اليوم السادس – عيسى المسيح والجمعة الحزينة

محاكمة سيدنا المسيح

سورة الجمعة (سورة 62) تُخبرنا أن يوم صلاة المسلمين هو يوم الجمعة. لكنَّ سورة الجمعة تقدِّم أوّلاً تحدِّيًا – قد قبله النبيّ عيسى عليه السلام، في دوره كالمسيح. لكنَّ سورة الجمعة، وقبل أن يَصدُر أمرٌ بأن يكون يوم الصلاة هو يوم الجمعة، تُعلِن:

قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ.

(سورة الجمعة 62: 6-7)

هذه الآيات في سورة الجمعة تعني أنّنا إن كنّا أولياء حقيقيِّن لله، فلن نخشى الموت. ولكن نظرًا إلى أنّهم (وأنّنا) يشكّون/نشكُّ في مدى صلاح أعمالنا، فإنّنا نتجنَّب الموت بتكلفةٍ كبيرةٍ. ولكن في هذه الجمعة، اليوم السادس من أسبوعه الأخير، كيهوديّ، واجه عيسى المسيح بالضبط هذا الاختبار – وقد فعل ذلك من خلال البدء بالصلاة. كما يقول الإنجيل عن النبيّ.

ثُمَّ أَخَذَ مَعَهُ بُطْرُسَ وَابْنَيْ زَبْدِي، وَابْتَدَأَ يَحْزَنُ وَيَكْتَئِبُ. فَقَالَ لَهُمْ: ’’نَفْسِي حَزِينَةٌ جِدًّا حَتَّى الْمَوْتِ. اُمْكُثُوا ههُنَا وَاسْهَرُوا مَعِي‘‘. ثُمَّ تَقَدَّمَ قَلِيلاً وَخَرَّ عَلَى وَجْهِهِ، وَكَانَ يُصَلِّي قَائِلاً: ’’يَا أَبَتَاهُ، إِنْ أَمْكَنَ فَلْتَعْبُرْ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسُ، وَلكِنْ لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا بَلْ كَمَا تُرِيدُ أَنْتَ‘‘.

(متى 26: 37- 39)

قبل أن نتابع سرد أحداث يوم الجمعة هذا، سوف نستعرِضُ الأحداث التي أدَّت إلى صلاة يوم الجمعة.عدوّنا المعلَن، الشيطان، كان قد دخل يهوذا في اليوم الخامس ليخون النبي عيسى المسيح عليه السلام. .وفي المساء التالي في اليوم السادس، تناول النبي عشاءه الأخير مع أصحابه (ويُدعون أيضاً تلاميذه). أثناء ذلك العشاء، شرح لهم من خلال مثاله وتعليمه كيف ينبغي أن نحب بعضنا بعضاَ ومحبة الله عظيمة لنا. كيف فعل ذلك بالتمام، قد تمَّ وصفه هنا من الإنجيل، ثم صلّى لأجل جميع المؤمنين – الصلاة التي يمكنك قراءتها هنا. يصف الإنجيل ما حدث بعد ذلك:

الاعتقال في البستان

بَعدَ أنْ قالَ يَسوعَ هذا، خَرَجَ هوَ وتَلاميذُهُ وعَبَرَ وادِي قَدْرونَ. وكانَ هُناكَ حَقلَ زَيتونٍ، فَدَخَلَهُ هوَ وتلامِيذُهُ.

وَكانَ يَهُوذا الَّذي خانَهُ يَعرِفُ المكانَ أيضاً، فقد كانَ يَسوعَ يَجتَمِعُ كَثيراً معَ تَلاميذهِ هُناكَ. فَأخَذَ يَهُوذا إلى ذلكَ المَكانِ عَدَداً مِنَ الجُنودِ الرُّومانِ وحُرّاسِ الهيكَلِ، كانَ قدْ أرسلَهُمْ كِبارُ الكَهَنةِ وَالفِرِّيسِيُّونَ. وكانوا يَحمِلونَ مَصابيحَ ومَشاعِلَ وَأسلِحَةً.

وكانَ يَسوعُ يَعلَمُ كُلَّ ما سَيَحدُثُ لَهُ. فَتَقَدَّمَ وقالَ لَهُمْ: «عَمَّنْ تَبحَثُونَ؟» أجابوهُ: «عنْ يَسوعَ النّاصِريِّ.» فَقالَ لهُمْ: «أنا هوَ!»

وكانَ يَهوذا الَّذي خانَ يَسوعَ واقِفاً هُناكَ مَعَهُمْ.» فلمّا قالَ يَسوعُ: «أنا هوَ،» تَراجَعُوا وسَقَطوا على الأرْضِ.

فَسألَهُمْ يَسوعُ ثانيَةً: «عَمَّنْ تَبْحَثُونَ؟» فَقالوا: «عنْ يَسوعَ الناصِرِيِّ.»

فَأجابَ يَسوعُ: «قُلْتُ لَكُمْ إنِّي هوَ. فَما دُمتُمْ تُرِيدونَني أنا، دَعوا هؤلاءِ الرِّجالَ وَشأنَهُم.» قالَ هذا لكي يَتَحَقَّقَ ما سَبَقَ أنْ قالَهُ: [a] «لَمْ أفقِدْ أحَداً مِنْ أولئك الَّذين وهَبْتُهمْ لي.»

10 وكانَ معَ سِمعانَ بُطْرُسَ سَيفٌ، فَاسْتَلَّهُ وضَرَبَ بهِ خادِمَ رَئيسِ الكَهَنَةِ، فَقَطَعَ أُذُنَهُ اليُمنى. وكانَ اسْمُ الخادِمِ مَلْخُسَ. 11 فَقالَ يَسوعُ لِبُطْرُسَ: «أرْجِعْ سَيفَكَ إلى غِمْدِهِ. أتُريدُني أنْ لا أشرَبَ كأسَ الآلامِ الَّتي أعطاها الآبُ لي؟»

12 ثُمَّ قَبَضَ الجُنُودُ وَقائِدُهُمْ وَحُرّاسُ الهَيْكَلِ عَلَى يَسُوعَ وَقَيَّدُوهُ، 13 وَأخَذُوهُ إلَى حَنّانَ أوَّلاً. لِأنَّ حَنّانَ هُوَ حَمُو قَيافا رَئِيْسِ الكَهَنَةِ فِي تِلكَ السَّنَةِ. (يوحنا 18: 1-13)

ذهب النبي إلى البستان خارج أورشليم ليصلي، وهناك أتى يهوذا بالجنود ليعتقلوه. إذا ما واجهنا الاعتقال، فإننا قد نحاول القتال أو الفرار أو الاختباء. لكن عيسى المسيح عليه السلام لم يقاتل أو يهرب. لكنّه أقرَّ بكل وضوح بأنه فعلاً النبي الذي كانوا يبحثون عنه. إن اعترافه الواضح (“أنا هو”) أذهل الجنود، فهرب أصحابه. خضع النبي للاعتقال وأّخِذ إلى بيت حنانيا للاستجواب.

الاستجواب الأول

يسجّل الإنجيل كيف تمَّ استجواب النبي هناك:

19 فَسَألَ رَئِيْسُ الكَهَنَةِ يَسُوعَ عَنْ تَلامِيْذِهِ وَعَنْ تَعلِيْمِهِ. 20 فَأجابَهُ يَسُوعُ: «كُنتُ أُكَلِّمُ الجَمِيعَ عَلَناً، وَعَلَّمتُ دائِماً فِي المَجامِعِ وَفِي ساحَةِ الهَيْكَلِ حَيثُ يَجتَمِعُ كُلُّ اليَهُودِ. وَلَمْ أقُلْ شَيْئاً فِي الخَفاءِ. 21 فَلِماذا تَسألُنِي؟ اسألِ الَّذِيْنَ سَمِعُوا ما قُلْتُهُ لَهُمْ، فَهُمْ يَعرِفُونَ بِالتَّأْكِيْدِ ما كُنتُ أقُولُهُ!»

22 فَلَمّا قالَ هَذا، صَفَعَهُ واحِدٌ مِنَ الحُرّاسِ الواقِفِيْنَ هُناكَ وَقالَ لَهُ: «كَيفَ تَجرُؤُ عَلَى مُخاطَبَةِ رَئِيْسِ الكَهَنَةِ بِهَذِهِ الطَّرِيْقَةِ؟»

23 فَأجابَهُ يَسُوعُ: «إنْ كُنتُ قَدْ أخطَأْتُ فِي شَيْءٍ قُلْتُهُ، فَبَيِّنِ الخَطَأ أمامَ الجَمِيعِ. أمّا إنْ أصَبْتُ، فَلِماذا تَضْرِبُنِي؟»

24 بَعدَ ذَلِكَ، أرسَلَهُ حَنّانُ مُقَيَّداً إلَى قَيافا رَئِيْسِ الكَهَنَةِ الحالِيِّ. (يوحنا: 18: 19-24)  

تمّ إرسال عيسى المسيح عليه السلام من عند رئيس الكهنة السابق إلى رئيس الكهنة في تلك السنة للاستجواب الثاني.

الاستجواب الثاني

وهناك تم استجوابه أمام جميع القادة. سجّل الإنجيل هذا الاستجواب الإضافي:

53 ثُمَّ اقْتادُوا يَسُوعَ إلَى رَئِيسِ الكَهَنَةِ. فَاجتَمَعَ كُلُّ كِبارِ الكَهَنَةِ وَالشُّيُوخُ وَمُعَلِّمُو الشَّرِيعَةِ. 54 أمّا بُطرُسُ فَتَبِعَهُ مِنْ بَعِيدٍ كُلَّ الطَّرِيقِ إلَى داخِلِ ساحَةِ دارِ رَئِيسِ الكَهَنَةِ، وَجَلَسَ مَعَ الحُرّاسِ يِتَدَفَّأُ.

55 وَكانَ كِبارُ الكَهَنَةِ وَجَمِيعُ أعضاءِ مَجلِسِ اليَهودِ يَسعَونَ إلَى شَهادَةِ زُورٍ ضِدَّ يَسُوعَ لِيَقتُلُوهُ، لَكِنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا دَليلاً. 56 حَيثُ شَهِدَ عَلَيهِ كَثِيرُونَ زُوراً، وَلَكِنَّ شَهاداتِهِمْ تَناقَضَتْ.

57 ثُمَّ وَقَفَ رِجالٌ آخَرُونَ وَشَهِدُوا زُوراً ضِدَّهُ فَقالوا: 58 «قَدْ سَمِعْنا هَذا الرَّجُلَ [a] يَقُولُ: ‹أنا أهدِمُ هَذا الهَيكَلَ المَبنِيَّ بِالأيدِي. وَفِي ثَلاثَةِ أيّامٍ، أبنِي هَيكَلاً آخَرَ لَمْ تَصنَعْهُ الأيدِي.» 59 وَلَكِنَّ شَهاداتِهِمْ لَمْ تَتَّفِقْ أيضاً.

60 فَوَقَفَ أمامَهُمْ رَئِيسُ الكَهَنَةِ، وَسَألَ يَسُوعَ: «ألَنْ تُدافِعَ عَنْ كُلِّ الاتِّهاماتِ الَّتِي يَتَّهِمُكَ بِها هَؤُلاءِ النّاسُ؟» 61 أمّا يَسُوعُ فَبَقِيَ صامِتاً، وَلَمْ يُجِبْ بِشَيءٍ. فَسَألَهُ رَئِيسُ الكَهَنَةِ ثانِيَةً: «هَلْ أنتَ المَسِيحُ، ابْنُ المُبارَكِ؟»

62 فَقالَ يَسُوعُ: «أنا هُوَ. وَسَتَرَونَ ابْنَ الإنسانِ جالِساً عَنْ يَمِينِ عَرْشِ اللهِ، وَآتِياً مَعَ سُحُبِ السَّماءِ.» 63 فَمَزَّقَ رَئِيسُ الكَهَنَةِ ثِيابَهُ وَقالَ: «ما حاجَتُنا إلَى شُهُودٍ بَعْدَ الَّذي سَمِعناهُ. 64 سَمِعْتُمْ إهانَتَهُ للهِ، فَما هُوَ رَأيُكُمْ؟»

فَأدانُوهُ جَمِيعاً وَقالُوا إنَّهُ يَستَحِقُّ المَوتَ. 65 وَابتَدَأ بَعضُهُمْ يَبصِقُ عَلَيهِ. وَكانُوا يُغَطُّونَ وَجهَهُ وَيَضرِبُونَهُ، ثُمَّ يَقولونَ: «أخبِرْنا يا نَبِيُّ، مَنْ ضَرَبَكَ؟» وَأخَذَهُ الحُرّاسُ وَضَرَبُوهُ. (مرقس: 14: 53-65)

حكم القادة اليهود على النبي عيسى المسيح بالموت. لكن بما أن روما كانت تحكم أورشليم، لم يكن بالإمكان تنفيذ حكم ما، إلا بموافقة الحاكم الروماني. فأخذوا النبي إلى الحاكم الروماني بيلاطس البنطي. ويسجل الإنجيل أيضاً ما حدث في الوقت ذاته ليهوذا الاسخريوطي الذي كان قد خانه.

ماذا حدث ليهوذا الخائن؟

وَفِي صَباحِ اليَومِ التّالِي، اجتَمَعَ كِبارُ الكَهَنَةِ وَشُيُوخُ الشَّعبِ، وَتَشاوَرُوا لِكَي يَقتُلُوا يَسُوعَ. فَقَيَّدُوهُ وَاقتادُوهُ وَسَلَّمُوهُ إلَى الوالي بِيلاطُسَ.

فَلَمّا رَأى يَهُوذا الَّذِي خانَ يَسُوعَ، أنَّهُمْ قَرَّروا الحُكْمَ عَلَى يَسُوعَ بِالمَوْتِ، نَدِمَ عَلَى ماَ فَعَلَهُ. فَأعادَ الثَّلاثِينَ قِطعَةً مِنَ الفِضَّةِ إلَى كِبارِ الكَهَنَةِ وَالشُّيُوخِ، وَقالَ لَهُمْ: «قَدْ أخطَأتُ بِتَسلِيمِي شَخصاً بَرِيئاً لِيُقتَلَ.»

فَقالُوا لَهُ: «ما عَلاقَةُ هَذا بِنا؟ تَدَبَّرْ هَذا الأمْرَ بِنَفسِكَ.»

فَألقَى يَهُوذا قِطَعَ النَّقْدِ فِي الهَيكَلِ ثُمَّ غادَرَ، وَذَهَبَ وَشَنَقَ نَفسَهُ. فَأخَذَ كِبارُ الكَهَنَةِ قِطَعَ النَّقْدِ وَقالُوا: «لَيسَ مَسمُوحاً بِأنْ نَضَعَ هَذا المالَ فِي خَزِينَةِ الهَيكَلِ لِأنَّهُ ثَمَنُ حَياةِ إنسانٍ.» فَقَرَّرُوا أنْ يَشتَرُوا بِهِ حَقلَ الفَخّارِيِّ لِيَكونَ مَقبَرَةً لِلغُرَباءِ. وَلِهَذا يُعرَفُ الحَقلُ بِاسْمِ «حَقلِ الدَّمِ» إلَى يَومِنا هَذا.(متى 27: 1-8)

استجواب عيسى المسيح من قبل الحاكم الروماني

11 وَوَقَفَ يَسُوعُ أمامَ الوالِي، فَسَألَهُ: «هَلْ أنتَ مَلِكُ اليَهُودِ؟» فَقالَ يَسُوعُ: «هُوَ كَما قُلْتَ بِنَفسِكَ.»

12 وَعِندَما كانَ كِبارُ الكَهَنَةِ وَالشُّيُوخُ يَشتَكُونَ عَلَيهِ لَمْ يِنطِقْ بِشَيءٍ. 13 ثُمَّ سَألَهُ بِيلاطُسُ: «ألا تَسمَعُ هَذِهِ التُّهَمَ الكَثِيرَةَ الَّتِي يَتَّهِمُونَكَ بِها؟»

14 وَلَكِنَّ يَسُوعَ لَمْ يُعطِ بيلاطُسَ رَدّاً علَى أيِّ كَلامٍ اتَّهَموهُ بِهِ. فَكانَ بِيلاطُسُ يَتَعَجَّبُ مِنْ صَمتِهِ.

فَشَلُ بِيلاطُسَ في إطلاقِ يَسُوع

15 وَكانَ الوالِي مُعتاداً فِي عِيدِ الفِصْحِ أنْ يُطلِقَ للنّاسِ سَجِيناً يَختارونَهُ. 16 وَكانَ هُناكَ سَجِينٌ مَشهُورٌ بِشَرِّهِ، اسْمُهُ باراباسُ. [a] 17 فعِندَما اجتَمَعَ النّاسُ، قالَ بِيلاطُسُ لَهُمْ: «مَنْ تُرِيدُونَ أنْ أُطلِقَ لَكُمْ: يَسُوعَ المَدعُوَّ المَسِيحَ، أمْ باراباسَ؟» 18 فَقَدْ عَرَفَ بِيلاطُسُ أنَّهُمْ سَلَّمُوا يَسُوعَ إلَيهِ بِسَبَبِ حَسَدِهِمْ.

19 وَبَينَما كانَ بِيلاطُسُ جالِساً عَلَى كُرسِيِّ القَضاءِ، أرسَلَتْ زَوجَتُهُ إلَيهِ رِسالَةً تَقُولُ: «لا تَفعَلْ شَرّاً بِهَذا الرَّجُلِ البَرِيءِ، لِأنِّي كُنتُ مُنزَعِجَةً طَوالَ اللَّيلِ بِسَبَبِ حُلْمٍ يَخُصُّهُ.»

20 وَلَكِنَّ كِبارَ الكَهَنَةِ وَالشُّيُوخَ أقنَعُوا جُمُوعَ النّاسِ بِأنْ يَطلُبُوا إطلاقَ سَراحِ باراباسَ، وَقَتلَ يَسُوعَ.

21 فَقالَ الوالِي: «أيُّ الاثنَينِ تُرِيدُونَ أنْ أُطلِقَ لَكُمْ؟» فَقالُوا: «باراباسَ.»

22 فَسَألَهُمْ بِيلاطُسُ: «فَماذا أصنَعُ بِيَسُوعَ المَدعُوِّ المَسِيحِ؟» فَأجابُوا جَمِيعاً: «فَلْيُصلَبْ.»

23 فَقالَ لَهُمْ بِيلاطُسُ: «لِماذا؟ ما جَريمَتُهُ؟» لَكِنَّهُمْ صَرَخُوا أكثَرَ: «لِيُصلَبْ.» 24 وَلَمّا رَأى بِيلاطُسُ أنْ لا فائِدَةَ مِنْ مُحاوَلَتِهِ، بَلْ إنَّ الفَوضَى قَدْ بَدَأتْ، أخَذَ بَعضَ الماءِ وَغَسَلَ بِهِ يَدَيهِ أمامَ الجَمْعِ وَقالَ: «أنا غَيرُ مَسؤُولٍ عَنْ مَوتِ هَذا الرَّجُلِ، إنَّها مَسؤُولِيَّتُكُمْ أنتُمْ.»

25 فَقالَ جَمِيعُ الشَّعبِ: «دَمُهُ عَلَينا وَعَلَى أولادِنا.»

26 حِينَئِذٍ أطلَقَ بِيلاطُسُ باراباسَ لَهُمْ، وَأمَرَ بِأنْ يُجلَدَ يَسُوعُ، وَأسلَمَهُ لِيُصلَبَ. (متى 27: 11-26)

صَلب ومَوت ودَفن النبي عيسى المسيح

يُسجّل الإنجيل بتفاصيل كثيرة كيف صُلِبَ النبي عيسى المسيح. فيما يلي ما حدث:

27 ثُمَّ اقْتادَ جُنُودُ الوالِي يَسُوعَ إلَى قَصْرِ الوِلايَةِ، وَجَمَعُوا عَلَيهِ كَتيبَةُ الحُرّاسِ، 28 فَنَزَعُوا ثِيابَهُ ثُمَّ ألبَسُوهُ رِداءً قِرمُزيَ اللَّونِ. [a] 29 وَجَدَلُوا لَهُ تاجاً مِنْ أغصانٍ شائِكَةٍ وَوَضَعُوهُ عَلَى رَأسِهِ، وَوَضَعُوا قَصَبَةً فِي يَدِهِ اليُمنَى، وَسَجَدُوا أمامَهُ مُستَهزِئينَ وَهُمْ يَقولونَ: «يَعيشُ مَلِكُ اليَهُودِ!» 30 ثُمَّ بَصَقُوا عَلَيهِ، وَأخَذُوا القَصَبَةَ مِنْ يَدِهِ، وَبَدأوا يَضْرِبُونَهُ عَلَى رَأسِهِ. 31 وَلَمّا فَرَغُوا مِنَ السُّخرِيَةِ بِهِ، نَزَعُوا عَنْهُ الثَّوبَ، وَألبَسُوهُ ثِيابَهُ، وَخَرَجُوا بِهِ لِيَصلِبُوهُ.

يَسُوعُ عَلَى الصَّلِيب

32 فَلَمّا خَرَجُوا، وَجَدُوا رَجُلاً مِنْ مَدِينَةِ قِيرِينَ اسْمُهُ سِمْعانُ، فَأجبَرُوهُ عَلَى حَملِ الصَّلِيبِ. 33 وَعِندَما وَصَلُوا إلَى مَكانٍ يُعرَفُ بِاسْمِ «الجُلْجُثَةَ،» أي «مَكانَ الجُمْجُمَةِ،» 34 أعطُوا يَسُوعَ نَبيذاً مَمزُوجاً بِمادَةٍ مُرَّةٍ لِيَشْرَبَهُ. فَلَمّا ذاقَهُ، رَفَضَ أنْ يَشْرَبَ.

35 وَلَمّا صَلَبُوا يَسُوعَ، قَسَّمُوا ثِيابَهُ عَلَيهِمْ، وَألقَوْا قُرعَةً بَينَهُمْ. 36 ثُمَّ جَلَسُوا هُناكَ يَحرُسُونَهُ. 37 وَعَلَّقُوا فَوقَ رَأسِهِ لافِتَةً كُتِبَ عَلَيها: «هَذا يَسُوعُ، مَلِكُ اليَهُودِ،» بِاعتِبارِها تُهْمَتَهُ.

38 وَصُلِبَ مَعَ يَسوعَ مُجرِمانِ، واحِدٌ عَنْ يَمِينِهِ وَآخَرُ عَنْ يَسارِهِ. 39 وَكانَ المارُّونَ يَشْتِمُونَهُ، وَيَهُزُّونَ رُؤُوسَهُمْ 40 وَيَقولونَ: «أنتَ يا مَنْ سَتَهدِمُ الهَيكَلَ وَتَبنِيهِ فِي ثَلاثَةِ أيّامٍ، إنْ كُنتَ ابْنَ اللهِ، فَخَلِّصْ نَفسَكَ، وَانزِلْ عَنِ الصَّلِيبِ!»

41 وَكَذَلِكَ سَخِرَ بِهِ كِبارُ الكَهَنَةِ وَمُعَلِّمُو الشَّرِيعَةِ وَالشُّيُوخُ وَقالُوا: 42 «خَلَّصَ غَيرَهُ، لَكِنَّهُ لا يَستِطِيعُ أنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ! هُوَ مَلِكَ بَني إسْرائِيلَ! فَلْيَنزِلْ عَنِ الصَّلِيبِ الآنَ فَنُؤْمِنَ بِهِ! 43 وَضَعَ ثِقَتَهُ بِاللهِ، فَلْيُنقِذْهُ اللهُ الآنَ إنْ أرادَهُ فِعلاً. أفَلَمْ يَقُلْ: ‹أنا ابْنُ اللهِ›؟» 44 وَكَذَلِكَ المُجرِمانِ المَصلُوبانِ مَعْهُ كانا يَشتِمانِهِ بِكَلامٍ مُشابِهٍ.

مَوتُ يَسُوع

45 وَمِنَ السّاعَةِ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ ظُهْراً، خَيَّمَ الظَّلامُ عَلَى كُلِّ الأرْضِ حَتَّى السّاعَةِ الثّالِثَةِ بَعدَ الظُّهرِ. 46 وَنَحْوَ السّاعَةِ الثّالِثَةِ، صَرَخَ يَسُوعُ بِصَوتٍ عالٍ وَقالَ: «إيلِي، إيلِي، لَما شَبَقْتَنِي؟» [b] أي: «إلَهي، إلَهي، لِماذا تَرَكْتَنِي؟» 47 وَلَمّا سَمِعَهُ بَعضُ الواقِفِينَ هُناكَ، قالُوا: «إنَّهُ يُنادِي إيلِيّا!» [c]

48 ثُمَّ أسرَعَ أحَدُ الواقِفِينَ هُناكَ، وَأخَذَ إسْفَنجَةً وَغَمَسَها بِالخَلِّ، وَوَضَعَها عَلَى قَصَبَةٍ طَويلَةٍ، وَقَدَّمَها لَهُ لِيَشْرَبَ. 49 أمّا الباقُونَ فَكانُوا يَقُولُونَ: «لِنَنتَظِرْ وَنَرَ إنْ كانَ إيلِيّا سَيَأتِي لِيُنقِذَهُ!»

