مقدِّمة: نموذج ‘الإنجيل’ في القرآن الكريم كآيةٍ من الله

عندما قرأت القرآن لأوَّل مرّة أدهشني من عدَّة نواحٍ.  أوّلاً وقبل كلِّ شيء، كان هناك العديد من الإشارات الصريحة والمباشرة إلى الإنجيل.  ولكن كان هناك أيضًا هذا الأسلوب المحدَّد في الاقتباسِ من الإنجيل الذي أسرني حقًّا.  في ما يلي جميع آيات القرآن الكريم التي تذكر الإنجيل بشكلٍ مباشر.  ربّما تكون قد لاحظت النمط الذي لاحظته أنا.  (إنّني أستخدم ترجمة يوسف علي).

(هو الذي) نزَّلَ عليكَ الكتاب بالحَقِّ مصدِّقًا لِما بين يديه وأنزَلَ التوراة (ناموس موسى) والإنجيل (إنجيل يسوع) مِن قبلُ هُدىً للناسِ وأنزَلَ الفُرقان (للحكم بين الحقِّ والباطل).  إنَّ الذين كَفَروا بآياتِ الله لهم عذابٌ شديدٌ والله عزيزٌ ذو انتقامٍ [سورة 3:3-4 (آل عمران)]

و(الله) يعلِّمه [يسوع] الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيلَ [سورة  48:3 (آل عمران)]

يا أهل الكتاب لِمَ تُحَاجُّونَ في إِبراهيمَ وما أُنزِلَتِ التوراةُ والإنجيلُ إلاّ مِن بعدِهِ أفَلا تَعقِلون؟  [سورة 65:3 (آل عمران)]

وقَفَينا على أثَرِهم [الأنبياء] بعيسى ابنِ مريَم مُصَدِّقًا لِما بين يديه من التوراةِ وآتَينَاهُ الإنجيل فيه هُدى ونورٌ ومُصدِّقًا لما بين يديه من التوراةِ وهُدى وموعِظة للمُتَّقين [سورة 46:5 (المائدة)]

لو أنَّهم [أهل الكتاب] أقاموا التوراة والإنجيلَ وما أُنزِلَ إليهم من ربِّهِم [سورة 66:5 (المائدة)]

قُلْ يا أهلَ الكتابِ لستم على شيءٍ حتّى تُقيموا التوراة والإنجيلَ وما أُنزِلَ إليكُم من ربِّكم [سورة 68:5 (المائدة)]

إذ قال الله يا عيسى [يسوع] … إذ عَلَّمتُك الكتابَ والحكمةَ والتوراة والإنجيل … [سورة 110:5 (المائدة)]

… وعدًا عليه حقًّا في التوراةِ والإنجيلِ والقرآنِ [سورة 111:9 (التوبة)]

… ذلك مَثَلَهم في التوراة [الناموس] ومَثَلَهم في الإنجيلِ كزرعٍ أخرَجَ شطئه فأزرهُ فاستَغلَظَ فاستوى على سوقِهِ [سورة 29:48 (الفتح)]

     إنَّ ما يبرز للعيان عند وضع أو تصنيف جميع الإشارات إلى الإنجيل في القرآن هو أنَّ ‘الإنجيل’ لا يُذكَرُ بمفرده.  فهو في كلِّ حالةٍ من الحالات يكون مسبوقًا بعبارة ‘توراة’.  و‘الشريعة’ هي أسفار موسى المعروفة باسم ‘التوراة’ بين المسلمين و ‘توراة’ بين الشعب اليهودي.  الإنجيل هو كتابٌ فريدٌ من نوعه بين الكتب المقدَّسة في هذا الصدد باعتبار أنَّه لم يُذكَر قط بمعزلٍ عن غيره.  على سبيل المثال، يمكنك أن تجد إشارات إلى التوراة (الشريعة أو الناموس) والقرآن لوحدهما.  هنا بعض الأمثلة على ذلك:

ثمَّ آتينا موسى الكتابَ تمامًا على الذي أحسنَ وتفصيلاً لكُلِّ شيءٍ وهدىً ورحمةً لعلَّهم بلقاءِ ربِّهم يؤمنون.  وهذا كتابٌ أنزَلنَاه مُباركٌ فاتَّبِعوهُ واتَّقوا لعلَّكم تُرحَمون [سورة 154:6-155 (الأنعام)]

أفلا يتدبَّرون القرآن (بعناية) ولو كان من عِندِ غير اللهِ لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا [سورة 82:4 (النساء)]

     وبعبارةٍ أخرى، نجد أنّ القرآن عندما يذكر الإنجيل فإنّه يذكره دائمًا جنبًا إلى جنب مع ‘التوراة’ ومسبوقًا به.  وهذا يُعتَبَرُ أمرًا استثنائيًّا لأنّ القرآن يُشير إلى نفسه بمعزلٍ عن الإشارة إلى الكتب المقدَّسة الأخرى، وكذلك يذكر التوراة دون أن يذكر الكتب المقدَّسة الأخرى.

النمط المتَّبع حتّى في الاستثناء الوحيد

      ثمّة استثناءٌ واحدٌ فقط لهذا النمط المتَّبع قد وجدته.  لاحظ كيف تذكر الآية التالية ‘الإنجيل’

ثمَّ قفَّينا على أثرِهِم برُسُلنا [نوح و إبراهيم و الأنبياء] وقفَّينا بعيسى ابنِ مريمَ وأتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوبِ الذين اتَّبَعوه رأفةً ورَحمةً [سورة 27:57 (الحديد)]

وإن كانت هذه هي الحالة الوحيدة التي يرد فيها ذكرُ ‘الإنجيل’ غير مسبوقٍ بإشارةٍ مباشرة إلى ‘الناموس’، إلاّ أنّ سياق هذه الآية يؤكِّد هذا النمط.  لقد ورد في الآية (26 [1]) السابقة صراحةً ذِكرَ نوح وإبراهيم (أبراهام) وغيرهم من الأنبياء، ثمَّ ذُكِرَ في هذه الآية ‘الإنجيل’.  إنّه ‘الناموس’ – توراة موسى- الذي يقدِّم ويفسِّر نوح وإبراهيم وغيرهم من الأنبياء.  لذلك، حتّى في هذا الاستثناء، يبقى النمط، لأنَّ مضمون الناموس يسبق ذِكرَ كلمة ‘إنجيل’ بدلاً من أن تسبقه التسمية (توراة) فقط.

أهو علامةٌ لنا من الأنبياء؟

     وبالتالي، أهو نمطٌ ذو مغزى؟  قد يكتفي البعض بصرف النظر عنه باعتباره حدثًا وقع مصادفةً أو يعود إلى مجرّد عادةٍ بسيطة في الإشارة إلى الإنجيل بهذه الطريقة.  لقد تعلَّمتُ أن آخذ مثل هذه الأنماط في الأسفار المقدَّسة على محمل الجدّ.  ربّما هي علامة مهمّة لنا لمساعدتنا على إدراك مبدأ كرَّسه الله ووضعه بنفسه – بحيث لا نتمكَّن من أن نفهم الإنجيل إلاَّ من خلال المرور أوّلاً بالتوراة (الناموس).  وكأنَّ التوراة شرطٌ أساسيّ مُسبَق قبل أن نتمكَّن من فهم الإنجيل.  قد يكون من المفيد إذًا أن نستعرض أوّلاً التوراة ونرى ما يمكن أن نتعلَّمه ممّا قد يساعدنا على فهمٍ أفضل للإنجيل.  يقول لنا القرآن إنَّ هؤلاء الأنبياء الأوّلين كانوا بمثابة ‘آيةٍ’ لنا.  تأمَّل في ما يقوله:

يا بني آدمَ إِمَّا يأتيَنَّكُم رُسُلٌ منكم يقُصُّون علَيكم آياتي فمَن اتَّقى وأصلَحَ فلا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون.  والذين كذَّبوا بآياتِنا واستكبروا عنها أولئك أصحابُ النَّارِ هم فيها خالدون [سورة 35:7-36 (الأعراف)]

     بعبارةٍ أخرى، كان هؤلاء الأنبياء آياتً لحياتهم ورسالة لبني آدم (نحن!)، وسيسعى أولئك الذين يملكون الحكمة والحصافة إلى أن يفهموا هذه الآيات أو العلامات.  لذا، دعونا نبدأ في النظر في الإنجيل انطلاقًا من التوراة (الناموس) – آخذين بعين الاعتبار الأنبياء الأوائل من البداية لكي نرى ما العلامات أو الآيات التي قد أعطونا إيّاها لمساعدتنا على فهم الطريق القويم.

     نبدأ انطلاقًا من بدء الزمن مع آية آدم.

________________________________________
[1] ‘ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريّتهما النبوَّة والكتاب فمِنهم مُهتدٍ وكثيرٌ مِنهم فاسقون’ [سورة 57: 26 (الحديد)]