنا هذان الحديثان بوضوح أنه كانت هناك، خلال حياة النبيّ محمَّد، عدّة نُسَخٍ مختلفة لتلاوة القرآن قد استُخدِمَت وتمَّ الموافقة عليها من قبل النبيّ محمدصلى الله عليه وسلم، فما الذي حدث بعد وفاته؟

أبو بكر والقرآن

 رواه زَيد بن ثابت

أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ مَقْتَلَ أَهْلِ اليَمَامَةِ، فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ عِنْدَهُ”، قَال أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَال: إِنَّ القَتْلَ قَدْ اسْتَحَرَّ يَوْمَ اليَمَامَةِ بِقُرَّاءِ القُرْآنِ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ القَتْلُ بِالقُرَّاءِ بِالْمَوَاطِنِ، فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنَ القُرْآنِ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ القُرْآنِ، قُلْتُ لِعُمَرَ: “كَيْفَ تَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ ” قَال عُمَرُ: هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ، “فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِذَلِكَ، وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأَى عُمَرُ”، قَال زَيْدٌ: قَال أَبُو بَكْرٍ: إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ لَا نَتَّهِمُكَ، وَقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَتَبَّعِ القُرْآنَ فَاجْمَعْهُ، “فَوَاللَّهِ لَوْ كَلَّفُونِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الجِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي مِنْ جَمْعِ الْقُرْآنِ قُلْتُ كَيْفَ تَفْعَلُونَ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسَلَّم قَالَ هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ فَلَمْ يَزَلْ أَبُو بَكْرٍ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ـ رضى الله عنهما ـ فَتَتَبَّعْتُ (ما كُتِبَ في) الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنَ الْعُسُبِ وَاللِّخَافِ وَصُدُورِ الرِّجَالِ حَتَّى وَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِيِّ لَمْ أَجِدْهَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرَهُ ‏لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَتَّى خَاتِمَةِ بَرَاءَةَ، فَكَانَتِ الصُّحُفُ (النُسخة) عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَيَاتَهُ ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ ـ رضى الله عنه.

صحيح البُخاري 4986: الكتاب 66، الحديث 8

     حدثّ ذلك في أيّام خلافة أبو بكرٍ، الذي جاء مباشرةً بعد النبيّ محمَّدﷺ. يُخبرنا هذا الحديث أنّ محمّد لم يقُم قَطّ بجمعِ القرآن في نصٍّ قياسيّ، ولم يُعطِ أيّة إشارة إلى أنّ هذا ما ينبغي القيام به. وبسبب الإصابات البالغة في المعارك بين الذين حفظوا القرآن غيبًا، أقنعَ أبو بكر وعُمَر (الذي أصبح ثاني الخلفاء) زَيدًا بالبدء في جمع القرآن من مصادر متنَوِّعة. كان زيدٌ مُتَردِّدًا في البداية لأنّ النبيّ محمّدﷺ لم يُشِرْ مطلقًا إلى الحاجة إلى جعل النصّ مقياسًا. فقد اتَّكلَ على أصحابه ليُعلِّموا القرآن لأتباعهم كما يُخبرنا هذا الحديث.

رواهُ مسروق

»خُذُوا (تعَلَّموا) الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ، مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَسَالِمٍ وَمُعَاذٍ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْب«.

صحيح البُخاري 4999: الكتاب 66، الحديث 21

     ولكن بعد موت النبيّﷺ، نشأت الخلافات بين الصحابة بسبب تلك التلاوات المختلفة. يُخبرنا الحديث أدناه عن خلافٍ حول

سورة 92: 1-3 (اللَّيل

رواهُ إبراهيم

حَدَّثَنَا عُمَرُ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ قَدِمَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ فَطَلَبَهُمْ فَوَجَدَهُمْ فَقَالَ أَيُّكُمْ يَقْرَأُ (القرآن) عَلَى قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ كُلُّنَا‏.‏ قَالَ فَأَيُّكُمْ يَحْفَظُ وَأَشَارُوا إِلَى عَلْقَمَةَ‏.‏ قَالَ كَيْفَ سَمِعْتَهُ يَقْرَأُ (عبد الله بن مسعود سورة اللّيل)‏ {‏وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى‏}‏‏‏؟.‏ قَالَ عَلْقَمَةُ ‏{‏وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى‏}‏‏.‏ قَالَ (أبو الدرداء) أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ هَكَذَا، وَهَؤُلاَءِ يُرِيدُونِي عَلَى أَنْ أَقْرَأَ ‏}‏وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى{‏ وَاللَّهِ لاَ أُتَابِعُهُمْ‏.‏ قاعدة بيانات الحديث:

المُجَلَّد 6، الكتاب 60، الحديث 468

     في قرآن اليوم، هناك قراءة ثانية لسورة اللّيل 92: 3. ومن المثير للاهتمام أنّ عبد الله، وهو أحد الأربعة المذكورين في الحديث السابق الذي اختاره النبيّ مُحمَّدﷺ وخصَّه بسلطةٍ على التلاوة القرآنيّة، وأبي الدرداء قد استخدمَا تلاوةً مختلفةً لهذه الآية ولم يرغبا في اتّباع الآخرين.

     يُبيِّن الحديث التالي أنّ أقاليم كاملة من الإمبراطوريّة الإسلاميّة كانت تتبع تلاواتً مختلفة، بحيث أنّه كان بالإمكان إثبات حقيقة منشأ شخصٍ ما من التلاوة التي كان يستخدمها. في الحالة المذكورة أدناه، كان عراقيّو الكوفة يتبعون تلاوة عبد الله بن مسعود لسورة 92: 1-3.

رواهُ علقَمة

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي، هِنْدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ لَقِيتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ فَقَالَ لِي مِمَّنْ أَنْتَ قُلْتُ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ ‏.‏ قَالَ مِنْ أَيِّهِمْ قُلْتُ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ ‏.‏ قَالَ هَلْ تَقْرَأُ عَلَى قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ؟ قَالَ قُلْتُ نَعَمْ ‏.‏ قَالَ فَاقْرَأْ (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى‏‏) قَالَ فَقَرَأْتُ ‏{‏ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى* وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى‏}‏ ‏.‏ قَالَ فَضَحِكَ ثُمَّ قَالَ هَكَذَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلَّم يَقْرَؤُهَا.‏

صحيح مُسلِم 824: الكتاب 6، الحديث 346

عن ابن عبّاس

قَالَ عُمَرُ: أُبَىٌّ أَقْرَؤُنَا (للقرآن) وَإِنَّا لَنَدَعُ مِنْ لَحَنِ أُبَىٍّ، وَأُبَىٌّ يَقُولُ أَخَذْتُهُ مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَلاَ أَتْرُكُهُ لِشَىْءٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {‏مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نَنْسَأْهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا‏}‏. صحيح البُخاري 5005: الكتاب 66، الحديث 27

صحيح البُخاري 5005: الكتاب 66، الحديث 27

     مع أنَّ أُبَيَّ كان يُعتبر ’’أفضل‘‘ مَن يتلو القرآن (وهو أحد الذين كان النبيُّ محمد-صلى الله عليه وسلم قد أشار إليهم) ، إلَّا أنَّ آخرين في المجتمع استبعدوا بعض ما كان يتلوه. كان هناك خلافٌ حول ما كان ينبغي أن يُنسَخ أو لا يُنسَخ. كانت الخلافات حول القراءات المختلفة والنسخ تُسبِّب التوتُّر. نرى في الحديث أدناه كيف تمّ تسوية هذه المشكلة.

الخليفة عثمان بن عفّان

رواهُ أنَس بن مالك

حَدَّثَنَا مُوسَى حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُ أَنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ وَكَانَ يُغَازِي أَهْلَ الشَّأْمِ فِي فَتْحِ إِرْمِينِيَةَ وَأَذْرَبِيجَانَ مَعَ أَهْلِ الْعِرَاقِ فَأَفْزَعَ حُذَيْفَةَ اخْتِلاَفُهُمْ  فِي الْقِرَاءَةِ (أهل الشام والعراق) فَقَالَ حُذَيْفَةُ لِعُثْمَانَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَدْرِكْ هَذِهِ الأُمَّةَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِفُوا فِي الْكِتَابِ اخْتِلاَفَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى حَفْصَةَ أَنْ أَرْسِلِي إِلَيْنَا بِالصُّحُفِ نَنْسَخُهَا فِي الْمَصَاحِفِ ثُمَّ نَرُدُّهَا إِلَيْكِ فَأَرْسَلَتْ بِهَا حَفْصَةُ إِلَى عُثْمَانَ فَأَمَرَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ فَنَسَخُوهَا فِي الْمَصَاحِفِ وَقَالَ عُثْمَانُ لِلرَّهْطِ الْقُرَشِيِّينَ الثَّلاَثَةِ إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ فَفَعَلُوا حَتَّى إِذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ فِي الْمَصَاحِفِ رَدَّ عُثْمَانُ الصُّحُفَ إِلَى حَفْصَةَ وَأَرْسَلَ (عثمان) إِلَى كُلِّ أُفُقٍ بِمُصْحَفٍ مِمَّا نَسَخُوا وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ مِنَ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ صَحِيفَةٍ أَوْ مُصْحَفٍ أَنْ يُحْرَقَ.

صحيح البُخاري 4987: الكتاب 66، الحديث 9

     لهذا السبب لا توجد قراءاتٌ مختلفةٌ اليوم. لم يكن السبب أنّ النبيّ محمّدﷺ تلَقَّى قراءة واحدة أو استخدَمَ تلاوة واحدة فقط (فهو لم يفعل ذلك، لقد استخدَمَ سبع تلاوات)، ولا لأنّه جمعَ قرآنًا مُوَحَّدًا. إنّه لم يفعل ذلك. في الواقع، إذا ما بحث شخصٌ ما عن تلاواتٍ مختلفة في السُنَّة على شبكة الإنترنت، هناك 61 حديثًا يناقش تلاواتً قرآنيّة مختلفة. قرآن اليوم ليس متباينًا أو مُتغَيِّرًا لأنّ عثمان (ثالث الخلفاء) أخذ إحدى القراءات ونقّحها وحرقَ جميع التلاوات الأُخرى. توضِّح الأحاديث التالية كيف بقيَ هذا التنقيح في قرآن اليوم.

رواهُ ابن عبّاس

قَالَ عُمَرُ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَطُولَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ حَتَّى يَقُولَ قَائِلٌ لاَ نَجِدُ الرَّجْمَ فِى كِتَابِ اللَّهِ. فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ، أَلاَ وَإِنَّ الرَّجْمَ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى، وَقَدْ أَحْصَنَ، إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ، أَوْ كَانَ الْحَمْلُ أَوْ الاِعْتِرَافُ – قَالَ سُفْيَانُ كَذَا حَفِظْتُ – أَلاَ وَقَدْ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ. 

صحيح البُخاري 6829: الكتاب 86، الحديث 56

رواهُ ابن عبّاس

إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم بِالْحَقِّ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ فَكَانَ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ آيَةُ الرَّجْمِ، فَقَرَأْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا، رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَرَجَمْنَا

بَعْدَهُ. البُخاري: الكتاب 86، الحديث 57

     ليس هناك آية حول الرَجْم لعلَّة الزِنى في القرآن اليوم. فهي بالتالي قد حُذِفَت.

قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ قُلْتُ لِعُثْمَانَ: هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ: ‏’’وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا...‏ إِلَى قَوْلِهِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ‏ قَدْ نَسَخَتْهَا الأُخْرَى، فَلِمَ تَكْتُبُهَا (في القرآن)؟ قَالَ عثمان. ’’تَدَعُهَا‏ (حيث هي)…‏ لاَ أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْهُ مِنْ مَكَانِهِ (أيّ القرآن)‏‏‘‘.

قاعدة بيانات الحديث: المُجلَّد 6، الكتاب 60، الحديث 60 ‏

          نرى هنا خلافًا بين عثمان وابن الزُبَير حول ما إذا كان نسخُ آية يعني أن تبقى أو لا تبقى في القرآن. رجَحَت كفّة عثمان، لذلك بقيَت هذه الآية في القرآن اليوم. ولكن كان هناك جدلٌ حولها.

عثمان وترويسة الآية 9 (التَوبة)

رواهُ عثمان ابن عفّان

عَنْ يَزِيدَ الْفَارِسِيِّ، قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ قُلْتُ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ مَا حَمَلَكُمْ أَنْ عَمَدْتُمْ، إِلَى (سورة) بَرَاءَةَ وَهِيَ مِنَ (سوَر) الْمِئِينَ (التي تحتوي مائة سورة) وَإِلَى (سورة) الأَنْفَالِ وَهِيَ مِنَ (سورة) الْمَثَانِي (السورة أو الآيات الأولى الأطول في القرآن) أو  فَجَعَلْتُمُوهُمَا فِي السَّبْعِ الطُّوَلِ وَلَمْ تَكْتُبُوا بَيْنَهُمَا سَطْرَ ‏{‏بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}‏؟

قَالَ عُثْمَانُ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِمَّا يَنْزِلُ عَلَيْهِ الآيَاتُ فَيَدْعُو بَعْضَ مَنْ كَانَ يَكْتُبُ لَهُ وَيَقُولُ لَهُ ‏ “‏ضَعْ هَذِهِ الآيَةَ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا‏”‏ ‏.‏ وَتَنْزِلُ عَلَيْهِ الآيَةُ وَالآيَتَانِ فَيَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ وَكَانَتِ الأَنْفَالُ مِنْ أَوَّلِ مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ وَكَانَتْ بَرَاءَةُ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ وَكَانَتْ قِصَّتُهَا شَبِيهَةً بِقِصَّتِهَا فَظَنَنْتُ أَنَّهَا مِنْهَا (أيّ جزء من الأنفال) فَمِنْ هُنَاكَ وَضَعْتُهُمَا فِي السَّبْعِ الطُّوَلِ وَلَمْ أَكْتُبْ بَيْنَهُمَا سَطْرَ ‏{‏بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}‏ ‏.

سُنَن أبي داود 786: الكتاب 2، الحديث 396

     سورة 9 (التوبة أو البراءة) هي السورة الوحيدة في القرآن التي لاتبدأ بالبَسمَلة ‏{‏بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}.‏  يُوضِّح الحديث السبب. اعتقَدَ عثمان أنّ سورة 9 كانت جزءًا من سورة 8 حيث أنّ المادّة فيهما متشابهة. نرى من طريقة الاستفهام أنّه كان هناك جدلٌ داخل المجتمع الإسلامي الأوّل. يُبيِّن الحديث التالي ردّ فعل أحد الصحابة على قرآن عثمان.

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ (بن مسعود) أَنَّهُ قَالَ (لأصحابه أن يخفوا نسخهم من القرآن) : ‏‏وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ‏، ثُمَّ قَالَ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ تَأْمُرُونِي أَنْ أَقْرَأَ فَلَقَدْ قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلّى اللهُ عليهِ وسَلَّم بِضْعًا وَسَبْعِينَ سُورَةً وَلَقَدْ عَلِمَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنِّي أَعْلَمُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَلَوْ أَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا أَعْلَمُ مِنِّي لَرَحَلْتُ إِلَيْهِ ‏.‏ قَالَ شَقِيقٌ فَجَلَسْتُ فِي حَلَقِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَرُدُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَلاَ يَعِيبُهُ.‏

صحيح مُسلِم 2462: الكتاب 44، الحديث 162

تبرز أمامنا عدّة أشياء:

  1. يطلبُ عبد الله بن مسعود من أتباعه تخبئة قرآنهم لسببٍ ما.
  2. يبدو أنّ أحدهم أمَرَه باستخدام تلاوةٍ مختلفة. يُفهَمُ هذا الأمر بشكلٍ أفضل على أنّه يُشيرُ إلى الوقت الذي قام فيه عثمان بتوحيد نسخته من القرآن.
  3. كان اعتراض ابن مسعود على تغيير طريقته في تلاوة القرآن هو أنّه: ’’أنا (مسعود) لديَّ فَهمٌ أفضل للقرآن.
  4. قال شقيق إنّ صحابة النبيّ مُحمَّدﷺ لم يُخالفوا مسعود.

