لا يوجدُ تغييرٌ في النصِّ القرآني: ماذا تقول الأحاديث؟

’’القرآن هو الكتاب الأصلي – اللغةُ والحروف والتلاوات هي نفسها. لا مكانٌ للتفسير البشريّ أو لترجمةٍ مُحرَّفة… إذا أخذتَ نسخةً من القرآن من أي بيتٍ في جميع أنحاء العالم، فأنا أشكُّ في أنّك ستجد حتَّى فرقًا واحدًا بينهما‘‘.

     أرسل لي أحد الأصدقاء هذه الملاحظة. كان يقارن نص القرآن الكريم بنص الإنجيل/الكتاب المقدَّس. توجد أربع وعشرون ألف مخطوطة قديمة من الإنجيل، وفيها اختلافات ثانويَّة، حيث تختلف فيها بعض  الكلمات فقط. بالرغم من أنَّ جميع المواضيع والأفكار هي نفسها في جميع المخطوطات البالغ عددها 24000 مخطوطة، بما في ذلك موضوع عيسى المسيح يفدينا في موته وقيامته، إلا أنّه غالبًا ما يُدَّعى، كما هو مذكورٌ أعلاه، أنه لم يكن هناك تغييرات في القرآن. ويُنظَر إلى هذا  الادّعاء كدليل على تفوُّق القرآن على الكتاب المقدس ، ودليلٌ على حمايته الإعجازيَّة. ولكن ماذا تُخبرنا كتُب الحديث عن تكوين القرآن وتجميعه؟

تكوين القرآن من النبيّ إلى الخلفاء

رواهُ عمرُ بْن الخطَّاب

سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ – رضى الله عنه – يَقُولُ سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَؤُهَا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – أَقْرَأَنِيهَا (بطريقةٍ مختلفة)، وَكِدْتُ أَنْ أَعْجَلَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَمْهَلْتُهُ حَتَّى انْصَرَفَ، ثُمَّ لَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ فَجِئْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – فَقُلْتُ إِنِّى سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَأْتَنِيهَا، فَقَالَ لِى أَرْسِلْهُ. ثُمَّ قَالَ لَهُ اقْرَأْ». فَقَرَأَ. قَالَ «هَكَذَا أُنْزِلَتْ». ثُمَّ قَالَ لِى «اقْرَأْ». فَقَرَأْتُ فَقَالَ «هَكَذَا أُنْزِلَتْ. إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فَاقْرَءُوا مِنْهُ مَا تَيَسَّرَ«.

صحيح البُخاري 2419: الكتاب 44، الحديث 9

رواهُ ن ابنِ مسعود

«سَمِعْتُ رَجُلاً قَرَأَ آيَةً (قُرآنيَّة) وَسَمِعْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقْرَأُ خِلاَفَهَا، فَجِئْتُ بِهِ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَأَخْبَرْتُهُ، فَعَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ الْكَرَاهِيَةَ وَقَالَ: كِلاَكُمَا مُحْسِنٌ، وَلاَ تَخْتَلِفُوا، فَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ اخْتَلَفُوا فَهَلَكُوا«. صحيح البُخاري

3476: الكتاب 60، الحديث 143

يخبرنا هذان الحديثان بوضوح أنه كانت هناك، خلال حياة النبيّ محمَّد، عدّة نُسَخٍ مختلفة لتلاوة القرآن قد استُخدِمَت وتمَّ الموافقة عليها من قبل النبيّ محمدصلى الله عليه وسلم، فما الذي حدث بعد وفاته؟

أبو بكر والقرآن

 رواه زَيد بن ثابت

أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ مَقْتَلَ أَهْلِ اليَمَامَةِ، فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ عِنْدَهُ”، قَال أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَال: إِنَّ القَتْلَ قَدْ اسْتَحَرَّ يَوْمَ اليَمَامَةِ بِقُرَّاءِ القُرْآنِ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ القَتْلُ بِالقُرَّاءِ بِالْمَوَاطِنِ، فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنَ القُرْآنِ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ القُرْآنِ، قُلْتُ لِعُمَرَ: “كَيْفَ تَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ ” قَال عُمَرُ: هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ، “فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِذَلِكَ، وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأَى عُمَرُ”، قَال زَيْدٌ: قَال أَبُو بَكْرٍ: إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ لَا نَتَّهِمُكَ، وَقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَتَبَّعِ القُرْآنَ فَاجْمَعْهُ، “فَوَاللَّهِ لَوْ كَلَّفُونِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الجِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي مِنْ جَمْعِ الْقُرْآنِ قُلْتُ كَيْفَ تَفْعَلُونَ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسَلَّم قَالَ هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ فَلَمْ يَزَلْ أَبُو بَكْرٍ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ـ رضى الله عنهما ـ فَتَتَبَّعْتُ (ما كُتِبَ في) الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنَ الْعُسُبِ وَاللِّخَافِ وَصُدُورِ الرِّجَالِ حَتَّى وَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِيِّ لَمْ أَجِدْهَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرَهُ ‏لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَتَّى خَاتِمَةِ بَرَاءَةَ، فَكَانَتِ الصُّحُفُ (النُسخة) عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَيَاتَهُ ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ ـ رضى الله عنه.