50 ثُمَّ صَرَخَ يَسُوعُ ثانِيَةً بِصَوتٍ مُرتَفِعٍ، وَأسلَمَ الرُّوحَ.

51 فَانشَقَّتْ سِتارَةُ الهَيكَلِ [d] إلَى نِصْفَينِ مِنْ فَوقٍ إلَى أسفَلِ، وَاهتَزَّتِ الأرْضُ، وَتَشَقَّقَتِ الصُّخُورُ، 52 وَانفَتَحَتِ القُبُورُ، وَقامَتْ أجسادُ كَثِيرِينَ مِنَ المؤمِنينَ المُقَدَّسينَ الَّذِينَ كانُوا قَدْ ماتُوا. 53 وَبَعْدَ أنْ قامَ يَسُوعُ، خَرَجَتْ تِلْكَ الأجسادُ مِنْ قُبُورِها، وَدَخَلَتْ إلَى المَدِينَةِ المُقَدَّسَةِ، وَظَهَرَتْ لِكَثِيرِينَ.

54 أمّا الضّابِطُ الرُّومانِيُّ، [e] وَالحُرّاسُ الَّذِينَ كانُوا يَحرُسُونَ جَسَدَ يَسُوعَ، فَلَمّا رَأَوْا الزَّلْزَلَةَ وَالأحداثَ الأُخرَى، ارتَعَبُوا جِدّاً وَقالُوا: «كانَ هَذا حَقّاً ابْنَ اللهِ!» 55 وَكانَتْ هُناكَ نِساءٌ يَقِفْنَ وَيَنظُرْنَ مِنْ بَعِيدٍ، وَكُنَّ قَدْ تَبِعْنَ يَسُوعَ مِنَ الجَلِيلِ لِيَخدِمْنَهُ. 56 فَمِنْهُنَّ مَريَمُ المَجدَلِيَّةُ، وَمَريَمُ أُمُّ يَعقُوبَ وَيُوسُفَ، وَكَذَلِكَ أُمُّ ابْنَي زَبَدِيّ. (متى 27: 27-56)

يصفُ الإنجيل زلزلة الأرض، وتفَتُّتِ الصخور، وانفتاح القبور في لحظة موت النبيّ، بمثل وصفِ سورة الزلزلة (سورة 99).

إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ.

 (سورة الزلزلة 99: 1- 6)

تتوقَّع سورة الزلزلة يوم الدينونة. تتوافق تفاصيل موت عيسى المسيح مع ما جاء في سورة الزلزلة كعلامة على أنّ موته كان الثمن الضروريّ  المدفوع لأجل ذلك اليوم الآتي.

“طُعِنَ” في جنبه

يسجّل إنجيل يوحنا تفاصيل مذهلة في حادثة الصلب. إنه يقول:

31 حَدَثَ ذَلِكَ يَومَ الاسْتِعدادِ لِلسَّبْتِ، فَطَلَبَ اليَهُودُ مِنْ بِيلاطُسَ أنْ يَأْمُرَ بِكَسْرِ سِيْقانِ المَصلُوبِيْنَ وَإنزالِ أجسادِهِمْ عَنِ الصُّلبانِ، لِكَيْ لا تَبقَى الأجسادُ عَلَى الصُّلبانِ يَومَ السَّبْتِ. فَقَدْ كانَ ذَلِكَ السَّبْتُ يَوماً مُهِمّاً جِدّاً. 32 فَجاءَ الجُنُودُ وَكَسَرُوا ساقَي الرَّجُلَيْنِ المَصلُوبَيْنِ مَعَ يَسُوعَ.

33 أمّا يَسُوعُ فَلَمْ يَكسِرُوا ساقَيْهِ، لِأنَّهُمْ لَمّا جاءُوا إلَيْهِ وَجَدُوا أنَّهُ قَدْ ماتَ. 34 لَكِنَّ واحِداً مِنَ الجُنُودِ طَعَنَ جَنبَهُ بِرُمحِهِ، فَتَدَفَّقَ مِنهُ عَلَى الفَورِ دَمٌ وَماءٌ. 35 وَمَنْ رَأى ذَلِكَ يَشْهَدُ، وَشَهادَتُهُ صادِقَةٌ، وَهُوَ يَعرِفُ أنَّهُ يَقُولُ الصِّدْقَ، لِكَيْ تُؤمِنُوا أنتُمْ أيضاً. 36 وَقَدْ حَدَثَ هَذا لِكَيْ يَتَحَقَّقَ قَولُ الكِتابِ: «لا يُكسَرُ عَظمٌ واحِدٌ مِنْ عِظامِهِ.» [a] 37 وَقَولُهُ فِي مَوضِعٍ آخَرَ: «سَيَنظُرُ النّاسُ إلَى ذاكَ الَّذِي طَعَنُوهُ.» (يوحنا 19: 31-37)

رأى يوحنا الجنود الرومان يخترقون جانب عيسى المسيح برمح. خرج الدم والماء مفصولين ، مما يشير إلى أن النبي توفي بفشل القلب.

يسجل الإنجيل حدثًا نهائيًا في ذلك اليوم – الدفن.

دَفْنُ يَسُوع

57 وَعِندَما جاءَ المَساءُ، جاءَ إلَى مَدِينَةِ القُدْسِ رَجُلٌ غَنِيٌّ اسْمُهُ يُوسُفُ، وَهوَ مِنْ بَلْدَةِ الرّامَةِ. وَقَدْ كانَ هُوَ أيضاً تِلمِيذاً لِيَسُوعَ. 58 فَذَهَبَ إلَى بِيلاطُسَ وَطَلَبَ مِنهُ جَسَدَ يَسُوعَ. فَأمَرَ بِيلاطُسُ بِإعطائِهِ الجَسَدَ. 59 فَأخَذَ يُوسُفُ الجَسَدَ وَلَفَّهُ بِقُماشٍ جَدِيدٍ مِنَ الكَتّانِ، 60 ثُمَّ وَضَعَهُ فِي قَبْرِهِ الجَدِيدِ الَّذِي كانَ قَدْ حَفَرَهُ فِي الصَّخْرِ، ثُمَّ دَحرَجَ حَجَراً ضَخْماً عَلَى مَدخَلِ القَبْرِ وَذَهَبَ. 61 وَكانَتْ مَريَمُ المَجدَلِيَّةُ، وَمَرْيَمُ الأُخرَى جالِسَتَينِ مُقابِلَ القَبْرِ. (متى 27: 57-61)

اليوم السادس – الجمعة الحزينة

كان كل يوم في التقويم اليهودي يبدأ عند غروب الشمس. لذلك بدأ ذلك اليوم السادس من الأسبوع بمشاركة النبي تلاميذه عشاءه الأخير. وفي نهاية اليوم كان قد تم اعتقاله، وقُدِّم للمحاكمة مرات كثيرة، وصُلِبَ وطُعِنَ برمح ودُفن. يُشار إلى هذا اليوم غالباً بـ “الجمعة الحزينة” (أو: الجمعة السارّة بحسب الترجمة الإنجليزية). وهذا ما يطرح السؤال: كيف يمكن ليوم جرى فيه خيانة وتعذيب وموت نبي أن يدعى باليوم السار؟ لماذا نقول “الجمعة السارّة” (بالإنجليزية) وليس “الجمعة الحزينة”؟

هذا سؤالٌ عظيمٌ نجيب عليه بمتابعة الواقعة التي دوَّنها الإنجيل في الأيام التالية. لكننا نجد دليلاً في الخط الزمني إذا ما لاحظنا أنَّ يوم الجمعة هذا كان يقع في اليوم المقدس في 14 نيسان، وهو يوم الفصح ذاته الذي كان اليهود فيه يقدمون الخروف كذبيحةٍ عن إنقاذهم من الموت في مصر قبل 1500 سنة.

اليوم السادس – الجمعة – من الأسبوع الأخير في حياة عيسى المسيح مقارنةً بقوانين التوراة
اليوم السادس – الجمعة – من الأسبوع الأخير في حياة عيسى المسيح مقارنةً بقوانين التوراة

 

تنتهي معظم سجلات الرجال بموتهم، لكن الإنجيل يتابع لكي نفهم لماذا يمكننا أن نعتبر هذا اليوم على أنّه الجمعة السارّة. كان اليوم التالي هو السبت – اليوم السابع.

ولكن أوّلاً، دعنا نعود إلى سورة الجمعة، للمتابعة من الآيات التي قمنا بدراستها.

قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ.

(سورة الجمعة 62: 8- 9)

لم يهرب عيسى المسيح من الموت، مواجهًا التحدّي في  الآيتين 6 و 7 في سورة الجمعة، بل بدأ يُصلّي وهو يواجه هذا الاختبار الكبير، مُقيمًا الدليل على إنّه كان ’’خليل الله‘‘. أليس من المناسب إذن، في ذكرى شجاعته، أن يؤمَر المسلمون في وقتٍ لاحقٍ بتخصيص يوم الجمعة كيوم صلاةٍ في الجامع؟ فكأنّ الله لم يشأ أن ننسى الخدمة التي قدَّمها النبيّ.

 

اليوم الخامس – ينزل الشيطان ليضرب المسيح

كان النبي عيسى المسيح عليه السلام قد تنبأ عن علامات مجيئه إلى الأرض في اليوم الرابع من أسبوعه الأخير.ثم دوَّن الإنجيل كيف أراد القادة الدينيون أن يعتقلوه. استخدم الشيطان (أو إبليس) هذه الحادثة ليوجه ضربة إلى النبي – عدوه المعلن. هذه هي الطريقة التي تم بها تسجيل الحادثة:

وَكانَ قَدِ اقتَرَبَ عِيدُ الخُبزِ غَيرِ المُختَمِرِ الَّذِي يُطلَقُ عَليهِ اسْمُ عِيدِ الفِصحِ أيضاً. وَكانَ كِبارُ الكَهَنَةِ وَمُعَلِّمُو الشَّرِيعَةِ يَبحَثُونَ عَنْ طَرِيقَةٍ غَيرِ عَلَنِيَّةٍ لِقَتلِ يَسُوعَ، لِأنَّهُمْ كانُوا يَخشَونَ النّاسَ. أمّا يَهُوذا الإسْخَريُوطيُّ، الَّذِي كانَ واحِداً مِنَ «الاثنَي عَشَرَ،» فَقَدْ دَخَلَ فيهِ الشَّيطانُ. فَذَهَبَ وَتَحَدَّثَ إلَى كِبارِ الكَهَنَةِ وَحَرّاسِ الهَيكَلِ عَنْ كَيفِيَّةِ تَسليمِ يَسُوعَ إلَيْهِمْ. فَسُرُّوا كَثِيراً، وَوافَقُوا عَلَى أنْ يُعطُوهُ مالاً. فَقَبِلَ وَبَدَأ يَنتَظِرُ الفُرصَةَ المُناسِبَةَ لِتَسلِيمِهِ إلَيْهِمْ بَعيداً عَنْ أنظارِ النّاسِ. (لوقا 22: 1-6)

نرى أن الشيطان قد انتهز هذا النزاع “ليدخل” يهوذا لكي يخون النبي. لا ينبغي لهذا الأمر أن يفاجئنا.

سورة فاطِر (سورة 35) و سورة ياسين (سورة 36) تقولان عن الشيطان :

إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ.

(سورة فاطِر 35: 6)

أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ.

(سورة ياسين 36: 60)

وفي نهاية الإنجيل، يوصف الشيطان في رؤية:

ثُمَّ اندَلَعَتْ حَربٌ فِي السَّماءِ. وَحارَبَ مِيخائِيلُ وَمَلائِكَتُهُ التّنِّينَ، وَحارَبَهُمُ

التِّنِّيْنُ وَمَلائِكَتُهُ. لَكِنْ لَمْ تَكُنْ لَدَى التِّنِّيْنِ وَمَلائِكَتِهِ قُوَّةٌ كافِيَةٌ، فَخَسِرُوا مَكانَهُمْ فِي السَّماءِ. وَأُلقِيَ التِّنِّينُ الضَّخمُ إلَى الأسفَلِ، وَهُوَ تِلكَ الحَيَّةُ القَدِيمَةُ الَّتِي تُدعَى إبلِيسَ أوِ الشَّيطانَ، وَالَّتِي تُضَلِّلُ كُلَّ ساكِنِي الأرْضِ. سَقَطَ هُوَ وَمَلائِكَتُهُ مَعَهُ. (رؤيا 12: 7-9) 

إن الشيطان أيضاً هو عدوك المعلن الذي يُصوِّرُ كوحش قوي يملك ما يكفي من الدهاء ليضلل العالم كله. سيطر هذا العدو على يهوذا ليضرب النبي عيسى المسيح عليه السلام. وكما يسجل الإنجيل:

16 وَمِنْ تِلْكَ اللَّحظَةِ ابتَدَأ يَهُوذا يَبحَثُ عَنْ فُرصَةٍ مُناسِبَةٍ لِتَسلِيمِ يَسُوعَ إلَيْهِمْ. (متى 26: 16)

كان اليوم التالي – اليوم السادس – احتفال الفصح الذي كان النبي موسى عليه السلام فد بدأه قبل 1500 سنة. كيف كان الشيطان سيجد فرصته من خلال يهوذا، في هذا اليوم المقدس؟ سنتطرق إلى هذا الأمر، تالياُ.

اليوم الخامس – ملخص

يبيّن الخط الزمني كيف أنه في اليوم الخامس من هذا الأسبوع، تحرك الوحش العظيم، الشيطان، ليضرب عدوّه الأعظم – النبي عيسى المسيح عليه السلام.

يدخل الشيطان، الوحش العظيم، يهوذا ليضرب النبي عيسى المسيح.
يدخل الشيطان، الوحش العظيم، يهوذا ليضرب النبي عيسى المسيح. 

اليوم الثالث والرابع – عيسى المسيح يتنبّأ بالمستقبل وبمجيئه الثاني

ما هو الشيء المُشتَرَك بين شجرة التين والنجوم؟ كلاهما علامتان على مجيء أحداثٍ كبرى، وقد أُعطِيَتا كتحذيرٍ مُوَجَّهٍ إلى مَن هم غير المستعدّين. تبدأ سورة التين بما يلي:

 وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ.

(سورة التين 95: 1)

هذا يعني مجيء

لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ.

(سورة التين 95: 4-5)

سورة المُرسلات، وسورة التكوير، وسورة الإنفطار، تعلن مرارًا وتكرارًا  أنّ النجوم سوف تُظْلِم، وأن ذلك سيكون علامات على قدوم أمرٍ عظيم:

فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ.

(سورة المرسلات 77: 8- 10)

إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ.

(سورة التكوير 81: 1- 3)

إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ.

(سورة الانفطار 82: 1- 3)

ما الذي تعنيه هذه الآيات؟ يُشرح النبيّ عيسى المسيح عليه السلام، ذلك في أُسبوعه الأخير. فلنبدأ أوّلاً بمراجعةٍ سريعة.

بعد دخوله القدس في يوم الأحد التاسع من نيسان وفقًا للنبيَّين دانيال و زكريا، وبعد ذلك دخوله المعبد يوم الاثنين العاشر من نيسان بحسب ما جاء في لوائح موسى (عليه السلام) في التوراة ليتمّ اختياره كحمل الله، رفض رؤساء اليهود النبيّ عيسى المسيح (عليه السلام). في الواقع، بينما كان يقوم بتطهير بالهيكل، بدأوا هم بالتخطيط لكيفيّة قتله. يسجّل الإنجيل ما قام به النبيّ عيسى المسيح بعد ذلك:

لعَنَ شجرة التين 

ثُمَّ تَرَكَهُمْ (رؤساء اليهود في الهيكل الاثنين اليوم الثاني في العاشر من نيسان) وَخَرَجَ خَارِجَ الْمَدِينَةِ وَبَاتَ هُنَاكَ.

وَفِي الصُّبْحِ (الثلاثاء، الحادي عشر من نيسان، اليوم الثالث) إِذْ كَانَ رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ جَاعَ، 19فَنَظَرَ شَجَرَةَ تِينٍ عَلَى الطَّرِيقِ، وَجَاءَ إِلَيْهَا فَلَمْ يَجِدْ فِيهَا شَيْئًا إِلاَّ وَرَقًا فَقَطْ. فَقَالَ لَهَا: ‘‘لاَ يَكُنْ مِنْكِ ثَمَرٌ بَعْدُ إِلَى الأَبَدِ!’’. فَيَبِسَتِ التِّينَةُ فِي الْحَالِ. (متى 21: 17- 19)

يتساءل كثيرون عن السبب الذي جعل المسيح يلعن شجرة التين. لا يفسِّر الإنجيل ذلك بشكلٍ مباشرٍ، لكن بإمكان الأنبياء الأوائل مساعدتنا على أن نفهم السبب. عندما كان هؤلاء الأنبياء يحذّرون من الدينونة الآتية، فغالبًا ما كانوا يستخدمون صورة شجرة التين اليابسة. لاحظوا كيف استخدَم الأنبياء السابقون صورة شجرة التين اليابسة في تحذيراتهم:

12 جَفَّتِ الكَرمَةُ،
وَالَّتِينُ ذَبُلَ.
يَبِسَ الرُّمّانُ،
بَلْ وَحَتَّى النَّخِيلُ وَشَجَرُ التُّفّاحِ.
كُلُّ أشجارِ الحَقلِ قَدْ جَفَّتْ.
وَجَفَّتِ السَّعادَةُ فِي النّاسِ. (يوئيل 1: 12)

«ضَرَبتُكُمْ بِرِيحِ الصَّحراءِ وَبِالعَفَنِ،
فَجَفَّتْ حَدائِقُكُمْ وَكُرُومُكُمْ.
أكَلَ الجَرادُ تِينِكُمْ وَزَيتُونِكُمْ،
وَمَعَ هَذا لَمْ تَرجِعُوا إلَيَّ،» يَقُولُ اللهُ. (عاموس 4: 9)

19 أما تَزالُ هُناكَ بُذُورٌ فِي المَخازِنِ؟ أما تَزالُ الكُرُومُ وَأشْجارُ التِّينِ وَالرُّمّانِ وَالزَّيْتُونِ جَرْداءَ بِلا ثَمَرٍ؟ لَكِنِّي مِنْ هَذا اليَوْمِ فَصاعِداً، سَأُبارِكُكُمْ.

سَتَذُوبُ جُندُ السَّماءِ،
وَتَلتَفُّ السَّماواتُ كَوَرَقَةٍ.
جُندُها سَيَذبُلُونَ،
مِثلَ أوراقِ الكَرمَةِ،
وَمِثلَ حَبّاتِ التِّينِ. (إشعياء 34:4 )

13 يَقُولُ اللهُ:
«أنا سَأجمَعُ حَصادَهُمْ،
فَلا يَعُودُ هُناكَ عِنَبٌ عَلَى الكَرمَةِ،
وَلا تِينٌ عَلَى التِّينَةِ.
سَتَذبُلُ الأوراقُ.
وَما أعطَيتُهُمْ إيّاهُ سَيَزُولُ عَنهُمْ. (ارميا 8: 13)

ذهب النبيّ هوشَع إلى أبعد من ذلك عندما شبّه شجرة التين بإسرائيل، ومن ثَمَّ نطق بلعنة:

10 «وَجَدتُ إسْرائِيلَ
فَكانُوا كَقُطُوفِ عِنَبٍ فِي البَرِّيَّةِ.
رَأيْتُ آباءَكُمْ
فَكانُوا كَأفضَلِ ثِمارِ التِّينِ
فِي بِدايَةِ زَمَنِ الحَصادِ.
لَكِنَّهُمْ ذَهَبُوا إلَى الِإلَهِ المُزّيَّفِ بَعلِ فَغُورَ،
وَكَرَّسُوا أنفُسَهُمْ للعارِ،
وَصارُوا كَرِيهِينَ كَالآلِهَةِ الَّتِي أحَبُّوها.

11 «سَيَطِيرُ مَجدُ أفْرايِمَ بَعِيداً.
لَنْ تَعُودَ النِّساءُ تُنجِبُ أوْ تَحفَظُ جَنيناً أوْ تَحبَلُ.
12 وَحَتَّى إنْ رَبَّينَ أولاداً،
فَإنِّي سَأحرِمُهُنَّ مِنهُمْ كُلِّهِمْ.
وَالوَيلُ لَهَنُّ حَقّاً،
حِينَ أبتَعِدُ عَنهُنَّ.

16 ضُرِبَ أفْرايِمُ،
جِذرُهُمْ جَفَّ تَماماً،
وَهُمْ لا يَصنَعُونَ أيَّ ثَمَرٍ.
وَحَتَّى إذا حَبِلْنَ،
فَإنِّي سَأقتُلُ ما تَلِدُهُ أرحامُهُنَّ.»

17 إلَهِي سَوفَ يَرفُضُهُمْ،
لأنَّهُمْ لَنْ يَستَمِعُوا لَهُ،
وَسَيَكُونُونَ كَشَعبٍ مُتَفَرِّقٍ وَتائِهٍ بَينَ الأُمَمِ. (هوشع 9: 10-12، 16-17؛ إفرايم = إسرائيل)

تحقَّقت هذه اللعنات عندما دُمِّرت أورشليم (القدس) للمرّة الأولى عام 586 قبل الميلاد (انظر هنا في تاريخ اليهود). عندما جعل  النبي عيسى شجرة التين تَيبَس، كان يرمز في نبوءته إلى تدميرٍ آخَر لأورشليم وإلى نفي اليهود من الأرض.

بعد أن لعنَ شجرة التين، تابع عيسى المسيح طريقه نحو الهيكل مُعلِّمًا الناس ومناقشًا رؤساء اليهود. وقد أطلق عدّة تحذيرات حول دينونة الله. يسجّل الإنجيل هذه التعاليم التي ترد هنا كاملةً.

تنبّأ النبيُّ بعلامات مجيئه الثاني

ثمَّ اختتم النبيّ عيسى المسيح (عليه السلام) كلامه بنبوءةٍ مظلمة عن تدمير هيكل اليهود في أورشليم (القدس). في ذلك الوقت، كان هذا الهيكل واحدًا من المباني الأكثر إثارةً للإعجاب في الإمبراطوريّة الرومانيّة كلّها. لكنّ الإنجيل يسجِّل أنّه يتنبَّأ بدماره. كان هذا بداية نقاشٍ حول مجيئه الثاني إلى الأرض وعلامات مجيئه. يسجِّل الإنجيل تعاليمه

وَتَرَكَ يَسُوعُ ساحَةَ الهَيكَلِ. وَبَينَما كانَ ماشِياً، جاءَ إلَيهِ تَلامِيذُهُ، لِأنَّهُمْ أرادُوا أنْ يُرُوهُ أبنِيَةَ الهَيكَلِ. فَقالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «أتَرَونَ كُلَّ هَذِهِ الأبنِيَةَ؟ أقولُ الحَقَّ لَكُمْ، لا يَبقَى فِيها حَجَرٌ عَلَى حَجَرٍ، إذْ سَتُهدَمُ كُلُّها!»

وَبَينَما كانَ يَسُوعُ جالِساً عَلَى جَبَلِ الزَّيتُونِ، جاءَ إلَيهِ تَلامِيذُهُ عَلَى انفِرادٍ، وَقالُوا لَهُ: «أخبِرْنا مَتَى سَتَحدُثُ هَذِهِ الأُمُورُ؟ وَما هِيَ عَلامَةُ عَودَتِكَ وَنِهايَةِ الزَّمَنِ؟» (متى 24: 1- 3)

بدأ النبيّ بالتنبّؤ بدمار الهيكل اليهوديّ دمارًا كاملاً. نحن نعلم من التاريخ أنّ هذا قد حدث سنة 70م. بعد ذلك، غادر المسيح الهيكل مساءً [i] إلى جبل الزيتون خارج مدينة أورشليم (القدس). وبما أنّ اليوم اليهوديّ يبدأ عند غروب الشمس، فقد كان ذلك في اليوم الرابع من الأسبوع، يوم الأربعاء الثاني عشر من نيسان حين أجاب على سؤالهم وأعطاهم تعاليمه حول انقضاء الدهر ومجيئه الثاني.