النُسَخ النَصيَّة للقرآن اليوم

     لكن بعد نسخة عثمان، بقيت هناك قراءات مختلفة. في الواقع، يبدو أنّه كانت هناك عودة قانونيَّة لقراءاتٍ مختلفة في القرن الرابع بعد النبيﷺ. لذلك، ومع أنّ القراءة النصيّة الرئيسيّة العربيّة اليوم هي قراءة حفص، إلاّ أّنَّ هناك قراءة الورش، التي تُستَخدَم في الغالب في شمال أفريقيا، وقراءة الدوري التي هي أكثر ما تُستَخدَم في غرب أفريقيا، وقراءات أُخرى. إنَّ الفَرق بين هذه القراءات غالبًا ما يكون في التهجئة وفي بعض التغييرات الطفيفة في الكلمات، ولا يكون له عادةً أيّ تأثيرٍ في المعنى، لكن مع بعض الفروقات التي تؤثِّر في المعنى في السياق المباشر، ولكن ليس في الفكر الأوسع.

     إذن، هناك خيارٌ في ما يتعلَّق بأيّة نسخة من القرآن يجب استخدامها.

     لقد تعلَّمنا أنّ هناك قراءات مختلفة عربيّة للقرآن اليوم، وقد مرَّت هذه العمليّة بمراحل التنقيح والاختيار بعد موت النبيّ مُحمَّدﷺ. إنّ السبب في وجود تباينٍ ضئيلٍ في النصّ القرآني اليوم هو أنّ جميع الاختلافات النصيَّة قد أُحْرِقَت في ذلك الوقت. لا يوجد للقرآن حواشي لقراءة بديلة، ليس لأنّه لم يكن لديه قراءات البديلة، ولكن لأنّه تمَّ إِتلافَها.  ربما قدَّم عثمان تلاوةً جيّدةٍ للقرآن ، لكنها لم تكن التلاوة الوحيدة، ولم تُعتَمَد دون أن يدور جدلٌ حولها. وهكذا ظهرَت الفكرة المقبولة على نطاق واسعٍ بأنَّ القرآن هو ’’نصٌّ أصليٌّ – اللّغة والحروف والتلاوة هي نفسها. إنّ القَول بعدم وجود مكانٍ للتفسير البشري ’’غير صحيح‘‘. على الرغم من أن كلًّا من الكتاب المقدس والقرآن لديهما قراءات متباينة، إلّا أنَّ لديهما أدلّة قويّة على شكل مخطوطات تُشير إلى أنَّ النصَّ كما هو اليوم قريبٌ جدًّا من النصّ الأصليّ. يمكن أن يقدِّم لنا كلاهما صورة موثوقة عن الأصل. ينشغل كثيرون عن السعي لفهم رسالة الكتب المقدَّسة بالتبجيل المُفرِط لعصمة القرآن، وبالازدراء الذي لا مُبرَّر له لطريقة حفظ الكتاب المقدس. سيكون من الأفضل لنا التركيز على فهم الكتب المقدَّسة. لقد كان هذا هو سبب إعطائها في المقام الأول. المكان المُلائم للبدء به هو آدم.

مَن كان النبيّ إلياس؟ كيف يمكن أن يُرشدنا اليوم؟

     يُذكَر اسم النبيّ إلياس (إيليّا) ثلاث مرّات في سورة الأنعام وسورة الصافات. وهاتان السورتان تقولان لنا:

وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ

الأنعام 6: 85

وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ

اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آَبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ.

الصافات 37: 123-132

      يُذكَر اسم إلياس جنبًا إلى جنب مع يوحنا (يحيى) ويسوع (عيسى المسيح) لأنّه هو أيضًا أحد أنبياء الكتاب المقدَّس. وكما هو مذكورٌ، واجه النبيّ إلياس (إيليًّا) أنبياء الإله الصَنَم المعبود بَعل. هذه المباراة مُسَجَّلة بتفصيلٍ كبيرٍ في الكتاب المقدَّس هنا. سوف نستكشفُ أدناه البركة المُعطاة لنا (’’الآخرين‘‘ كما تَعِدُ بها سورة الصافات).

  لياس وامتحان أنبياء بعل

   كان إيليّا رجلاَ صارمًا وقويًّا واجه 450 نبيًّا لبعل. كيف يمكنه مقاومة كلّ هؤلاء؟ يشرحُ الكتاب المقدَّس أنّه استخدم امتحانًا ذكيًّا. كان عليه وعلى أنبياء بعل أن يُضحّوا بحيوانٍ، لكنّهم لن يُشعِلوا النار لتحرِق الذبيحة. كان على كلِّ جانب أن يدعو إلَهِهِ لإشعال النار من السماء. فالإله الذي يُشعِل الذبيحة بالنار من السماء  -يكون هو الإله الحقيقي الحيّ. وهكذا أخذ هؤلاء الأنبياء الأربعمائة وخمسين يدعون  إلى بعل، لمدّة يومٍ كاملٍ، ليُشعل ذبيحتهم من السماء – لكن لم تأتِ النار قَط. ثمَّ دعا إيليّا، وهو لوحده فقط، إلى الخالق ليُشعِل ذبيحته، وحالاً نزلت النار من السماء وأحرقَت الذبيحة كلّها. عرف الناس الذين عاينوا هذه المبارزة مَن هو الإله الحقيقيّ ومَن هو الإله الكاذب. وقد تبيَّنَ أنّ بعل كان كاذبًا.

امتحانًا ذكيًّا. كان عليه وعلى أنبياء بعل أن يُضحّوا بحيوانٍ، لكنّهم لن يُشعِلوا النار لتحرِق الذبيحة. كان على كلِّ جانب أن يدعو إلَهِهِ لإشعال النار من السماء. فالإله الذي يُشعِل الذبيحة بالنار من السماء  -يكون هو الإله الحقيقي الحيّ. وهكذا أخذ هؤلاء الأنبياء الأربعمائة وخمسين يدعون  إلى بعل، لمدّة يومٍ كاملٍ، ليُشعل ذبيحتهم من السماء – لكن لم تأتِ النار قَط. ثمَّ دعا إيليّا، وهو لوحده فقط، إلى الخالق ليُشعِل ذبيحته، وحالاً نزلت النار من السماء وأحرقَت الذبيحة كلّها. عرف الناس الذين عاينوا هذه المبارزة مَن هو الإله الحقيقيّ ومَن هو الإله الكاذب. وقد تبيَّنَ أنّ بعل كان كاذبًا.

     لم نكن نحن شهودًا لتلك المبارزة، لكن يمكننا تطبيق استراتيجيّة امتحان إيليَّا نفسها لمعرفة ما إذا كانت رسالة ما أو نبيٌّ قد أتيا من الله. تتمثَّل الاستراتيجيّة في القيام باختبارٍ بطريقةٍ لا يمكن إلاّ لله ورسله فقط أن ينجحوا فيه، في حين لا ينجح أولئك الذين يمتلكون قدرة بشريّة فقط مثل أنبياء بعل.

اختبار إيليّا اليوم

     ماذا سيكون مثل هذا الاختبار، بروح إيليَّا؟

تُجيبنا سورة النَجْم:

فَلِلَّهِ الْآَخِرَةُ وَالْأُولَ.

سورة النجم 53: 25

     الله وحده يعلم نهاية كلّ شيء حتّى قبل حدوث الآخرة. لا يعرف البشر نهاية الأشياء قبل حدوثها، لا يعرفونها إلاّ بعد حدوثها. إذن، الاختبار هو أن نرى ما إذا كانت الرسالة تتنبّأ بشكلٍ صحيحٍ عن المستقبل قبل أن يحدث بوقتٍ طويلٍ. لا يستطيع أيّ إنسان أو صَنمٍ معبودٍ أن يفعل هذا. الله وحده يستطيع.

     يتساءل كثيرون عمّا إذا كان النبيّ عيسى المسيح، عليه السلام، كما هو مُعلَنٌ عنه في الإنجيل، هو رسالة حقيقيّة من الله، أو عمّا إذا كان قد اختلقها أشخاصٌ أذكياء. يمكننا تطبيق اختبار إيليّا على هذا السؤال. أسفار التوراة والزبور، بالإضافة إلى أسفار الأنبياء، مثل إلياس، قد كُتِبَت قبل زمن عيسى المسيح عليه السلام بمئات، وحتّى بآلاف السنين. هذه الأسفار قد كتبها أنبياءٌء يهود، ولذلك هي ليست كتابات ’’مسيحيّة‘‘. هل تتضمَّن هذه الكتابات الأولى نبوّات تتنبّأ بشكلٍ صحيحٍ عن أحداث عيسى المسيح؟ في ما يلي مُلَخَّص النبوّات الواردة في التوراة. وهنا أيضًا مُلَخَّص للنبوّات في الزبور والأنبياء اللاّحقين. يمكنكم الآن القيام باختبارٍ، مثل اختبار النبيّ إلياس، لمعرفة ما إذا كان النبيّ عيسى المسيح عليه السلام، كما هو مُسَجَّل في الإنجيل، هو حقًّا من الله أم أنّه تشويهٌ بشريٌّ زائفٌ.

     ذكرَت سورة الإنعام بالإسم النبيّ إلياس جنبًا إلى جَنب مع يحيى وعيسى المسيح. ومن المُثير للاهتمام،  التنَبّو عن إلياس في السِفْر الأخير في العهد القديم على أنّه آتٍ ليُعِدّ القلوب لمجيء المسيح. ونرى في الإنجيل كيف جاء النبيّ يحيى بطريقة إلياس لمواجهة الناس ولإعدادهم لمجيء المسيح. إنّ شخص إلياس نفسه مُرتبط أيضًا ارتباطًا وثيقًا بالنبوّات عن يحيى والمسيح.

ليلة القدر، يوم المجد، وكلمة الأنبياء

سورة القدر (سورة97) تصفُ ليلة القدر عندما أُعلِنَ القُرآنُ للمرَّة الأولى.

إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ.

سورة القدر 97: 1-5

مع أنّ سورة القدر تصف ليلة القدر على أنّها ’’خيرٌ من ألفِ شهرٍ‘‘، إلاّ أنّها لا تزال تطرح السؤال: ما هي ليلة القدر؟ ماذا كان الروح يعمل حتّى جعل ليلة القدر خيرٌ من ألف شهر؟

سورة الليل (سورة 92) لديها موضوعٌ مُشابهٌ لليوم والنور الذي يتبع اللّيل. يأتي اليوم بمجدٍ، والله يهدي لأنّه يعرف كلّ شيءٍ من البداية إلى النهاية. لذلك، هو يُحذّرنا من النار في النهاية.

وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى.

سورة الليل 92: 1-2

   إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى وَإِنَّ لَنَا لَلْآَخِرَةَ وَالْأُولَى فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى.

سورة اللّيل 92: 12-14

قارن بين سورة القدر وسورة اللّيل بما يلي:

وَعِنْدَنَا الْكَلِمَةُ النَّبَوِيَّةُ، وَهِيَ أَثْبَتُ، الَّتِي تَفْعَلُونَ حَسَنًا إِنِ انْتَبَهْتُمْ إِلَيْهَا، كَمَا إِلَى سِرَاجٍ مُنِيرٍ فِي مَوْضِعٍ مُظْلِمٍ، إِلَى أَنْ يَنْفَجِرَ النَّهَارُ، وَيَطْلَعَ كَوْكَبُ الصُّبْحِ فِي قُلُوبِكُمْ.

2 بطرس 1: 19

هل ترى أوجُه تشابُه؟ عندما قرأتُ سورة القدر وسورة الليل، تذكّرتُ هذه الآية. إنّها تُعلنُ أيضًا طلوع النهار بعد اللّيل. أُعطي الإعلان للأنبياء خلال الليل. كما أنّها تُحذّرنا من عدم تجاهُل الرسائل النبويَّة. وإلاّ سنواجه عواقب وخيمة.

كتبَ الرسول بطرس هذه الآية، وهو الرسول الرئيسي ومرافق النبيّ عيسى المسيح، عليه السلام. تقول سورة الصَف (سورة 61) عن تلاميذ عيسى المسيح ما يلي:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ.

سورة الصَفّ 61: 14

تُعلِن سورة الصَفّ أنّ تلاميذ عيسى المسيح كانوا ’’أنصارَ الله‘‘. والذين يؤمنون برسالة التلاميذ يحصلون على هذه القوّة المذكورة. وبما أنّ بطرس كان التلميذ القائد، فهو كان قائد أنصار الله. ومع أنّه كان أحد تلاميذ عيسى المسيح، عليه السلام، شاهدًا لمعجزاته الكثيرة، ومُستمعًا لتعاليمه الكثيرة، معاينًا ممارسة سلطانه، إلاّ بطرس أعلنَ أكثر من كلّ ذلك أنّ كلمات الأنبياء كانت ’’أثبت‘‘. لماذا كان متأكِّدًا من أنّ الأنبياء أثبتَ ممّا شهده هو نفسه؟ يُتابع ويقول:

عَالِمِينَ هذَا أَوَّلاً: أَنَّ كُلَّ نُبُوَّةِ الْكِتَابِ لَيْسَتْ مِنْ تَفْسِيرٍ خَاصٍّ. لأَنَّهُ لَمْ تَأْتِ نُبُوَّةٌ قَطُّ بِمَشِيئَةِ إِنْسَانٍ، بَلْ تَكَلَّمَ أُنَاسُ اللهِ الْقِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ.

2 بطرس 1: 20-21

تُخبرنا هذه الآية أنّ الأنبياء كانوا ’’مَسوقين‘‘ من الروح القُدُس، ولهذا، فإنّ ما سردوه ومن ثَمَّ كتبوه كان ’’من الله‘‘. لهذا السبب، ليلةٌ مثل هذه أفضلُ من ألفِ شهرٍ لأنّها مُتأصِّلةٌ بالروح القُدس بدلاً من ’’إرادة الإنسان‘‘. تُخبرنا سورة الصَف أنّ الذين ينتبهون لرسالة بطرس سيحصلون على القوّة التي مورِسَت في ليلة القدر، وسينجحون.

في زمن النبيّ عيسى المسيح، كان ’’الأنبياء ‘‘ الذين كتبَ عنهم بطرس هم الأنبياء المذكورين في ما يُسمّى الآن العهد القديم – الكُتب المقدَّسة التي أتت قبل الإنجيل. تتضمَّن توراة النبيّ موسى سجلاّت من آدم، قايين وهابيل، نوح، لوط، وابراهيم. وكذلك تتضمَّن الروايات التي تتحدَّث عن موسى عندما واجه فرعَون، ثمَّ تسلَّم الشريعة، وأيضًا ذبائح أخيه هرون التي أخذَت منها سورة البقرة اسمها.

بعد انتهاء التوراة، أتى الزبور، حيث أوحى لداود أن يتكلَّم عن المسيّا القادم. ثمّ تنبَّأ أنبياءٌ متوالون عن المسيّا المولود من عذراء، وعن ملكوت الله المفتوح للجميع، وأيضًا عن الآلام العظيمة للخادم الآتي. ثمّ تمَّ التنَبّؤ عن اسم المسيّا بالإضافة إلى وقت مجيئه والوَعد بالمُعِدّ.

لم تُتَح الفرصة لكثيرين منّا لقراءة هذه الكتابات بأنفسنا. لكن هنا في هذه الروابط المختلفة، لدينا فرصة. تُحذِّر سورة اللّيل من نارٍ آتية. وتُعلِن سورة القدر أنّ روح الله كان يعمل في ليلة القدر. وتَعِدُ سورة الصَفّ بالقوّة للَّذين يؤمنون برسالة التلاميذ. ثمّ ينصحنا بطرس، قائد هؤلاء التلاميذ، أن ’’ننتبِه‘‘ إلى إعلان الأنبياء الأوائل الذي أُعطيَ في الليل، والمُنتظرين ذلك اليوم. ألن يكون من الحكمة معرفة رسائلهم؟

العنصرة – يأتي المُعين ليمنح القوّة والهداية

سورة البلد (سورة 90) تُشيرُ إلى شاهدٍ في كلِّ أنحاء المدينة، وسورة النصر (سورة 110) ترى في المستقبل حشودٌ من الناس يـأتونَ إلى عبادة الله الحقيقيَّة.

لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ.

(سورة البلد 90: 1-2)

إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ  وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا  فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا.

 (سورة النصر 110: 1- 3)

بعد 50 يومًا بالضبط من قيامة عيسى المسيح، عليه السلام، تحقَّقَت الرؤيا التي وصفتها سورة البلد وسورة النصر. المدينة كانت أورشليم، وكان تلاميذ عيسى المسيح هم الرجال الأحرار الذين كانوا الشهود لتلك المدينة لكنّ روحُ الله هو الذي كان يتحرَّك بين الحشود في تلك المدينة، ممّا أدّى إلى الاحتفال والتسبيح والمغفِرة. يمكننا اليوم أن نختبر ذلك اليوم الذي نتعرَّف عليه حين نفهم تاريخ هذا اليوم الفريد.