صحيح البُخاري 4986: الكتاب 66، الحديث 8

     حدثّ ذلك في أيّام خلافة أبو بكرٍ، الذي جاء مباشرةً بعد النبيّ محمَّدﷺ. يُخبرنا هذا الحديث أنّ محمّد لم يقُم قَطّ بجمعِ القرآن في نصٍّ قياسيّ، ولم يُعطِ أيّة إشارة إلى أنّ هذا ما ينبغي القيام به. وبسبب الإصابات البالغة في المعارك بين الذين حفظوا القرآن غيبًا، أقنعَ أبو بكر وعُمَر (الذي أصبح ثاني الخلفاء) زَيدًا بالبدء في جمع القرآن من مصادر متنَوِّعة. كان زيدٌ مُتَردِّدًا في البداية لأنّ النبيّ محمّدﷺ لم يُشِرْ مطلقًا إلى الحاجة إلى جعل النصّ مقياسًا. فقد اتَّكلَ على أصحابه ليُعلِّموا القرآن لأتباعهم كما يُخبرنا هذا الحديث.

رواهُ مسروق

»خُذُوا (تعَلَّموا) الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ، مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَسَالِمٍ وَمُعَاذٍ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْب«.

صحيح البُخاري 4999: الكتاب 66، الحديث 21

     ولكن بعد موت النبيّﷺ، نشأت الخلافات بين الصحابة بسبب تلك التلاوات المختلفة. يُخبرنا الحديث أدناه عن خلافٍ حول

سورة 92: 1-3 (اللَّيل

رواهُ إبراهيم

حَدَّثَنَا عُمَرُ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ قَدِمَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ فَطَلَبَهُمْ فَوَجَدَهُمْ فَقَالَ أَيُّكُمْ يَقْرَأُ (القرآن) عَلَى قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ كُلُّنَا‏.‏ قَالَ فَأَيُّكُمْ يَحْفَظُ وَأَشَارُوا إِلَى عَلْقَمَةَ‏.‏ قَالَ كَيْفَ سَمِعْتَهُ يَقْرَأُ (عبد الله بن مسعود سورة اللّيل)‏ {‏وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى‏}‏‏‏؟.‏ قَالَ عَلْقَمَةُ ‏{‏وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى‏}‏‏.‏ قَالَ (أبو الدرداء) أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ هَكَذَا، وَهَؤُلاَءِ يُرِيدُونِي عَلَى أَنْ أَقْرَأَ ‏}‏وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى{‏ وَاللَّهِ لاَ أُتَابِعُهُمْ‏.‏ قاعدة بيانات الحديث:

المُجَلَّد 6، الكتاب 60، الحديث 468

     في قرآن اليوم، هناك قراءة ثانية لسورة اللّيل 92: 3. ومن المثير للاهتمام أنّ عبد الله، وهو أحد الأربعة المذكورين في الحديث السابق الذي اختاره النبيّ مُحمَّدﷺ وخصَّه بسلطةٍ على التلاوة القرآنيّة، وأبي الدرداء قد استخدمَا تلاوةً مختلفةً لهذه الآية ولم يرغبا في اتّباع الآخرين.

     يُبيِّن الحديث التالي أنّ أقاليم كاملة من الإمبراطوريّة الإسلاميّة كانت تتبع تلاواتً مختلفة، بحيث أنّه كان بالإمكان إثبات حقيقة منشأ شخصٍ ما من التلاوة التي كان يستخدمها. في الحالة المذكورة أدناه، كان عراقيّو الكوفة يتبعون تلاوة عبد الله بن مسعود لسورة 92: 1-3.