فَأجابَهُمْ يَسُوعُ: «انتَبِهُوا لِئَلّا تَنخَدِعُوا. سَيَأْتِي كَثِيرُونَ وَيَنتَحِلونَ اسْمِي، فَيَقولونَ: ‹أنا هُوَ المَسيحْ› وَسَيَخدَعُونَ كَثِيرِينَ. سَتَسمَعُونَ بِأخبارِ الحُرُوبِ وَالثَّوراتِ، فَيَنبَغي ألّا تَخافُوا. فَلا بُدَّ أنْ تَحدُثَ هَذِهِ الأشياءُ، لَكِنَّها لَنْ تَكُونَ نِهايَةَ العالَمِ بَعْدُ.» لِأنَّهُ سَتَقُومُ أُمَّةٌ عَلَى أُمَّةٍ، وَمَملَكَةٌ عَلَى مَملَكَةٍ. سَتَحدُثُ زَلازِلُ وَمَجاعاتٌ، وَلَكِنَّ هَذِهِ كُلَّها سَتَكُونُ أوَّلَ آلامِ المَخاضِ.

«فَسَيُسَلِّمُونَكُمْ لِلعِقابِ، وَسَيَقتُلُونَ بَعضاً مِنكُمْ. وَسَتُبغِضُكُمُ جَمِيعُ الأُمَمِ مِنْ أجلِ اسْمِي. 10 فِي ذَلِكَ الوَقتِ، سَيَترُكُ كَثِيرُونَ الإيمانَ، وَسَيُسَلِّمُ أحَدُهُمُ الآخَرَ إلَى السُّلْطاتِ، وَسَيُبغِضُ بَعضُهُمْ بَعضاً. 11 وَسَيَظهَرُ أنبِياءُ كَذَبَةٌ، وَيَخدَعُونَ كَثِيرِينَ. 12 وَبِسَبَبِ زِيادَةِ الشَّرِّ، سَتَبرُدُ مَحَبَّةُ كَثيرينَ مِنَ المُؤمنينَ، 13 وَلَكِنِ الَّذِي يَبقَى أميناً إلَى النِّهايَةِ، فَهَذا سَيَخلُصُ. 14 وَسَتُعلَنُ بِشارَةُ مَلَكُوتِ اللهِ فِي كُلِّ العالَمِ كَشَهادَةٍ لِغَيرِ اليَهُودِ، ثُمَّ تَأتِي النِّهايَةُ.

15 «فَعِنْدَما تَرَونَ «النَّجِسَ المُخَرِّبَ» [a] الَّذي أشارَ إليهِ دانَيالُ النَّبِيُّ، قائِماً فِي المَكانِ المُقَدَّسِ – لِيَفْهَمِ القارِئُ هَذا الكَلامَ – 16 فَليَهرُبْ حينَئِذٍ جَمِيعُ الَّذِينَ فِي إقليمِ اليَهُودِيَّةِ إلَى الجِبالِ، 17 وَلا يَنزِلِ الَّذِي عَلَى السَّطْحِ لِيَأخُذَ مُمتَلَكاتِهِ مِنَ البَيتِ. 18 وَلا يَعُدِ العامِلُ فِي الحَقلِ إلَى بيتِهِ لِيَأخُذَ رِداءَهُ.

19 «وَما أعسَرَ أحوالَ الحَوامِلِ وَالمُرضِعاتِ فِي تِلكَ الأيّامِ! 20 لَكِنْ صَلُّوا أنْ لا يَكُونَ هَرَبُكُمْ فِي الشِّتاءِ أوْ فِي يَومِ سَبْتٍ. 21 لِأنَّهُ سَيَكُونُ فِي ذَلِكَ الوَقتِ ضِيقٌ عَظِيمٌ لَمْ يَكُنْ مِثلُهُ مُنذُ بِدايَةِ العالَمِ، وَلَنْ يَكُونَ مِثلَهُ. 22 وَلَو لَمْ يُقَرِّرِ اللهُ تَقصِيرَ تِلْكَ الأيّامِ، لَما بَقِيَ أحَدٌ حَيّاً. وَلَكِنْ لِأجلِ شَعبِهِ المُختارِ، سَيُقَصِّرُ اللهُ تِلْكَ الأيّامَ. 23 فَإنْ قالَ لَكُمْ أحَدٌ: ‹ها إنَّ المَسِيحُ هُنا،› أوْ ‹ها هُوَ هُناكَ!› فَلا تُصَدِّقُوا كَلامَهُ. 24 لِأنَّ أكثَرَ مِنْ مَسِيحٍ مُزَيَّفٍ سَيَظهَرُ، وَأكثَرَ مِنْ نَبِيٍّ كاذِبٍ. وَسَيَصنَعونَ مُعجِزاتٍ وَعَجائِبَ لِيَخدَعُوا الَّذِينَ اختارَهُمُ اللهُ لَوْ استَطاعُوا. 25 ها أنا أخبَرْتُكُمْ بِكُلِّ شَيءٍ قَبلَ حُدُوثِهِ.

26 «قَدْ يَقُولُ أحَدُهُمْ: ‹ها إنَّ المَسِيحَ فِي البَرَّيَةِ،› فَلا تَذهَبُوا إلَى هُناكَ. أوْ يَقُولُ: ‹ها إنَّهُ فِي إحدَى الغُرَفِ،› فَلا تُصَدِّقُوهُ. 27 لِأنَّهُ كَما يَأتي البَرْقُ مِنَ الشَّرْقِ، وَيَلْمَعُ فِي السَّماءِ إلَى الغَربِ، هَكَذا سَيَظهَرُ ابْنُ الإنسانِ. 28 وَحَيثُما تَجِدُونَ الجُثَّةَ تَجِدُونَ النُّسُورَ أيضاً. 29 وَفَوراً بَعْدَ الضِّيقِ الَّذِي سَيَحدُثُ فِي تِلْكَ الأيّامِ،

‹سَتُظلِمُ الشَّمْسُ،
وَالقَمَرُ لَنْ يُعطِيَ نُورَهُ.
سَتَسقُطُ النُّجُومُ مِنَ السَّماءِ،
وَتُزَعزَعُ الأجرامُ السَّماوِيَّةُ.›

30 «فِي ذَلِكَ الوَقتِ، سَتَظهَرُ عَلامَةُ ابْنِ الإنسانِ فِي السَّماءِ. وَسَتَنُوحُ قَبائِلُ الأرْضِ، وَسَيَرَونَ ابنَ الإنسانِ قادِماً فِي سَحابِ السَّماءِ بِقُوَّةٍ وَمَجدٍ عَظِيمٍ. 31 وَسَيُرسِلُ مَلائِكَتَهُ بِمُصاحَبَةِ صَوتِ بُوقٍ مُرتَفِعٍ، فَيَجمَعُونَ الَّذِينَ اختارَهُمْ مِنَ الجِهاتِ الأربَعِ، مِنْ أقصَى السَّماءِ إلَى أقصاها. (متى 24: 4-31)

نظر النبيّ عيسى المسيح هنا إلى ما هو أبعد من دمار الهيكل. لقد علّمهم أنّ الفترة الممتدّة بين دمار الهيكل ومجيئه ستتميَّز بتنامي الشرّ، وبالزلازل والمجاعات والحروب وباضطّهاد أتباعه. ومع ذلك، فقد تنبّأ بأنّه ‘‘يُكرَز ببشارة الملكوت في كلّ المسكونة’’ (الآية 14).  عندما يعلم العالم عن المسيح، سيكون هناك عددٌ كبيرٌ من الأنبياء الكذَبة وادِّعاءاتٍ كاذبة حوله وحول مجيئه. إنّ علامة مجيئه الحقيقيّة في خضَمِّ هذه الحروب والفوضى والضيق ستكون هناك اضطّراباتٌ مُحقَّقة في الشمس والقمر والنجوم. وهي بطريقةٍ ما سوف تُظلِمُ وتحجب نورها.

يمكننا أن نرى أنّ الحرب والضيق والزلازل آخذة في الازدياد – وهكذا يكون زمن مجيئه قد اقترب. ولكن السماء لم تتزعزع بعد – إنّ مجيئه إذن ليس وشيكًا. ولكن ما مدى قربنا من هذا الزمن؟ للإجابة على هذا السؤال، يتابع عيسى المسيح

32 «تَعَلَّمُوا مِنْ شَجَرَةِ التِّينِ. فَحالَما تُصبِحُ أغصانُها طَرِيَّةً، وَتَظهَرُ أوراقُها، تَعرِفُونَ أنَّ الصَّيفَ قَرِيبٌ. 33 هَكَذا أيضاً عِندَما تَرَونَ جَمِيعَ هَذِهِ الأشياءَ، سَتَعرِفُونَ أنَّ الوَقتَ [a] قَرِيبٌ عَلَى الأبوابِ. 34 أقولُ الحَقَّ لَكُمْ: لَنْ يَنقَضِيَ هَذا الجِيلُ إلَى أنْ تَحدُثَ كُلُّ هَذِهِ الأشياءِ. 35 تَزُولُ السَّماءُ وَالأرْضُ، أمّا كَلامِيَ فَلَنْ يَزُولَ أبَداً. (متى 24: 32- 35)

هل تذكرون شجرة التين التي ترمز إلى إسرائيل، والتي كان المسيح (عليه السلام) قد لعنها ويبست في اليوم السابق عندما دُمِّر الهيكل في سنة 70 م؟ ذَوَت إسرائيل وظلّت ذاوية لآلاف السنين. قال لنا النبيّ أن نبحث عن براعم خضراء وأوراق تخرج من شجرة التين – وعندها سوف نعرف أن الوقت قد أصبح ‘قريبًا’. لقد شهد جيلنا تغيُّرًا في ‘شجرة التين’ هذه مع عودة اليهود إلى إسرائيل. نعم، لقد أضاف هذا الأمر الحروب والمحن والمشاكل للكثيرين في عصرنا، ولكن ينبغي ألاّ يفاجئنا هذا الأمر لأنّ النبيّ حذّر من ذلك في تعاليمه. في نواحٍ كثيرة، لا يزال هناك أجزاءٌ ميّتة لدى هذه ‘الشجرة’، لكنّ أوراق شجرة التين بدأت بالاخضرار.

 ينبغي أن يجعلنا هذا حذرين ويقظين في عصرنا  هذا لأنّ النبيّ حذّرنا من الإهمال وعدم المبالاة في ما يتعلّق بمجيئه.

36 «لَكِنْ لا يَعرِفُ أحَدٌ مَتَى يَكُونَ ذَلِكَ اليَومُ وَتِلْكَ السّاعَةُ، وَلا مَلائِكَةُ السَّماءِ يَعرِفونَ، وَلا الابْنُ، لَكِنِ الآبُ وَحدَهُ يَعلَمُ.

37 «وَكَما كانَ الحالُ فِي أيّامِ نُوحَ، هَكَذا سَيَكُونُ الحالُ عِندَما يَأْتِي ابنُ الإنسانِ. 38 فَفِي الأيّامِ الَّتِي سَبَقَتِ الطَّوَفانَ، كانَ النّاسُ يَأكُلُونَ وَيَشرَبُونَ وَيَتَزَوَّجُونَ وَيُزَوِّجُونَ بَناتِهِمْ حَتَّى ذَلِكَ اليَومِ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ نُوحُ السَّفِينَةَ. 39 فَلَمْ يَكُونُوا يَعرِفُونَ ما سَيَحدُثُ، حَتَّى جاءَ الطَّوَفانُ وَأخَذَهُمْ. هَكَذا سَيَكُونُ أيضاً فِي مَجِيءِ ابْنِ الإنٍسانِ. 40 فِي ذَلِكَ الوَقتِ، يَكُونُ رَجُلانِ يَعمَلانِ فِي حَقلٍ، فَيُؤخَذُ واحِدٌ وَيُترَكُ الآخَرُ. 41 وَتَكُونُ امرَأتانِ تَطحَنانِ الحُبُوبَ عَلَى حَجَرِ الرَّحَى، فَتُؤخَذُ واحِدَةٌ وَتُترَكُ الأُخرَى.

42 «فَتَيَقَّظُوا إذاً، لِأنَّكُمْ لا تَعرِفُونَ مَتَى يَأتي رَبُّكُمْ. 43 تأكَّدُوا أنَّهُ لَوْ عَلِمَ صاحِبُ البَيتِ أيَّةَ ساعَةٍ مِنَ الليلِ يَنوِي اللِّصُّ أنْ يَأْتِيَ، لاستَيقَظَ وَما تَرَكَهُ يَسطُو عَلَى بَيتِهِ. 44 لِذَلِكَ كُونُوا أنتُمْ أيضاً مُستَعِدِّيْنَ، لأنَّ ابنَ الإنسانِ سَيَأْتِي فِي لَحظَةٍ لا تَتَوَقَّعُونَها.

45 «فَمَنْ هُوَ الخادِمُ الأمِينُ الفَطِنُ الَّذِي يُعَيِّنُهُ السَّيِّدُ مَسؤُولاً عَنْ عَبيدِهِ، لِيُعطِيَهُمْ طَعامَهُمْ فِي وَقتِهِ؟ 46 هَنِيئاً لِذَلِكَ الخادِمِ الَّذِي حِينَ يَأْتِي سَيِّدُهُ يَجِدُهُ يَقُومُ بِواجِبِهِ. 47 أقُولُ لَكُمُ الحَقَّ، إنَّهُ سَيُوكِلُهُ عَلَى جَمِيعِ أملاكِهِ.

48 أمّا الخادِمُ الشِّرِّيرُ فَيَقُولُ فِي نَفسِهِ: ‹سَيِّدِي سَيَتَأخَّرُ.› 49 فَيَبدَأُ بِضَربِ رِفاقِهِ الخُدّامِ، وَيَبدَأُ بِالأكلِ وَالشُّرْبِ مَعَ السُّكارَىْ. 50 فَيَأْتِي سَيِّدُ ذَلِكَ الخادِمِ فِي يَومٍ لا يَتَوَقَّعُهُ، وَفِي ساعَةٍ لا يَعرِفُها. 51 فَيُعاقِبُهُ وَيَضَعَهُ مَعَ المُنافِقينَ حَيثُ يَبكِي النّاسُ وَيَصِرُّونَ عَلَى أسنانِهِمْ.(متى 24: 36-51)

تابع عيسى المسيح (عليه السلام) عليمه في الإنجيل حول مجيئه و الرابط إليه هو هنا.

ملخَّص اليوم الثالث واليوم الرابع

يُظهِر الجدول الزمنيّ المُحدث كيف لعَنَ النبيّ عيسى المسيح شجرة التين في اليوم الثالث – الثلاثاء – قبل النقاشات المطَوَّلة بينه وبين رؤساء اليهود. كان ما فعله رمزيًّا نبوءة لإسرائيل. ثمّ قام في يوم الأربعاء، اليوم الرابع، بوصف علامات مجيئه الثاني – وأعظمها شأنًا هي إظلام القمر وجميع الأجرام السماويّة.

علامات عيسى المسيح في اليومين الثالث والرابع من أسبوعه الأخير مقارنةً بلوائح التوراة
علامات عيسى المسيح في اليومين الثالث والرابع من أسبوعه الأخير مقارنةً بلوائح التوراة

بعد ذلك حذّرنا جميعًا من أن نترقَّب باهتمامٍ مجيئه. بما أنّه يمكننا الآن أن نرى شجرة التين وهي تغدو خضراء مرّةً أُخرى، ينبغي أن نعيش باحتراسٍ وأن نكون متيقِّظين.

 يسجّل الإنجيل كيف تحرّك الشيطان (إبليس) ضدّ النبيّ في اليوم الخامس الذي سنتطرّق إليه لاحقًا.    


 يصفُ إنجيل لوقا كل يوم من ذلك الأسبوع ملخِّصًا ما يلي: (لوقا 21: 37)

اليوم الثاني: اختيار عيسى المسيح – في موقع المسجِد الأقصى وقبّة الصخرة اليوم

ما السبب الذي يجعل من موقع (المسجد الأقصى أو بيت المقدِس وقبّة الصخرة) في القدس (أورشليم) مُمَيَّزًا جدًّا؟ لقد وقع العديد من الأحداث المقدّسة في ذلك المكان، لكنَّ قِلّةً من الناس تعرف ما حدث للنبيّ عيسى (عليه السلام) في هذا لمكان المقدّس.

ي نفهمُ بصورةٍ أفضل التحدّي الذي واجهه عيسى المسيح عليه السلام في أورشليم، سوف نقوم بمقارنته بالتحدّي الذي واجهه النبيّ مُحَمَّد ﷺ في مكَّة. تُخبرنا سورة الفَتح (سورة 48) عن قبيلة قُرَيش التي كانت تحرس طريق الوصول إلى الكعبة.

هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا.

(سورة الفتح 48: 25)

ولكن أعاقت قُرَيش بلوغَ النبيّﷺ وصحابته المسجد الحرام ومكان تقديم الأضاحي في مكّة. حدثَ أمرٌ مماثلٌ في الهيكل المُقدَّس ومكان تقديم الذبائح في أورشليم في زمن عيسى المسيح عليه السلام. فقد أنشأ رؤساء الكهنة نظام بَيع وشراء حيوانات الذبيحة، ممّا  كان يستلزم وجود الصيارفة لصَرْف العُملة للمُصلِّين القادمين من أماكن بعيدة. و كان هذا يُعيقُ العبادة الحقيقيّة في الهيكل. لكنّ الهيكل كان قد بُنِيَ لجعل الربِّ معروفًا بين الأُمم – وليس حَجْبه عنها. شرعَ عيسى المسيح، عليه السلام في إصلاح  الوضع، ممّا أدّى إلى مواجهته تحدّي الكافرين الذي رُوِيَ في سورة التغابُن (سورة 64).

 كان النبيّ قد دخل أورشليم (القدس) في اليوم المحدَّد الذي تمّ التنبُّؤ به قبل مئات السنين، معلنًا عن نفسه بكونه المسيح و نورًا للأُمم. كان ذلك التاريخ بحسب التقويم اليهوديّ هو يوم الأحد 9 نيسان، وهو اليوم الأوّل من الأسبوع المقدّس. وبحسب اللوائح المعمول بها في التوراة، كان اليوم التالي، أي العاشر من نيسان، يومًا استثنائيًّا في التقويم اليهودي. قبل فترةٍ طويلة، وردَ في التوراة أنّ النبيّ موسى (عليه السلام) قد أعدَّ الضربة العاشرة الموجّهة لفرعون بحسب توجيهات الله:

وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى وَهَارُونَ فِي أَرْضِ مِصْرَ قَائِلاً: ‘‘هذَا الشَّهْرُ يَكُونُ لَكُمْ رَأْسَ الشُّهُورِ. هُوَ لَكُمْ أَوَّلُ شُهُورِ السَّنَةِ. كَلِّمَا كُلَّ جَمَاعَةِ إِسْرَائِيلَ قَائِلَيْنِ: فِي الْعَاشِرِ مِنْ هذَا الشَّهْرِ يَأْخُذُونَ لَهُمْ كُلُّ وَاحِدٍ شَاةً بِحَسَبِ بُيُوتِ الآبَاءِ، شَاةً لِلْبَيْتِ.      

في ذلك الوقت، كان شهر نيسان هو الشهر الأوّل من السنة اليهوديّة. لذلك، في العاشر من نيسان من كلّ سنة، منذ النبيّ موسى، كانت كلّ أُسرةٍ يهوديّة تختار حملاً بمناسبة قدوم عيد الفصح لم يكن من الممكن أن يتمّ ذلك إلاّ في ذلك اليوم. في زمن النبيّ عيسى المسيح، كان اليهود يختارون حملانهم في هيكلهم في أورشليم القدس –  الموقع نفسه حيث امتُحِنَ النبيّ إبراهيم (عليه السلام) في تقديم ابنه ذبيحةً قبل 2000 عام. وهذا هو موقع المسجد الأقصى و قبّة الصخرة اليوم. إذًا، في مكانٍ محدَّدٍ (حيث يقع المسجد الأقصى وقبّة الصخرة اليوم، وحيث كان الهيكل اليهوديّ قائمًا في زمن النبيّ عيسى المسيح)، وفي يومٍ محدَّدٍ من السنة اليهوديّة (10 نيسان)، كان اليهود يختارون حمل الفصح  لكلِّ أُسرة (سيختار الفقراء الحمائم). وكما يمكن أن تتخيَّل، فإنّ العدد الكبير من الأشخاص والحيوانات، والضجيج الصادر عن المقايضة، وصرف العملات الأجنبيّة (بما أنّ اليهود جاءوا من العديد من الأماكن) سيجعل من الهيكل في العاشر من نيسان سوقًا محمومة. يسجّل الإنجيل ما فعله النبيّ عيسى المسيح  في ذلك اليوم. عندما تشير الفقرة إلى ‘اليوم التالي’ فهذا هو اليوم الذي تلا دخوله الملكيّ إلى أورشليم القدس، في العاشر من نيسان – وهو بالضبط اليوم الذي يتمُّ فيه اختيار حملان الفصح في الهيكل.

دخل يسوع أورشليم القدس واتّجه إلى ساحات الهيكل. أجال نظره في كلِّ ما حوله، ولكن بما أنّ الوقت كان قد أصبح متأخّرًا، انطلق متوجّهًا إلى بيت عنيا مع الاثني عشر.

  12في اليوم التالي (أي العاشر من نيسان)… خَرَجَ إِلَى بَيْتِ عَنْيَا مَعَ الاثْنَيْ عَشَرَ15 وَجَاءُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ. وَلَمَّا دَخَلَ يَسُوعُ الْهَيْكَلَ ابْتَدَأَ يُخْرِجُ الَّذِينَ كَانُوا يَبِيعُونَ وَيَشْتَرُونَ فِي الْهَيْكَلِ، وَقَلَّبَ مَوَائِدَ الصَّيَارِفَةِ وَكَرَاسِيَّ بَاعَةِ الْحَمَامِ. 16وَلَمْ يَدَعْ أَحَدًا يَجْتَازُ الْهَيْكَلَ بِمَتَاعٍ. 17وَكَانَ يُعَلِّمُ قَائِلاً لَهُمْ:‘‘ أَلَيْسَ مَكْتُوبًا: بَيْتِي بَيْتَ صَلاَةٍ يُدْعَى لِجَمِيعِ الأُمَمِ؟ وَأَنْتُمْ جَعَلْتُمُوهُ مَغَارَةَ لُصُوصٍ’’. (مرقس 11: 11-17)

على الصعيد الإنساني، ذهب النبيّ عيسى المسيح إلى المعبد يوم الاثنين (اليوم الثاني من الأسبوع المقدّس)، العاشر من شهر نيسان، وأوقف النشاط التجاريّ. كانت عمليّات البيع والشراء قد أوجدت حاجزًا أمام الصلاة المُوَجَّهة إلى السماء، خاصّةً بالنسبة إلى الأُمم الأُخرى. كان النبيّ نورًا لهذه الأُمم، لهذا، قام بتحطيم الحاجر الذي يقف بين الأرض والسماء من خلال إيقاف النشاط التجاري. لكنّ شيئًا غير مَرئيٍّ حدث أيضًا في الوقت نفسه. يمكننا أن نفهم هذا من اللقب الذي أطلقه النبيّ يحيا (عليه السلام) على عيسى المسيح. قال النبيّ يحيا عندما أعلن عنه:

 وَفِي الْغَدِ نَظَرَ يُوحَنَّا يَسُوعَ مُقْبِلاً إِلَيْهِ، فَقَالَ:‘‘هُوَذَا حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ! (يوحنا 1: 29)

كان النبيّ عيسى المسيح ‘حمَلَ الله’. في ذبيحة إبراهيم، كان الله هو مَن اختار الحمل لإبراهيم بديلاً عن ابنه عن طريق اصطياده في الأجَمَة. وهذا هو سبب الاحتفال بعيد الأضحى اليوم. كان الهيكل في هذا المكان حيث كان قد تمّ اختيار ذلك الحمل – حيث يقع اليوم المسجد الأقصى وقبّة الصخرة. عندما دخل النبيّ عيسى المسيح الهيكل في العاشر من نيسان، اختاره الله ليكون حمل الفصح الخاصّ به. كان عليه أن يكون في الهيكل في هذا اليوم بالذات كي يتمّ اختياره – وقد كان.

القَصْد من كَون عيسى حَمَل الفِصح

لأيِّ غرضٍ تمّ اختياره ليكون حمل الفصح؟ تقدِّم لنا تعاليم عيسى الجواب. عندما قال: ‘بَيْتِي بَيْتَ صَلاَةٍ يُدْعَى لِجَمِيعِ الأُمَمِ’ كان يقتبس من النبيّ إشعياء (عليه السلام). في ما يلي الفقرة الكاملة (أقوال النبيّ باللّون الأحمر) 

وَأَبْنَاءُ الْغَرِيبِ الَّذِينَ يَقْتَرِنُونَ بِالرَّبِّ

لِيَخْدِمُوهُ،…

وَيَتَمَسَّكُونَ بِعَهْدِي،

7آتِي بِهِمْ إِلَى جَبَلِ قُدْسِي،

وَأُفَرِّحُهُمْ فِي بَيْتِ صَلاَتِي،

 وَتَكُونُ مُحْرَقَاتُهُمْ وَذَبَائِحُهُمْ مَقْبُولَةً عَلَى مَذْبَحِي،

 لأَنَّ بَيْتِي بَيْتَ الصَّلاَةِ يُدْعَى لِكُلِّ الشُّعُوبِ. (إشعياء 56: 6-7)

 

الجدول الزمني التاريخي للنبيّ إشعياء و بعض الأنبياء الآخرين في الزبور
الجدول الزمني التاريخي للنبيّ إشعياء و بعض الأنبياء الآخرين في الزبور

كان ‘الجبل المقدّس’ الذي كتب عنه إشعياء هو جبل موريا حيث قدّم النبيّ إبراهيم ذبيحة الحمل الذي اختاره الله بديلاً عن ابنه. إنّ ‘بيت الصلاة’ كان هو الهيكل الذي دخله عيسى المسيح في يوم العاشر من نيسان. بالنسبة إلى اليهود، يجمع موقع وتاريخ هذا العيد ذبيحة إبراهيم و فصح موسى. ولكن، كان يمكن لليهود فقط تقديم الذبائح في الهيكل والاحتفال بالفصح. لكنّ إشعياء قد كتب أنّ ‘الغرباء’ (غير اليهود) سيرَون ذات يوم أنّ ‘‘محرقاتهم وذبائحهم ستكون مقبولةً’. باقتباس كلام إشعياء، أعلن عيسى أنّ أعماله ستلقى قبولاً عند غير اليهود. لم يوضِّح في هذه المرحلة كيف سيقوم بذلك. ولكن بينما نواصل سرد ما جرى، سوف نعلم حتّى؟؟؟ كما نحن ندرك الآن أنّ الله كان لديه خطّة ليباركك ويباركني.

اليوم التالي في الأسبوع المقدَّس

     بعد أن اختار اليهود حملانهم في العاشر من شهر نيسان، كانت لوائح التوراة توصيهم بأن:

وَيَكُونُ عِنْدَكُمْ تَحْتَ الْحِفْظِ إِلَى الْيَوْمِ الرَّابِعَ عَشَرَ مِنْ هذَا الشَّهْرِ. ثُمَّ يَذْبَحُهُ كُلُّ جُمْهُورِ جَمَاعَةِ إِسْرَائِيلَ فِي الْعَشِيَّةِ. (خروج 12: 6)

بعد ذلك الفصح الأوّل في زمن النبيّ موسى، كان اليهود يقدِّمون ذبائحهم من حملان الفصح في الرابع عشر من نيسان من كلِّ عام. نُضيف ‘حِفظَ الحملان’ وتقدمة ذبائحهم إلى لوائح التوراة في الجدول الزمنيّ لهذا الأسبوع. في النصف السفليّ من الجدول الزمنيّ، نُضيف أنشطة النبيّ في اليوم الثاني من الأسبوع – تطهير الهيكل واختياره كحمل الله للفصح.

أنشطة النبيّ عيسى المسيح (عليه السلام) يوم الاثنين – اليوم الثاني – بمقارنتها بما جاء في اللوائح في التوراة
أنشطة النبيّ عيسى المسيح (عليه السلام) يوم الاثنين – اليوم الثاني – بمقارنتها بما جاء في اللوائح في التوراة

عندما دخل النبيّ عيسى المسيح (عليه السلام) الهيكل وطهّره، كان لهذا أيضًا تأثيرٌ على الصعيد الإنساني. يتابع الإنجيل قائلاً:

وَسَمِعَ كِبارُ الكَهَنَةِ وَمُعَلِّمُو الشَّرِيعَةِ بِما حَدَثَ، فَبَدَأوا يَبحَثُونَ عَنْ طَرِيقَةٍ يَقتُلُونَهُ بِها. لَكِنَّهُمْ كانُوا يَخافُونَ مِنْهُ لأنَّ تَعلِيمَهُ كانَ يُدهِشُ الجَمِيعَ. (مرقس 11: 18)

عندما قام المسيح بتطهير الهيكل، أصبح مستَهدَفًا من القادة اليهود لكي يُقتَل. دأوا بمواجهة النبيّ. يروي الإنجيل أنّه في اليوم الثاني…

وَجَاءُوا أَيْضًا إِلَى أُورُشَلِيمَ. وَفِيمَا هُوَ يَمْشِي فِي الْهَيْكَلِ، أَقْبَلَ إِلَيْهِ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةُ وَالشُّيُوخُ، وَقَالُوا لَهُ: ’’بِأَيِّ سُلْطَانٍ تَفْعَلُ هذَا؟ وَمَنْ أَعْطَاكَ هذَا السُّلْطَانَ حَتَّى تَفْعَلَ هذَا؟‘‘.

(مرقس 11: 27- 28)

تُذكِّرنا سورة التغابُن بأنّ الأنبياء في ذلك الزمان كانوا يواجَهون بذلك النوع من التحدّي.

أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ.

(سورة التغابُن 64: 5-7)

سوف يكون على عيسى المسيح، عليه السلام، أن يُثَبِّت سلطانه من خلال أقسى اختبار كان الكافرون يتحدّون الأنبياء بانتظامٍ به، كما تروي سورة التغابُن. ستكون تلك علامة واضحة تُظهِر أنّ النبيّ لم يكن ببساطة يتصرَّف بسلطانٍ إنسانيٍّ بحت. وكما أوضَحَت سورة التغابُن، كان الاختبار هو قيامته من الموت. ولكن أوّلاً، كان على بعض الأحداث الإضافيّة أن تنكشف في ذلك الأسبوع  المصيريّ.

 نتابع تاليًا كيف تآلفت مؤامرات السلطات وأفعال النبي ولوائح التوراة معًا ونحن ننظر إلى أحداث اليومين الثالث والرابع.

عيسى المسيح: نورٌ للأُمَم

إنّ دخول عيسى المسيح إلى أورشليم في أحد الشعانين كان بداية أسبوعه الأخير.  تُخبرنا سورة الأنبياء أنّ:

وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آَيَةً لِلْعَالَمِينَ.

(سورة الأنبياء 21: 91)

سورة الأنبياء تقول بوضوح إنّ الله جعل عيسى المسيح عليه السلام، آيةً لجميع الشعوب، وليس لبعض الناس مثل المسيحيِّين واليهود. كيف جُعِلَ النبي عيسى المسيح ’’آيةً‘‘ لنا جميعًا؟ إنّ خلقَ الله للعالم كان كونيًّا للناس أجمعين. لذا، في كلِّ يومٍ من أيّام أسبوعه الأخير، كان عيسى المسيح عليه السلام، يتحدّث ويتصرَّف بطريقة تُشير إلى أيّام الخَلق الستّة (يُعلِّم كلٌّ من القرآن والتوراة أنّ الله خلقَ جميع الأشياء في ستّة أيّام).

سوف نبدأ  في النظر في كلِّ يومٍ من أيّام الأسبوع الأخير في حياة عيسى المسيح، مع ملاحظة أنّ جميع تعاليمه وتصرُّفاته هي علامات تُشير إلى الخَلْق. وهذا سيُبيِّن أنّ أحداث كلّ يومٍ من أيّام هذا الأسبوع، كانت مُعَيَّنة مُسبقًا من الله منذ بدء الزمان – وهي ليست وليدة أيّة فكرة إنسانيَّة، لأنّ الإنسان لا يستطيع تنسيق أحداثٍ تفصل ما بينها آلاف السنوات. نبدأ بيوم الأحد – اليوم الأوّل.

اليوم الأوَّل – نورٌ في الظُلْمَة

سورة النور (سورة 24 ) تُقدِّم مثلَ ’’النور‘‘. تقول:

اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.

(سورة النور 24: 35)

يُشيرُ هذا المثل إلى اليوم الأوّل للخَلْق، حين خلقَ الله النور. تقول التوراة:

وَقَالَ اللهُ: ’’لِيَكُنْ نُورٌ‘‘، فَكَانَ نُورٌ. وَرَأَى اللهُ النُّورَ أَنَّهُ حَسَنٌ. وَفَصَلَ اللهُ بَيْنَ النُّورِ وَالظُّلْمَةِ. وَدَعَا اللهُ النُّورَ نَهَارًا، وَالظُّلْمَةُ دَعَاهَا لَيْلاً. وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا وَاحِدًا. وَقَالَ اللهُ: ’’لِيَكُنْ جَلَدٌ فِي وَسَطِ الْمِيَاهِ. وَلْيَكُنْ فَاصِلاً بَيْنَ مِيَاهٍ وَمِيَاهٍ‘‘.

(تكوين 1: 3- 6)

قال الله أن يكون نورٌ في الوجود في اليوم الأوّل من الخَلْق لتبديد الظُلمة. كآيةٍ تُبيِّن أنّ أحداث تلك الساعة كانت مُخطَّطة منذ اليوم الأوَّل للخَلق، تحدّثَ المسيح عن كونه النور الذي يُبدِّدُ الظلمة.

النور  يشِعُّ على الأُمَميِّين

كان النبيّ عيسى المسيح (عليه السلام) قد دخل للتوِّ إلى أورشليم القدس راكبًا على حمارٍ كما تنبَّأ بذلك النبيّ زكريّا (عليه السلام) قبل 500 عام، وقد قام بذلك في اليوم نفسه الذي كان النبيّ دانيال قد تنبَّأ به قبل 550 عامًا. وكان اليهود قد وفدوا من العديد من البلدان لحضور احتفال الفصح القادم، ولهذا كانت مدينة أورشليم القدس مزدحمة بالحجّاج اليهود (مثل مدينة مكّة المكرّمة في موسم الحجّ). لذلك تسبَّب وصول النبيّ في إثارة ضجّةٍ بين اليهود. ولكن لم يكن اليهود فقط هم من لاحظ وصول عيسى المسيح. يسجّل الإنجيل ما حدث مباشرةً بعد دخوله أورشليم القدس.

20 وَكانَ بَعضُ اليُونانِيِّيْنَ قَدْ ذَهَبُوا إلَى مَدينَةِ القُدْسِ لِلعِبادَةِ فِي عِيدِ الفِصْحِ أيضاً. 21 فَذَهَبُوا إلَى فِيلِبُّسَ، وَهُوَ مِنْ بَلْدَةِ بَيْتِ صَيْدا فِي إقلِيْمِ الجَلِيلِ، وَرَجُوهُ فَقالوا: «يا سَيِّدُ، نُرِيْدُ أنْ نَرَى يَسُوعَ.» 22 فَجاءَ فِيلِبُّسُ وَأخبَرَ أندراوُسَ. ثُمَّ جاءَ أندَراوُسُ وَفِيلِبُّسُ وَأخبَرا يَسُوعَ.  (يوحنا 12: 20-22) 

الحاجز بين اليونانيّين واليهود في زمن النبيّ

كان من غير المعتاد إلى أبعد الحدود بالنسبة إلى اليونانيّين،(وهم الذين ينتمون إلى الأمم الأُخرى أو غير اليهود)، أن يتواجدوا في احتفالاتِ أعيادٍ يهوديّة. ولأنّ الإغريق واليونان كانوا من المُشركين، فقد كان اليهود يعتبَرونهم نجسين ينبغي تجنّبهم. كما كان معظم اليونانيّين يعتبرون الدين اليهودي الذي يقوم على عبادة إلهٍ واحدٍ (غير مَرئيٍّ) والاحتفالات المرافقة أنّها حماقة. في ذلك الوقت، كان اليهود هم وحدهم الذين يؤمنون بإلهٍ واحدٍ. ولذلك ظلَّت هذه الشعوب في معزلٍ عن بعضها البعض.وبما أنّ المجتمع الذي ينتمي إلى الأُمم أو غير اليهوديّ كان أكبر بكثير من المجتمع اليهوديّ، فقد عاش اليهود في نوعٍ من العزلة عن بقيّة العالم. إنّ اختلاف ديانتهم، ونظامهم الغذائيّ القائم على الذبح الحلال، وكتابهم الخاصّ بالأنبياء، خلق حاجزًا بين اليهود والأُمم ومعاداة كلّ جانبٍ للآخر

في يومنا هذا، وقد أصبح الشِرك بالله وعبادة الأوثان مرفوضَين من قِبَل معظم العالم، يمكننا بسهولةٍ نسيان كم كان هذا مختلفًا في زمن هذا النبيّ. في الواقع، في أيّام إبراهيم (عليه السلام)، كان الجميع تقريبًا، في ما عدا ذلك النبيّ، من المُشرِكين. في زمن النبيّ موسى (عليه السلام)، كانت الأُمم الأُخرى جمعها تعبد الأصنام، وكان الفرعَون نفسه يدّعي بأنّه أحد الآلهة. كان بنو إسرائيل بمثابة جزيرةٍ صغيرةٍ من الموحِّدين في محيطٍ من عابدي الأوثان الذين ينتمون إلى جميع الأمم المحيطة بهم. لكنّ النبيّ إشعياء (عليه السلام) [750 قبل الميلاد] قد سمح له الله أن ينظر في المستقبل فتنبّأ بتغييرٍ سيحصل لجميع هذه الأُمم. وقد كتب:

49 اسْتَمِعُوا إلَيَّ يا سُكّانَ الجُزُرِ،
وَأصغِي أيَّتُها الأُمَمُ البَعِيدَةُ.
قَبلَ أنْ أُولَدَ دَعانِي اللهُ لأخدِمَهُ،
سَمَّانِي وَأنا بَعدُ فِي رَحمِ أُمِّي.

جَبَلَنِي اللهُ فِي بَطنِ أُمِّي لأكُونَ خادِماً لَهُ،
لإرجاعِ شَعبِ يَعقُوبَ إلَيهِ،
وَلِجَمعِ إسْرائِيلَ حَولَهُ.
لِهَذا أنا مُكَرَّمٌ فِي عَينَيِّ اللهِ،
وَقَدْ صارَ إلَهِيَ قُوَّتِي.

وَقالَ لِي:

«ألَيسَ كافِياً أنْ تَكُونَ عَبدِي،
لِقِيامِ قبائلِ بَنِي يَعقُوبَ،
وَرَدِّ النّاجِينَ مِنْ بِنِي إسْرائِيلَ؟
لَكِنِّي سَأجعَلُكَ نُوراً لِلأُمَمِ،
لِكَي يَصِلَ خَبَرُ خَلاصِي
جَميعَ النّاسِ إلَى أقصَى الأرْضِ.» 

(إشعياء 49: 1، 5- 6 )

«اسْتَمِعْ إلَيَّ يا شَعبِي،
وَانتَبِهِي إلَيَّ يا أُمَّتِي.
لأنَّ التَّعلِيمَ سَيَخرُجُ مِنْ عِندِي،
وَعَدالَتِي سَتَكُونُ نُوراً لِلشُّعُوبِ. 

(إشعياء 51: 4)

60 «قُومِي وَأنِيرِي، لأنَّ نُورَكِ أتَى،
وَمَجدُ اللهِ أشرَقَ عَلَيكِ.
لأنَّ الظُّلمَةَ تُغَطِّي الأرْضَ،
وَالظَّلامَ الشَّدِيدَ يُغَطِّي الأُمَمَ.
وَلَكِنَّ اللهَ يُشرِقُ عَلَيكِ،
وَمَجدُهُ عَلَيكِ سَيَظهَرُ.
سَتَأتِي الأُمَمُ إلَى نُورِكِ،
وَالمُلُوكُ إلَى ضِياءِ فَجرِكِ. 

(إشعياء 60: 1- 3)

إذن، تنبّأ النبيّ إشعياء بأنّ ‘خادم’ الربّ القادم، على الرغم من كونه يهوديًّا، (‘سبط يعقوب’) سوف يكون ‘نورًا للأمم’ (جميع مَن هم ليسوا يهودًا) وهذا النور سيصل إلى آخر العالم. ولكن كيف يمكن أن يحدث هذا وهذا الحاجز بين اليهود والأمم لا يزال قائمًا منذ مئات السنين؟

في ذلك اليوم الذي دخل النبيّ عيسى فيه مدينة أورشليم القدس، بدأ النور يجتذب أوائل الأُمميّين كما نرى بعضًا منهم يقترب من النبيّ. هنا في هذا الاحتفال اليهودي حيث كان اليونانيّون الذين توجّهوا إلى أورشليم القدس للتعرُّف على النبّي عيسى المسيح (عليه السلام). ولكن هل سيتمكّنون من رؤية النبيّ’ وهم يعتَبَرون ذلك حرامًا في نظر اليهود؟ لقد توجّهوا بسؤالهم إلى أصحاب عيسى الذين نقلوا بدورهم الطلب إلى النبيّ. ماذا سيكون ردُّه؟ هل سيسمح لهؤلاء اليونانيّين الذين كانوا يعرفون القليل جدًّا عن الدين الصحيح أن يقابلوه؟ يتابع الإنجيل سرده

23 فَقالَ يَسُوعُ: «آنَ الأوانُ لِيَتَمَجَّدَ ابْنُ الإنسانِ. 24 أقُولُ الحَقَّ لَكُمْ: يَنبَغِي أنْ تَقَعَ حَبَّةُ القَمْحِ عَلَى الأرْضِ وَتَمُوتَ، وَإلّا فَإنَّها تَظَلُّ حَبَّةً وَحِيْدَةً. لَكِنَّها إنْ وَقَعَتْ عَلَى الأرْضِ وَماتَتْ، فَإنَّها تُنتِجُ ثَمَراً كَثِيْراً. 25 مَنْ يَتَعَلَّقُ بِحَياتِهِ يَخسَرُها، أمّا الَّذِي لا يَتَعَلَّقُ بِحَياتِهِ فِي هَذا العالَمِ فَسَيَحفَظُها لِلحَياةِ الأبَدِيَّةِ. 26 فَلْيَتبَعْنِي مَنْ يُرِيْدُ أنْ يَخدِمَنِي. وَحَيْثُ أكُونُ أنا، سَيَكُونُ خادِمِي أيضاً. إنْ كانَ أحَدٌ يَخدِمُنِي، فَسَيُكْرِمُهُ الآبُ.» 

27 «الآنَ تَتَضايَقُ نَفْسِي، فَماذا أقُولُ؟ أأقُولُ نَجِّنِي أيُّها الآبُ مِنْ ساعَةِ الألَمِ هَذِهِ؟ لَكِنِّي جِئْتُ مِنْ أجلِ هَذِهِ السّاعَةِ.28 فَمَجِّدِ اسْمَكَ أيُّها الآبُ.» فَجاءَ مِنَ السَّماءِ صَوْتٌ يَقُولُ: «لَقَدْ مَجَّدْتُهُ، وَسَأُمَجِّدُهُ أيضاً.»

29 وَكانَ هُناكَ جَمْعٌ مِنَ النّاسِ، فَسَمِعُوا الصَّوْتَ، وَقالَ بَعضُهُمْ: «هَذا صَوْتُ الرَّعْدِ.» وَقالَ آخَرُونَ: «بَلْ كَلَّمَهُ مَلاكٌ!»

30 فَأجابَهُمْ يَسُوعُ: «لَمْ يَأْتِ هَذا الصَّوْتُ مِنْ أجلِي أنا، بَلْ مِنْ أجلِكُمْ أنتُمْ. 31 الآنَ هُوَ وَقْتُ الحُكْمِ عَلَى هَذا العالَمِ. الآنَ سَيُطْرَدُ حاكِمُ هَذا العالَمِ خارِجاً. 32 وَإذا رُفِعْتُ عَنِ الأرْضِ، سَأجذِبُ الجَمِيعَ إلَيَّ.» 33 قالَ هَذا مُشِيْراً إلَى المِيْتَةِ الَّتِي سَيَمُوتُها.

34 فَقالَ لَهُ بَعْضُهُمْ: «لَقَدْ سَمِعْنا مِنَ الشَّرِيْعَةِ أنَّ المَسِيْحَ سَيَبْقَى إلَى الأبَدِ، فَكَيْفَ تَقُولُ إنَّهُ يَنبَغِي لابْنِ الإنسانِ أنْ يُرْفَعَ؟ إذاً أيُّ ابْنِ إنسانٍ هَذا؟»

35 فَقالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «سَيَبْقَى النُّورُ مَعْكُمْ زَماناً قَصِيْراً بَعْدُ، فَسِيْرُوا مادامَ النُّورُ مَعْكُمْ، وَقَبلَ أنْ تُدرِكَكُمُ الظُّلْمَةُ. لِأنَّ السّائِرَ فِي الظُّلمَةِ لا يَعلَمُ إلَى أيْنَ يَتَّجِهُ. 36 آمِنُوا بِالنُّورِ مادامَ مَعَكُمْ، فَتَصِيْرُوا أولادَ النُّورِ.» قالَ يَسُوعُ هَذا وَمَضَى وَتَوارَىْ عَنْهُمْ.

37 صَنَعَ يَسُوعُ كُلَّ هَذِهِ المُعجِزاتِ أمامَهُمْ. لَكِنَّهُمْ كانُوا يَرفُضُونَ أنْ يُؤْمِنُوا بِهِ. 38 فَصَحَّ فِيْهِمْ قَولُ النَّبِيِّ إشَعْياءَ:

«يا رَبُّ،
مَنِ الَّذِي صَدَّقَ رِسالَتَنا،
وَلِمَنْ أُظهِرَتْ قُوَّةُ الرَّبِّ؟»

39 وَلَمْ يَكُنْ بِإمكانِهِمْ أنْ يُؤمِنُوا، فَإشَعْياءُ قالَ أيضاً:

40 «قَدْ أعمَى اللهُ عُيُونَهُمْ،
وَقَسَّى قُلُوبَهُمْ.
فَلا يَقدِرُونَ أنْ يُبصِرُوا بِعُيُونِهِمْ،
وَلا أنْ يَفهَمُوا بِقُلُوبِهِمْ،
لِكَيلا يَرجِعُوا إلَيَّ فَأُشْفِيْهِمْ.»

41 قالَ إشَعْياءُ هَذا لِأنَّهُ رَأى مَجدَ يَسُوعَ وَتَحَدَّثَ عَنْهُ.

42 وَمَعَ ذَلِكَ، كانَ هُناكَ كَثِيْرُونَ قَدْ آمَنُوا بِهِ مِنْ قادَةِ اليَهُودِ. لَكِنَّهُمْ لَمْ يُجاهِرُوا بِإيْمانِهِمْ خَوفاً مِنَ الفِرِّيْسِيِّيْنَ، لِأنَّهُمْ كانُوا يَخافُونَ أنْ يُحرَمُوا مِنْ دُخُولِ المَجمَعِ. 43 فَقَدْ كانُوا يُحِبُّونَ إكرامَ النّاسِ لَهُمْ أكثَرَ مِنْ إكرامِ اللهِ.

44 وَقالَ يَسُوعُ بِصَوتٍ مُرتَفِعٍ: «مَنْ يُؤمِنُ بِي، فَإنَّهُ لا يُؤمِنُ بِي أنا، بَلْ يُؤمِنُ بِذاكَ الَّذِي أرسَلَنِي. 45 وَمَنْ يَرانِي يَرَى ذاكَ الَّذِي أرسَلَنِي. 46 لَقَدْ جِئْتُ نُوراً لِلعالَمِ، فَكُلُّ مَنْ يُؤمِنُ بِي لا يَبْقَى فِي الظَّلمَةِ.

47 إنْ سَمِعَ أحَدٌ كَلامِي وَلَمْ يُطِعْهُ، فَإنِّي لا أحكُمُ عَلَيْهِ. فَأنا لَمْ آتِ لِكَي أحكُمَ عَلَى العالَمِ، بَلْ جِئْتُ لِأُخَلِّصَ العالَمَ.48 وَمَنْ يَرفُضُنِي وَيَرفُضُ أنْ يَقبَلَ كَلامِي، فَهُناكَ ما يَحكُمُ عَلَيْهِ: الرِّسالَةُ الَّتِي عَلَّمْتُها هِيَ الَّتِي سَتَحكُمُ عَلَيْهِ فِي اليَوْمِ الأخِيْرِ. 49 فَأنا لَمْ أتَكَلَّمْ مِنْ عِندِي، بَلِ الآبُ نَفسُهُ الَّذِي أرسَلَنِي هُوَ الَّذِي أوصانِي بِما أقُولُ وَبِما أتَكَلَّمُ.50 وَأنا أعلَمُ أنَّ وَصِيَّتَهُ تُؤَدِّي إلَى الحَياةِ الأبَدِيَّةِ. فَما أتَكَلَّمُ بِهِ الآنَ، إنَّما أتَكَلَّمُ بِهِ كَما تَكَلَّمَ بِهِ الآبُ إلَيَّ.» 

(يوحنا 12: 23- 50)

في هذا التبادل الكلامي الدراميّ، بما في ذلك حتّى صوتٌ من السماء، قال النبيّ إنّه سوف ‘يُرفَع عن الأرض’ وهذا من شأنه أن يجذب ‘الجميع’ إليه – وليس اليهود فقط. لم يفهم العديد من اليهود، على الرغم من أنّهم يعبدون إلهًا واحدًا فقط، ما كان النبيّ يقوله. وقد قال النبيّ إشعياء إنّ ذلك راجع إلى قسوة قلوبهم – عدم رغبتهم في الخضوع لله – وكان ذلك السبب الأصليّ لعدم خضوعهم – حتّى عندما آمن آخرون في صمتٍ بسبب الخوف.

أعلن النبيّ عيسى المسيح بجرأة أنّه ‘جاء نورًا إلى العالم’ (الآية 46) وهو ما كان قد كتبه الأنبياء السابقون بأنّه سيكون نورًا يُضيء جميع الأُمم. في اليوم الذي دخل فيه أورشليم القدس، بدأ النور يُضيء الأُمم. هل ينتشر هذا النور ليصل إلى جميع الأُمم؟ ماذا يعني النبيّ بأنّه ‘يرتفعُ عن الأرض’؟ نواصل خلال هذا الأسبوع الأخير كي نفهم هذه الأسئلة.

يمرُّ الرسم البيانيّ التالي خلال كلّ يومٍ من أيّام هذا الأسبوع. في يوم الأحد، وهو اليوم الأوّل من الأسبوع، تمَّم المسيح ثلاث نبوءاتٍ مختلفةٍ تنبّأ بها ثلاثة أنبياء سابقين. أوّلاً، دخل أورشليم القدس راكبًا حمارًا كما تنبّأ زكريّا. ثانيًا، قام بذلك في الوقت الذي تنبّأ به دانيال. ثالثًا، بدأت رسالته ومعجزاته في إذكاء الاهتمام بين الأُمم – وهو الأمر الذي تنبّأ إشعياء النبيّ بأنّه سيكون نورًا للأُمم ويصبح أكثر سطوعًا للشعوب في جميع أنحاء العالم.

عيسى المسيح يُعلِنُ الجهاد – بطريقةٍ مُذهلة، ضدَّ عدوٍّ مُختلف، في الوقت المُحدَّد

سورة التوبة (سورة 9) تُثيرُ نقاشًا لأنّها تناقش موضوع الجهاد. تُقدِّم الآية إرشادًا للمعركة الماديَّة، لذلك، هناك تفسيرات مختلفة لعلماءٍ مُتعدّدين. الآيتان من سورة التوبة اللّتان تناقشان هذا الموضوع هما:

انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (41) لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ

(سورة التوبة 9: 41-42)

سببُ التوبيخ في سورة التوبة لأنّه لو كان السفرُ إلى المعركة سهلًا، لكانوا قد تبعوا، ولكن أولئك الذين يرغبون  في ’’الجهاد‘‘ يختفون حين يكون السفرُ صعبًا. تُسجِّل الآيات اللاحقة  أعذار ونقاشات هؤلاء الأتباع غير المُخلصين. تقدِّم لنا سورة التوبة هذا التذكير :

قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ.

(سورة التوبة 9: 52)

يأتي هذا التحذير لأنّه عادة ما يكون هناك نتيجتان مُحتمَلتان: الموت (الاستشهاد) أو النصر. ولكن ماذا لو كان الجهادُ كبيرًا إلى درجة أنّه سيؤدّي إلى كِلا النتيجتين – كُلًّا من الشهادة والنصر. كان هذا هو الجهاد الذي واجهه النبيّ عيسى المسيح عليه والسلام، في رحلته الطويلة إلى أُورشليم – بوصوله إلى هناك حين كان القمر هلالاً لتحقيق نبوءات أنبياء الزبور قبل مئات السنين.

الدُخول إلى أورشليم

سورة الإسراء (سورة 17) معروفةٌ بما أنّها الرحلة اللّيليّة للنبيِّ مُحمَّدﷺ، حيث جاء ليلاً لوحده من مكَّة مُمتطيًا البُراق الطائر.

سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.

(سورة الإسراء 17: 1)

كان عيسى المسيح عليه والسلام، ذاهبا بالضبط إلى المكان نفسه، كما في الرحلة ليلية. لكنَّ عيسى المسيح كان له غرضٌ مختلف. بدلًا من إعطائه آيات، دخل عيسى المسيح إلى القدس للقيام بآيات. لذلك جاء علنًا في النهار بدلاً من الليل، راكبًا على حمارٍ بدلاً من البُراق. على الرغم من أنّنا قد لا نعتقد أنّ ذلكل لا يُثير الإعجاب كما هو الحال في المجيء على البُراق المُجَنَّح، إلاّ أنّ وصوله إلى أورشليم إلى الهيكل في ذلك اليوم على ظهر حمار ، كان آيةً واضحة للناس. سوف نفسٍّر كيف كان ذلك.

النبيّ عيسى المسيح (عليه السلام) قد كشف عن رسالته عندما أقام لعازر من الموت وهو الآن متوجِّهٌ إلى أورشليم (القدس). وقد تمَّ التنبُّؤ بطريقة وصوله قبل مئات السنين. يوضِّح الإنجيل ذلك على النحو التالي:
وفي الْغَدِ سَمِعَ الْجَمْعُ الْكَثِيرُ الَّذِي جَاءَ إِلَى الْعِيدِ أَنَّ يَسُوعَ آتٍ إِلَى أُورُشَلِيمَ، 13فَأَخَذُوا سُعُوفَ النَّخْلِ وَخَرَجُوا لِلِقَائِهِ، وَكَانُوا يَصْرُخُونَ:

‘‘أُوصَنَّا!’’
‘‘مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ!’’
’’مَلِكُ إِسْرَائِيلَ!’’
وَوَجَدَ يَسُوعُ جَحْشًا فَجَلَسَ عَلَيْهِ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ:
‘‘لاَ تَخَافِي يَا ابْنَةَ صَهْيَوْنَ؛
هُوَذَا مَلِكُكِ يَأْتِي
جَالِسًا عَلَى جَحْشٍ أَتَانٍ’’.
وَهذِهِ الأُمُورُ لَمْ يَفْهَمْهَا تَلاَمِيذُهُ أَوَّلاً، وَلكِنْ لَمَّا تَمَجَّدَ يَسُوعُ، حِينَئِذٍ تَذَكَّرُوا أَنَّ هذِهِ كَانَتْ مَكْتُوبَةً عَنْهُ، وَأَنَّهُمْ صَنَعُوا هذِهِ لَهُ.
وَكَانَ الْجَمْعُ الَّذِي مَعَهُ يَشْهَدُ أَنَّهُ دَعَا لِعَازَرَ مِنَ الْقَبْرِ وَأَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ. لِهذَا أَيْضًا لاَقَاهُ الْجَمْعُ، لأَنَّهُمْ سَمِعُوا أَنَّهُ كَانَ قَدْ صَنَعَ هذِهِ الآيَةَ. فَقَالَ الْفَرِّيسِيُّونَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: ‘‘انْظُرُوا! إِنَّكُمْ لاَ تَنْفَعُونَ شَيْئًا! هُوَذَا الْعَالَمُ قَدْ ذَهَبَ وَرَاءَهُ!’’.
(يوحنا 12: 12-19)

دخول عيسى المسيح – بحسب داوُد

بدءًا من النبيّ داود (عليه السلام)، كان الملوك اليهود القُدامى يمتطون كلّ سنةٍ صُهوة حصانهم المَلَكيّ ويتقدَّمون موكبًا من الناس إلى أورشليم (القُدس). أعاد عيسى المسيح العمل بهذا التقليد عندما دخل أورشليم راكبًا حمارًا في اليوم الذي نعرفه باسم أحد الشعانين. ردَّد الناس لعيسى المسيح الترنيمة نفسها من الزبور كما فعلوا لداود:

 خَلِّصْنا الآنَ،
نَتَوَسَّلُ إلَيكَ يا اللهُ!
يا اللهُ، نَتَوَسَّلُ إلَيكَ،
أنجِحْ مَسعانا.
مُبارَكٌ هُوَ الآتِي بِاسْمِ اللهِ.
مِنْ بَيتِ اللهِ نُبارِكُكَ.

 يهوه هُوَ اللهُ، وَسَيَقبَلُنا.
فَاربُطُوا ذَبِيحَةَ العِيدِ بِزَوايا المَذبَحِ.

(مزمور 118: 25-27)

رنَّم الشعب هذه الترنيمة القديمة التي كُتِبَت للملوك لأنّهم علموا أنّ عيسى قد أقام لعازَر من الموت، ولذلك كانوا متحمِّسين لدى وصوله إلى أورشليم. وكانت العبارة التي صرخوا بها ‘أوصنَّا’ تعني ‘خَلِّصْ’ – تمامًا كما كان قد كُتِبَ في المزمور 118: 25 قبل فترةٍ طويلة. ما الشيء الذي كان ،سيُنقذهم’ منه؟ ننتقل إلى النبيّ زكريّا.

الدخول الذي تنبَّأ به زكريّا

على الرغم من أنّ عيسى المسيح أعاد العمل بما كان يفعله الملوك السابقون قبل مئات السنين، إلاّ أنّه فعل ذلك بطريقةٍ مختلفة. إنّ النبيّ زكريّا (عليه السلام)، وهو الذي قد تنبَّأ باسم المسيح الآتي، قد تنبَّأ أيضًا بأنّ المسيح سوف يدخل أورشليم راكبًا على حمار. يُبيِّن الجدول الزمنيّ النبيّ زكريّا، تاريخيًّا، جنبًا إلى جنب مع أنبياء آخرين تنبّؤا بأحداث أحد الشعانين.

الأنبياء الذين تنبّؤا بدخول عيسى إلى أورشليم في أحد الشعانين
الأنبياء الذين تنبّؤا بدخول عيسى إلى أورشليم في أحد الشعانين

استشهدَ إنجيل يوحنا بجزءٍ من تلك النبوءة أعلاه (بالنصّ الأزرق). في ما يلي نبوءة النبيّ زكريّا كاملة:

اِبْتَهِجِي جِدًّا يَا ابْنَةَ صِهْيَوْنَ!
اهْتِفِي يَا بِنْتَ أُورُشَلِيمَ!
هُوَذَا مَلِكُكِ يَأْتِي إِلَيْكِ،
هوَ عَادِلٌ وَمَنْصُورٌ،
وَدِيعٌ وَرَاكِبٌ عَلَى حِمَارٍ،
وَعَلَى جَحْشٍ ابْنِ أَتَانٍ.
وَأَقْطَعُ الْمَرْكَبَةَ مِنْ أَفْرَايِمَ
وَالْفَرَسَ مِنْ أُورُشَلِيمَ،
وَتُقْطَعُ قَوْسُ الْحَرْبِ.
وَيَتَكَلَّمُ بِالسَّلاَمِ لِلأُمَمِ.
وَسُلْطَانُهُ مِنَ الْبَحْرِ إِلَى الْبَحْرِ
وَمِنَ النَّهْرِ إِلَى أَقَاصِي الأَرْضِ.
وَأَنْتِ أَيْضًا فَإِنِّي بِدَمِ عَهْدِكِ،
قَدْ أَطْلَقْتُ أَسْرَاكِ مِنَ الْجُبِّ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ مَاءٌ. (زكريا 9: 9-11)

إنّ هذا الملك الذي تنبَّأ عنه زكريّا سيكون مختلفًا عن غيره من الملوك. فهو لن يصبح ملكًا باستخدام ‘المركبات’ و ‘أفراس الحرب’ و ‘قوس المعركة’. في الواقع، سوف يقوم هذا الملك بإزالة هذه الأسلحة، وسوف ‘يُعلن السلام للأُمم’ بدلاً من ذلك. لكنّ هذا الملك سيكون عليه، مع ذلك، أن يكافح لهزيمة العدوّ. سيكون عليه أن يُجاهد كما هو الحال في الجهاد الأعظم.

وهذا يصبح واضحًا عندما نعرف العدوّ الذي تقول النبوءة إنّ على هذا الملك أن يواجهه. إنّ عدوَّ الملك عادةً، هو ملكٌ آخر من أُمّةٍ مُعادية، أو هو جيشٌ آخر، أو هو ثورةٌ مِن قِبَل شعبه،  أو من أشخاصٍ يقفون ضدّه. لكنّ النبيّ زكريّا كتبَ أنّ الملك الذي أظهر نفسه وهو راكبٌ على ‘حمارٍ’ و ‘يتكلَّم بالسلام للأمم’، سوف ‘يُطلقُ الأسرى من الجبّ الذي ليس فيه ماءٌ’ (v11). كان البئر هو الطريقة العبريّة للإشارة إلى القبر أو إلى الموت. سوف يقوم هذا الملك بتحرير الذين كانوا سجناء، ليس مِن قِبَل حكّامٍ طُغاةٍ، ولا مِن قِبَل سياسيِّين فاسدين، أو مُحاصَرين في سجونٍ مِن صُنع الإنسان، إنّما أولئك الذين كانوا ‘أسرى’ الموت.

عندما نتحدّث عن إنقاذ الناس من الموت، فهذا يعني إنقاذ شخصٍ ما بحيث يُقضى على الموت. على سبيل المثال، قد نقوم بإنقاذ شخصٍ يغرق، أو تقديم دواءٍ ما يُنقذ حياة أحد الأشخاص. هذا ‘الإنقاذ’ يعمل فقط على تأجيل الموت لأنّ الشخص الذي تمَّ إنقاذه سوف يموت في وقتٍ لاحقٍ. لكنّ زكريّا لم يكن يتنبّأ عن إنقاذ الأشخاص من الموت، بل عن ملكٍ سوف يقوم بإنقاذ الذين هم أسرى الموت – أولئك الذين قد ماتوا فعلاً. إن مجيء الملك راكبًا على حمار الذي تنبّأ به زكريّا، كان لمواجهة وهزيمة الموت نفسه – تحرير أسراه. وهذا يتطلَّب كفاحًا هائلاً – جهادًا لم يسبق له مثيلٌ مِن قَبل. يُشير العلماء أحيانًا إلى ‘الجهاد الأكبر’ لصراعاتنا الداخليّة، و ‘الجهاد الأصغر’ لصراعاتنا الخارجيّة. من خلال مواجهة ‘البئر’، سوف يواجه هذا الملك كلَّا من هذه الصراعات أو الجهاد.

ما هي الأسلحة التي كان الملك سيستخدمها في هذا الجهاد أو الصراع مع الموت؟ كتب النبيّ زكريّا أنّ هذا الملك سوف يأخذ فقط ‘‘دمَ عَهدِكَ’’ إلى معركته في الجُبِّ. سيكون دمه السلاح الذي سيواجه به الموت.

من خلال دخول أورشليم (القدس) على حمار، أعلن عيسى أنّه هو هذا الملك – المسيح.

لماذا بكى عيسى المسيح (عليه السلام) حزنًا

في يوم أحد الشعانين، عند دخول عيسى المسيح إلى أورشليم (الذي يُعرَف أيضًا بالدخول المُنتَصِر)، عارضهُ الرؤساء الدينيّون. يصفُ إنجيل لوقا ردّ فعل عيسى المسيح على معارضتهم.

وَفِيمَا هُوَ (عيسى المسيح) يَقْتَرِبُ نَظَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَبَكَى عَلَيْهَا قَائِلاً: ‘‘إِنَّكِ لَوْ عَلِمْتِ أَنْتِ أَيْضًا، حَتَّى فِي يَوْمِكِ هذَا، مَا هُوَ لِسَلاَمِكِ! وَلكِنِ الآنَ قَدْ أُخْفِيَ عَنْ عَيْنَيْكِ. فَإِنَّهُ سَتَأْتِي أَيَّامٌ وَيُحِيطُ بِكِ أَعْدَاؤُكِ بِمِتْرَسَةٍ، وَيُحْدِقُونَ بِكِ وَيُحَاصِرُونَكِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، وَيَهْدِمُونَكِ وَبَنِيكِ فِيكِ، وَلاَ يَتْرُكُونَ فِيكِ حَجَرًا عَلَى حَجَرٍ، لأَنَّكِ لَمْ تَعْرِفِي زَمَانَ افْتِقَادِكِ (مجيُّ اللهُ إليكِ)’’. (لوقا 19: 41-44)

قال عيسى المسيح، على وجه التحديد، ينبغي أن يكون القادة قد ‘عرفوا وقت مجيء الله’ في ‘هذا اليوم’. ما الذي كان يعنيه؟ ما الذي قد فاتهم معرفته؟

كان الأنبياء قد تنبَّؤا ﺑ ‘اليوم’

قبل قرونٍ، تنبَّا النبيّ دانيال (عليه السلام) بأنّ المسيح سوف يأتي بعد 483 سنة من إصدار مرسوم إعادة بناء أورشليم. لقد قمنا بحساب أنّ السنة التي توقّعها دانيال هي 33 ميلاديّة – سنة دخول عيسى المسيح إلى أورشليم راكبًا على حمار. إنّ التنبُّؤ بسنة الدخول قبل مئات السنين من حدوثه، هو أمرٌ مُذهلٌ. لكن يمكن حساب الزمن باليوم. (يُرجى المراجعة هنا) أوّلاً لأنّنا نعتمد على ذلك.

لقد توقَّع النبيّ دانيال 483 سنة ،باعتبار السنة هي 360 يومًا، قبل إعلان المسيح عن نفسه. وبناء على ذلك، فإنّ عدد الأيّام هو :

483 سنة * 360 يومًا/سنة = 173880 يومًا

من حيث التقويم الدَوليّ الحديث الذي يقول إنّ عدد أيّام السنة هو 365.2422 يومًا، فهذا يكون 476 سنة زائد 25 يومًا إضافيًّا.  (173880/365.24219879 = 476، يتبقّى 25)

متى صدرَ مرسوم إعادة بناء أورشليم الذي بدأ هذا العَدُّ التنازليّ؟ لقد صدرَ:

فِي شَهْرِ نِيسَانَ فِي السَّنَةِ الْعِشْرِينَ لأَرْتَحْشَسْتَا الْمَلِكِ… (نحميا 2: 1)

لم يُحَدَّد في أيِّ يومٍ من نيسان (شهرٌ في التقويم اليهودي)، ولكن من المُرجَّح أن يكون ذلك في 1 نيسان بما أنّ هذا اليوم هو بداية السنة الجديدة، ممّا يمنح الملك سببًا للتحدُّث إلى نحميا خلال الاحتفال. كما أنّ الأوّل من نيسان سيكون علامة القمر الجديد لأنّ الأشهر كانت قمريّة (مثل التقويم الإسلامي). حُدِّدَت الأقمار الجديدة بالطريقة الإسلاميّة التقليديّة – من خلال مراقبة رجال مُعتَرَف بهم ظهور القمر الجديد (الهلال). بواسطة علم الفك الحديث، يمكننا معرفة متى كان الظهور الأوّل في سنة 444 قبل الميلاد لذلك القمر الجديد الذي يُحدِّد الأوّل من شهر نيسان. تكمن الصعوبة في معرفة إذا كان الهلال الأوّل قد شوهِدَ فعلاً مِن قِبَل المراقبين في ذلك اليوم، أو إذا كان قد فاتهم مشاهدته وتأخّرت بداية نيسان يومًا واحدًا. تضعُ الحسابات الفلكيّة ظهور هلال الأوّل من نيسان من السنة العشرين للإمبراطور الفارسيّ أرْتَحْشَستّا، في الساعة 10 مساءً من يوم 4 نيسان سنة 444 قبل الميلاد بحسب التقويم الحديدث [2]. إذا فات المراقبون رؤية الهلال، سيكون الأول من نيسان في اليوم التالي، أيّ 5 مارس، 444 قبل المسيح. في كلتا الحالتَين، سيكون المرسوم الفارسي لإعادة بناء أورشليم قد صدر في 4 أو 5 مارس سنة 444 قبل الميلاد.

إنّ إضافة 476 عامًا من الوقت الذي تنبَّأ به دانيال إلى هذا التاريخ، تصلُ بنا إلى 4 أو 5 مارس، عام 33 ميلادي. (ليس هناك سنة 0، يبدأ التقويم الحديث من 1 قبل الميلاد إلى 1 ميلاديّة في سنةٍ واحدة، بحيث يكون الحساب هو -444 + 476 + 1 = 33). بإضافة 25 يومًا المتبقيّة من الوقت الذي تنبّأ به دانيال إلى 4 أو 5 آذار/مارس، سنة 33 ميلاديّة، يكون الناتج 29 أو 30 آذار سنة 33م  كما هو موضَّح في الجدول الزمنيّ أدناه. كان 29 آذار/مارس سنة 33م هو يوم أحد – أحد الشعانين – اليوم نفسه الذي دخل فيه عيسى (عليه السلام) إلى أورشليم راكبًا على حمار، مُعلنًا أنّه المسيح. نحن نعرف ذلك لأنّ يوم الجمعة التالي كان يصادف عيد الفصح اليهودي – وكان موعد عيد الفصح دائمًا هو 14 نيسان. و 14 نيسان في سنة 33م كان يوافق 3 نيسان/أبريل. وبما أنّه كان قبل 5 أيّام من يوم الجمعة 3 نيسان/أبريل، فقد كان أحد الشعانين في يوم 29 آذار/مارس.

من خلال دخوله أورشليم في 29 آذار/ماس سنة 33م راكبًا على حمار، حقَّق النبيّ عيسى كلاًّ من نبوءة زكريّا ونبوءة دانيال – باليوم. وهذا ما يوضّحه الجدول الزمنيّ أدناه.

تنبّأ دانيال قبل 173880 يومًا قبل إعلان المسيح عن نفسه؛ وقد بدأ نحميا بالعدّ التنازليّ للوقت. وقد انتهى ذلك إلى يوم 29 آذار/مارس، سنة 33م عندما دخل عيسى أورشليم يوم أحد الشعانين.
تنبّأ دانيال قبل 173880 يومًا قبل إعلان المسيح عن نفسه؛ وقد بدأ نحميا بالعدّ التنازليّ للوقت.
وقد انتهى ذلك إلى يوم 29 آذار/مارس، سنة 33م عندما دخل عيسى أورشليم يوم أحد الشعانين.

هذه النبوءات العديدة التي تحقَّقَت في يومٍ واحدٍ، تُظهِر الآيات الواضحة التي استخدمها الله لإعلان خطّته بشأن المسيح. لكن بعد ذلك في نفس اليوم، حقّق عيسى المسيح أيضًا نبوءةً أُخرى للنبيّ موسى (عليه السلام). بقيامه بذلك، أطلق الأحداث التي من شأنها أن تؤدّي إلى جهاده ضدّ ‘الجُبّ’ – عدوّه الموت. سوف نتطرَّق إلى ذلك لاحقًا.


في ما يلي، كيف تعني كلمة ‘جبٍّ’ للأنبياء، وبعض الأمثلة على ذلك:

‘‘لكِنَّكَ انْحَدَرْتَ إِلَى الْهَاوِيَةِ، إِلَى أَسَافِلِ الْجُبِّ’’. (إشعياء 14: 15)

لأَنَّ الْهَاوِيَةَ لاَ تَحْمَدُكَ. الْمَوْتُ لاَ يُسَبِّحُكَ. لاَ يَرْجُو الْهَابِطُونَ إِلَى الْجُبِّ أَمَانَتَكَ. (إشعياء 38: 18)

يَا رَبُّ، أَصْعَدْتَ مِنَ الْهَاوِيَةِ نَفْسِي. أَحْيَيْتَنِي مِنْ بَيْنِ الْهَابِطِينَ فِي الْجُبِّ. (مزمور 30: 3)

للتحويل بين التقويمين القديم والحديث (على سبيل المثال، 1 نيسان = 4 آذار، سنة 444 ق.م)، ولحساب الظهور القديم لهلال الأقمار، استخدمتُ مؤلَّف الدكتور هارولد دبليو هوهنير (Dr, Harold W. Hoehner) جوانب التسلسل الزمني لحياة المسيح (Chronological Aspects of the Life of Christ). 1977. الصفحة 176.

النبيُّ عيسى المسيح (عليه السلام) يخلِّصُ خائنًا ‘ضالًّا’

سورة الشُورى (سورة 42) تُخبِرنا ما يلي:

ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ.

وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ.

(سورة الشورى 42: 23-26)

وبالمِثل، تُعلِنُ سورة القصص سورة 28

فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ.

(سورة  القصص 28: 67)

ولكن، ماذا لو أنّنا لم  نَقُم ’’بعمل البِرّ‘‘ ، ولا قُمنا  ’’بأعمالٍ صالحة‘‘ وفشِلنا في الخدمة الصالحة؟ تشرحُ شريعة موسى الطاعة المُطلقة المطلوبة، و ’’العقاب الرهيب‘‘ لكُلِّ مَن يفشل في اتّباعها. وهذا ما تؤكّده هذه الآية في سورة الشورى وسورة القصص. كانت الأخبار السارّة  لعيسى المسيح عليه السلام هي لأولئك الأشخاص الذين أخفقوا في عَمَل الصالحات كما هو موضَّحٌ في هذه الآية. هل أنتَ أحد الذين لم يعملوا صالحًا على نحوٍ تامّ؟ إذن، اقرأ  لقاء عيسى المسيح برجلٍ لم يَقُم بأيِّ عملٍ بارّ – وكان حتّى خائنًا.

النبيُّ عيسى المسيح (عليه السلام) قد أعاد لِعازر إلى الحياة من الموت – كاشفًا عن هدف رسالته – ليحطِّم الموت نفسه. وهو الآن في طريقة إلى أورشليم القدس لإتمام مهمّته. وفي طريقه، مرَّ بأريحا (التي لا تزال موجودة اليوم في الضفّة الغربيّة من فلسطين). جاء حشدٌ كبيرٌ لمشاهدته بسبب تعاليمه و معجزاته العديدة. كان في ذلك الحشد رجلٌ غنيٌّ لكنّه مُحتَقَر – اسمه زكّا. كان غنيًّا لأنّه كان جامع ضرائب للرومان الذين كانوا يحتَّلون اليهوديّة بالقوّة العسكريّة. وكان يجمع ضرائب من الشعب تفوق ما تطلب روما جمعه – وكان يحتفظ بالزيادة لنفسه. كان مُحتَقَرًا من اليهود لأنّه، بالرغم من كونه يهوديًّا، كان يعمل للمُحتَلّين الرومان بهذه الطريقة ويغشّ شعبه. كانوا يعتبرونه خائنًا لشعبه.

وبما أنّ زكّا كان قصير القامة، فلم يكن قادرًا على رؤية النبيّ عيسى المسيح (عليه السلام) بين الحشد، ولم يكن هناك مَن يرغب في مساعدته. يسجِّل الإنجيل لقاءه بالنبيّ وما قيل خلال هذا اللقاء:

 وَدَخَلَ يَسُوعُ أرِيحا وَراحَ يَمشِي فِيها. 2 فَجاءَ رَجُلٌ اسْمُهُ زَكّا، وهُوَ رَجُلٌ غَنيٌ مِنْ كِبارِ جامِعِي الضَّرائِبِ، 3 وَأرادَ أنْ يَرَى مَنْ يَكُونُ يَسُوعُ. لَكِنَّهُ عَجِزَ عَنْ رُؤيَتِهِ بِسَبَبِ الحَشدِ، لأنَّهُ قَصِيْرَ القامَةِ. 4 فَرَكَضَ وَسَبَقَ الجَمِيعَ، وَتَسَلَّقَ شَجَرَةَ جُمِّيْزٍ راجِياً أنْ يَرَى يَسُوعَ الَّذِي كانَ سَيَمُرُّ مِنْ ذَلِكَ المَكانِ.

5 وَعِندَما وَصَلَ يَسُوعُ إلَى المَكانِ، رَفَعَ بَصَرَهُ وَقالَ لَهُ: «يا زَكّا، عَجِّلْ بِالنُّزُولِ، لِأنَّهُ لا بُدَّ أنْ أمْكُثَ اليَومَ فِي بَيتِكَ.»

6 فَنَزَلَ بِسُرعَةٍ وَاستَضافَهُ فِي بَيتِهِ فَرِحاً.

7 فَلَمّا رَأى النّاسُ ذَلِكَ، بَدَأُوا يَتَذَمَّرُونَ وَيَقولونَ: «لَقَدْ ذَهَبَ لِيَحِلَّ ضَيفاً عَلَى إنسانٍ خاطِئٍ.»

8 أمّا زَكّا فَقَدْ وَقَفَ وَقالَ لِلرَّبِّ: «يا رَبُّ! ها أنا سَأُعطِي نِصفَ ما أملكُهُ لِلفُقَراء. وَإنْ كُنْتُ قَدِ ظَلَمْتُ أحَداً، فَإنِّي سَأُعَوِّضُهُ بِأربَعَةِ أضعافٍ.»

9 فَقالَ يَسُوعُ: «اليَومَ جاءَ الخَلاصُ إلَى هَذا البَيتِ. فَهَذا الرَّجُلُ هُوَ أيضاً ابنٌ لإبراهِيمَ. 10 لِأنَّ ابنَ الإنسانَ جاءَ لِكَي يَجِدَ الضّائِعِيْنَ فَيُخَلِّصَهُمْ.»

(لوقا 19: 1-10)

لم يعجب الناس ما فعله النبيّ – دعوة نفسه إلى منزل زكّا. كان زكّا رجلاً سيّئًا، وكان الجميع يعرفون ذلك. لكنّ زكّا اعترف بأنّه كان خاطئًا. معظمنا يخفي خطاياه ويُغطّيها أو يدَّعي بأنّه ليس لديه خطايا. ولكن لم يكن الأمر كذلك بالنسبة إلى زكّا. كان يعرفُ أنّ ما يفعله هو خطأ – وحتّى خيانة. ومع ذلك، عندما خطا الخطوة الأولى للقاء النبيّ، كانت استجابة النبيّ عيسى المسيح ودودة ومرحّبة إلى درجة أنّها فاجأت الجميع.

أراد عيسى المسيح (عليه السلام) من زكّا أن يتوب، وأن يبتعد عن الخطيئة، وأن يأتي إليه وهو يؤمن بأنّه ‘المسيح’. وعندما فعل زكّا هذا، وجد أنّ النبيّ (عليه السلام) قد غفر له – مُعلنًا أنّه قد ‘نال الخلاص أو خَلُصَ’ ولم يعُد ‘ضالًّا’.

ماذا عنك وعنّي؟ ربّما لم نفعل نحن تلك الأمور المخجلة كما فعل زكّا. ولكن لأنّنا لسنا سيِّئين جدًّا، فإنّنا نعتقد، مثل آدم، أنّنا نستطيع إخفاء أو سَتْرَ الخطايا ‘الصغيرة’ التي نفعلها و ‘‘الأخطاء’’ التي نرتكبها أو التظاهُر بعدم وجودها. نحن نأملُ أن نتمكّن من القيام بما يكفي من الأمور الجيّدة لندفع ثمن أفعالنا السيّئة. كان ذلك هو ما اعتقده الحشد الذي أتى لرؤية النبيّ. لذلك، لم يقُم عيسى بدعوة نفسه إلى أيٍّ من بيوتهم، ولم يُعلن أنّ أيًّا منهم قد ‘‘خلُصَ’’ – لم يخلُص سوى زكّا. من الأفضل بكثير لنا أن نعترف بخطايانا أمام الله ولا نحاول إخفاءها. وبعد ذلك، عندما ننال نحن أنفسنا رحمة عيسى المسيح سوف نجد أنّ المغفرة والعفو سيُمنحان لنا بما يتجاوز ما يمكن أن نتصوّره.

ولكن كيف يمكن أن تُمحى أعمال زكّا السيِّئة بحيث يمكنه أن يضمن الغفران من تلك اللحظة – دون انتظار يوم الدينونة؟ نتابع خطى عيسى المسيح (عليه السلام) وهو يواصل تقدّمه نحو أورشليم القدس لإتمام رسالته.

مُهمَّة عيسى المسيح في إقامة لعازر من الموت

ورة الدخّان (سورة 44) تخبرنا أنَّ قبيلة قُرَيش رفضَت رسالة النبيّ محمّدﷺ من خلال توجيه التحدّي التالي له:

إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ فَأْتُوا بِآَبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ.

(سورة الدُخّان 44: 34- 36)

 تحَدّوه أن يُقيمَ شخصًا من بين الأموات ليُثبِتَ صحّة رسالته. تتحدَّث سورة الأحقاف (سورة 46) عن تحَدٍّ مماثلٍ من شخصٍ غير مؤمنٍ لوالدَيه المؤمِنَين.

وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آَمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ 

(سورة الأحقاف 46: 17)

رفضَ غيرَ المؤمن القيامة باعتبارها  خرافة بما أنّها لم تحدُث قَط حتّى الآن. تُشيرُ سورة الدُخّان وسورة الأحقاف، على حَدٍّ سواء، إلى المؤمنين الذين يستخدمون النصّ الذي يتحدَّث عن إقامة الأموات لامتحان النبيّﷺ ومُعتَقَد جميع الموَحِّدين المؤمنين بالله. واجه النبيّ عيسى المسيح، عليه السلام، النوع نفسه من التدقيق مِن قِبَل خصومه. وقد استخدَمّ هذا الامتحان لإعلان كلٍّ من آية سلطانه والغاية من رسالته.

سيدنا المسيح يقيم لعازر من الموت

ماذا كانت رسالة عيسى المسيح؟

لقد علَّم عيسى المسيح (عليه السلام) وشفى المرضى وأجرى العديد من المعجزات. لكنّ سؤالًا لا يزال باقيًا في أذهان تلاميذه وأتباعه وحتى أعدائه: لماذا جاء؟ إنّ العديد من الأنبياء السابقين، بما في ذلك النبيّ موسى (عليه السلام)، قد أجروا معجزات قويّة. بما أنّ موسى قد أعطى الشريعة ، وعيسى نفسه قال إنّه ‘‘لم يأتِ لينقض الناموس (الشريعة)’’، فلماذا إذًا أرسله الله؟
     أصبح صديق النبيّ (عليه السلام) مريضًا جدًّا. وقد توقَّع تلاميذ النبيّ عيسى المسيح (عليه السلام) أن يشفي صديقه كما شفى العديد من الأشخاص الآخرين. لكنّ عيسى المسيح (عليه السلام) تعمَّدَ ألّا يشفي صديقه، وبفعل ذلك، قام بإعلان مهمّته. يسجِّل الإنجيل ما حدث على هذا النحو:

عيسى المسيح يُجابه الموت

       1 وَمَرِضَ رَجُلٌ اسْمُهُ لِعازَرَ مِنْ قَرْيَةِ بَيْتَ عَنْيا، وَهِيَ القَرْيَةُ الَّتِي كانَتْ تَسْكُنُ فِيْها مَرْيَمُ وَأُختُها مَرْثا. 2 وَمَرْيَمُ هِيَ أُختُ لِعازَرَ المَرِيْضِ، وَهِيَ المَرْأةُ الَّتِي مَسَحَتْ قَدَمَيِّ الرَّبِّ بِالعِطْرِ وَنَشَّفَتْهُما بِشَعْرِها. 3 فَأرْسَلَتِ الأُختانِ إلَى يَسُوعَ شَخْصاً يَقُولُ لَهُ: «يا سَيِّدُ، ها إنَّ الَّذِي تُحِبُّهُ مَرِيْضٌ.»
 
4 فَلَمّا سَمِعَ يَسُوعُ ذَلِكَ قالَ: «لَنْ يَنتَهِيَ هَذا المَرَضُ بِالمَوْتِ، لَكِنَّهُ لِمَجْدِ اللهِ، وَلِكَيْ يَتَمَجَّدَ ابْنُ اللهِ بِواسِطَتِهِ.»
 
5 وَكانَ يَسُوعُ يُحِبُّ مَرْثا وَأُختَها وَلِعازَرَ. 6 فَلَمّا سَمِعَ أنَّ لِعازَرَ مَرِيْضٌ، مَكَثَ يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ حَيْثُ كانَ. 7 بَعْدَ ذَلِكَ قالَ لِتَلامِيْذِهِ: «لِنَرْجِعْ إلَى اليَهُودِيَّةِ.»
 
8 فَقالَ لَهُ تَلامِيْذُهُ: «يا مُعَلِّمُ، لَقَدْ حاوَلَ اليَهُودُ أنْ يَرْجُمُوكَ فِي ذَلِكَ المَكانِ مُنْذُ مُدَّةٍ قَصِيْرَةٍ، فَكَيْفَ تَرْجِعُ إلَى هُناكَ؟»
 
9 أجابَ يَسُوعُ: «ألَيْسَتْ ساعاتُ النَّهارِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ؟ فَإنْ سارَ أحَدٌ فِي النَّهارِ، فَإنَّهُ لا يَتَعَثَّرُ لِأنَّهُ يَرَى نُورَ هَذا العالَمِ. 10 أمّا إنْ سارَ أحَدٌ لَيلاً، فَإنَّهُ يَتَعَثَّرُ لِأنَّهُ بِلا نُورٍ.»
 
11 ثُمَّ قالَ لَهُمْ: «لَقَدْ نامَ صَدِيْقُنا لِعازَرُ، لَكِنِّي سَأذْهَبُ لِكَيْ أُوقِظَهُ.»
 
12 فَقالَ لَهُ تَلامِيْذُهُ: «يا رَبُّ، إنِ اسْتَطاعَ أنْ يَنامَ، فَسَيَتَعافَى.» 13 وَكانَ يَسُوعُ يَتَحَدَّثُ عَنْ مَوْتِ لِعازَرَ، لَكِنَّهُمْ ظَنُّوا أنَّهُ كانَ يَتَحَدَّثُ عَنِ النَّوْمِ الطَّبِيْعِيِّ.
 
14 فَقالَ لَهُمْ يَسُوعُ بِوُضُوحٍ: «ماتَ لِعازَرُ. 15 وَأنا سَعِيْدٌ لِأنِّي لَمْ أكُنْ هُناكَ، وَذَلِكَ لِكَيْ تُؤْمِنُوا أنتُمْ. فَلْنَذْهَبِ الآنَ إلَيْهِ.»
 
16 فَقالَ تُوما، وَيَعْنِي اسْمُهُ «التَّوْأمَ،» لِبَقِيَّةِ التَّلامِيْذِ: «دَعُونا نَذْهَبُ نَحنُ أيضاً لِكَيْ نَمُوتَ مَعَ السَّيِّدِ.»
 
يَسُوعُ فِي قَرْيَةِ بَيْتِ عَنْيا
 
17 فَذَهَبَ يَسُوعُ وَوَجَدَ أنَّهُ قَدْ مَضَتْ عَلَى لِعازَرَ أربَعَةُ أيّامٍ فِي القَبْرِ. 18 وَلَمْ تَكُنْ قَرْيَةُ بَيْتَ عَنْيا تَبْعُدُ عَنْ مَدِيْنَةِ القُدْسِ إلّا نَحوَ مِيلَينِ. 19 فَجاءَ كَثِيْرٌ مِنَ اليَهُودِ إلَى مَرْثا وَمَرْيَمَ لِيُعَزُّوهُما عَنْ أخِيْهِما.
 
20 فَلَمّا سَمِعَتْ مَرْثا أنَّ يَسُوعَ قَدْ جاءَ، ذَهَبَتْ لاسْتِقْبالِهِ. أمّا مَرْيَمُ فَبَقِيَتْ فِي البَيْتِ. 21 فَقالَتْ مَرْثا لِيَسُوعَ: «لَوْ كُنْتَ هَنُا يا سَيِّدُ لَما ماتَ أخِي، 22 لَكِنِّي أعرِفُ الآنَ أيضاً أنَّ اللهَ يُعطِيْكَ كُلَّ ما تَطلُبُهُ مِنْهُ.»
 
23 فَقالَ لَها يَسُوعُ: «سَيَقُومُ أخُوكِ مِنَ المَوْتِ.»
 
24 فَقالَتْ لَهُ مَرْثا: «أنا أعرِفُ أنَّهُ سَيَقُومُ مِنَ المَوْتِ فِي القِيامَةِ، فِي اليَوْمِ الأخِيْرِ.»
 
25 فَقالَ لَها يَسُوعُ: «أنا هُوَ القِيامَةُ وَالحَياةُ. مَنْ يُؤْمِنُ بِي، وَإنْ ماتَ، فَسَيَحيا ثانِيَةً. 26 وَكُلُّ مَنْ يَحيا مُؤْمِناً بِي، فَلَنْ يَمُوتَ أبَداً. أتُؤْمِنِيْنَ بِهَذا؟»
 
27 قالَتْ لَهُ: «نَعَمْ يا رَبُّ، أُومِنُ بِأنَّكَ المَسِيْحُ ابْنُ اللهِ الآتِي إلَى هَذا العالَمِ.»
 
28 وَبَعْدَ أنْ قالَتْ هَذا، ذَهَبَتْ وَنادَتْ أُختَها مَرْيَمُ وَقالَتْ لَها سِرّاً: «المُعَلِّمُ هُنا، وَهُوَ يَسْألُ عَنْكِ.» 29 فَلَمّا سَمِعَتْ مَرْيَمُ هَذا، قامَتْ مُسْرِعَةً وَذَهَبَتْ إلَيْهِ. 30 وَلَمْ يَكُنْ يَسُوعُ قَدْ دَخَلَ القَرْيَةَ بَعْدُ، بَلْ كانَ ما يَزالُ فِي المَكانِ الَّذِي لاقَتْهُ فِيْهِ مَرْثا. 31 وَكانَ بَعضُ اليَهُودِ مَعَ مَرْيَمَ فِي البَيْتِ يُعَزُّونَها. فَلَمّا رَأَوْا أنَّها قامَتْ وَخَرَجَتْ مِنَ البَيْتِ مُسْرِعَةً، لَحِقُوا بِها. فَقَدْ ظَنُّوا أنَّها ذاهِبَةٌ إلَى القَبْرِ لِتَبْكِيَ هُناكَ. 32 وَحِيْنَ وَصَلَتْ مَرْيَمُ إلَى حَيْثُ كانَ يَسُوعُ وَرَأتْهُ، وَقَعَتْ عِنْدَ قَدَمَيْهِ وَقالَتْ لَهُ: «لَوْ كُنْتَ هُنا يا سَيِّدُ لَما ماتَ أخِي.»
 
33 فَلَمّا رَآها يَسُوعُ تَبْكِي هِيَ وَاليَهُودُ الَّذِيْنَ جاءُوا مَعَها، تَأثَّرَ فِي رُوحِهِ وَتَضايَقَ.
 
34 ثُمَّ قالَ: «أيْنَ دَفَنْتُمُوهُ؟»
 
فَقالُوا لَهُ: «تَعالَ وَانظُرْ يا سَيِّدُ.»
 
35 فَبَكَى يَسُوعُ.
 
36 فَقالَ بَعضُ اليَهُودِ: «انظُرُوا كَمْ كانَ يُحِبُّهُ!»
 
37 وَقالَ بَعضُهُمْ: «أما كانَ بِإمْكانِ الَّذِي أعطَى الأعمَى بَصَراً أنْ يَحفَظَ لِعازَرَ مِنَ المَوْتِ؟» فَتَأثَّرَ يَسُوعُ فِي نَفْسِهِ ثانِيَةً.
 
38 ثُمَّ اقْتَرَبَ مِنَ القَبْرِ، وَكانَ القَبْرُ مَغارَةً تَسُدُّ بابَها صَخْرَةٌ. 39 فَقالَ يَسُوعُ: «أزِيْحُوا هَذِهِ الصَّخْرَةَ.»
 
فَقالَتْ مَرْثا أُختُ المَيِّتِ: «سَتَكُونُ رائِحَتُهُ كَرِيْهَةً يا سَيِّدُ، فَقَدْ مَضَتْ عَلَيْهِ أربَعَةُ أيّامٍ.
 
40 فَقالَ لَها يَسُوعُ: «ألَمْ أقُلْ لَكِ إنْ آمَنْتِ فَسَتَرَيْنَ مَجْدَ اللهِ؟»
 
41 ثُمَّ أزاحُوا الصَّخْرَةَ، فَرَفَعَ يَسُوعُ عَيْنَيْهِ وَقالَ: «أيُّها الآبُ، أشْكُرُكَ لِأنَّكَ سَمِعْتَ لِي. 42 وَأنا أعرِفُ أنَّكَ دائِماً تَسْمَعُ لِي، لَكِنِّي تَكَلَّمْتُ مِنْ أجلِ هَؤُلاءِ النّاسِ لِكَيْ يُؤْمِنُوا بِأنَّكَ أنتَ أرْسَلْتَنِي.» 43 وَبَعْدَ أنْ قالَ هَذا، نادَى بِصَوْتٍ مُرْتَفِعٍ: «يا لِعازَرُ، اخرُجْ!» 44 فَخَرَجَ المَيِّتُ وَقَدْ رُبِطَتْ يَداهُ وَرِجلاهُ بِقُماشِ الأكفانِ، وَكانَ وَجهُهُ مَلْفُوفاً بِمِنْدِيلٍ.
 
فَقالَ يَسُوعُ: «حُلُّوهُ وَدَعُوهُ يَذْهَبْ.»(يوحنا 11: 1- 44)
     أمِلَت الشقيقتان أن يأتي عيسى المسيح بسرعة ليشفي شقيقهما. لكنّ عيسى المسيح قام بتأخير رحلته وكانت غايته من ذلك أن يدَع لعازر يموت، ولم يتمكّن أحد من فهم سبب قيامه بذلك. ولكن في هذه الحالة يمكننا أن نرى ما في قلبه ونعرف أنّه كان غاضبًا. ولكن مِمَّن كان غاضبًا؟ الشقيقتان؟ الجمع؟ التلاميذ؟ لعازر؟ كلاّ، كان غاضبًا من الموت نفسه. كانت هذه إحدى مرّتَين فقط  ذُكِرَ فيهما أنّ عيسى المسيح قد بكى. لماذا بكى؟ لأنّه رأى صديقه وقد غيَّبه الموت. لقد أثار الموت غضب النبيّ وكذلك جعله يبكي.
     إنّ شفاء المرضى، بقدر ما هو أمرٌ جيِّدٌ، فإنّه لا يؤدّي إلّا إلى تأجيل موتهم. سواءٌ شفوا أم لا، فإنّ الموت يأخذ الجميع في نهاية المطاف، سواءٌ أكانوا صالحين أو طالحين، رجالاً أو نساءً، شيبةً أو شبّانًا، متديِّنين أو غير متديِّنين. كان هذا هو الواقع منذ آدم الذي، وفقًا لما جاء في التوراة والقرآن الكريم، قد أصبح فانيًا بسبب عصيانه. وبذلك أصبحت ذريَّته كلّها، بمن فيهم أنت وأنا، رهينةً لدى العدوّ – الموت. إنّنا نشعر أمام الموت أنّه لا يوجد أمل ولا جواب. عندما يتعلَّق الأمر بالمرض فقط، يظلُّ الأمل موجودًا، وهذا هو السبب في أنّ أُختَي لعازر كان لديهما أملٌ في شفائه. ولكنهما فقدتا الأمل حين مات. وهذا هو الحال أيضًا بالنسبة إلينا. في المستشفى يكون هناك بعض الأمل، ولكن في الجنازة لا يكون هناك أيّ أمل. إنّ الموت هو عدوّنا النهائي. إنّه العدوّ الذي جاء عيسى المسيح ليهزمه لأجلنا، ولهذا أعلن للأُختَين:
‘‘أنا هو القيامة والحياة’’. (يوحنا 11: 25)
     جاء عيسى المسيح (عليه السلام) ليُحطِّم الموت ويُعطي الحياة لجميع الذين يرغبون في ذلك. لقد أظهر سلطته في هذه المهمّة من خلال إقامة لعازر علانيةً من الموت. وكان ذلك بمثابة عرضٍ ليقوم بالأمر نفسه لجميع الذي يريدون الحياة بدلاً من الموت.

ردود الفعل على ما قام به النبيّ

ردود الفعل على ما قام به النبيّ     على الرغم من أنّ الموت هو العدوّ النهائي لجميع الناس، فإنّ الكثيرين منّا محاصرون ‘بأعداء’ أصغر نتيجة الصراعات المستمرّة (السياسيّة والدينيّة والعُرقيّة، وما إلى ذلك) الدائرة مع آخرين من حولنا طوال الوقت. وهذا كان ما يجري أيضًا في زمن عيسى المسيح. يمكننا أن نرى من ردود فعل الشهود على هذه المعجزة، الشواغل الرئيسة لمختلف الأشخاص الذي كانوا يعيشون في ذلك الوقت. في ما يلي ردود الفعل المختلفة المسجَّلة.
45 فَآمَنَ بِيَسُوعَ كَثِيْرُونَ مِنَ اليَهُودِ الَّذِيْنَ جاءُوا مَعَ مَرْيَمَ وَرَأَوْا ما فَعَلَ. 46 لَكِنَّ جَماعَةً مِنْهُمْ ذَهَبُوا إلَى الفِرِّيْسِيِّيْنَ وَأخبَرُوهُمْ بِما فَعَلَ يَسُوعُ. 47 فَدَعا كِبارُ الكَهَنَةِ وَالفِرِّيْسِيُّونَ إلَى عَقْدِ المَجلِسِ اليَهُودِيِّ، وَقالُوا: «ماذا سَنَفْعَلُ؟ فَهَذا الرَّجُلُ يَصْنَعُ مُعْجِزاتٍ كَثِيْرَةً! 48 فَإذا تَرَكْناهُ، سَيُؤْمِنُ بِهِ الجَمِيعُ. وَسَيَأْتِي الرُّومانُ وَيُدَمِّرُونَ هَيْكَلَنا وَشَعبَنا.»
 
49 وَكانَ رَئِيْسُ الكَهَنَةِ فِي تِلْكَ السَّنَةِ هُوَ قِيافا، وَهُوَ واحِدٌ مِنْهُمْ. فَقالَ لَهُمْ: «أنتُمْ لا تَعْرِفُونَ شَيْئاً! 50 وَلا تُدْرِكُونَ أنَّهُ لِمَصلَحَتِنا أنْ يَمُوتَ رَجُلٌ واحِدٌ عَنِ الشَّعبِ. فَهَذا أفْضَلُ مِنْ أنْ تَمُوتَ الأُمَّةُ بِكامِلِها.»
 
51 وَكانَتْ هَذِهِ نُبُوَّةً بِأنَّ يَسُوعَ سَيَمُوتُ عَنِ الأُمَّةِ. وَلَمْ يَكُنْ قِيافا يَعلَمُ ذَلِكَ، لَكِنَّهُ تنَبَّأ بِذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ رَئِيْسَ الكَهَنَةِ فِي تِلْكَ السَّنَةِ. 52 وَلَيْسَ أنَّ يَسُوعَ سَيَمُوتُ عَنِ اليَهُودِ فَحَسْبُ، بَلْ أيضاً لِيَجمَعَ كُلَّ أولادِ اللهِ المُتَفَرِّقِيْنَ فِي شَعبٍ واحِدٍ.
 
53 وَمُنْذُ ذَلِكَ اليَوْمِ، بَدَأُوا يُخَطِّطُونَ لِقَتلِهِ. 54 فَلَمْ يَعُدْ يَسُوعُ يَتَنَقَّلُ بَيْنَ اليَهُودِ عَلانِيَةً، لَكِنَّهُ ذَهَبَ إلَى بَلْدَةٍ قَرِيْبَةٍ مِنَ البَرِّيَّةِ تُدْعَى أفْرايِمُ، وَأقامَ هُناكَ مَعَ تَلامِيْذِهِ.
 
55 وَكانَ عِيْدُ الفِصْحِ اليَهُودِيِّ قَدِ اقْتَرَبَ، فَذَهَبَ كَثِيْرُونَ مِنَ الرِّيْفِ إلَى مَدِيْنَةِ القُدْسِ قَبلَ الفِصْحِ لِيُطَهِّرُوا أنفُسَهُمْ. 56 وَكانُوا يَبْحَثُونَ عَنْ يَسُوعَ. وَبَيْنَما هُمْ واقِفُونَ فِي ساحَةِ الهَيْكَلِ، أخَذُوا يَتَساءَلُونَ فِيْما بَيْنَهُمْ: «ماذا تَظُنُّونَ؟ ألَنْ يَأْتِيَ إلَى العِيْدِ؟» 57 وَكانَ كِبارُ الكَهَنَةِ وَالفِرِّيْسِيُّونَ قَدْ أصْدَرُوا أوامِرَهُمْ بِأنَّ عَلَى كُلِّ مَنْ يَعْرِفُ مَكانَ يَسُوعَ أنْ يُبَلِّغَ عَنْهُ، لِكَيْ يَقْبِضُوا عَلَيْهِ.
        إذن، ارتفعت حدّة التوتُّر. لقد أعلن عيسى المسيح (عليه السلام) أنّه ‘الحياة’ و ‘القيامة’ وأنّه سيهزم الموت نفسه. كان ردّ القادة اليهود بالتآمر لقتله. لقد آمن به كثيرون، لكنّ آخرين كُثُر لم يعرفوا ما الذي يصدِّقونه. قد يكون أمرًا يستحقُّ الاهتمام عند هذه النقطة أن نسأل أنفسنا، إذا ما كنّا شهودًا على إقامة لعازر من الموت، فما الذي كنّا لنختار القيام به. هل كنّا سنكون مثل الفرّيسيّين ونركِّز على صراعٍ ما سرعان ما سيطويه النسيان في التاريخ ونفقد عرض القيامة من الموت؟ أو سوف ‘نؤمن’ به ونضع رجاؤنا في عرض القيامة الذي قدّمه، حتى ولو لم نفهمه كلّه؟ إنّ ردود الفعل التي وردت آنذاك في الإنجيل، هي ردود الفعل نفسها التي يُبديها اليوم أشخاصٌ مختلفون على العرض الذي قدّمه.
     يتزايد هذا الجدل مع اقتراب الاحتفال بعيد الفصح – وهو الاحتفال نفسه الذي بدأه النبيّ موسى (عليه السلام) قبل 1500 سنة كآيةٍ على التغلُّب على الموت. يواصل الإنجيل إظهار كيف قرّر النبي عيسى المسيح (عليه السلام) إنجاز مهمّته المتمثِّلة في هزيمة الموت.

النبيّ عيسى المسيح (عليه السلام) و آية النبيّ يونان

قُرَيش هي القبيلة العربية التي كانت تسيطر على مكّةَ والكعبة ، وكانت القبيلة التي كان النبي محمد. ينتمي إليها. تصف سورة قُرَيش (سورة 106) العهود المواتية التي تمتَّعت بها قريش.

لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ.

(سورة قريش 106: 1-2)

لكنَّ سورة يونس (سورة 10) تروي ما حدثَ عندما نقلَ النبيُّ محمَّد الرسالة إلى قُرَيش.

أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ.

(سورة يونس 10: 2)

برفضهم رسالته، حذَّرَت سورة القمر (سورة 54) قُرَيش من أنّهم يواجهون

أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ  بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ.

(سورة القمر 54: 43- 46)

تشرحُ سورة يونس أنه بالرغم من أنَّ معظم الأنبياء قد تم تَجاهلهم من قِبَل مستمعيهم (كما هو الحال مع قُريش) ، كان هناك استثناءٌ – النبيّ يونان (يونس) عليه السلام.

فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آَمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آَمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ.

(سورة يونس 10: 98)

أُرسِلَ النبيّ يونان إلى شعبٍ أجنبيٍّ. ومع ذلك تلقُّوا رسالته. لكنّه لم يقبل دوره، وفي محاولته الهرب من هذا الدَور، ابتلعه حوتٌ كبيرٌ. تصِفُ سورة القلَم (سورة 68) كيف تاب عن عصيانه وهو في داخل الحوت وعادَ إلى  مهمّتهِ كنبيّ.

فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ.

(سورة القلَم 68: 48- 50)

مثلهُ مثل النبيّ محمّد، ذهبَ النبيُّ عيسى المسيح إلى شعبه (اليهود)، فاتّهموهُ بالسحر ورفضوا  رسالته. لذلك أشار عيسى المسيح أيضًا إلى النبيّ  يونان (يونس) كآيةٍ. آيةٍ على أيّ شيء؟

سلطان عيسى المسيح محلّ شكٍّ من شعبه

لقد رأينا كيف سجَّل الإنجيل تعاليم النبيّ عيسى المسيح (عليه السلام) وشفاءه المرضى و معجزاته . في كثيرٍ من الأحيان، كان يدعو الذين يستمعون إليه (ويدعونا نحن) إلى قبول ما يقدّمه. لقد أعطانا ‘الماء الحيّ’، الرحمة للخُطاة، العثور على ‘الضالّين’، ودعا جميع الذين كانوا راغبين في دخول ‘ملكوت الله’.

لقد أربكَت هذه التعاليم القادة الدينيّين في ذلك الوقت. وقد تساءلوا بشكلٍ خاص عن السلطة المُعطاة له لكي يتكلّم على هذا النحو. على سبيل المثال، هل كان حقًّا يملك السلطةً ليقدِّم رحمة الله للأشخاص المذنبين، والسلطة ليدفع عن الجميع ثمن الدخول إلى ملكوت الله؟ ولذلك طلبَ منه القادة الدينيّون (الذين يشبهون الأئمّة اليوم) أن يُعطيهم آيةً للبرهان على سلطته. يُسجِّل الإنجيل هذا الحوار:

يُشيرُ عيسى إلى آية يونس

قادَةُ اليَهُودُ يَطلُبُونَ بُرهاناً

38 ثُمَّ طَلَبَ مِنْهُ بَعضُ مُعَلِّمِي الشَّرِيعَةِ وَالفِرِّيسِيُّونَ وَقالوا: «يا مُعَلِّمُ، نُرِيدُ أنْ نَرَى مَنْكَ بُرهاناً مُعْجِزيّاً.»

39 فَأجابَهُمْ: «هَذا الجِيلُ الشِّرِّيرُ الفاسِقُ يَبحَثُ عَنْ بُرهانٍ لِكَي يُؤمِنَ. وَلَنْ يُعطَى إلّا بُرْهانَ النَّبِيِّ يُونانَ. 40 فَكَما أنَّ يُونانَ بَقِيَ فِي بَطنِ السَّمَكَةِ الكَبِيرَةِ ثَلاثَةَ أيّامٍ وَثَلاثَ لَيالٍ، هَكَذا سَيَبقَى ابْنُ الإنسانِ فِي جَوفِ الأرْضِ ثَلاثَةَ أيّامٍ وَثَلاثَ لَيالٍ. 41 سَيَقِفُ أهلُ نِينَوَى يَومَ الدَّينُونَةِ ضِدَّ هَذا الجِيلِ، وَسَيَدِينُونَهُ لأنَّهُمْ تابُوا إذْ سَمِعوا تَحذِيْرَ يُونانَ. وَالآنَ هُنا أمامَكُمْ مَنْ هُوَ أعظَمُ مِنْ يُونانَ.

(متى 12: 38-41)

تاريخ النبيّ يونس

  أجاب عيسى المسيح (عليه السلام) بأن أشار إلى النبيّ يونس. يمكنكم أن تروا في الجدول الزمني أدناه أنّ النبيّ يونس عاش ما يقرب من 800 سنة قبل النبيّ عيسى المسيح.

النبيّ يونس (يونان) في الجدول التاريخي الزمني
النبيّ يونس (يونان) في الجدول التاريخي الزمني

النبيّ يونس في القرآن الكريم

تبَ النبيّ يونس (عليه السلام) سفرًا هو من الكتابات النبويّة. يُلخِّص القرآن الكريم ما كتبه على هذا النحو:

وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ {139}
إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ {140}
فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ {141}
فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ {142}
فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ {143}
لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ {144}
فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ {145}
وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ {146}
وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ {147}
فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ {148}

aS-Saaffaat (سورة الصافّات 37: 139-148)

ابتلعَ حوتٌ ضخمٌ النبيّ يونس لأنّه هرب من المهمّة التي أعطاه الله إيّاها – أن يدعو أهل نينوى إلى التوبة (تقع اليوم بالقرب من مدينة الموصل في العراق). يقول العالم الإسلامي يوسف علي عن الآية 144 (‘كان ليبقى داخل جوفه [الحوت] إلى يوم القيامة’).

هذا مجرّد تعبيرٍ لُغويّ. كان هذا ليكون مدفن وقبر يونان. لو لم يكن قد تاب، لما كان بإمكانه الخروج من داخل المخلوق الذي كان قد ابتلعه إلى يوم القيامة عند قيامة جميع الموتى. (حاشية 4125 من ترجمة يوسف علي للقرآن الكريم).

بعبارةٍ أُخرى، كان وجوده داخل الحوت حكمًا بالإعدام ولن يتمّ الإفراج عنه عادةً إلاّ يوم القيامة.

النبيّ يونس بحسب ما دوّنه في سِفْره

      يقدّم سِفْر يونان في العهد القديم تفاصيل أكبر حول الوقت الذي قضاه في جوف الحوت. يقول لنا ما يلي:

تَكَلَّمَ اللهُ بِكَلِمَتِهِ لِيُونانَ بْنِ أمِتّايَ، فَقالَ:

«قُمْ وَاذْهَبْ حالاً إلَى المَدِينَةِ الكَبيرَةِ نِينَوَى، وَبَلِّغْ أهلَها أنَّنِي أعلَمُ بِالشُّرُورِ الَّتِي يَصنَعُونَها.»

لَكِنَّ يُونانَ انطَلَقَ لِيَهرُبَ إلَى تَرْشِيشَ بَعِيداً عَنْ وَجهِ اللهِ. فَنَزَلَ إلَى يافا، حَيثُ وَجَدَ سَفِينَةً ذاهِبَةً إلَى تَرْشِيشَ. فَدَفَعَ أُجرَتَها وَرَكِبَ السَّفِينَةَ لِيَذهَبَ مَعَهُمْ إلَى تَرْشِيشَ بَعِيداً عَنْ وَجهِ اللهِ.

فَأرسَلَ اللهُ رِيحاً قَوِيَّةً عَلَى البَحرِ. فَحَدَثَتْ عاصِفَةٌ شَدِيدَةٌ، وَبَدا أنَّ السَّفِينَةَ سَتَتَحَطَّمُ. فَخافَ البَّحارَةُ وَصَلَّى كُلٌّ مِنهُمْ لإلَهِهِ طَلَباً لِلعَونِ. وَألقَوْا بِالبِضاعَةِ الَّتِي فِي السَّفِينَةِ إلَى البَحرِ لِتُصبِحَ السَّفِينَةُ أخَفَّ، فَلا تَغْرَقَ.

وَفِي هَذَهِ الأثناءِ، نَزَلَ يُونانُ إلَى داخِلِ السَّفِينَةِ، وَاستَلقَى هُناكَ وَنامَ نَوماً عَمِيقاً. فَجاءَ القُبطانُ إلَى يُونانَ وَقالَ لَهُ: «لِماذا أنتَ نائِمٌ؟ قُمْ وَصَلِّ لإلَهِكَ، فَقَدْ يَلتَفِتُ إلَينا، فَلا نَمُوتُ.»

ثُمَّ قالَ البَحّارَةُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: «لِنُلْقِ قُرعَةً بَينَنا، لِنَعلَمَ مَنْ سَبَّبَ لَنا هَذِهِ المِحنَةَ.» فَأجرُوا قُرعَةً، وَوَقَعَتِ القُرْعَةُ عَلَى يُونانَ. فَقالُوا لَهُ: «أخْبِرنا مَنْ هُوَ سَبَبُ هَذِهِ المِحنَةِ؟ ما هُوَ عَمَلُكَ؟ وَمِنْ أيْنَ أتَيْتَ؟ مِنْ أيِّ بَلَدٍ أنْتَ وَمَنْ هُمْ قَومُكَ؟»

فَقالَ لَهُمْ يُونانُ: «أنا عِبرانِيٌّ، أعبُدُ اللهَ، إلَهَ السَّماءِ، خالِقَ البَحرِ وَاليابِسَةِ.»

10 فَخافَ الرِّجالُ خَوفاً شَدِيداً وَقالُوا لَهُ: «ما الَّذِي فَعَلْتَهُ؟» لأنَّهُمْ عَلِمُوا أنَّهُ هارِبٌ مِنْ وَجهِ اللهِ، كَما أخبَرَهُمْ.

11 ثُمَّ قالُوا: «ماذا نَفعَلُ بِكَ لِيَهدَأَ البَحرُ؟» لأنَّ البَحرَ أصْبَحَ أكثَرَ هَيَجاناً.

12 فَقالَ: «ألقُوا بِي إلَى البَحْرِ فَيَهدَأَ، لأنَّ هَذِهِ العاصِفَةَ كُلَّها بِسَبَبِي.»

13 لَكِنَّ الرِّجالَ حاوَلُوا أنْ يُجَدِّفُوا عائِدِينَ إلَى اليابِسَةِ، فَلَمْ يَستَطِيعُوا، لِأنَّ البَحرَ أصْبَحَ أكثَرَ هَيَجاناً.

14 فَصَلُّوا إلَى اللهِ وَقالُوا: «يا اللهُ، لا تُحَمِّلنا ثَمَنَ حَياةِ هَذا الرَّجُلِ، وَمَسؤُولِيَّةَ قَتلِ رَجُلٍ بَرِيءٍ، لأنَّكَ أنْتَ تَفْعَلُ ما تَشاءُ.»

15 ثُمَّ أمسَكُوا بِيُونانَ وَألقَوْا بِهِ فِي البَحرِ، فَهَدَأَ البَحرُ حالاً. 16 وَخافَ الرِّجالُ اللهَ خَوْفاً عَظِيماً، وَذَبَحُوا لَهُ وَقَطَعُوا عُهُوداً.

17 ثُمَّ أرسَلَ اللهُ سَمَكَةً كَبِيرَةً لِتَبتَلِعَ يُونانَ، وَمَكَثَ يُونانُ فِي بَطنِ السَّمَكَةِ ثَلاثَةَ أيّامٍ وَثَلاثَ لَيالٍ.

صَلاةُ يُونان

وَمِنْ جَوْفِ السَّمَكَةِ، صَلَّى يُونانُ لإلَهِهِ، فَقالَ:

«دَعَوتُ اللهَ مِنْ ضِيقِيَ فَاسْتَجابَ لِي!
مِنْ أعماقِ الهاوِيَةِ صَرَختُ،
فَسَمِعْتَ صُراخِي.

«ألقَيتَ بِي فِي البَحرِ العَمِيقِ،
وَفِي قَلبِ البَحرِ أحاطَتْ بِي التَّيّاراتُ،
وَجَمِيعُ أمواجِكَ الهادِرَةِ فَوْقِي.
عِندَئِذٍ قُلْتُ لِنَفسِي:
‹ها إنَّنِي قَدْ طُرِدتُ بَعِيداً عَنْ عَينَيكَ،
لَكِنَّنِي سَأنظُرَ نَحوَ هَيكَلِكَ المُقَدَّسِ مِنْ جَدِيدٍ.›

«أغلَقَتِ المِياهُ عَلَيَّ،
وَالبَحرُ العَمِيقُ غَمَرَنِي.
عُشبُ البَحرِ التَفَّ حَولَ رَأسِي.
نَزَلتُ إلَى أساساتِ الجِبالِ،
وَانْحَدَرتُ إلَى أعْماقِ الأرْضِ،
فَظَنَنْتُ أنَّهُ أُغلِقَ وَرائِي إلَى الأبَدِ.
لَكِنَّكَ أقَمتَ حَياتِي مِنَ القَبرِ،
يا إلَهِي.

«عِندَما تَعِبْتُ وَفَقَدْتُ كُلَّ أمَلٍ،
تَذَكَرتُ اللهَ،
وَارتَفَعَتْ صَلاتِي إلَيكَ فِي هَيكَلِكَ المُقَدَّسِ.

«الَّذِينَ يَعبُدُونَ الأصنامَ التّافِهَةَ،
يَتَخَلَّوْنَ عَنْ مَحَبَّتِهِمْ لَكَ.
أمّا أنا فَسَأُسَبِّحُكَ وَأحمَدُكَ وَأذبَحُ لَكَ،
وَأُوفِي بِنُذُورِي لَكَ.
فَمِنَ اللهِ يَأتِي خَلاصِي.»

10 عِنْدَئِذٍ أمَرَ اللهُ السَّمَكَةَ فَألْقَتْهُ إلَى اليابِسَةِ.

ما هي ‘آية يونان’؟

      نحن نتوقَّع عادةً أنّه حين يتمّ تحدّي سلطةً شخصٍ ما، كما هو الحال في سلطة النبيّ عيسى المسيح (عليه السلام)، فسيكون ردّه بإظهار القوّة أو الانتصار أو النجاح. لكنّ عيسى المسيح دافع عن سلطته من خلال الإشارة إلى النبي يونان حين بقي 3 أيام ‘في عالم الموتى’ – ‘جَوف’ أو قبر. خلال هذا الوقت، منذ أن عصى يونان أمر الله فقد أصبح، ‘طُرِدْتُ مِنْ أَمَامِ عَيْنَيْكَ’ أيّ من مرأى الله. إنّ واقعة وجود يونان في قبضة الموت مدّة 3 أيام في أعماقٍ مُظلمة، مطرودًا من الله هو برهانٌ مُدهشٌ على السلطة التي من الله. لماذا يستخدم عيسى المسيح آيةً لا يبدو أنها تثبِّت سلطته كنبيٍّ مُؤيّدٍ من الله، بل بالأحرى كنبيٍّ يؤدّبه الله ويُعاقبه كما كان الأمر بالنسبة إلى يونان في جوف الحوت؟

ولكن ليست هذه المرّة الأولى التي نواجه فيها الضعف والموت كآيةٍ من الله. لقد رأينا أنّ النبيّ أشعياء قد تنبَّأ بالخادم القادم. وتنبّأ أشعياء بأنّ هذا الخادم سيكون ‘مُحتَقَرًا’ و ‘مخذولٌ من الناس’ و ‘محسوبٌ مضروبًا من الله’ وسيكون وكأنّه ‘قُطِعَ من أرض الأحياء’ و ‘جُعِلَ مع الأشرار قبره’. هذا يبدو شبيهًا إلى حَدٍّ بعيدٍ بما عاناه يونان. الأكثر غرابةً من ذلك هو أنّ ‘الربُّ سُرَّ بأن يسحقه (الخادم)’’. على الرغم من أنّنا قد لا نفهم سبب اختيار عيسى المسيح (عليه السلام) آية يونان (يونس) للدفاع عن سلطته، إلّا أنّ هذا ليس حدثًا معزولًا.

الفكرة التي تجعلنا نفهم ذلك هي الطريقة التي أنهى بها يونان صلاته وهو في جوف الحوت. كانت العبارة الأخيرة في صلاته هي ‘‘جاء الخلاصُ من الربّ’’. لقد رأينا وجه الشبه بين اسم ‘يسوع’ و ‘يشوع وأنّ ذلك كان نبوءة الغصن القادم. ولكن ما معنى اسم يشوع؟ إنّه يعني باللغة العبريّة ‘‘الربُّ يُخلِّص’. اعترف النبيّ يونان في صلاته بأنّه (وبأنّنا) نحتاج إلى أن ‘نخلص’ وبأنّ الربّ هو الذي بيده الخلاص. أعلنت حقيقته ذات الوجهَين عن كلٍّ من حاجتنا إلى (الخلاص) وعن أنّ الله وحده هو مَن يُخلِّص. إنّ اسم عيسى المسيح (Yhowshuwa بالعبريّة) لديه حرفيًّا الحقيقة نفسها التي اعترف بها يونان أخيرًا وهو في الحوت، بما أنّ اسم يسوع/يشوع يعني ‘الرب يُخلِّص’

ختمَ النبيّ عيسى المسيح حديثه مع القادة الدينيّين بتذكيرهم بأنّ شعب نينوى (المدينة التي أُرسِلَ إليها النبيّ يونس ليعظ أهلها) قد آمن وتاب بفضل رسالة يونان –  لكنّ القادة الدينيّين اليهود الذين استمعوا إلى عيسى المسيح لم يكونوا راغبين في التوبة. كان هؤلاء القادة غير راغبين في الاعتراف بحاجتهم إلى الخلاص.  ينبغي أن نقوم بفحص قلوبنا كي نعرف ما إذا كنّا كرجال نينوى (الذين تابوا) أو كالقادة (الذين لم يتوبوا). أيّ الاثنين هو أنت؟

نواصل تتبُّع عيسى المسيح لنرى بشكلٍ أكثر وضوحًا ما تعنيه آية يونان وكيف ‘يقوم الربّ بعمل الخلاص’ بينما تشارف مهمّة عيسى المسيح على نهايتها.

النبيّ عيسى المسيح (عليه السلام) ذهب إلى ‘الحَجِّ’

تُخبرنا سورة الحج  (سورة 22) أنّ طقوسًا ومناسكَ مختلفة كانت تُمارَس في أوقاتٍ مختلفةٍ. لكنّ لم تكن ذبائح اللحوم بشكلٍ محدَّدٍ، بل ما في داخلنا هو الأكثر أهميَّة.

وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ.

(سورة الحج 22: 34-37)

يُعتَبَرُ الماءُ جزءًا مُهمًّا من طقوس ومناسك الحجّ لأنّ الحجَّاج يسعون إلى الشرب من ماء بئر زمزم. لكنّ سورة المُلك (سورة 67) تطرحُ علينا سؤالاً مهمًّا.

قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ.

(سورة 67: 30)

تناول النبيّ عيسى المسيح، عليه السلام، هذا السؤال في رحلة حجٍّ يهوديَّة أمرَ بها النبيّ موسى ، عليه السلام. سوف نُلقي نظرة على هذا هنا من خلال عدسة الحجّ.

إنّنا جميعًا على اطّلاعٍ على مسألة الحجّ لأنّ الاحتفال به كلّ عام يتمُّ عندما يؤدّي المسلمون شعائر العبادة المفروضة في حجِّهم إلى مكّة. وما هو معروف بشكلٍ أقلّ هو أنّ شريعة موسى (عليه السلام) التي تلقّاها قبل 3500 سنة، تطلَّبَت من المؤمنين اليهود في ذلك الوقت أن يقوموا بالحجِّ المقدَّس إلى أورشليم (القدس) كلّ عام. وكان يُطلَق على مثل هذا الحجّ عيد المظال (أو سوكوت Sokkot). وهذا الحجّ الذي أمر به النبي موسى (عليه السلام) لديه العديد من نقاط التشابُه مع الحجّ الذي نعرفه اليوم. على سبيل المثال، كان كلًّا من حَج اليهود وحجّ المسلمين يجري خلال أسبوعٍ محدَّدٍ من التقويم العبري والهجري، وتضمَّن كلاهما تقديم أُضاحي من الحيوانات، كما تضمَّن كلاهما الحصول على مياهٍ خاصّة، والنوم في العراء، والطواف سبع مرّاتٍ حول بناءٍ مقدَّسٍ. بمعنى ما، كان عيد المظال بمثابة الحجّ بالنسبة إلى اليهود.في الواقع، لا يزال اليهود اليوم يحتفلون بعيد المظال ولكن بطريقةٍ مختلفةٍ بعض الشيء بما أنّ هيكلهم في أورشليم قد دُمِّر من قِبَل الرومان سنة 70 ميلاديّة.

يسجِّل الإنجيل كيف قام النبيّ عيسى (عليه السلام) بالحجِّ بمناسبة هذا العيد في إحدى السنوات – ‘حجَّه’. سوف أُعيد رواية القصّة مع بعض الإيضاحات عند الاقتضاء.

ذهاب يسوع إلى عيد المِظال

7 بَعْدَ ذَلِكَ بَدَأ يَسُوعُ يَتَنَقَّلُ فِي إقلِيْمِ الجَلِيلِ. وَلَمْ يَشَأْ أنْ يَتَنَقَّلَ فِي إقلِيْمِ اليَهُودِيَّةِ. فَقَدْ كانَ اليَهُودُ يَسْعَوْنَ إلَى قَتلِهِ. 2 وَكانَ عِيدُ السَّقائِفِ اليَهُودِيِّ قَرِيْباً. 3 فَقالَ إخْوَةُ يَسُوعَ لَهُ: «اتْرُكْ هَذا المَكانَ، وَاذْهَبْ إلَى اليَهُودِيَّةِ لِكَيْ يَتَمَكَّنَ أتباعُكَ مِنْ أنْ يَرَوا الأعمالَ الَّتِي تَعْمَلُها. 4 إنْ كانَ أحَدٌ يَسْعَى إلَى الشُّهْرَةِ، فَإنَّهُ لا يَعْمَلُ ما يَعْمَلُهُ فِي السِّرِّ. فَإنْ كُنْتَ تَصْنَعُ هَذِهِ المُعجِزاتِ حَقّاً، أظهِرْ نَفْسكَ لِلعالَمِ.» 5 إذْ لَمْ يَكُنْ حَتَّى إخْوَتُهُ يُؤْمِنُونَ بِهِ.  (يوحنا 7: 1-5)

نرى في هذه الآيات أنّ إخوة النبيّ كانوا يعاملونه بسخرية لأنّهم لم يكونوا يؤمنون به. ولكن حدث أمرٌ ما في وقتٍ لاحقٍ أدّى إلى تغييرٍ في إخوته لأنّ اثنين منهم، يعقوب ويهوذا، كتبا في وقتٍ لاحقٍ رسالتَين (سُمِّيتا رسالتَي يعقوب و يهوذا) اللَّتَين هما جزءٌ من العهد الجديد (الإنجيل).

6 فَقالَ لَهُمْ يَسوْعُ: «لَمْ يَحِنِ الوَقْتُ المُلائِمُ لِيْ بَعْدُ، بَيْنَما الوَقْتُ مُلائِمٌ لَكُمْ دائِماً. 7 لا يَسْتَطِيْعُ العالَمُ أنْ يُبْغِضَكُمْ، لَكِنَّهُ يُبْغِضُنِي لِأنِّي أقُولُ إنَّ أعمالَهُ شِرِّيْرَةٌ. 8 اذْهَبُوا أنتُمْ إلَى العِيْدِ، أمّا أنا فَلَنْ أذهَبَ إلَى هَذا العِيْدِ الآنَ، لِأنَّ وَقْتِي لِمْ يَحِنْ بَعْدُ.» 9 وَبَعْدَ أنْ قالَ هَذا بَقِيَ فِي الجَلِيلِ.

10 وَعِنْدَما ذَهَبَ إخْوَتُهُ إلَى العِيْدِ، ذَهَبَ هُوَ أيْضاً. غَيْرَ أنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ عَلَناً بَلْ فِي الخَفاءِ. 11 فَكانَ اليَهُودُ يَبْحَثُونَ عَنْهُ فِي العِيْدِ وَيَسْألُونَ: «أيْنَ ذَلِكَ الرَّجُلُ؟»

12 وَكانَ هُناكَ هَمْسٌ كَثِيْرٌ عَنْهُ بَيْنَ النّاسِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: «هُوَ إنسانٌ صالِحٌ.» بَيْنَما قالَ آخَرُونَ: «لا بَلْ هُوَ يَخْدَعُ النّاسَ.» 13 غَيْرَ أنَّ أحَداً لَمْ يَتَحَدَّثْ عَنْهُ عَلَناً. فَقَدْ كانُوا يَخافُونَ مِنْ قادَةِ اليَهُودِ.

يَسُوعُ يُعَلِّمُ فِي مَدينَةِ القُدْس

14 وَلَمّا كانَ مُنْتَصَفُ العِيْدِ تَقْرِيْباً، ذَهَبَ يَسُوعُ إلَى ساحَةِ الهَيْكَلِ وَبَدَأ يُعَلِّمُ. 15 فَدُهِشَ اليَهُودُ وَقالُوا: «كَيْفَ لِهَذا الرَّجُلِ أنْ يَعْرِفَ كُلَّ هَذِهِ المَعْرِفَةِ دُونَ أنْ يَتَعَلَّمَ؟»

16 فَأجابَهُمْ يَسُوعُ: «ما أُعَلِّمُهُ لَيْسَ مِنِّي، بَلْ مِنَ الَّذِي أرْسَلَنِي. 17 فَإنْ أرادَ أحَدٌ مِنْكُمْ أنْ يَفْعَلَ ما يُرِيْدُهُ اللهُ، فَسَيَعْرِفُ إنْ كانَ تَعلِيْمِي مِنَ اللهِ أمْ مِنْ ذاتِي. 18 مَنْ يَتَكَلَّمُ مِنْ ذاتِهِ يَسْعَى إلَى تَمْجِيْدِ ذاتِهِ، أمّا الَّذِي يَسْعَى إلَى تَمْجِيْدِ مَنْ أرْسَلَهُ فَهُوَ صادِقٌ وَلَيْسَ فِيْهِ زِيْفٌ. 19 ألَمْ يُعْطِكُمْ مُوسَى الشَّرِيْعَةَ؟ لَكِنْ لا أحَدَ مِنْكُمْ يُطَبِّقُ تِلْكَ الشَّرِيْعَةَ. لِماذا تَسْعَوْنَ إلَى قَتلِي؟»

20 فَأجابَ النّاسُ: «فِيْكَ رُوحٌ شِرِّيْرٌ! فَمَنِ الَّذِي يَسْعَى إلَى قَتلِكَ؟»

21 فَقالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «صَنَعْتُ مُعْجِزَةً واحِدَةً يَوْمَ السَّبْتِ فَانْدَهَشْتُمْ جَمِيعاً! 22 لَكِنَّ مُوسَى أعطاكُمْ وَصِيَّةَ الخِتانِ، مَعَ أنَّ الخِتانَ جاءَ مِنْ آبائِكُمْ لا مِنْ مُوسَى. وَها أنتُمْ تَختِنُونَ الأطفالَ حَتَّى فِي يَوْمِ السَّبْتِ! 23 إذاً يُمْكِنُ لِلإنسانِ أنْ يُخْتَنَ يَوْمَ السَّبْتِ لِئَلّا تُكْسَرَ شَرِيْعَةُ مُوسَى. فَلِماذا تَغْضَبُونَ مِنِّي لِأنِّي شَفَيْتُ إنساناً بِكامِلِهِ يَوْمَ السَّبْتِ؟ 24 كُفُّوا عَنِ الحُكْمِ حَسَبَ المَظاهِرِ، وَاحْكُمُوا حَسَبَ ما هُوَ صَوابٌ حَقّاً.»

يَسُوعُ هُوَ المَسِيْح

25 فَقالَ بَعْضُ أهلِ القُدْسِ: «ألَيْسَ هَذا هُوَ الرَّجُلُ الَّذِي يَسْعُونَ إلَى قَتلِهِ؟ 26 لَكِنْ ها هُوَ يَتَحَدَّثُ عَلَناً، وَهُمْ لا يَعْمَلُونَ شَيْئاً لَهُ! ألَعَلَّ القادَةَ اقْتَنَعُوا بِأنَّهُ هُوَ المَسِيْحُ؟ 27 لَكِنَّنا نَعْرِفُ أصلَ هَذا الإنسانِ، أمّا حِيْنَ يَأْتِي المَسِيْحُ الحَقِيْقِيُّ، فَلَنْ يَعْرِفَ أحَدٌ مِنْ أيْنَ يَأْتِي.» (يوحنا 7: 6-27)

كما ترون، كان النقاش بين اليهود في ذلك الوقت هو ما إذا كان النبيّ عيسى (عليه السلام) هو المسيح (المسيّا) أم لا. كان الشعب اليهودي يعتقد أنّ المكان الذي سيأتي منه المسيح سيكون مجهولاً. ولأنّهم كانوا يعرفون من أين جاء عيسى، فقد اعتقدوا، بناءً على ذلك، أنّه لا يمكن أن يكون المسيح. فمن أين إذن جاءوا بهذا الاعتقاد الذي يقول بأنّ أصل المسيح لن يكون معروفًا؟ من التوراة؟ من كتابات الأنبياء؟ كلاّ على الإطلاق! لقد ذكر الأنبياء بوضوح من أيّ مكانٍ سيأتي المسيح. وقد كتب النبيّ ميخا (عليه السلام) في القرن السابع ق.م في الزبور ما يلي:

2 أمّا أنْتِ يا بَيْتَ لَحمَ الَّتِي فِي أفراتَةَ،
مَعَ أنَّكِ قَلِيلَةُ الأَهَمِّيَّةِ بَينَ مُدُنِ يَهُوذا،
لَكِنْ مِنْكِ سَيَخْرُجُ لِي
مَنْ يَرْعَى شَعبِي بَنِي إسْرائِيلَ،
وَتَعُودُ جُذُورُهُ إلَى الأيّامِ البَعِيدَةِ فِي الماضِي. (ميخا 5: 2)

لقد ذكرت هذه النبوءة (انظر المقال هنا لمزيدٍ من التفاصيل حول هذا الموضوع) أنّ الحاكم (= المسيح) سيأتي من بيت لحم. وقد رأينا في ولادة المسيح أنّه ولِدَ فعلاً في بيت لحم كما كانت هذه النبوءة قد توقَّعَت قبل 700 سنة من ولادته.

لقد كان اعتقاد اليهود الذي يقول بأنّ المكان الذي سيأتي منه المسيح سيكون غير معروفٍ هو مجرّد تقليدٍ دينيٍّ في ذلك الوقت. لقد أخطأوا في اعتقادهم لأنّهم لم يحكموا بما قد كتبه الأنبياء، بل حكموا، بدلاً من ذلك، بناءً على رأي الشارع، وأفكار زمانهم. يجب أن نحذر من ارتكاب الخطأ نفسه.

وتتابع القصّة

28 وَبَيْنَما كانَ يَسُوعُ يُعَلِّمُ فِي ساحَةِ الهَيْكَلِ، رَفَعَ صَوْتَهُ وَقالَ: «أنتُمْ تَعْرِفُونَنِي وَتَعْرِفُونَ مِنْ أيْنَ أنا. فَأنا لَمْ آتِ مِنْ نَفْسِي، لَكِنَّ الَّذِي أرْسَلَنِي هُوَ الحَقُّ وَأنتُمْ لا تَعْرِفُونَهُ. 29 أمّا أنا فَأعْرِفُهُ لِأنِّي مِنْهُ أتَيْتُ، وَهُوَ الَّذِي أرْسَلَنِي.»

30 حِيْنَئِذٍ حاوَلُوا أنْ يَقْبِضُوا عَلَيْهِ، لَكِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أحَدٌ أنْ يُمْسِكَهُ لِأنَّ وَقْتَهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ حانَ بَعْدُ. 31 فَآمَنَ بِهِ كَثِيْرُونَ وَقالُوا: «عِنْدَما يَأْتِي المَسِيْحُ، لا يُمْكِنُ أنْ يَصْنَعَ مُعْجِزاتٍ أكْثَرَ مِمّا صَنَعَ هَذا الرَّجُلُ.»

محاولةُ القَبْضِ عَلَى يَسُوع

32 وَسَمِعَ الفِرِّيْسِيُّونَ ما كانَ يَتَهامَسُ بِهِ النّاسُ عَنْ يَسُوعَ، فَأرْسَلَ كِبارُ الكَهَنَةِ وَالفِرِّيْسِيُّونَ حُرّاساً لِلقَبْضِ عَلَيهِ. 33 فَقالَ يَسُوعُ: «سَأبْقَى مَعَكُمْ أيُّها النّاسُ وَقْتاً قَلِيلاً بَعْدُ، وَبَعْدَ ذَلِكَ سَأعُودُ إلَى الَّذِي أرْسَلَنِي. 34 سَتَبْحَثُونَ عَنِّي، وَلَكِنَّكُمْ لَنْ تَجِدُونِي لِأنَّكُمْ لا تَقْدِرُونَ أنْ تَذْهَبُوا إلَى حَيْثُ سَأكُونُ.»

35 فَقالَ قادَةُ اليَهُودِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: «إلَى أيْنَ يَنْوِي الذَّهابَ فَلا نَقْدِرَ أنْ نَجِدَهُ؟» ألَعَلَّهُ ذاهِبٌ لِيُعَلِّمَ المُشَتَّتِيْنَ مِنْ شَعبِنا فِي المُدُنِ اليُونانِيَّةِ، وَلِيُعَلِّمَ اليُونانِيِّيْنَ مِنْ أهلِ تِلْكَ المَدُنِ؟ 36 فَما مَعْنَى قَولُهُ هَذا: ‹سَتَبْحَثُونَ عَنِّي، لَكِنَّكُمْ لَنْ تَجِدُونِي لِأنَّكُمْ لا تَقْدِرُونَ أنْ تَذْهَبُوا إلَى حَيْثُ سَأكُونُ›؟»

يَسُوعُ يَتَحَدَّثُ عَنِ الرُّوحِ القُدُس

37 وَفِي اليَوْمِ الأخِيْرِ وَالأهَمِّ مِنَ العِيْدِ، وَقَفَ يَسُوعُ وَقالَ بِصَوْتٍ مُرْتَفِعٍ: «إنْ عَطِشَ أحَدٌ مِنْكُمْ، فَلْيَأْتِ إلَيَّ وَيَشْرَبْ. 38 وَمَنْ آمَنَ بِي، سَتَفِيْضُ مِنْ أعماقِهِ أنْهارُ ماءٍ حَيٍّ، كَما يَقُولُ الكِتابُ. » 39 قالَ يَسُوعُ هَذا عَنِ الرُّوحِ القُدُسِ الَّذِي سَيَنالُهُ المُؤْمِنُونَ بِهِ. لَكِنْ لِأنَّ يَسُوعَ لَمْ يَكُنْ قَدْ تَمَجَّدَ بَعْدُ، فَإنَّ الرُّوحَ لَمْ يَكُنْ قَدْ أُرْسِلَ بَعْدُ. (يوحنا 7: 28-39)

في يوم هذا العيد، يجلب اليهود الماء من نبعٍ خاصّ في جنوب أورشليم (القدس) ويدخلون المدينة من ‘بوّابة الماء’ ويأخذون الماء إلى المذبح في الهيكل. لقد كان في هذا الوقت الذي كانوا يقيمون فيه شعائر الماء المقدّسة هذه أنّ المسيح (عليه السلام) صرخ قائلاً، كما قد سبق وأن قال، إنّه كان هو مصدر ‘الماء الحيّ’. وبقوله هذا، كان يذكّرهم ﺑ الظمأ في قلوبنا الذي يؤدّي إلى الخطيئة الذي كتب عنه الأنبياء، وكذلك بالوعد بمجيء الروح الذي سيَحلُّ على أولئك الذين يؤمنون به لإرواء هذا العطش بحيث لا يعودون بعد في حاجةٍ إلى أن يكونوا عبيدًا للخطيئة.

40 فَلَمّا سَمِعَ بَعْضُ النّاسِ هَذا الكَلامَ بَدَأُوا يَقُولُونَ: «هَذا الرَّجُلُ هُوَ النَّبِيُّ  حَقّاً.» 41 وَكانَ آخَرُونَ يَقُولُونَ: «هَذا الرَّجُلُ هُوَ المَسِيْحُ.» غَيْرَ أنَّ آخَرِيْنَ كانُوا يَقُولُونَ: «أيُعْقَلُ أنْ يَأْتِيَ المَسِيْحُ مِنَ الجَلِيلِ؟ 42 ألا يَقُولُ الكِتابُ إنَّ المَسِيْحَ سَيَكُونُ مِنْ نَسلِ داوُدَ، وَإنَّهُ يَأْتِي مِنْ بَلْدَةِ بَيْتَ لَحْمَ  حَيْثُ عاشَ داوُدُ؟» 43 فَحَدَثَ انقِسامٌ بَيْنَ النّاسِ بِسَبَبِهِ. 44 وَأرادَ بَعْضُهُمْ أنْ يَقْبِضَ عَلَيْهِ، لَكِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أحَدٌ أنْ يُمْسِكَهُ. (يوحنا 7: 40-44)

في ذلك الوقت، تمامًا كما يحدث اليوم، كان الشعب منقسمًا حول النبيّ عيسى المسيح (عليه السلام). وكما رأينا أعلاه، كان الأنبياء قد تنبَّؤا بأن تكون ولادة المسيح في بيت لحم (حيث وُلِدَ عيسى). ولكن ماذا عن هذا السؤال حول أنّ المسيح لن يأتي من الجليل؟ كتب النبيّ إشعياء (عليه السلام) في القرن السابع ق.م ما يلي:

9 لَكِنْ لَنْ يَكُونَ هُناكَ ظَلامٌ لِلَّذِينَ كانُوا فِي الضِّيقِ. كانَتْ أرْضُ زَبُولُونَ وَنَفتالِي فِي عارٍ، وَلَكِنْ فِي المُستَقبَلِ سَتُكَرَّمُ الأرْضُ الغَربِيَّةُ الَّتِي عَلَى ساحِلِ البَحرِ، وَمِنطَقَةُ شَرقِ نَهرِ الأُردُنِّ، وَأرْضُ الجَلِيلِ حَيثُ الأُمَمُ الأُخرَى.

2 الشَّعبُ الَّذِي كانَ يَسلُكُ فِي الظُّلمَةِ
رَأى نُوراً عَظِيماً.
وَعَلَى السّاكِنِينَ فِي أرْضِ الظُّلمَةِ
أشرَقَ نُورٌ. (إشعياء 9: 1-2)

إذًا، كان الأنبياء قد تنبّؤا أن يبدأ المسيح تعليمه (إشراق النور) في ‘الجليل’ – وهو بالذات المكان حيث بدأ عيسى بالفعل تعليمه وقام بمعظم معجزاته. أخطأ الناس مرّةً أُخرى لأنّهم لم يدرسوا بعنايةٍ ما كتبه الأنبياء، بل آمنوا فقط بما كان معلّموهم عادةً يدرِّسونه.

عدم إيمان القادة اليهود

45 فَرَجِعَ حُرّاسُ الهَيْكَلِ إلَى الفِرِّيْسِيِّيْنَ وَكِبارِ الكَهَنَةِ. فَسَألَ هَؤُلاءِ الحُرّاسَ: «لِماذا لَمْ تُحْضِرُوهُ؟»

46 فَأجابَ الحُرّاسُ: «لَمْ يَتَحَدَّثْ إنسانٌ بِمِثلِ هَذا الكَلامِ قَطُّ!»

47 فَقالَ الفِرِّيْسِيُّونَ: «هَلْ خُدِعْتُمْ أنتُمْ أيضاً؟ 48 هَلْ تَعْرِفُونَ أحَداً مِنَ القادَةِ أوِ الفِرِّيْسِيِّيْنَ آمَنَ بِهِ؟ 49 لَكِنَّ أُولَئِكَ النّاسُ فِي الخارِجِ لا يَعْرِفُونَ شَيْئاً عَنِ الشَّرِيْعَةِ، وَهُمْ تَحتَ لَعْنَةِ اللهِ!»

50 وَكانَ نِيقُودِيْمُوسُ واحِداً مِنَ الفِرِّيْسِيِّيْنَ، وَهُوَ الَّذِي كانَ قَدْ ذَهَبَ إلَى يَسُوعَ سابِقاً. [a] فَسَألَهُمْ: 51 «هَلْ تَحْكُمُ شَرِيْعَتُنا عَلَى أحَدٍ قَبلَ الاسْتِماعِ إلَيْهِ أوَّلا وَمَعْرِفَةِ ما فَعَلَهُ؟»

52 فَأجابُوهُ: «يَبْدُوا أنَّكَ أنْتَ أيضاً مِنْ أهلِ الجَلِيلِ؟ ابْحَثْ فِي الكُتُبِ وَلَنْ تَجِدَ شَيْئاً عَنْ نَبِيٍّ يَأْتِي مِنَ الجَلِيلِ.» (يوحنا 7: 45-52)

يمكننا أن نرى أنّ علماء الشريعة كانوا مخطئين تمامًا لأنّ إشعياء قد تنبّأ بأنّ النور سيأتي من ‘الجليل’.

لقد استخلصتُ درسَين من هذه القصّة. أوّلاً، من السهل جدًّا تأدية أنشطتنا الدينيّة بحماسٍ كبيرٍ ولكن بقليلٍ من المعرفة. عندما نتناول موضوع الحجّ، يجب أن نحذر من ألاّ يكون ما يلي صحيحًا بالنسبة إلينا:

فَأنا أشهَدُ أنَّ لَهُمْ حَماساً للهِ، لَكِنَّهُ حَماسٌ غَيرُ مَبنِيٍّ عَلَى المَعرِفَةِ.  (رومية 10: 2)

يجب أن نعرف ما كتبه الأنبياء بحيث نكون مُطَّلعين بشكلٍ صحيحٍ.

ثانيًا، نرى هنا أنّ النبيّ عيسى المسيح (عليه السلام) يقدِّم عرضًا. لقد قال بمناسبة حجِّهم:

37 وَفِي اليَوْمِ الأخِيْرِ وَالأهَمِّ مِنَ العِيْدِ، وَقَفَ يَسُوعُ وَقالَ بِصَوْتٍ مُرْتَفِعٍ: «إنْ عَطِشَ أحَدٌ مِنْكُمْ، فَلْيَأْتِ إلَيَّ وَيَشْرَبْ. 38 وَمَنْ آمَنَ بِي، سَتَفِيْضُ مِنْ أعماقِهِ أنْهارُ ماءٍ حَيٍّ، كَما يَقُولُ الكِتابُ. [a]»  (يوحنا 7: 37-38)

إنّ هذا العرض مُقدَّم إلى ‘‘أيّ إنسانٍ’’ (وهو لذلك ليس وقفًا على اليهود أو المسيحيّين أو المسلمين، إلخ) ‘عطشان’ هل أنت عطشان؟ (انظر هنا ما الذي يعنيه الأنبياء بهذا القول). إنّه لأمرٌ جيِّدٌ الشرب من بئر زمزم. لماذا لا تشرب أيضًا من المسيح الذي يستطيع أن يروي عطشنا الداخليّ؟