كان النبيّ عيسى المسيح عليه السلام قد صُلِبَ في عيد الفصح، لكنه قام من الموت يوم الأحد التالي. وهو يقدِّم الآن مع هذا الانتصار على الموت هبة الحياة لأيِّ شخصٍ مستعدٍّ لأن يقبلها. بعد أن مكث مع تلاميذه مدّة أربعين يومًا بحيث يصبحون متيقّنين من قيامته، صعد إلى السماء. ولكن قبل أن يصعد قدّم هذه الإرشادات:

الانتصار على الموت هبة الحياة لأيِّ شخصٍ مستعدٍّ لأن يقبلها. بعد أن مكث مع تلاميذه مدّة أربعين يومًا بحيث يصبحون متيقّنين من قيامته، صعد إلى السماء. ولكن قبل أن يصعد قدّم هذه الإرشادات:

19 فَاذهَبُوا، وَتَلمِذُوا جَمِيعَ أُمَمِ الأرْضِ، وَعَمِّدوهُمْ بِاسْمِ الآبِ وَالابْنِ وَالرُّوحِ القُدُسِ، 20 وَعَلِّمُوهُمْ أنْ يُطِيعُوا كُلَّ ما أوصَيتُكُمْ بِهِ. وَتَذَكَّرُوا أنِّي سَأكُونُ مَعَكُمْ دائِماً، وَإلَى نِهايَةِ الدَّهْرِ.

(متى 28: 19-20)

وعدَ المسيح بأن يكون معهم دائمًا لكنّه تركهم بعد ذلك بوقتٍ قصيرٍ عندما صعد إلى السماء. كيف يمكن أن يكون لا يزال معهم (وكذلك معنا) بعد صعوده؟

يأتينا الجواب في ما حدث بعد فترةٍ قصيرة. في العشاء الأخير قبل إلقاء القبض عليه، كان قد وعدَ بمجيء المُعين. بعد خمسين يومًا من قيامته (وبعد 10 أيام من صعوده)، تمّ الوفاء بهذا الوعد. يُسمّى هذا اليوم يوم العنصرة أو أحد العنصرة. وهو يحتفي بيومٍ رائعٍ غير عاديّ، ولكن ليس فقط ما حدث في ذلك اليوم، بل متى ولماذا حدث هو الذي يكشف عن آية الله، وعن عطيّةٍ قويّةٍ لك أنتَ.

ما حدث في يوم العنصرة

دُوِّنَت الأحداث الكاملة في الكتاب المقدّس  في الأصحاح الثاني من أعمال الرسل. في ذلك اليوم، حلّ الروح القُدس على أوائل أتباع عيسى المسيح عليه السلام فبدأوا يتكلّمون بصوتٍ عالٍ بلغاتٍ من جميع أنحاء العالم. لقد أدّى ذلك إلى درجةٍ  عالية من الهياج بحيث خرج آلاف الأشخاص الذين كانوا في أورشليم القدس في ذلك الوقت لرؤية ما كان يحدث. وأمام هذا الحشد المجتمع، تكلّم بطرس عن رسالة الإنجيل الأولى فانضمَّ ’’نحو ثلاثة آلاف نفسٍ إلى عددهم في ذلك اليوم‘‘ (أعمال الرسل 2: 41). لقد كان عدد أتباع الإنجيل ينمو منذ أحد العنصرة. إنّ هذه الخلاصة ليوم العنصرة ليست كاملة. لأنّه، تمامًا كما في مجريات أحداث النبيّ الأُخرى، صادف يوم العنصرة في اليوم نفسه الذي بدأ فيه مهرجان الاحتفال بالتوراة في زمن النبيّ موسى عليه السلام.

يوم العنصرة كما جاء في توراة موسى عليه السلام

أقام النبيّ موسى عليه السلام (1500 ق.م.) العديد من الأعياد التي يتمّ الاحتفال بها خلال العام. كان عيد الفصح هو أوّل احتفالات السنة اليهوديّة. صُلِبَ عيسى في يوم احتفال عيد الفصح. إنّ التوقيت الدقيق لموته المرتبط بتقديم ذبائح خراف عيد الفصح هو بمثابة علامةٍ لنا.

كان الاحتفال الثاني هو عيد باكورة الفاكهة، وقد رأينا كيف قام النبيّ من الموت في يوم هذا العيد. بما أنّ  قيامة المسيح عليه السلام حدثت في عيد باكورة الفاكهة، فإنّ ذلك كان بمثابة وعدٍ بقيامتنا الآتية وقيامة كلّ مَن يؤمن به. إنّ قيامته هي ’’باكورة‘‘، تمامًا كما تنبَّأ اسم العيد.

تمامًا بعد خمسين يومًا من إعلان ’’الباكورة‘‘ يوم الأحد، طلب كتاب التوراة من اليهود الاحتفال بالعنصرة (التي تُحسَب خمسين يومًا). سُمِّيَ هذا العيد في البداية باسم عيد الأسابيع لأنّه حُسبَ بسبعة أسابيع. كان اليهود يحتفلون بعيد الأسابيع منذ 1500 سنة في زمن النبيّ عيسى المسيح عليه السلام. كان السبب في وجود أشخاصٍ من جميع أنحاء العالم لسماع رسالة بطرس في ذلك اليوم الذي نزل فيه الروح القُدس في أورشليم، هو بالتحديد أنّهم كانوا هناك للاحتفال بعنصرة التوراة. يستمرّ اليهود اليوم الاحتفال بعيد العنصرة لكنّهم يُطلقون عليه اسم Shavuot.

     نقرأ في كتاب التوراة كيف كان يتمّ الاحتفال بعيد الأسابيع:

16 احسِبُوا خَمسِينَ يَوماً إلَى اليَومِ الَّذِي يَلِي السَّبتَ، وَقَدِّمُوا تَقدِمَةً جَدِيدَةً للهِ. 17 أحْضِرُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ رَغِيفَيِّ خُبزٍ تَقدِمَةً مَرفُوعَةً للهِ. يُصْنَعُ الرَّغِيفانِ مِنْ عُشْرَي قُفَّةٍ مِنْ طَحِينٍ جَيِّدٍ، وَيُخبَزانِ مَعَ خَمِيرَةٍ. هَذِهِ هِيَ تَقدِمَتُكُمْ للهِ مِنْ باكُورَةِ أوَّلِ الحَصادِ

(لاويين 23: 16-17)

دقّة توقيت يوم العنصرة. آيةُ أو علامة من الله

هناك توقيتٌ دقيقٌ لعيد العنصرة عند حلول الروح القدس على الناس بما أنّه وقع في اليوم نفسه الذي يُحتَفَل فيه بعيد الأسابيع (أو عيد العنصرة) الخاصّ بالتوراة. إنّ صلب عيسى المسيح الذي وقع خلال الاحتفال بعيد الفصح، وقيامته التيحدثت في وقت الاحتفال بعيد الباكورة، وحضور الروح القدس في عيد الأسابيع، هي علاماتٌ أو آياتٌ واضحة لنا من الله. مع وجود هذا العدد الكبير من الأيام في السنة، لماذا يجب أن يحدث الصَلب والقيامة، ثمّ حضور الروح القدس، تمامًا في كلِّ يومٍ من أيّام الاحتفالات بأعياد الربيع الثلاثة التوراتيّة، إلاَ إذا كان هذا ليُظهر لنا الله خطّته؟

أحداث الإنجيل التي وقعت بالضبط في أيّام الاحتفالات بأعياد  الربيع الثلاثة
أحداث الإنجيل التي وقعت بالضبط في أيّام الاحتفالات بأعياد  الربيع الثلاثة

العنصرة: يمنح المُعينُ قوّةً جديدةً


اتبع المسيح – تابعنا عشان يوصلك كل جديد

في شرحه لعلامات مجيء الروح القدس، أشار بطرس إلى نبوءةٍ النبيّ يوئيل تنبّأ فيها بأنّ روح الله سوف يتدفّق يومًا ما على جميع الشعوب. حقَّقت أحداث يوم العنصرة ذاك هذه النبوءة.

لقد رأينا كيف كشف لنا الأنبياء عن طبيعة عطشنا الروحيّ الذي يقودنا إلى الخطيئة. كما تنبّأ الأنبياء بقدوم ميثاقٍ  جديدٍ حيث تُكتَب الشريعة داخل قلوبنا وليس فقط على ألواحٍ حجريّة أو في الكتب. فقط عندما تُكتَب الشريعة في قلوبنا، سوف يكون لدينا القدرة والقوّة على اتّباع الشريعة. إنّ مجيء الروح القدس في يوم العنصرة ذاك ليسكن في المؤمنين هو تحقيقٌ لهذا الوعد.

إنّ أحد الأسباب التي تجعل من الإنجيل ’’أخبارًا سارّة‘‘ هو كونه يوفّر القدرة على عيش الحياة بشكلٍ أفضل. إنّ الحياة الآن هي اتّحادٌ بين الله والناس. يحدث هذا الاتّحاد من خلال حلول روح الله الذي بدأ في يوم أحد العنصرة كما جاء في الأصحاح 2 من سِفر أعمال الرسل. إن إمكانيّة العيش الآن على مستوىً مختلفٍ  في علاقةٍ مع الله من خلال روحه هي أخبارٌ سارّة. يمنحنا الروح القدس إرشادًا داخليًّا حقيقيًّا – إرشادًا من الله. يفسّر الكتاب المقدّس الأمر على النحو التالي:

13 وَأنتُمْ أيضاً عِندَما سَمِعْتُمْ رِسالَةَ اللهِ الحَقِيقِيَّةَ الَّتِي هِيَ بِشارَةُ خَلاصِكُمْ، وَآمَنتُمْ بِالمَسِيحِ، خَتَمَكُمُ اللهُ فِي المَسِيحِ بِخَتمِ الرُّوحِ القُدُسِ المَوعُودِ. 14 فَالرُّوحُ القُدُسُ هُوَ العَربُونُ الَّذِي يَضمَنُ حُصُولَنا عَلَى كُلِّ ما لَنا عِندَ اللهِ، إلَى أنْ يَفتَدِيَنا اللهُ كُلِّيّاً، نَحنُ شَعبَهُ، فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى مَدحِ مَجدِهِ.

(أفسس 1: 13-14)

11 وَإنْ كانَ رُوحُ الَّذِي أقامَ المَسيحَ مِنَ المَوتِ ساكِناً فيكُمْ، فَإنَّ الَّذِي أقامَهُ مِنَ المَوتِ سَيُعطِي أيضاً حَياةً لِأجسامِكُمُ الفانِيَةِ بِرُوحِهِ السّاكِنِ فِيكُمْ.

(رومية 8: 11)

23 وَلَيسَ العالَمُ المَخلُوقُ وَحدَهُ، بَلْ نَحنُ أيضاً نَئِنُّ فِي أعماقِنا، نَحنُ الَّذِينَ أخَذنا الرُّوحَ القُدُسَ كَأوَّلِ حَصادِ بَرَكاتِ اللهِ. وَنَحنُ أيضاً نَنتَظِرُ بِشَوقٍ أنْ يَتَبَنّانا اللهُ بِشَكلٍ كامِلٍ، حِينَ يُحَرِّرُ أجسامَنا.

(رومية 8: 23)

إنّ روح الله الساكن في المؤمنين هو باكورةُ ثانية لأّن الروح هو نذيرٌ – ضمانٌ – لاستكمال تحوّلنا إلى ’’أبناءٍ لله‘‘.

يقدّم الإنجيل حياةً جديدةً، لا بمحاولة إطاعة الشريعة والفشل في إطاعتها. ولا بوفرة العيش من خلال الممتلكات، المكانة، الثروة، وجميع الملذّات الأخرى في هذا العالم التي وجدها النبيّ سليمان عليه السلام فارغة. بدلاً من ذلك، يقدّم الإنجيل حياةً جديدةً وفيرةً من خلال سكَن روح الله في قلوبنا. إذا كان الله يعرض علينا السكَن فينا ومنحنا القوّة والإرشاد، فتلك يجب أن تكون أخبارًا سارّة! إنّ عيد العنصرة التوراتيّ والاحتفال بالفطير المخبوز مع الخميرة هو وصفٌ وتصويرٌ لهذه الحياة القادمة الفُضلى. إنّ دقّة التوقيت بين العنصرة القديمة والعنصرة الجديدة هي علامة واضحة على أنّ خطّة الله لنا هي أن نحظى بحياةٍ فُضلى.

كيف تنبأت المزامير والأنبياء عن عيسى المسيح

كشفت توراة النبي موسى عليه السلام عن علم مسبق عن عيسى المسيح عليه السلام من خلال علامات شكلت نموذجاَ عن مجيء النبي. وأظهر الأنبياء الذين أتوا بعد موسى خطة الله بنبوات وإعلانات. كان داود عليه السلام، الذي أوحي له من الله، أول من تنبأ عن مجيء المسيح في مزمور 2 سنة 1000 قبل الميلاد تقريباً. ثم كتب نبوة في مزمور 22 عن شخص “طُعِنَتْ” يداه وقدماه في عذاب وألم، ثم “وُضع في تراب الموت”. هل كانت تلك نبوة عن صلب وقيامة عيسى القادمين؟ نتطرق إلى هذا الأمر هنا.

نبوة مزمور 22

يمكنك أن تقرأ المزمور 22 بأكمله هنا. يوجد أدناه جدول يحتوي على المزمور 22 جنباً إلى جنب مع وصف لصلب عيسى المسيح كما شاهده تلاميذه (أصحابه) في الإنجيل. النصوص متماثلة باللون حيث تصبح ملاحظة أوجه الشبه أكثر سهولة.

تفاصيل الصلب من الإنجيل مزمور 22- كُتِب سنة 1000 قبل الميلاد
… ومضوا به (يسوع) للصلب… وكان المجتازون (1) يجدفون عليه، وهم (2) يهزّون رؤوسهم قائلين… خلّص نفسك! إن كنت ابن الله فانزل عن الصليب. وكذلك رؤساء الكهنة أيضاً وهم (3) يستهزئون مع الكتبة والشيوخ. قالوا خلًّصَ آخرين أما نفسه فما يقدر أن يخلصها. إن كان هو ملك إسرائيل فلينزل الآن عن الصليب فنؤمن به. (4) قد اتكل على الله فلينقذه الآن إن أراده…ونحو الساعة التاسعة صرخ يسوع… (5) إلهي إلهي لماذا تركتني؟… (6) وللوقت ركض واحد منهم وأخذ اسفنجة وملأها خلّاَ وجعلها على قصبة وسقاه. (7) فمضى به العسكر… وألبسوه أرجواناً وضفروا إكليلاً من شوك ووضعوه عليه. وابتدأوا يسلّمون عليه قائلين السلام يا ملك اليهود. وكانوا يضربونه على رأسه ويبصقون عليه ثم يسجدون له جاثين على ركبهم. وبعدما استهزأوا به نزعوا عنه الأرجوان وألبسوه ثياباً ثم خرجوا به ليصلبوه… (1) فصرخ يسوع بصوت عظيم وأسلم الروح. لم يكسروا ساقيه…، طعن (8) جنبه بحربة وللوقت خرج دم وماء…

(9) صلبوه… إن لم أبصر في يده أثر المسامير… إن العسكر كانوا قد (9) صلبوا يسوع أخذوا (10) ثيابه وجعلوها أربعة أقسام لكل عسكري قسماً، (5) وأخذوا القميص أيضاً… فقال بعضهم لبعض لا نشقّه بل نقترع عليه لمن يكون…

(5) إلهي إلهي لماذا تركتني بعيداً عن خلاصي عن كلام زفيري. إلهي في النهار أدعو فلا تستجيب، في الليل أدعو فلا هُدوُّ  لي… كل الذين يرونني (3) يستهزئون بي. (1) يفغرون الشفاه، (2) وينغّصون الرأس. (4) اتكل على الرب فلينجه، ينقذه لأنه سُرَّ به. لأنك أنت جذبتني من البطن. جعلتني مطمئناَ على ثدي أمي. عليك أُلقيت من الرحم. من بطن أمي أنت إلهي. لا تتباعد عني لأن الضيق قريب. لأنه لا معين. (7) أحاطت بي ثيران كثيرة. أقوياء باشان اكتنفتني. ففغروا عليَّ أفواههم كأسد مفترس مزمجر. كالماء انسكبتُ. انفصلَت كل عظامي. صار قلبي كالشمع. قد ذاب في وسط أمعائي. (6) يَبسَتْ مثل شقفة قوتي ولصق لساني بحنكي (7) لآنه قد أحاطت بي كلاب. جماعة من الأشرار اكتنفتني. ثقبوا يدي ورجلي. أحصي كل عظامي. (10) وهم ينظرون ويتفرسون فيَّ. يقسمون ثيابي بينهم وعلى لباسي يقترعون.