رواهُ علقَمة

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي، هِنْدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ لَقِيتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ فَقَالَ لِي مِمَّنْ أَنْتَ قُلْتُ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ ‏.‏ قَالَ مِنْ أَيِّهِمْ قُلْتُ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ ‏.‏ قَالَ هَلْ تَقْرَأُ عَلَى قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ؟ قَالَ قُلْتُ نَعَمْ ‏.‏ قَالَ فَاقْرَأْ (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى‏‏) قَالَ فَقَرَأْتُ ‏{‏ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى* وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى‏}‏ ‏.‏ قَالَ فَضَحِكَ ثُمَّ قَالَ هَكَذَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلَّم يَقْرَؤُهَا.‏

صحيح مُسلِم 824: الكتاب 6، الحديث 346

عن ابن عبّاس

قَالَ عُمَرُ: أُبَىٌّ أَقْرَؤُنَا (للقرآن) وَإِنَّا لَنَدَعُ مِنْ لَحَنِ أُبَىٍّ، وَأُبَىٌّ يَقُولُ أَخَذْتُهُ مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَلاَ أَتْرُكُهُ لِشَىْءٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {‏مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نَنْسَأْهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا‏}‏. صحيح البُخاري 5005: الكتاب 66، الحديث 27

صحيح البُخاري 5005: الكتاب 66، الحديث 27

     مع أنَّ أُبَيَّ كان يُعتبر ’’أفضل‘‘ مَن يتلو القرآن (وهو أحد الذين كان النبيُّ محمد-صلى الله عليه وسلم قد أشار إليهم) ، إلَّا أنَّ آخرين في المجتمع استبعدوا بعض ما كان يتلوه. كان هناك خلافٌ حول ما كان ينبغي أن يُنسَخ أو لا يُنسَخ. كانت الخلافات حول القراءات المختلفة والنسخ تُسبِّب التوتُّر. نرى في الحديث أدناه كيف تمّ تسوية هذه المشكلة.

الخليفة عثمان بن عفّان

رواهُ أنَس بن مالك

حَدَّثَنَا مُوسَى حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُ أَنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ وَكَانَ يُغَازِي أَهْلَ الشَّأْمِ فِي فَتْحِ إِرْمِينِيَةَ وَأَذْرَبِيجَانَ مَعَ أَهْلِ الْعِرَاقِ فَأَفْزَعَ حُذَيْفَةَ اخْتِلاَفُهُمْ  فِي الْقِرَاءَةِ (أهل الشام والعراق) فَقَالَ حُذَيْفَةُ لِعُثْمَانَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَدْرِكْ هَذِهِ الأُمَّةَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِفُوا فِي الْكِتَابِ اخْتِلاَفَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى حَفْصَةَ أَنْ أَرْسِلِي إِلَيْنَا بِالصُّحُفِ نَنْسَخُهَا فِي الْمَصَاحِفِ ثُمَّ نَرُدُّهَا إِلَيْكِ فَأَرْسَلَتْ بِهَا حَفْصَةُ إِلَى عُثْمَانَ فَأَمَرَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ فَنَسَخُوهَا فِي الْمَصَاحِفِ وَقَالَ عُثْمَانُ لِلرَّهْطِ الْقُرَشِيِّينَ الثَّلاَثَةِ إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ فَفَعَلُوا حَتَّى إِذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ فِي الْمَصَاحِفِ رَدَّ عُثْمَانُ الصُّحُفَ إِلَى حَفْصَةَ وَأَرْسَلَ (عثمان) إِلَى كُلِّ أُفُقٍ بِمُصْحَفٍ مِمَّا نَسَخُوا وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ مِنَ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ صَحِيفَةٍ أَوْ مُصْحَفٍ أَنْ يُحْرَقَ.

صحيح البُخاري 4987: الكتاب 66، الحديث 9

     لهذا السبب لا توجد قراءاتٌ مختلفةٌ اليوم. لم يكن السبب أنّ النبيّ محمّدﷺ تلَقَّى قراءة واحدة أو استخدَمَ تلاوة واحدة فقط (فهو لم يفعل ذلك، لقد استخدَمَ سبع تلاوات)، ولا لأنّه جمعَ قرآنًا مُوَحَّدًا. إنّه لم يفعل ذلك. في الواقع، إذا ما بحث شخصٌ ما عن تلاواتٍ مختلفة في السُنَّة على شبكة الإنترنت، هناك 61 حديثًا يناقش تلاواتً قرآنيّة مختلفة. قرآن اليوم ليس متباينًا أو مُتغَيِّرًا لأنّ عثمان (ثالث الخلفاء) أخذ إحدى القراءات ونقّحها وحرقَ جميع التلاوات الأُخرى. توضِّح الأحاديث التالية كيف بقيَ هذا التنقيح في قرآن اليوم.