كُتب الإنجيل من منظور شهود عيان شاهدوا الصلب. لكن مزمور 22 كُتب من منظور شخص اختبره. كيف نفسّر هذا التشابه بين مزمور 22 وصلب عيسى المسيح؟ هل هي صدفة أن تتشابه التفاصيل بدقة كبيرة إلى درجة أنها تذكر أن الثياب سوف تقسم (كانت الثياب التي خيطت وصلتها بغرز تُقسم عند هذه الغرز وتوزع على العساكر) ويقترعون عليها (كان الثوب ذو الغرز سينشق إذا ما تمت قسمته ولذلك اقترعوا عليه). كُتب المزمور 22 قبل حدوث الصلب لكنه يصف تفاصيله الدقيقة (ثقب اليدين والرجلين، خروج العظام من المفاصل – لأنها كانت تتمدّد عند تعليق الضحية على الخشبة). بالإضافة إلى هذا، ينص إنجيل يوحنا على أن واحداً من العسكر طَعن جنبه بحربة وللوقت خرج دم وماء، مما يشير إلى تجمع السوائل في تجويف القلب. إذن مات عيسى المسيح نتيجة نوبة قلبية. يتماثل هذا الوضع مع وصف مزمور 22 “صار قلبي كالشمع”. الكلمة العبرية في مزمور 22 التي تُرْجمت “ثَقَب” تعني “مثل الأسد”. بكلمات أخرى، كانت اليدان والقدمان تُبتر وتتقطع كما لو أن أسداً قد افترسها عندما كانت تثقب.

يجيب غير المؤمنين بأن التشابه بين مزمور 22 وسجلات شهود العيان في الإنجيل يعود إلى أن تلاميذ عيسى ربما يكونون قد اختلقوا الأحداث “لتلائم” النبوة. لكن هل هذا يفسر التشابه؟

مزمور 22 وتراث عيسى المسيح

لكن مزمور 22 لا ينتهي بالآية 18 في الجدول أعلاه – إنه يتابع. لاحظوا مدى الانتصار العظيم في النهاية – بعد الموت!

26 تَعالَوا أيُّها الوُدَعاءُ، كُلُوا وَاشْبَعُوا.
سَبِّحُوا اللهَ يا مَنْ تَطلُبُونَهُ،
وَلْتَحْيَ قُلُوبُكُمْ إلَى الأبَدِ!
27 يا سُكّانَ الأرْضِ كُلِّها،
تَذَكَّرُوا اللهَ وَارجِعُوا إلَيهِ!
لَيتَ البَشَرَ كُلَّهُمْ يَنحَنُونَ وَيَعبُدُونَكَ.
28 لِأنَّ المُلْكَ للهِ.
اللهُ يَحكُمُ عَلَى كُلِّ الشُّعُوبِ.
29 كُلُّ الأغْنِياءِ وَالأصِحّاءِ سَيَأْكُلُونَ وَيَسجُدُونَ.
نَعَمْ، كُلُّ الَّذِينَ يَنحَدِرُونَ إلَى التُّرابِ،
وَحَتَّى الَّذِينَ لَمْ يُعْطَوْا حَياةً،
سَيَسجُدُونَ كُلُّهُمْ.
30 ذُرِّيَتُهُمْ سَتَخدِمُهُ.
وَسَتُحَدِّثُ النّاسَ عَنْ فَضلِ رَبِّنا
فِي الأجيالِ التّالِيَةِ.
31 يَأْتِي أُناسٌ وَيُخبِرُونَ مَنْ لَمْ يُولَدُوا بَعْدُ
بِأعْمالِ اللهِ الحَسَنَةِ.

(مزمور 22: 26-31)

لا تتحدث هذه الآيات عن تفاصيل موت هذا الشخص. لقد تمَّ تناولها في بداية المزمور. إن النبي داود عليه السلام يتطلع الآن إلى المستقبل ويعالج تأثير موت هذا الشخص في ذرّيته والأجيال الآتية (آية 30)، أي نحن الذين نعيش 2000 سنة بعد عيسى المسيح. يخبرنا داود أن تلك الذرية التي ستتبع هذا الرجل ذا اليدين والقدمين المثقوبين والذي مات موتاً مروعاً كهذا، سيخدمونه ويخبرون عنه. تتنبأ الآية 21 عن مدى هذا التأثير – إنه سيصل إلى أقاصي الأرض وبين كل قبائل الأمم، ويجعلها تسجد قدامه. وتشير الآية 29 إلى أن “من لم يحيي نفسه” (جميعنا) سيجسد أمامه يوماً ما. كما أن برَّ هذا الرجل سوف يُعلَن إلى أشخاص لم يكونوا بعد أحياء. (غير مولودين آنذاك) وقت موته.

هذه النهاية لا علاقة لها بما إذا كان الإنجيل قد تم اختلاقه ليلائم مزمور 22 لأنه يعالج الآن أحداثاً مستقبلية – تلك التي تحدث في زمننا. لم يكن باستطاعة كتاب الإنجيل في القرن الأول اختلاق تأثير موت عيسى المسيح في وقتنا هذا. إن تبرير غير المؤمنين لا يفسر تراث عيسى المسيح الطويل الأمد والمنتشر في أنحاء العالم الذي تنبأ عنه بشكل صائب مزمور 22 قيل 3000 سنة.

القرآن – معرفة داود بالمستقبل مُعطاة من الله

هذا التسبيح المُنتَصر في نهاية المزمور 22، هو بالضبط ما تعنيه سورة سبـأ وسورة النمل (سبأ 34 و النمل 27) في القرآن عندما تقولان عن مزامير داود الموحى بها ما يلي:

وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ.

(سورة سبأ 34: 10)

وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ.

(سورة النمل 27: 15)

وكما تقولان، أعطى الله داود المعرفة ونعمة التنَبُّؤ بالمستقبل، وبتلك المعرفة، أنشدَ التسابيح المُسَجَّلة في المزمور 22.

والآن، فكِّر في السؤال المطروح في سورة الواقعة (سورة 56)

فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُون فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ.

(سورة الواقعة 56: 83- 87)

مَن يستطيع استدعاء الروح من الموت؟ هذا التحدِّي هو لفصل عمل الإنسان عن عملِ الله. ومع ذلك، فإنّ سورة الواقعة هي بالضبط ما يصفه المزمور 22 –  وهو يفعل ذلك من خلال تَوَقُّع أو التنبّؤ بعمل عيسى المسيح عليه السلام.

لا يمكن لأحد أن يتنبأ بشكل أفضل عن تأثير صلب عيسى المسيح من مزمور 22. من يستطيع في تاريخ العالم أن يدعي أن تفاصيل موته بالإضافة إلى تراث حياته في المستقبل البعيد سيتم التنبؤ عنهما قبل 1000 سنة قبل أن يعيش هو؟ بما أنه لا يمكن لأي مخلوق بشري أن يتنبأ عن المستقبل البعيد بتفاصيل كهذه، فإن هذا دليل على أن ذبيحة عيسى المسيح كانت “بمشورة الله المحتومة وعلمه السابق”.

الأنبياء الآخرون تنبأوا عن ذبيحة عيسى المسيح

مثلما بدأت التوراة بصورة تعكس أحداث الأيام الأخيرة في حياة عيسى المسيح ومن ثمَّ جعلت الصورة أكثر وضوحاً بتفاصيل إضافية، هكذا وضح الأنبياء تفاصيل إضافية عن موت وقيامة عيسى المسيح. يلخص الجدول أدناه بعض هؤلاء الأنبياء الذين تطرقنا إليهم.

الأنبياء يتحدثون كيف أعلنوا خطة مجيء المسيح
علامة الولادة من عذراء “سيولد ابن من عذراء” هكذا تنبأ النبي أشعياء في سنة 700 قبل الميلاد وسيعيش تماماً بلا خطية. لا يمكن إلا لحياة كاملة أن تُقَدَّم كذبيحة لأجل شخص آخر. عيسى المسيح الذي وُلد تحقيقاً لتلك النبوة، عاش حياة كاملة.
“الغصن الآتي” تنبأ باسم عيسى وإزالة خطيتنا أعطى الأنبياء أشعياء وارميا وزكريا، سلسلة نبوَّات عن شخص آتٍ دعاه زكريا مصيباً عيسى – وذلك قبل 500 سنة من ولادة عيسى. تنبأ زكريا بأنه ستُمحى خطايا الشعب في أحد الأيام. قدَّم عيسى نفسه كذبيحة، وهكذا في يوم واحد بالضبط تم التكفير عن الخطايا، مما حقق جميع هذه النبوات.
النبي دانيال ووقت مجيء النبي تنبأ دانيال بجدول زمني من 480 سنة بالضبط لمجيء المسيح. وُلد عيسى تماماً حسب جدول النبوة.
النبي دانيال تنبأ أن المسيح سوف “يُقطع” بعد وصول المسيح، كتب النبي دانيال أنه “سيُقطع وليس له”. كانت تلك نبوة عن موت عيسى المسيح القادم عندما “قُطع” عن الحياة.
النبي أشعياء يتنبأ عن موت وقيامة العبد الآتي

 

تنبأ النبي أشعياء بتفاصيل كثيرة كيف “سيُقطع المسيح من أرض الأحياء”، بما في ذلك التعذيب والرفض و “مسحوق لأجل آثامنا”، “كشاةٍ تُساق إلى الذبح”، وكانت حياته تقدمة لأجل الخطية، لكن في ما بعد سيرى “الحياة” ثانية ويكون منتصراً. إن جميع هذه النبوات التفصيلية تحققت عندما صُلب عيسى المسيح ثم قام من الأموات. إن هذه التفاصيل التي كان بالإمكان التنبؤ عنها قبل 700 سنة هي علامة عظيمة على أن هذه كانت خطة الله.
النبي يونس وموت عيسى المسيح اختبر النبي يونس القبر عندما كان داخل حوت كبير. كانت تلك صورة اعتاد عيسى المسيح على استخدامها ليشرح أنه بطريقةٍ مشابهة سيختبر هو أيضاً الموت.
النبي زكريا وتحرير المأسورين من الموت يشير عيسى المسيح إلى نبوة زكريا بأنه سيُطلق المأسورين من الموت (الذين هم موتى). وإن مهمته ليذوق الموت ويطلق المأسورين هناك تمَّ التنبؤ عنها من قبل الأنبياء.

إن هذه النبوات الكثيرة، من أنبياء كانت تفصلهم عن بعض مئات السنين وعاشوا في دول مختلفة وكان لديهم خلفيات مختلفة، ومع ذلك ركزوا جميعاً على التنبؤ ببعض جوانب الانتصار العظيم لعيسى المسيح من خلال موته وقيامته – هي دليل على أن كل ذلك كان بحسب خطة الله. لهذا السبب قال بطرس، وهو قائد تلاميذ عيسى المسيح، لمستمعيه:

18 لَكِنْ هَكَذا تَحَقَّقَ ما سَبَقَ أنْ أعلَنَهُ اللهُ عَلَى لِسانِ جَمِيعِ أنبِيائِهِ مِنْ أنَّ مَسِيحَهُ لا بُدَّ أنْ يَتَألَّمَ.

(أعمال الرسل 18:3)

وبعد ذلك مباشرة أعلن بطرس:

18 لَكِنْ هَكَذا تَحَقَّقَ ما سَبَقَ أنْ أعلَنَهُ اللهُ عَلَى لِسانِ جَمِيعِ أنبِيائِهِ مِنْ أنَّ مَسِيحَهُ لا بُدَّ أنْ يَتَألَّمَ.

(أعمال الرسل 19:3)

هناك وعد بالبركة لنا جميعاً بحيث يكون بالإمكان محو خطايانا. نتطرق إلى ما يعنيه هذا هنا.

فهم عطية الحياة وقبولها من عيسى المسيح


اتباع المسيح – تابعنا عشان يوصلك كل جديد

لقد تناولنا أحداث الأسبوع الأخير لعيسى المسيح عليه السلام. يسجِّل الإنجيل أنه صُلب في اليوم السادس – الجمعة الحزينة وأنه قام من الموت يوم الأحد التالي. تمَّ التنبؤ عن ذلك في التوراة والمزامير والأنبياء معاً. لكن لماذا حدث ذلك وماذا يعنيه لك ولي اليوم؟ نسعى في هذه المقالة إلى فهم ما يقدّمه لنا عيسى المسيح وكيف يمكننا الحصول على الرحمة والغفران. هناك أخبارٌ سيّئة وأخبارٌ سارّة لك ولي. هذا سيساعدنا على فهم فدية إبراهيم الواردة في سورة الصافات (سورة 37) وسورة الفاتحة (سورة 1) عندما طلب من الله ’’أهدِنا الصِراط المستقيم‘‘، بالإضافة إلى فَهم لماذا تعني كلمة ’’مُسلِم‘‘ الذي يُسَلِّم (يخضع)، ولماذا تُعتَبَر الطقوس الدينيَّة، مثل الوضوء والزكاة وتناول الطعام الحلال جيّدة، لكنّها نوايا جيّدة غير كافية في حَدِّ ذاتها ليوم الدينونة.

الأخبار السيئة – ما يقوله الأنبياء عن علاقتنا مع الله

تعلّمنا التوراة أنه عندما خلق الله البشرية، فإنه

وَشاخَ إسْحاقُ، وَضَعُفَتْ عَيناهُ فَلَمْ يَعُدْ يَقْدِرُ أنْ يُبصِرَ. فَدَعا بِكْرَهُ عِيسُو وَقالَ لَهُ: «تَعالَ يا ابْنِي.»

فَقالَ عِيسُو: «سَمْعاً وَطاعَةً.» (تكوين 27: 1)

إن كلمة “صورة” ليست بالمعنى الماديّ، لكنها تعني أننا خُلقنا لنكون مرآة لطبيعة الله بالطريقة التي نتعامل بها عاطفياً وعقلياً واجتماعياً وروحياً. إننا خُلقنا لنكون في شركة معه. بإمكاننا أن نتصوّر هذه العلاقة في الشريحة أدناه. نرى الخالق الحاكم غير المحدود، في الأعلى بينما وُضِعَ الرجل والمرأة في أسفل الشريحة لأننا مخلوقات محدودة. تظهر العلاقة بواسطة السهم الذي يربط الإثنين.

خُلقنا على صورته لنكون في شركة مع الخالق
خُلقنا على صورته لنكون في شركة مع الخالق

الله كاملٌ في طبيعته – إنه قدّوسٌ. ولهذا يقول الزبور

لَسْتَ إلَهاً يُسَرُّ بِالشَّرِّ،
وَالأشْرارُ لا يَخْشَوْنَكَ.
وَالحَمقَى [a] لا يَقِفُونَ قُدّامَكَ!
أنتَ تَرفُضُ فاعِلِي الشَّرَّ. (مزمور 4:5 – 5)

ارتكب آدم عمل عصيان واحد – واحد فقط – فتطلبت قداسة الله أن يدينه. تسجّل التوراة والقرآن أن الله جعله فانياً وطرده من حضرته. والحالة ذاتها تنطبق علينا. عندما نرتكب الخطية أو نعصي الله بأية طريقة كانت فإننا نهينه لأننا لا نسلك بحسب الصورة التي خلقنا عليها. كما أن علاقتنا معه تصبح مقطوعة. وتكون النتيجة حاجزاً صلباً كجدار من الصخر يفصلنا عن خالقنا.

خطايانا تضع حاجزاً صلباً بيننا وبين إلهنا القدوس
خطايانا تضع حاجزاً صلباً بيننا وبين إلهنا القدوس

اختراق حاجز الخطيَّة باستحقاقنا الديني

يحاول كثيرون منا اختراق هذا الحاجز المُقام بيننا وبين الله من خلال الأعمال الدينية التي تكسب لنا استحقاقاً كافياً لكسر الحاجز. إن الصلاة والصوم والذهاب إلى الحج وإلى المسجد وتقديم الأموال إلى الجمعيات الخيرية هي الطرق التي نسعى من خلالها إلى كسب الاستحقاق لاختراق الحاجز كما توضّحه الصورة التالية. وهكذا نأمل أن يمحي استحقاقنا الدينيّ بعضاً من خطايانا. وإذا ما كسبَت لنا أعمالنا الكثيرة استحقاقاً كافياً فإننا نرجو أن تُمحى جميع خطايانا.

نحاول أن نخترق هذا الحاجز بالقيام بالأعمال الحسنة لنكسب استحقاقاً أمام الله
نحاول أن نخترق هذا الحاجز بالقيام بالأعمال الحسنة لنكسب استحقاقاً أمام الله

لكن ما مقدار الاستحقاق الذي نحتاج إليه لإزالة الخطية؟ وما هو الضمان بأن أعمالنا الصالحة ستكون كافية لإزالة الخطية واختراق الحاجز الذي وُضع بيننا وبين خالقنا؟ هل نعرف ما إذا كانت جهودنا لنوايا حسنة ستكون كافية؟ ليس ثمة ضمان لنا، ولهذا نحاول أن نفعل أعمالاً صالحة كثيرة قدر استطاعتنا ونرجو أن تكون كافية يوم الدينونة.

بالإضافة إلى الأعمال التي نقوم بها لكسب الاستحقاق وجهود النوايا الحسنة، يعمل كثيرون منا جاهدين ليكونوا أنقياء. نمارس الوضوء بجدٍّ ومثابرة قبل الصلوات. ونسعى جاهدين إلى الابتعاد عن الأشخاص والأشياء والطعام الذي يجعلنا نجسين. لكن النبي إشعياء أعلن أن:

صِرنا كُلُّنا كَشَيءٍ نَجِسٍ،
وَكُلُّ أعمالِنا الصّالِحَةِ كَثَوبٍ وَسِخٍ.
كُلُّنا ذَبُلْنا وَسَقَطنا كَوَرَقَةٍ،
وَخَطايانا حَمَلَتْنا كَالرِّيحِ بَعِيداً. (إشعياء 64: 6)

يُعلمنا النبي أنه حتى لو تجنَّبنا كل شيء قد يجعلنا نجسين، فإنَّ خطايانا ستجعل “أعمال برِّنا” باطلة لا قيمة لها مثل “خرق بالية”. هذه أخبار سيئة. لكن هناك ما هو أسوأ.

أخبار أسوأ: قوة الخطية والموت

وضع النبي موسى عليه السلام المقياس بوضوح في الشريعة التي تنصّ على أن المطلوب هو الطاعة الكاملة. لم تتضمن الشريعة مطلقاً كلاماً كالتالي “حاوِلْ أن تطيع معظم الوصايا”. في الواقع، أعلنت الشريعة مراراً وتكراراً أنَّ العمل الوَحيد الذي يضمن تكفيراً عن الخطية هو الموت. رأينا في زمن نوح عليه السلام وحتى مع امرأة لوط عليه السلام بأن الموت كان نتيجة الخطية.

يلخص الإنجيل هذه الحقيقة بالطريقة التالية:

لأن أجرة الخطية هي موت…(رومية 23:6)

الموت يعني حرفياً “الانفصال”. عندما تنفصل روحنا عن جسدنا نموت جسدياً. بشكل مشابه فإننا منفصلون حتى الآن عن الله روحياً ونحن أموات ونجسون في نظره.

تكشف هذه الحقيقة مشكلة رجائنا في كسب الاستحقاق لنزيل الخطية. المشكلة هي أن جهودنا الحثيثة واستحقاقاتنا ونوايانا الحسنة وأعمالنا، مع أنها جيِّدة، إلا أنها ليست كافية لأن التقدمة (الأجرة) المطلوبة لأجل خطايانا هي “الموت”. لا يخترق هذا الحاجز إلا الموت لأنه يحقِّق عدالة الله. إن جهودنا لكسب الاستحقاق هي مثل محاولة علاج السرطان (الذي يؤدي إلى الموت) بتناول الطعام الحلال. إن تناول الطعام الحلال ليس سيئاَ – إنه جيد – وينبغي على المرء أن يتناوله – لكنه لن يشفي السرطان. لعلاج السرطان، نحتاج إلى معالجة مختلفة كلياً تُميت الخلايا السرطانية.

إذن، حتى عندما نبذل جهودنا وتكون لدينا نوايا حسنة للحصول على الاستحقاق الديني فإننا في الواقع أموات ونجسون كجثة في نظر خالقنا.

نتيجة خطايانا الموت – نحن مثل أجساد ميتة نجسة أمام الله
نتيجة خطايانا الموت – نحن مثل أجساد ميتة نجسة أمام الله

إبراهيم – يبيّن لنا الطريق المستقيم

كان الوضع مختلفاً بالنسبة إلى النبي إبراهيم عليه السلام. حُسٍب له برّاً” ليس بسبب استحقاقه بل لأنه آمن وصدَّق الوعد الذي له. لقد وضع ثقته في الله ليدفع الأجرة المطلوبة بدلاً من أن يكسبها بنفسه. رأينا في ذبيحته أن الموت (أجرة الخطية) قد تحقَّق، لكن ليس بموت ابنه بل بخروف قدّمه الله.

يتحدَّث القرآن عن هذا الأمر في سورة الصافات (سورة 37) حيث يقول:

وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ.

(سورة الصافات 37: 107- 109)

’’افتدى‘‘ اللهُ البشر (دفع الثمن) وحصلَ إبراهيم على البركة والرحمة والغفران، الذي شمل ’’السلام‘‘.

أُعلن لإبراهيم الطريق المستقيم – إنه وضع ثقته في الله فقط، فقدّم الله ذبيحة موت لأجل الخطية
أُعلن لإبراهيم الطريق المستقيم – إنه وضع ثقته في الله فقط، فقدّم الله ذبيحة موت لأجل الخطية

الأخبار السارّة: عمل عيسى المسيح نيابة عنّا

إنَّ مثال النبي عيسى المسيح عليه السلام وُجد ليبيّن لنا الصراط المستقيم وفقاً للطلب في سورة الفاتحة (سورة 1)

مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ
صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (سورة الفاتحة 1: 4 – 6)

يشرح الإنجيل أن ذلك كان مثالاً يبيّن كيف أن الله سدَّد أجرة الخطية وقدّم العلاج للموت والنجاسة بطريقة بسيطة لكنها قوية.

23 لِأنَّ الأجرَ الَّذِي يُدفَعُ مُقابِلَ الخَطِيَّةِ هُوَ المَوتُ، أمّا عَطِيَةُ اللهِ المَجّانِيَّةُ، فَهِيَ حَياةٌ أبَدِيَّةٌ فِي المَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنا. (رومية 6: 23)

كانت الأخبار لغاية الآن “أخباراً سيئة”. لكن كلمة “إنجيل” تعني “الأخبار السارّة”، وبإعلانه أن ذبيحة موت عيسى كافية لاختراق الحاجز بيننا وبين الله، يمكننا أن نرى لماذا هي أخبار سارّة كما نبيّن أدناه.

ذبيحة عيسى المسيح – حَمَلَ الله – قُدِّمت بالموت علاجاً للخطية نيابة عنا كما فعل خروف إبراهيم.
ذبيحة عيسى المسيح – حَمَلَ الله – قُدِّمت بالموت علاجاً للخطية نيابة عنا كما فعل خروف إبراهيم.

النبي عيسى المسيح قدَّم نفسه ذبيحة ثم قام من الموت كباكورة، لذلك هو يهبنا الآن حياته الجديدة. لا حاجة لنا بعد أن نبقى سجناء موت الخطية.

كانت قيامة عيسى المسيح باكورة. بإمكاننا أن نتحرر من الموت ونحصل على حياة القيامة ذاتها.
كانت قيامة عيسى المسيح باكورة. بإمكاننا أن نتحرر من الموت ونحصل على حياة القيامة ذاتها.

بذبيحته وقيامته أًصبح عيسى المسيح بوابة من خلال حاجز الخطية الذي يفصلنا عن الله. لهذا السبب قال النبي:

9 أنا هُوَ البابُ. فَإنْ دَخَلَ أحَدٌ مِنْ خِلالِي، يَخلُصُ وَيَدْخُلُ وَيَخرُجُ وَيَجِدُ مَرْعَى. 10 لا يَأْتِي السّارِقُ إلّا لِيَسْرِقَ وَيْقتُلَ وَيُدَمِّرَ. أمّا أنا فَقَدْ جِئْتُ لِكَيْ تَكُونَ لِلنّاسِ حَياةٌ، وَتَكُونَ لَهُمْ هَذِهِ الحَياةُ بِكُلِّ فَيْضِها. (يوحنا 10: 9 – 10)

عيسى المسيح هو إذن البوابة التي تخترق حاجز الخطية والموت
عيسى المسيح هو إذن البوابة التي تخترق حاجز الخطية والموت

بسبب هذه البوابة بإمكاننا الآن أن نستعيد ثانية العلاقة التي كانت لنا مع خالقنا قبل أن تصبح خطيتنا حاجزاً، ونستطيع أيضاً أن نضمن حصولنا على الرحمة وغفران خطايانا.

بهذه البوابة المفتوحة استرجعنا الآن علاقتنا مع خالقنا
بهذه البوابة المفتوحة استرجعنا الآن علاقتنا مع خالقنا

وكما يعلن الإنجيل:

5 اللهُ واحِدٌ، وَالوَسِيطُ بَينَ اللهِ وَالنّاسِ واحِدٌ هُوَ الإنسانُ يَسُوعَ المَسِيحِ. 6 وَقَدْ بَذَلَ نَفسَهُ فِديَةً لِأجلِ خَطايا جَمِيعِ النّاسِ، مُقَدِّماً شَهادَةً عَنْ مَحَبَّةِ اللهِ فِي الوَقتِ المُناسِبِ. (تيموثاوس الأولى 2: 5 – 6)

عطية الله لك

قدم النبي عيسى المسيح نفسه لأجل جميع الناس. إذن هذا يشملك ويشملني أيضاً. من خلال موته وقيامته دفع الثمن ليكون “وسيطاً” ويهبنا الحياة. كيف تُعطى لنا هذه الحياة؟

23 لِأنَّ الأجرَ الَّذِي يُدفَعُ مُقابِلَ الخَطِيَّةِ هُوَ المَوتُ، أمّا عَطِيَةُ اللهِ المَجّانِيَّةُ، فَهِيَ حَياةٌ أبَدِيَّةٌ فِي المَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنا. (رومية 6: 23)

لاحظ كيف تُعطى لنا. إنها تُقدَّم لنا كهبة. فكروا بالهبات أو الهدايا. مهما كانت الهبة أو الهدية، فإذا كانت هدية فإنها تكون شيئاً لم تقم أنت بأي عمل للحصول عليها ولا تكسبها بالاستحقاقات. إن حصلت عليها باستحقاقك فلن تكون بعد هدية – إنها ستكون أجر عملك. بالطريقة ذاتها، لا يمكنك أن تستحق أو تحصل على ذبيحة عيسى المسيح. إنها تُعطى لك كهبة، بهذه البساطة.

وما هي هذه الهبة؟ إنها “الحياة الأبدية”. هذا يعني أن الخطية التي جلبت عليك وعليَّ الموت قد تمَّ التكفير عنها. إن الله يحبك ويحبني إلى هذه الدرجة. إنها محبة قوية.

إذن كيف تحصل أنت وأحصل أنا على الحياة الأبدية؟ مرة أخرى، فكروا بالهبات والهدايا. إذا أعطاك شخص ما هدية، يجب عليك أن تقبلها. في كل مرة تُقدَّم فيها هبة ما، فإنه يوجد خياران. إما أن تَرفضَ الخطية (“كلا، أشكرك”) أو أن تقبلها (“شكراً على الهدية. سوف آخذها”). هكذا أيضاً يجب أن يتم استلام هذه الهبة. لا يمكن فقط الإيمان بها عقلياً أو دراستها أو فهمها. إنَ أية هدية توهب لك، لكي تكون ذات فائدة، يجب عليك أن “تستلمها”.

12 أمّا الَّذِيْنَ قَبِلُوهُ، أيِ الَّذِيْنَ آمَنُوا بِاسْمِهِ، فَقَدْ أعطاهُمُ الحَقَّ فِي أنْ يَصِيْرُوا أولادَ اللهِ. 13 فَهُمْ قَدْ وُلِدُوا مِنَ اللهِ، خِلافاً لِلوِلادَةِ الطَّبِيْعِيَّةِ مِنْ دَمٍ وَلَحْمٍ وَمِنْ إرادَةِ رَجُلٍ. (يوحنا 1: 12 – 13)

في الواقع يقول الإنجيل عن الله إن

الله مخلصنا الذي يريد أن الجميع يخلصون… (تيموثاوس الأولى 2: 3 – 4)

إنه المخلِّص ورغبته هي أن يقبل “جميع الناس” عطيَّته ويخلصون من الخطية والموت. إذا كانت هذه مشيئته، فقبول عطيَّته تعني ببساطة الخضوع لمشيئته – وهذا هو معنى كلمة “مُسلِم” – الذي يُسلِّم أو يخضع.

إذن كيف نقبل هذه العطية؟ يقول الإنجيل أنك

12 فَلا فَرقَ بَينَ يَهُودِيٍّ وَغَيرِ يَهُودِيٍّ. لأنَّ الرَّبَّ هُوَ نَفسَهُ رَبٌّ عَلَى الكُلِّ. وَهُوَ غَنِيٌّ فِي الرَّحمَةِ لِلَّذِينَ يَتَّكِلُونَ عَلَيهِ. (رومية 10: 12)

لاحظوا أن هذا الوعد هو لكل شخص. وبما أن عيسى المسيح قام من الموت، فهو حيٌّ الآن. فإذا طلبتَ منه فهو سيسمعك ويعطيك عطيته. اسأله واطلب منه. ربما أنك لم تفعل هذا سابقاً، لذلك تجد أدناه دليلاً يمكن أن يساعدك. إنه ليس أنشودة سحرية، وليست الكلمات في حدِّ ذاتها هي التي تعطيك قوة. إنما هو الثقة التي كانت لإبراهيم التي نضعها في عيسى المسيح ليعطينا هذه العطية. عندما نضع ثقتنا به فإنه سوف يستمع ويستجيب لنا. الإنجيل قوي لكنه أيضاً بسيط. لا تتردَّد في اتباع هذا الدليل إن وجدته مفيداً لك.

أيها النبي والرب عيسى المسيح. أنا أدرك أنه بسبب خطاياي أنا منفصل عن الله خالقي. ومع أنني أحاول جاهداً، إلا أنَّ جهودي لا تخترق هذا الحاجز. لكنني أدرك أن موتك كان ذبيحة لغسل خطاياي ولأكون نقياً. وأنا أدرك أنك قمت من الموت بعد تقديم نفسك كذبيحة، لذلك أنا أؤمن بأن ذبيحتك كانت كافية ولذا أخضع لك. أشكرك أيها الرب عيسى المسيح لأنك فعلت كل هذا من أجلي، وأسألك الآن أن تستمر في إرشادي في حياتي لكي أستطيع أن أتبعك كربّي.

                                                                بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

كيف تنبأت توراة موسى عن عيسى المسيح؟

يعلن الإنجيل أن صلب وقيامة النبي عيسى عليه السلام أمران مركزيان في خطة الله. بعد 50 يوماً بالضبط من قيامة النبي، أعلن بطرس على الملأ، وهو القائد بين أصحابه، ما يلي عن عيسى المسيح:

23 لَقَدْ سُلِّمَ هَذا الرَّجُلُ إلَيكُمْ وَفْقَ خُطَّةِ اللهِ وَسابِقِ مَعرِفَتِهِ. وَأنتُمْ قَتَلتُمُوهُ إذْ سَمَّرتُمُوهُ إلَى صَلِيبٍ بِمَعُونَةِ أشخاصٍ أشرارٍ. 24 لَكِنَّ اللهَ أقامَهُ مِنَ المَوتِ، مُحَرِّراً إيّاهُ مِنْ آلامِ المَوتِ. إذْ لَمْ يَكُنْ مُمكِناً لِلمَوتِ أنْ يَحْجِزَهُ. (أعمال الرسل 2: 23-24)

بعد موعظة بطرس آمن ألوف الناس وقَبِلَت الرسالة جماهير غفيرة في كل أنحاء العالم في ذلك الوقت – وكلهم آمنوا بدون أي إكراه. إن سبب قبول الرسالة الواسع الانتشار كان كتابات التوراة وأنبياء الزبور التي كانت قد كُتِبت قبل مئات السنين. فحص الناس هذه الأسفار المقدسة ليعرفوا إذا كانت فعلاً قد تنبأت بمجيء عيسى المسيح وموته وقيامته. هذه الأسفار ذاتها التي لم تتغير متوفرة اليوم لنتمكن نحن أيضاً من أن نتحقّق من موت وقيامة عيسى المسيح وما إذا كانا قد حدثا حسب “مشورة الله المحتومة وعلمه السابق” كما أعلن بطرس. وها نحن نتفحَّص هنا بعض ما لاحظه سامعو الإنجيل الأوائل من التوراة بينما كانوا:

“… فاحصين الكتب كل يوم …” (أعمال الرسل 11:17)

لقد تدارسوا الكتب المقدسة بعناية لأن رسالة الرسل كانت غريبة وجديدة بالنسبة إليهم. إنّنا نصدرُ حكمًا مسبقًا في رفضنا الرسائل التي هي جديدة وغريبة في آذاننا. نحن جميعا نفعل هذا. ولكن ، إذا كانت هذه الرسالة من الله ورفضوها ، فإن التحذير الذي تضمّنته سورة الغاشية (سورة 88) سيحلُّ عليهم.

إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ.

(سورة الغاشية 88: 23- 26)

لقد أدركوا أن الطريقة المؤكدة لتحديد ما إذا كانت هذه الرسالة غير المألوفة من الله أم لا، هي باختبار الرسالة مقابل كتابات الأنبياء. فهذا كفيلٌ بإبقائهم في مأمنٍ من عقوبة رفض رسالةٍ من الله. سيكون من الحكمة أن نتبع مثالهم، ولذلك، سوف نقوم بدراسة الكتب المقدسة لنرى ما إذا كانت رسالة موت وقيامة النبيّ عيسى عليه السلام قد سبَق ذكرها في الكتابات السابقة. نبدأ بالتوراة.

أُعْلِن علم الله السابق من بداية التوراة

من الصفحة الأولى في التوراة يمكننا أن نرى أن أيام عيسى المسيح وذبيحته كانا معروفين مسبقاً من الله. في جميع الكتب المقدسة (التوراة، الزبور، الإنجيل والقرآن) هناك فقط أسبوعان حيث تُسرَد أحداث ما جرى في كل منهما بالتوالي. إن أول هذين الأسبوعين هو سجل لخلق الله كل شيء في سبعة أيام وهو مُدوَّن في أول أصحاحين من التوراة. الأسبوع الآخر الذي دُوِّنت فيه أحداث يومية هو الأسبوع الأخير للنبي عيسى المسيح. لا يوجد نبي آخر سواء أكان إبراهيم أو موسى أو داود أو محمد (عليهم السلام) تم تدوين أحداث من حياته اليومية خلال أسبوع كامل. إن سجل أسبوع الخليقة الكامل في بداية التوراة موجود هنا. لقد تناولنا الأحداث اليومية لعيسى المسيح في أسبوعه الأخير. يضع الجدول التالي كل يوم من هذين الأسبوعين جنباَ إلى جنب للمقارنة.

الأسبوع الأخير لعيسى المسيح أسبوع الخَلق يوم الأسبوع
دخل المسيح إلى أورشليم وقال “أنا جئت نوراً إلى العالم…” يوجد نور في الظلمة. كانت هناك ظلمة وقال الله ليكن نور فكان نور. يوجد نور في الظلمة. اليوم 1
فَصَلَ عيسى الأشياء الأرضية عن السماوية بتطهير الهيكل كمكان للصلاة. فَصَلَ الله الأرض عن السموات. اليوم 2
تحدث عيسى عن الإيمان الذي ينقل الجبال إلى البحر.


تكلّم عيسى فيَبِسَتْ شجرة التين في الأرض.

تكلّم الله فخرجت الأرض من البحار.


تكلّم الله ثانية “لتنبت الأرض نباتاً” فكان ذلك.

اليوم 3
تكلّم عيسى عن علامة مجيئه إلى الأرض – الشمس والقمر والنجوم ستصبح مظلمة. تكلّم الله “لتكن أنوار في جَلَد السماء” فوجدت الشمس والقمر والنجوم وأنارت السماء. اليوم 4
ينزل الشيطان، التنين العظيم، إلى داخل يهوذا ليضرب المسيح. خلق الله جميع الحيوانات الطائرة بما في ذلك الديناصور الطائر والزواحف = التنانين. اليوم 5
كانت خراف الفصح تذبح في الهيكل.


“فصرخ يسوع بصوت عظيم وأسلم الروح” (مرقس 37:15)


اختار عيسى طوعاً الدخول إلى بستان جثسماني.


عُلِّق عيسى على خشبة ولٌعِنَ

13 لَقَدْ حَرَّرَنا المَسِيحُ مِنْ لَعنَةِ الشَّرِيعَةِ بِأنْ وَضَعَ نَفسَهُ تَحْتَ اللَّعْنَةِ بَدَلاً مِنّا. فَكَما هُوَ مَكتُوبٌ: «مَلْعُونٌ مَنْ يُعَلَّقُ عَلَى خَشَبَةٍ.» (غلاطية 3: 13)


لم تكن ذبائح الفصح في النهاية مناسبة. كان المطلوب شخصاً ما.

4 فَلا يُمكِنُ لِدَمِ الثِّيْرانِ وَالتُّيوسِ أنْ يَنزِعُ الخَطايا. 5 لِهَذا عِندَما جاءَ المَسِيحُ إلَى العالَمِ قالَ للهِ:
«أنتَ لَمْ تُرِدْ ذَبِيْحَةً وَتَقدِمَةً،
لَكِنَّكَ أعدَدْتَ لِي جَسَداً. (عبرانيين 10 : 4-5)


دخل عيسى إلى سبات الموت.


جُرح جنب عيسى. ومن ذبيحته فاز عيسى بعروس – المنتمين إليه.

21 وَلَمْ يَتُوبُوا عَنْ جَرائِمِهِمْ، وَلا عَنْ سِحرِهِمْ أوْ زِناهُمْ أوْ عَنْ سَرِقاتِهِمْ. (رؤيا 9:21)

تكلّم الله فخرجت الحيوانات البرية.


الرب الإله نفخ في أنف آدم نسمة الحياة. بدأ آدم بالتنفس.


وضع الله آدم في الجنة.


تمَّ تحذير آدم للابتعاد عن شجرة معرفة الخير والشر لئلا يُصاب بلعنة.


لم يوجد أي حيوان مناسباً لآدم. كان من الضروري إيجاد شخص آخر.


أوقع الرب الإله سباتاً على آدم.


جعل الله جرحاً في جنب آدم الذي خلق منه حواء – عروس آدم.

اليوم 6
استراح عيسى المسيح في الموت. استراح الله من العمل وأُعلِن ذلك اليوم يوماً مقدساً. اليوم 7

إن أحداث كل يوم في هذين الأسبوعين هي مثل صوَرٍ في المرآة يعكس كل حدث الآخر. هناك تماثل واتساق بينها. في نهاية كلا هذين الأسبوعين تكون الحياة الجديدة للثمار الأولى مستعدة للظهور والتكاثر. إن آدم وعيسى المسيح هما صورتان معكوستان.

يقول الإنجيل عن آدم إنه

5 وَهُناكَ أيضاً مَنْ يُفَضِّلُ يَوماً عَلَى يَومٍ، وَهُناكَ مَنْ يَعتَبِرُ الأيّامَ كُلَّها سَواءً. لَكِنْ يَنبَغي عَلَى كُلِّ واحِدٍ أنْ يَكُونَ مُقتَنِعاً بِمَوقِفِهِ فِي نَفْسِهِ. (رومية 14:5)

و

21 فَبِما أنَّ المَوتَ جاءَ بِإنسانٍ، كَذَلِكَ جاءَتْ قِيامَةُ الأمواتِ بِإنسانٍ. 22 الجَمِيعُ يَمُوتُونَ بِسَبَبِ ما فَعَلَهُ آدَمُ، وَكَذَلِكَ يَحيا الجَمِيعُ بِسَبَبِ ما فَعَلَهُ المَسِيحُ. (1 كورنثوس 15: 21-22)

بمقارنة هذين الأسبوعين يمكننا أن نرى أن آدم كان فعلاً نموذجاً معاكساً لعيسى المسيح. هل احتاج الله إلى سبعة أيام ليخلق الكون؟ ألم يكن باستطاعته أن يفعل ذلك بأمر واحد؟ لماذا إذن خلقه بالطريقة التي قام بها؟ لقد فعل ذلك حتى يمكن توقّع الأنشطة الأخيرة لعيسى المسيح في الأعمال اليومية لأسبوع الخلق. هذا الكلام يصح بشكل خاص بالنسبة إلى اليوم السادس. نستطيع أن نرى نموذجاً حتى في اختيار الكلمات. على سبيل المثال، بدلاً من أن نقول فقط أن “عيسى المسيح مات” يقول الإنجيل إنه “أسَلّم الروح”، وهذا نموذج معكوس مباشرة في الكلمات ذاتها عن آدم الذي تلقى “نسمة الحياة”. إن نموذجاً كهذا منذ بدء الزمن يشير إلى “علم سابق” تماماً كما صرَّح بطرس بعد قيامة عيسى النبي.

أمثلة توضيحية لاحقة في التوراة

ثم تسجل التوراة أحداثاً معينة وتؤسس طقوساً كأمثلة توضيحية أو صوراً تدل على ذبيحة النبي عيسى المسيح القادمة. أُعطيَت لنا هذه الأمثلة والصور لمساعدتنا على فهم المعرفة المسبقة لخطة الله. خلال مسيرتنا في التوراة تطرقنا إلى بعض هذه المعالم التي يلخصها الجدول أدناه، مع روابط لهذه العلامات العظيمة التي تمَّ تدوينها قبل النبي عيسى المسيح بألف سنة.

كيف تعلن عن خطة الذبيحة القادمة لعيسى المسيح العلامة من التوراة
عندما واجه الله آدم بعد عصيانه تحدث عن ذرية شخص ذكر واحد سوف يولد (فقط) من امرأة (وبالتالي الولادة من عذراء). سيقضي هذا الشخص على الشيطان لكنه سيُضْرَب هو أثناء هذه العملية. علامة آدم
كان المطلوب ذبيحة موت. قدّم قايين ذبيحة من الخضار (التي ليس لها روح) لكن هابيل قدم حياة حيوان. فَقَبِلَ الله ذبيحته. يوضح هذا الأمر خطة ذبيحة عيسى المسيح. علامة قايين وهابيل
تكتسب الصورة تفاصيل إضافية حيث كان الموقع الذي قدم فيه إبراهيم ابنه كذبيحة هو الموقع نفسه حيث كان النبي عيسى المسيح سيُقدَّم كذبيحة بعد آلاف السنين، وتحدث النبي إبراهيم عن تلك الذبيحة المستقبلية. كان ينبغي أن يموت الابن لكن في اللحظة الأخيرة تم استبدال الصبي بخروف لكي يعيش الابن. تصوِّر هذه الحادثة كيف سيقدم عيسى المسيح “حمل الله: نفسه ذبيحة لكي نعيش نحن. علامة ذبيحة إبراهيم
أُعلنَت تفاصيل إضافية عن خطة الله عندما كانت الحملان تُقدّم كذبيحة في يوم محدد هو الفصح. فرعون مصر الذي لم يقدم حملاً كذبيحة، واجه الموت. لكن الإسرائيليين الذين قدموا حملاّ كذبيحة، لم يموتوا. بعد مئات السنين، قدم عيسى المسيح نفسه كذبيحة في اليوم نفسه بالضبط في التقويم، وهو يوم الفصح. علامة فصح موسى
أسّس هرون طقوساً محددة لذبائح الحيوانات. وكان الإسرائيليون الذين يرتكبون الخطية قادرين على أن يكفّروا عن خطاياهم بتقديم الذبائح. لكن موت الذبيحة كان مطلوباً. لم يقدر إلا الكهنة على تقديم الذبائح نيابة عن الشعب. أشارت هذه الأمور إلى عيسى المسيح في دوره ككاهن، الذي كان سيهب حياته ذبيحة لأجلنا. علامة تقدمة ذبيحة هرون

لأن توراة النبي موسى عليه السلام أشارت إلى مجيء النبي عيسى المسيح بوضوح كهذا، فإنها تقول ما يلي عن الشريعة:

10 وَقالَ اللهُ أيضاً:
«وَأنتَ يا رَبُّ
وَضَعْتَ أساساتِ الأرْضِ فِي البَدْءِ.
وَيَداكَ هُما اللَّتانِ صَنَعَتا السَّماواتِ. (عبرانيين 1:10)

وحذّر عيسى المسيح أولئك الذين لم يؤمنوا بمهمَّته ورسالته:

43 لَقَدْ جِئْتُ بِاسْمِ أبِي، لَكِنَّكُمْ تَرْفُضُونَ أنْ تَقْبَلُونِي. لَكِنْ إنْ جاءَكُمْ شَخْصٌ آخَرُ بِاسْمِهِ الخاصِّ، فَإنَّكُمْ تَقْبَلُونَهُ. 44 فَكَيْفَ سَتُؤْمِنُونَ بِي، وَأنتُمْ تُحِبُّونَ أنْ يَمْدَحَكُمُ الآخَرُونَ، أمّا المَدِيْحُ الَّذِي يَأْتِي مِنَ اللهِ الواحِدِ فَلا تَهْتَمُّونَ بِهِ؟ (يوحنا 5: 43-44)

وقال عيسى المسيح أيضاً لأتباعه لمساعدتهم على فهم مهمَّته ورسالته:

44 ثُمَّ قالَ لَهُمْ: «هَذِهِ هِيَ الأُمُورُ الَّتِي حَدَّثتُكُمْ بِها عِندَما كُنتُ بَعدُ مَعَكُمْ. فَقَدْ قُلْتُ لَكُمْ إنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَتَحَقَّقَ كُلُّ ما كُتِبَ عَنِّي فِي شَرِيعَةِ مُوسَى وَفِي كُتُبِ الأنبِياءِ وَفِي المَزامِيرِ.» (لوقا 44:24)

قال النبي بوضوح إن التوراة لم تكتب عنه فحسب، بل إن كتابات الأنبياء والزبور أيضاً كانت تتحدث عنه. نتطرق إلى هذا الأمر هنا. وفي حين أن التوراة استخدمت أحداثاً كانت أمثلة توضيحية عن مجيئه، إلا أن الأنبياء الذين أتوا بعد ذلك كتبوا مباشرة عن موته الآتي وقيامته بواسطة النبوات.

هنا ندرك كيف نحصل على عطية الحياة الأبدية التي وهبها لنا النبي عيسى المسيح.

الثمار الأولى للقيامة – حياةٌ لك

سورة الرعد (سورة 13) تصف تحَدِّيًا شائعًا، أو انتقادًا مِن قِبَل الكافرين.

وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ. وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ.           

(سورة الرعد 13: 5، 7)

يأتي (التحدّي والانتقاد) بجزأين. يسأل الكافرون في سورة الرعد الآية 5 عمّا إذا كانت القيامة ستحدث في يومٍ ما. من وِجهةِ نظرهم، بما أنّها لم تحدث قطّ من قبل، فلن تحدث في المستقبل. ثمّ يسألون عن سبب عدم صنع آيةٍ للتحقُّق من صحّة أنّه ستحدث قيامة. أيّ يقولون ما معناه: ’’أثبِتْ ذلك‘‘.

سورة الفُرقان (سورة 25) تُظهِرُ هذا التحدّي نفسه على نحوٍ مُختلفٍ بعض الشيء.

وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا  وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا.

(سورة الفُرقان 25: 40-41)

ليس ثمَّةَ خوفٌ من القيامة القادمة، ولا من النبيّﷺ. فهم يطلبون أن يُريهم القيامة.

سورة الفُرقان تكشف أيضًا كيف ينظر الله إلى الكافرين.

وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا.

(سورة الفرقان 25: 3)

تُبيِّن سورة الفرقان أنّ الناس غالبًا ما يتَّخذون آلهةً زائفة. كيف يُميِّز شخصٌ ما بين الإله الزائف والإله الحقيقيّ؟ تُقدِّم آية الفرقان الجواب.  لا يمكن للآلهة الزائفة أن يكون لديها ’’سلطانٌ على الموت ولا على الحياة ولا على القيامة. إنّ السلطان على الموت هو ما يفصل بين ما هو زائفٌ وما هو حقيقيّ.

سواءٌ صدرَ تحدّي الله ورُسُلِه مِن قِبَل الكافرين لإثبات ما ينبغي خشيَته، وما يمكن تجاهله، أو ما إذا كان التحذير مُوَجَّهٌ من الله إلى الكافرين لعبادة الإله الحقيقي وليس الإله الزائف، فإنّ المقياس هو نفسه – القيامة.  

القيامة تستلزمُ سلطانًا وقوّةً مطلَقَتَين. الأنبياء عليهم السلام، إبراهيم، موسى، داود، محمدصلى الله عليه وسلم – بقدر ما كانوا عظماء – لم يقوموا من الموت. وكذلك لم يفعل ذلك أحكم الرجال – سقراط، آينشتاين، ونيوتن، وسليمان. ما من إمبراطور حكم على أيِّ عرشٍ من العروش، بما في ذلك الإمبراطوريات الإغريقيّة والرومانية والبيزنطية والأُمويّة والعبّاسية والمملوكيّة والعثمانيّة، قد تغلَّبوا على الموت وقاموا من بيت الأموات. هذا هو التحدي المُطلَق. هذا هو التحدّي الذي اختار عيسى المسيح عليه السلام مواجهته.

وقد حقَّقَ فوزه يوم الأحد  قبل الفجر. كان انتصارُه على الموت عند الفجر نصرًا لكَ أنتَ وأنا أيضًا. لم نعد في حاجةٍ إلى أن نكون أسرى الأذى في هذا العالم. كما هو مَطْلَب سورة الفَلَق (سورة 113).

قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ. 

(سورة الفلق 113: 1- 3)

سوف نلاحظُ هنا كيف تم التنبؤ بهذا الفجر الخاصّ قبل مئات السنين في احتفال التوراة ببواكير الفاكهة ، وكيف يخلصنا رب الفجر من أذيّة هذا العالم.

عيسى المسيح والاحتفالات في التوراة

تتبعنا بدقة الأحداث اليومية للأسبوع الأول للنبي عيسى المسيح المسجَّلة في الإنجيل. في نهاية الأسبوع

صُلب المسيح يوم الفصح، وهو احتفال يهودي مقدس. ثم بقى ميتاً خلال يوم السبت،وهو اليوم السابع المقدس من الأسبوع. هذه الأيام المقدسة كان قد وضعها الله منذ زمان بعيد من خلال النبي موسى (عليه السلام) في التوراة. نقرأ هذه التعليمات هنا:

وَقالَ اللهُ لِمُوسَى: «قُلْ لِبَنِي إسْرائِيلَ: هَذِهِ هِيَ أعيادُ اللهِ الَّتِي حَدَّدْتُ مَواعِيدَها، فأعلِنُوها كَمُناسَباتٍ خاصَّةٍ.

يَومُ السَّبت

«تَعمَلُونَ فِي سِتَّةِ أيّامٍ، لَكِنَّ اليَومَ السّابِعَ يَكُونُ يَومَ راحَةٍ، سَبْتاً، مُناسَبَةً مُقَدَّسَةً، فَلا تَعمَلُوا فِيهِ. إنَّهُ سَبتٌ للهِ فِي كُلِّ أماكِنِ سُكناكُمْ.

الفِصح

«هَذِهِ هِيَ أعيادُ اللهِ الخاصَّةِ، المَواسِمُ المُقَدَّسَةُ الَّتِي تُعلِنُوها فِي أوقاتِها المُعَيَّنَةِ. فِي اليَومِ الرّابِعَ عَشَرَ مِنَ الشَّهرِ الأوَّلِ  تُقَدِّمُونَ ذَبيحَةَ الفِصحِ  للهِ بَعْدَ الغُرُوبِ وَقَبلَ حُلُولِ الظَلامِ. (لاويين 23: 1 – 5)

أليس من المثير للاهتمام أن يحدث الصلب ورقود النبي عيسى المسيح في الوقت ذاته بالتمام مع الاحتفالين المقدسين اللذين تأسسا قبل 1500 سنةٍ كما هو مبينٌ في الخط الزمني؟

إن موت عيسى المسيح حدث في يوم ذبيحة الفصح (اليوم السادس) ورقد في استراحة السبت (اليوم السابع).
إن موت عيسى المسيح حدث في يوم ذبيحة الفصح (اليوم السادس) ورقد في استراحة السبت (اليوم السابع).

إن هذا التنسيق بين النبي عيسى المسيح واحتفالات التوراة مستمر. إن التلاوة الواردة في التوراة أعلاه تتطرق إلى أول احتفالين فقط. الاحتفال التالي كان يدعى “الثمار الأولى”، وأعطت التوراة التعليمات التالية بصدده:

وَقالَ اللهُ لِمُوسَى: 10 «قُلْ لِبَنِي إسْرائِيلَ: حِينَ تَدخُلُونَ الأرْضَ الَّتِي سَأُعطِيها لَكُمْ وَتَحصُدُونَ مَحاصِيلَها، أحْضِرُوا أوَّلَ حُزمَةٍ مِنْ حَصِيدِكُمْ إلَى الكاهِنِ. 11 يُقَدِّمُ الكاهِنُ الحُزمَةَ فِي حَضْرَةِ اللهِ لِتُقبَلَ مِنكُمْ. يُقَدِّمُها فِي اليَومِ الَّذِي يَلِي السَّبتَ.

14 لا تَأكُلُوا مِنَ القَمحِ الجَدِيدِ – لا فَرِيكاً وَلا خُبزاً – إلَى اليَومِ الَّذِي تَأتُونَ فِيهِ بِهَذِهِ التَّقدِمَةِ إلَى إلَهِكُمْ. سَتَكُونُ لَكُمْ هَذِهِ الشَّرِيعَةُ جِيلاً بَعْدَ جِيلٍ حَيثُما تَسكُنُونَ. (لاويين 23: 9 – 11، 14)

إذن كان اليوم الذي تلا يوم السبت من الفصح ثالث يوم مقدس. في هذا اليوم من كل سنةٍ كان رئيس الكهنة يدخل الهيكل المقدس ويلوّح بأول حصاد قمحٍ في الربيع أمام الرب، كان ذلك العمل يعني بداية حياة جديدة بعد موت الشتاء والتَطَلُّعِ إلى حصادٍ وفيرٍ ليستطيع الناس أن يأكلوا ويكتفوا.

كان ذلك بالضبط هو اليوم ذاته بعد يوم السبت الذي رقد عيسى المسيح فيه في القبر ، وهو يوم الأحد من أسبوع جديد في 16 نيسان. يُسجّل الإنجيل أحداثاً مفاجئةً في هذا اليوم ذاته الذي كان رئيس الكهنة يدخل فيه إلى الهيكل ليقدم “الثمار الأولى” للحياة الجديدة. إليكم سجل ما حدث:

عيسى المسيح قام من الأموات

 وَفِي أوَّلِ يَومٍ مِنْ أيّامِ الأُسبُوعِ، جاءَتِ النِّساءُ مُبَكِّراتٍ جِدّاً إلَى القَبرِ، وَحَمَلْنَ مَعَهُنَّ العُطُورَ وَالزُّيُوتَ الَّتِي أعدَدْنَها. فَوَجَدنَ أنَّ الحَجَرَ قَدْ دُحرِجَ عَنْ بابِ القَبرِ. فَدَخَلْنَ، لَكِنَّهُنَّ لَمْ يَجِدنَ جَسَدَ الرَّبِّ يَسُوعَ. وَبَينَما كُنَّ مُتَحَيِّراتٍ جِدّاً فِي ما حَدَثَ، ظَهَرَ فَجأةً رَجُلانِ فِي ثِيابٍ لامِعَةٍ وَوَقَفا أمامَهُما. فَتَمَلَّكَهُنَّ الخَوفُ وَحَنَينَ رُؤُوسُهُنَّ. فَقالَ لَهُما الرَّجُلانِ: «لِماذا تَبحَثنَ عَنِ الحَيِّ بَينَ الأمواتِ؟ لَيسَ هُوَ هُنا، بَلْ قامَ! اذْكُرْنَ ما قالَهُ لَكُنَّ عِندَما كانَ فِي الجَلِيلِ. قالَ إنَّهُ لا بُدَّ أنْ يُوضَعَ ابنُ الإنسانِ تَحتَ سَيطَرَةِ الخُطاةِ، ثُمَّ يُصلَبَ وَيَقومَ فِي اليَومِ الثّالِثِ.» حينَئِذٍ، تَذَكَّرَتِ النِّساءُ كَلامَ يَسُوعَ.

فَعُدنَ مِنَ القَبرِ، وَأخبَرنَ الأحَدَ عَشَرَ رَسُولاً وَكُلُّ الآخَرِينَ بِما حَدَثَ. 10 وَالنِّساءُ هُنَّ مَريَمُ المَجدَلِيَّةُ وَيُوَنّا وَمَريَمُ أُمُّ يَعقُوبَ. فَذَهَبْنَ مَعَ النِّساءِ الأُخرَياتُ، وَأخبَرنَ الرُّسُلَ بِهَذِهِ الأُمُورِ. 11 فَبَدا كَلامَهُنَّ لَهُمْ تَخرِيفاً، فَلَمْ يُصَدِّقُوهُنَّ! 12 لَكِنَّ بُطرُسَ نَهَضَ وَرَكَضَ إلَى القَبرِ. وَلَمّا وَصَلَ، انحَنَى، لَكِنَّهُ لَمْ يَرَ غَيرَ الأكفانِ. ثُمَّ مَضَى مُتَفَكِّراً فِي ما حَدَثَ.

عَلَى طَرِيقِ عِمواس

13 وَفِي ذَلِكَ اليَومِ نَفسِهِ، كانَ اثْنانِ مِنْ تَلامِيذِ يَسُوعَ ذاهِبَينِ إلَى قَريَةٍ تَبعُدُ نَحوَ سَبْعَةِ أمْيالٍ عَنْ مَدينَةِ القُدْسِ، اسْمُها عِمواسُ. 14 وَكانا يَتَحادَثانِ عَنْ كُلِّ الأُمُورِ الَّتِي حَدَثَتْ. 15 وَبَينَما كانا يَتَكَلَّمانِ وَيُناقِشانِ هَذِهِ الأُمُورَ، اقتَرَبَ يَسُوعُ نَفسُهُ مِنهُما وَسارَ مَعَهُما، 16 لَكِنَّ أعيُنَهُما مُنِعَتا مِنَ التَّعَرُّفِ إلَيهِ. 17 فَقالَ لَهُما: «ما هِيَ هَذِهِ الأُمُورُ الَّتِي تَتَناقَشانِ فِيها وَأنتُما سائِرانِ؟» فَتَوَقَّفا، وَعَبَسَ وَجهاهُما. 18 وَقالَ لَهُ أحَدُهُما وَاسْمُهُ كِلْيُوباسُ: «لا بُدَّ أنَّكَ الشَّخصُ الوَحِيدُ فِي مَدينَةِ القُدْسِ الَّذِي لا يَدرِي بِالأُمُورِ الَّتِي حَدَثَتْ فِي الأيّامِ القَلِيلَةِ الماضِيَةِ!»

19 فَقالَ لَهُما يَسُوعُ: «أيَّةُ أُمُورٍ؟» فَقالا لَهُ: «الأُمُورِ المُتَعَلِّقَةِ بِيَسُوعَ النّاصِرِيَّ. لَقَدْ كانَ رَجُلاً بَيَّنَ أنَّهُ نَبِيٌّ عَظِيمٌ أمامَ اللهِ وَالنّاسِ فِي أعمالِهِ وَأقوالِهِ. 20 وَكُنّا نَتَحَدَّثُ كَيفَ أنَّ كِبارَ كَهَنَتِنا وَحُكّامِنا أسلَمُوهُ لِيُحكَمَ عَلَيهِ بِالمَوتِ، ثُمَّ صَلَبُوهُ. 21 وَقَدْ كُنّا مِنْ قَبلُ نَأمَلُ أنْ يَكُونَ هُوَ الَّذِي سَيُحَرِّرُ بَنِي إسرائِيلَ.

وَالآنَ ها قَدْ مَضَى عَلَى حُدُوثِ ذَلِكَ ثَلاثَةُ أيّامٍ. 22 وَقَدْ أذهَلَتْنا بَعضُ النِّساءِ فِي جَماعَتِنا بِما قُلْنَهُ. فَقَدْ ذَهَبنَ إلَى القَبرِ فِي وَقتٍ مُبَكِّرٍ مِنَ الصَّباحِ، 23 لَكِنَّهُنَّ لَمْ يَجِدْنَ جَسَدَهُ، وَجِئْنَ وَأخبَرْنَنا أنَّهُنَّ رَأيْنَ ما يُشبِهُ مَلائِكَةً أخبَرُوهُنَّ بِأنَّهُ حَيٌّ. 24 فَذَهَبَ بَعضٌ مِنْ جَماعَتِنا إلَى القَبرِ، وَوَجَدُوهُ فارِغاً كَما قالَتِ النِّساءُ، لَكِنَّهُمْ لَمْ يَرَوهُ هُوَ.»

25 فَقالَ لَهُما يَسُوعُ: «أنتُما غَبِيّانِ وَبَطِيئانِ فِي الإيمانِ بِكُلِّ ما قالَهُ الأنبِياءُ. 26 ألَمْ يَكُنْ ضَرُورِيّاً أنْ يَحتَمِلَ المَسِيحُ هَذِهِ الأشياءَ فَيَدخُلَ إلَى مَجدِهِ؟» 27 وَفَسَّرَ لَهُما ما قِيلَ عَنهُ فِي جَمِيعِ كُتُبِ مُوسَىْ وَالأنبِياءِ.

28 وَاقتَرَبُوا مِنَ القَريَةِ الَّتِي كانا مُتَوَجِّهَينِ إلَيها، فَتَظاهَرَ يَسُوعُ بِأنَّهُ يُرِيدُ أنْ يُواصِلَ المَسِيرَ. 29 لَكِنَّهُما ألَحّا عَلَيهِ بِشِدَّةٍ وَقالوا لَهُ: «ابقَ عِندَنا، فَقَدِ اقْتَرَبَ المَساءُ، وَأوشَكَتِ الشَّمْسُ عَلى المَغيبِ،» فَدَخَلَ. 30 وَعِندَما جَلَسَ إلَى المائِدَةِ مَعَهُما، أخَذَ الخُبزَ وَشَكَرَ اللهَ، ثُمَّ قَسَّمَهُ وَناوَلَهُما. 31 فَفُتِحَتْ أعيُنُهُما وَعَرَفاهُ، لَكِنَّهُ اختَفَى عَنهُما.

32 فَقالَ أحَدُهُما لِلآخَرِ: «ألَمْ يَكُنْ قَلبانا يَتَّقِدانِ فِينا وَهُوَ يُكَلِّمُنا فِي الطَّرِيقِ، وَيَشرَحُ لَنا الكُتُبَ؟» 33 وَقاما فَوراً وَرَجِعا إلَى مَدينَةِ القُدْسِ، وَوَجَدا الأحَدَ عَشَرَ رَسُولاً وَالآخَرِينَ مُجتَمِعِينَ مَعاً. 34 وَكانُوا يَقُولُونَ: «لَقَدْ قامَ الرَّبُّ حَقّاً! وَقَدْ ظَهَرَ لِسِمعانَ.» 35 ثُمَّ شَرَحَ التِّلمِيذانِ ما حَدَثَ عَلَى الطَّرِيقِ، وَكَيفَ تَعَرَّفا إلَيهِ عِندَما قَسَمَ الخُبزَ.

يَسُوعُ يَظهَرُ لِتَلامِيذِه

36 وَيَبنَما كانا مازالا يُحَدِّثانِهِمْ بِهَذِهِ الأُمُورِ، وَقَفَ يَسُوعُ نَفسُهُ بَينَهُمْ، وَقالَ لَهُمْ: «لِيَكُنِ السَّلامُ مَعَكُمْ.»

37 فَاندَهَشُوا وَتَمَلَّكَهُمُ الخَوفُ، وَظَنُّوا أنَّهُمْ يَرَونَ شَبَحاً. 38 لَكِنَّهُ قالَ لَهُمْ: «لِماذا أنتُمْ مُنزَعِجُونَ هَكَذا؟ وَلِماذا تَدُورُ الشُّكُوكُ فِي عُقُولِكُمْ؟ 39 انظُرُوا إلَى يَدَيَّ وَقَدَمَيَّ. أنتُمْ تَقدِرُونَ أنْ تُميِّزوا أنَّهُ أنا نَفسِي. المِسُونِي وَتَأكَّدُوا، فَلَيسَ لِلشَّبَحِ لَحمٌ وَعِظامٌ كَما تَرَونَ لِي.»

40 وَبَعدَ أنْ قالَ هَذا، أراهُمْ يَدَيهِ وَقَدَمَيهِ. 41 وَمِنْ فَرحَتِهِمْ، كانُوا ما يَزالُونَ غَيرَ مُصَدِّقِينَ وَمَذهُولِينَ. فَقالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «هَلْ لَدَيكُمْ ما يُؤكَلُ هُنا؟» 42 فَقَدَّمُوا لَهُ قِطعَةً مِنْ سَمَكٍ مَطبُوخٍ، 43 فَأخَذَها وَأكَلَها أمامَهُمْ.

44 ثُمَّ قالَ لَهُمْ: «هَذِهِ هِيَ الأُمُورُ الَّتِي حَدَّثتُكُمْ بِها عِندَما كُنتُ بَعدُ مَعَكُمْ. فَقَدْ قُلْتُ لَكُمْ إنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَتَحَقَّقَ كُلُّ ما كُتِبَ عَنِّي فِي شَرِيعَةِ مُوسَى وَفِي كُتُبِ الأنبِياءِ وَفِي المَزامِيرِ.»

45 ثُمَّ فَتَحَ أذهانَهُمْ لِيَفهَمُوا الكُتُبَ. 46 وَقالَ لَهُمْ: «نَعَمْ، مَكتُوبٌ أنَّ المَسِيحَ لا بُدَّ أنْ يَتَألَّمَ وَيَقُومَ مِنَ المَوتِ فِي اليَومِ الثّالِثِ. 47 وَلا بُدَّ أنْ يُبَشَّرَ بِالتَّوبَةِ وَمَغفِرَةِ الخَطايا بِاسْمِهِ لِجَمِيعِ الأُمَمِ ابتِداءً مِنَ مَدينَةِ القُدْسِ. 48 وَأنتُمْ شُهُودٌ عَلَى تِلكَ الأُمُورِ. (لوقا 24: 1 – 48)

انتصار عيسى المسيح

حقق النبي عيسى المسيح عليه السلام في ذلك اليوم المقدس من “الثمار الأولى” انتصاراً عظيماً لم يصدّق أعداؤه وأصحابه أنه من الممكن أن يحدث – فقد عاد إلى الحياة منتصراً على الموت.

وكما يشرح الإنجيل:

54 وَحِينَ يَلبِسُ هَذا الجَسَدُ القابِلُ لِلمَوتِ ما لَيسَ قابِلاً لِلمَوتِ، وَيَلبِسُ الجَسَدُ الفانِي ما لا يَفنَى، يَتَحَقَّقُ المَكتُوبُ:

«هُزِمَ المَوتُ.»

55 «أينَ يا مَوتُ انتِصارُكَ؟
وَأينَ يا قَبْرُ لَدغَتُكَ؟»

56 فَالخَطِيَّةُ تُعطِي المَوتَ قُدرَتَهُ عَلَى اللَّدغِ! وَقُوَّةُ الخَطِيَّةِ نابِعَةٌ مِنَ الشَّرِيعَةِ. (أكورنثوس 15: 54 – 56)

لكن ذلك لم يكن فقط انتصاراً للنبي فحسب. إنه أيضاً انتصارٌ لك ولي، يضمنه التوقيت مع احتفال الثمار الأولى. يشرح الإنجيل الأمر على النحو التالي:

20 لَكِنِ الحَقِيقَةُ هِيَ أنَّ المَسِيحَ قَدْ قامَ بِالفِعلِ مِنَ المَوتِ، وَهُوَ أوَّلُ حَصادِ الَّذِينَ ماتُوا. 21 فَبِما أنَّ المَوتَ جاءَ بِإنسانٍ، كَذَلِكَ جاءَتْ قِيامَةُ الأمواتِ بِإنسانٍ. 22 الجَمِيعُ يَمُوتُونَ بِسَبَبِ ما فَعَلَهُ آدَمُ، وَكَذَلِكَ يَحيا الجَمِيعُ بِسَبَبِ ما فَعَلَهُ المَسِيحُ. 23 لَكِنْ يُقامُ كُلُّ واحِدٍ حَسَبَ تَرتِيبِهِ الخاصِّ: المَسِيحُ الَّذِي هُوَ أوَّلُ الحَصادِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَنتَمُونَ إلَى المَسِيحِ حِينَ يَأتِي ثانِيَةً. 24 ثُمَّ تَأْتِي النِّهايَةُ، حِينَ يُسَلِّمُ المَسِيحُ المَلَكُوتَ للهِ الآبِ، بَعدَ أنْ يَقضِيَ عَلَى كُلِّ رِئاسَةٍ وَسُلطَةٍ وَقُوَّةٍ تُقاوِمُ اللهَ.25 إذْ يَنبَغِي أنْ يَملُكَ المَسِيحُ إلَى أنْ يَضَعَ اللهُ أعداءَهُ تَحتَ قَدَمَيهِ.  26 وَسَيَكُونُ المَوتُ آخِرَ عَدُوٍّ يُقضَى عَلَيهِ. (أكورنثوس 15: 20 – 26)

قام النبي من الموت إلى الحياة في اليوم ذاته الذي يجري فيه احتفال الثمار الأولى لكي نعرف أن بإمكاننا المشاركة في هذه القيامة من الموت ذاتها. وكما أن احتفال الثمار الأولى كان تقدمة لحياة جديدة مع توقع حصاد عظيم لاحقاً في الربيع، هكذا يخبرنا الإنجيل بأن قيامة عيسى المسيح كانت قيامة الثمار الأولى مع توقّع قيامة أكبر لاحقاً لكل الذين ينتمون إليه. رأينا في التوراة والقرآن الكريم أن الموت أتى بسبب آدم. ويخبرنا الإنجيل بطريقة موازية بأن حياة القيامة تأتي من خلال عيسى المسيح. إنه الثمار الأولى لحياة جديدة نحن جميعاً مدعوون إلى المشاركة فيها.

الفصح: الاحتفال بقيامة يوم الأحد ذاك

غالباً ما يشار اليوم إلى قيامة عيسى المسيح على أنها الفصح، والأحد الذي قام فيه من الموت غالباً ما يُذكر بأنه أحد الفصح. لكن هذه الكلمات استُخدِمت بعد مئات السنين. إن الكلمان الفعلية التي تستخدم لنتذكر بها قيامة عيسى المسيح ليست مهمة. إن ما هو مهمٌ هو قيامة النبي كتحقيق لاحتفال الثمار الأولى الذي بدأ قبل مئات السنين في زمن النبي موسى، وما يعنيه ذلك لك ولي.

نرى هذا الأمر يوم الأحد من الأسبوع الجديد في الخط الزمني.

قام عيسى المسيح من الموت في يوم الثمار الأولى – حياة جديدة قد وُهِبَت لك ولي.
قام عيسى المسيح من الموت في يوم الثمار الأولى – حياة جديدة قد وُهِبَت لك ولي.

جواب “الجمعة الحزينة” 

يجيب هذا أيضاً على سؤالنا عن “الجمعة الحزينة”. كما يشرح الإنجيل:

9 لَكِنَّنا نَرَى يَسُوعَ، الَّذي جُعِلَ لِوَقتٍ قَلِيلٍ أدنَى مِنَ المَلائِكَةِ، مُتَوَّجاً بِالمَجدِ وَالكَرامَةِ بِسَبَبِ المَوتِ الَّذِي عاناهُ. فَبِسَبَبِ نِعمَةِ اللهِ، ذاقَ يَسُوعُ المَوتَ مِنْ أجلِ كُلِّ إنسانٍ. (عبرانيين 2: 9)

عندما “ذاق الموت” يوم الجمعة الحزينة فإنه فعل ذلك لأجلك ولأجلي ولأجل كل شخص. إن الجمعة الحزينة بالإنجليزية تعني الجمعة السارّة ودعيت الجمعة السارّة لأنها كانت الأخبار السارّة بالنسبة لنا. وعندما قام المسيح من الموت في احتفال الثمار الأولى فإنه يهبُ حياة جديدة لكل شخص.

التفكير بقيامة عيسى المسيح

ظهر النبي عيسى المسيح لأصحابه حياً من الموت خلال أيام كثيرة. تُسرد هنا هذه الأحداث من الإنجيل. لكن من المفيد الإشارة إلى أنه حتى عند ظهوره الأول لتلاميذه

24 لِأنِّي أقُولُ لَكُمْ إنَّ مُلُوكاً وَأنبِياءَ كَثِيْرِينَ اشتَهُوا أنْ يَرَوا ما تَرَونَ وَلَمْ يَرَوا، وَاشْتَهَوا أنْ يَسمَعُوا ما تَسمَعُونَ وَلَمْ يَسمَعُوا.» (لوقا 10:24)

وكان على النبي نفسه أن:

27 وَفَسَّرَ لَهُما ما قِيلَ عَنهُ فِي جَمِيعِ كُتُبِ مُوسَىْ وَالأنبِياءِ. (لوقا 24: 27)

ومرة أخرى في وقت لاحق:

44 ثُمَّ قالَ لَهُمْ: «هَذِهِ هِيَ الأُمُورُ الَّتِي حَدَّثتُكُمْ بِها عِندَما كُنتُ بَعدُ مَعَكُمْ. فَقَدْ قُلْتُ لَكُمْ إنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَتَحَقَّقَ كُلُّ ما كُتِبَ عَنِّي فِي شَرِيعَةِ مُوسَى وَفِي كُتُبِ الأنبِياءِ وَفِي المَزامِيرِ.» (لوقا 24: 44)

كيف يمكننا أن نتأكد بأن هذه هي فعلاً خطة الله والسبيل المستقيم لإعطائنا حياة من الموت؟ لا يعرف المستقبل إلا الله، ولذلك العلامات التي أعلنت قبل مئات السنين من خلال الأنبياء في التوراة والإنجيل والتي تحققت من قبل عيسى المسيح، كتبت لتمنحنا الضمان والتأكيد:

4 لِكَي تَتَيَقَّنَ مِنْ أنَّ ما تَعَلَّمتَهُ صَحِيحٌ. (لوقا 1: 4)

إذن نستطيع أن نتعرف على هذا الموضوع الحيوي عن ذبيحة النبي عيسى المسيح وقيامته بواسطة روابط عن أربع مقالات مختلفة ومتوفرة.

1.     هذه المقالة تتناول علامات التوراة (شريعة موسى) التي تشير إلى عيسى المسيح.

2.     هذه المقالة: تتناول العلامات في “الأنبياء والمزامير”. إن هدف هاتين المقالتين هو أن تتيحا لنا أن نحكم بأنفسنا عمّا إذا كان مدوناً في هذه الأسفار فعلاً أنه “كان ينبغي أن المسيح يتألم ويقوم من الأموات في اليوم التالي” (لوقا 24: 46).

3.     هذه المقالة سوف تساعدنا على أن نفهم كيف نحصل من عيسى المسيح على عطية حياة القيامة هذه.

4.     هذه المقالة تعالج بعض التشويش حول صلب عيسى المسيح، وتتناول ما كتبه القرآن الكريم والعلماء المسلمون الآخرون عنه.

اليوم السابع – استراحة السبت

النبي عيسى المسيح تمت خيانته وصلبه في يوم الفصح اليهودي المقدّس، الذي يعرف الآن بالجمعة الحزينةبدأ الفصح مساء يوم الخميس عند غروب الشمس، وانتهى عند غروب الشمس يوم الجمعة. يسجّل الإنجيل كيف عاينت النساء اللواتي تبعن النبي هذه الحادثة:

55 أمّا النَّساءُ اللَّواتِي كُنَّ قَدْ أتَينَ مَعَ يَسُوعَ مِنَ الجَلِيلِ، فَقَدْ تَبِعْنَ يُوسُفَ، وَرَأينَ القَبرَ، وَكَيفَ وُضِعَ الجَسَدُ فِيهِ. 56 ثُمَّ عُدنَ وَأعدَدْنَ عُطُوراً وَزُيُوتاً خاصَّةً لِجَسَدِ المَسِيحِ. وَفِي السَّبتِ استَرَحنَ حَسَبَ وَصِيَّةِ الشَّرِيعَةِ. (لوقا 23: 55 – 56) 

أرادت النساء أن تُجَهّزن جسد النبي لكن الوقت كان قد أدركهنَّ، وبدأ يوم السبت عند غروب الشمس يوم الجمعة. كان ذلك هو اليوم السابع من الأسبوع ولم يكن مسموحاً لليهود أن يعملوا في ذلك اليوم. كانت هذه الوصية تعود إلى سجل الخليقة في التوراة. خلق اللّه كل شيء في ستة أيام. تنص التوراة على ما يلي:

 وَهَكَذا أُكْمِلَتِ السَّماواتُ وَالأرْضُ وَكُلُّ ما فِيهِا. وَفِي اليَوْمِ السّابِعِ، فَرَغَ اللهُ مِنْ عَمَلِهِ الَّذِي أنجَزَهُ. وَفِي اليَوْمِ السّابِعِ اسْتَراحَ مِنْ كُلِّ عَمَلِهِ الَّذِي أنجَزَهُ. وبارَكَ اللهُ اليَوْمَ السّابِعَ. وَأعلَنَ أنَّهُ مُخَصَّصٌ لَهُ، لِأنَّهُ اسْتَراحَ فِيهِ مِنْ خَلْقِ العَالَمِ وَما فيهِ.(تكوين 2: 1 – 2)

فمع أنَّ النساء أردن أن يجهزن جسده، إلا أنهن أطعن التوراة واسترحن. لكن رؤساء الكهنة استمروا في عملهم يوم السبت. يسجل الإنجيل لقاءهم مع الحاكم:

62 وَفِي اليَومِ التّالِي، بَعْدَ أنِ انتَهَى يَومُ الجُمُعَةِ، اجتَمَعَ كِبارُ الكَهَنَةِ وَالفِرِّيسِيِّونَ مَعَ بِيلاطُسَ، 63 وَقالُوا لَهُ: «يا سَيِّدُ، نَتَذَكَّرُ أنَّ هَذا المُضِلُّ قالَ قَبلَ أنْ يَموتَ: «سَأقُومُ مِنَ المَوتِ بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ.» 64 فَاصدِرْ أمراً بِحِراسَةِ القَبْرِ حَتَّى اليَومِ الثّالِثِ، حَتَّى لا يَأتِيَ تَلامِيذُهُ وَيَسرِقُوا الجَسَدَ ثُمَّ يَقُولُوا للنّاسِ: ‹لَقَدْ قامَ مِنَ المَوتِ.› فَيَكونَ هَذا الضَّلالُ أسوَأ مِنَ الضَّلالِ الأوَّلِ.»

65 فَقالَ لَهُمْ بِيلاطُسُ: «خُذُوا حُرّاساً مِنَ الجُنْدِ، وَاذْهَبُوا وَتَأكَّدُوا مِنْ كُلَّ شَيءٍ بِمَعرِفَتِكُمْ.» 66 فَذَهَبُوا وَضَبَطُوا القَبْرِ. وَوَضَعُوا خَتْماً عَلَى الحَجَرِ، كَما أقامُوا حُرّاساً مِنَ الجُنْدِ عَلَيهِ. (متى 27: 62 – 66)

وهكذا شهد يوم السبت ذاك رؤساء الكهنة وهم يعملون على إقامة حارس حول الجسد في القبر. رقد جسد النبي عيسى المسيح (عليه السلام) في القبر بينما استراحت النساء إطاعةً للتوراة في يوم السبت ذلك من الأسبوع المقدس. يبين الخط الزمني كيف عكست استراحتهن في ذلك اليوم صورة اليوم السابع من الخليقة حيث تقول التوراة إنّ الله استراح من الخليقة. في اليوم التالي تحقق انتصارٌ مدهشٌ.

سبت استراحة الموت للنبي عيسى المسيح.
سبت استراحة الموت للنبي عيسى المسيح.

ولكنّ هذه كانت مجرَّد  استراحة هادئة قبل عرض القوَّة. سورة الفجر (سورة 89) تُذكّرنا  كم يمكن أن يكون الفجر مهمًّا بعد ليلةٍ مُظلمة. إنّ انبلاج الفجر يمكن أن يكشف عن أشياءٍ غريبةٍ ’’للَّذين يفهمون‘‘.

وَالْفَجْرِ  وَلَيَالٍ عَشْرٍ  وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ  وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ  هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ. 

(سورة الفجر 89: 1- 5)

سوف نرى ما يكشفه يوم الراحة في اليوم التالي.