رواهُ ابن عبّاس

قَالَ عُمَرُ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَطُولَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ حَتَّى يَقُولَ قَائِلٌ لاَ نَجِدُ الرَّجْمَ فِى كِتَابِ اللَّهِ. فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ، أَلاَ وَإِنَّ الرَّجْمَ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى، وَقَدْ أَحْصَنَ، إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ، أَوْ كَانَ الْحَمْلُ أَوْ الاِعْتِرَافُ – قَالَ سُفْيَانُ كَذَا حَفِظْتُ – أَلاَ وَقَدْ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ. 

صحيح البُخاري 6829: الكتاب 86، الحديث 56

رواهُ ابن عبّاس

إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم بِالْحَقِّ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ فَكَانَ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ آيَةُ الرَّجْمِ، فَقَرَأْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا، رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَرَجَمْنَا

بَعْدَهُ. البُخاري: الكتاب 86، الحديث 57

     ليس هناك آية حول الرَجْم لعلَّة الزِنى في القرآن اليوم. فهي بالتالي قد حُذِفَت.

قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ قُلْتُ لِعُثْمَانَ: هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ: ‏’’وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا...‏ إِلَى قَوْلِهِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ‏ قَدْ نَسَخَتْهَا الأُخْرَى، فَلِمَ تَكْتُبُهَا (في القرآن)؟ قَالَ عثمان. ’’تَدَعُهَا‏ (حيث هي)…‏ لاَ أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْهُ مِنْ مَكَانِهِ (أيّ القرآن)‏‏‘‘.

قاعدة بيانات الحديث: المُجلَّد 6، الكتاب 60، الحديث 60 ‏

          نرى هنا خلافًا بين عثمان وابن الزُبَير حول ما إذا كان نسخُ آية يعني أن تبقى أو لا تبقى في القرآن. رجَحَت كفّة عثمان، لذلك بقيَت هذه الآية في القرآن اليوم. ولكن كان هناك جدلٌ حولها.

عثمان وترويسة الآية 9 (التَوبة)

رواهُ عثمان ابن عفّان

عَنْ يَزِيدَ الْفَارِسِيِّ، قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ قُلْتُ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ مَا حَمَلَكُمْ أَنْ عَمَدْتُمْ، إِلَى (سورة) بَرَاءَةَ وَهِيَ مِنَ (سوَر) الْمِئِينَ (التي تحتوي مائة سورة) وَإِلَى (سورة) الأَنْفَالِ وَهِيَ مِنَ (سورة) الْمَثَانِي (السورة أو الآيات الأولى الأطول في القرآن) أو  فَجَعَلْتُمُوهُمَا فِي السَّبْعِ الطُّوَلِ وَلَمْ تَكْتُبُوا بَيْنَهُمَا سَطْرَ ‏{‏بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}‏؟

قَالَ عُثْمَانُ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِمَّا يَنْزِلُ عَلَيْهِ الآيَاتُ فَيَدْعُو بَعْضَ مَنْ كَانَ يَكْتُبُ لَهُ وَيَقُولُ لَهُ ‏ “‏ضَعْ هَذِهِ الآيَةَ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا‏”‏ ‏.‏ وَتَنْزِلُ عَلَيْهِ الآيَةُ وَالآيَتَانِ فَيَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ وَكَانَتِ الأَنْفَالُ مِنْ أَوَّلِ مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ وَكَانَتْ بَرَاءَةُ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ وَكَانَتْ قِصَّتُهَا شَبِيهَةً بِقِصَّتِهَا فَظَنَنْتُ أَنَّهَا مِنْهَا (أيّ جزء من الأنفال) فَمِنْ هُنَاكَ وَضَعْتُهُمَا فِي السَّبْعِ الطُّوَلِ وَلَمْ أَكْتُبْ بَيْنَهُمَا سَطْرَ ‏{‏بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}‏ ‏.

سُنَن أبي داود 786: الكتاب 2، الحديث 396

     سورة 9 (التوبة أو البراءة) هي السورة الوحيدة في القرآن التي لاتبدأ بالبَسمَلة ‏{‏بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}.‏  يُوضِّح الحديث السبب. اعتقَدَ عثمان أنّ سورة 9 كانت جزءًا من سورة 8 حيث أنّ المادّة فيهما متشابهة. نرى من طريقة الاستفهام أنّه كان هناك جدلٌ داخل المجتمع الإسلامي الأوّل. يُبيِّن الحديث التالي ردّ فعل أحد الصحابة على قرآن عثمان.

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ (بن مسعود) أَنَّهُ قَالَ (لأصحابه أن يخفوا نسخهم من القرآن) : ‏‏وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ‏، ثُمَّ قَالَ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ تَأْمُرُونِي أَنْ أَقْرَأَ فَلَقَدْ قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلّى اللهُ عليهِ وسَلَّم بِضْعًا وَسَبْعِينَ سُورَةً وَلَقَدْ عَلِمَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنِّي أَعْلَمُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَلَوْ أَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا أَعْلَمُ مِنِّي لَرَحَلْتُ إِلَيْهِ ‏.‏ قَالَ شَقِيقٌ فَجَلَسْتُ فِي حَلَقِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَرُدُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَلاَ يَعِيبُهُ.‏

صحيح مُسلِم 2462: الكتاب 44، الحديث 162

تبرز أمامنا عدّة أشياء:

  1. يطلبُ عبد الله بن مسعود من أتباعه تخبئة قرآنهم لسببٍ ما.
  2. يبدو أنّ أحدهم أمَرَه باستخدام تلاوةٍ مختلفة. يُفهَمُ هذا الأمر بشكلٍ أفضل على أنّه يُشيرُ إلى الوقت الذي قام فيه عثمان بتوحيد نسخته من القرآن.
  3. كان اعتراض ابن مسعود على تغيير طريقته في تلاوة القرآن هو أنّه: ’’أنا (مسعود) لديَّ فَهمٌ أفضل للقرآن.
  4. قال شقيق إنّ صحابة النبيّ مُحمَّدﷺ لم يُخالفوا مسعود.

النُسَخ النَصيَّة للقرآن اليوم

     لكن بعد نسخة عثمان، بقيت هناك قراءات مختلفة. في الواقع، يبدو أنّه كانت هناك عودة قانونيَّة لقراءاتٍ مختلفة في القرن الرابع بعد النبيﷺ. لذلك، ومع أنّ القراءة النصيّة الرئيسيّة العربيّة اليوم هي قراءة حفص، إلاّ أّنَّ هناك قراءة الورش، التي تُستَخدَم في الغالب في شمال أفريقيا، وقراءة الدوري التي هي أكثر ما تُستَخدَم في غرب أفريقيا، وقراءات أُخرى. إنَّ الفَرق بين هذه القراءات غالبًا ما يكون في التهجئة وفي بعض التغييرات الطفيفة في الكلمات، ولا يكون له عادةً أيّ تأثيرٍ في المعنى، لكن مع بعض الفروقات التي تؤثِّر في المعنى في السياق المباشر، ولكن ليس في الفكر الأوسع.

     إذن، هناك خيارٌ في ما يتعلَّق بأيّة نسخة من القرآن يجب استخدامها.

     لقد تعلَّمنا أنّ هناك قراءات مختلفة عربيّة للقرآن اليوم، وقد مرَّت هذه العمليّة بمراحل التنقيح والاختيار بعد موت النبيّ مُحمَّدﷺ. إنّ السبب في وجود تباينٍ ضئيلٍ في النصّ القرآني اليوم هو أنّ جميع الاختلافات النصيَّة قد أُحْرِقَت في ذلك الوقت. لا يوجد للقرآن حواشي لقراءة بديلة، ليس لأنّه لم يكن لديه قراءات البديلة، ولكن لأنّه تمَّ إِتلافَها.  ربما قدَّم عثمان تلاوةً جيّدةٍ للقرآن ، لكنها لم تكن التلاوة الوحيدة، ولم تُعتَمَد دون أن يدور جدلٌ حولها. وهكذا ظهرَت الفكرة المقبولة على نطاق واسعٍ بأنَّ القرآن هو ’’نصٌّ أصليٌّ – اللّغة والحروف والتلاوة هي نفسها. إنّ القَول بعدم وجود مكانٍ للتفسير البشري ’’غير صحيح‘‘. على الرغم من أن كلًّا من الكتاب المقدس والقرآن لديهما قراءات متباينة، إلّا أنَّ لديهما أدلّة قويّة على شكل مخطوطات تُشير إلى أنَّ النصَّ كما هو اليوم قريبٌ جدًّا من النصّ الأصليّ. يمكن أن يقدِّم لنا كلاهما صورة موثوقة عن الأصل. ينشغل كثيرون عن السعي لفهم رسالة الكتب المقدَّسة بالتبجيل المُفرِط لعصمة القرآن، وبالازدراء الذي لا مُبرَّر له لطريقة حفظ الكتاب المقدس. سيكون من الأفضل لنا التركيز على فهم الكتب المقدَّسة. لقد كان هذا هو سبب إعطائها في المقام الأول. المكان المُلائم للبدء به هو آدم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *