يختتم العهد القديم آياته – بوعد مجيء المُعِدّ

    رأينا في آية الخادم أنّه قد وُعِد بمجيء الخادم. لكن وَعد مجيئه بأكمله يستند إلى سؤالٍ مهمٍّ. بدأ النبيّ إشعياء (عليه السلام) كلامه بطرح السؤال:

مَنْ صَدَّقَ خَبَرَنَا…؟ (إشعياء53: 1)

كان إشعياء قد تنبّأ بأنّهم (بني إسرائيل) لن يصدِّقوا الخادم، ولم تكن المشكلة مع الرسالة أو آيات الخادم، لأنّهما كانا سيكونان دقيقَين في التوقيت من خلال  دورات ’’السبعات‘‘ وكذلك من خلال الاسم محدِّدين أنّه سوف ’يُقطَع‘. لم تكن المشكلة تكمن في عدم وجود آيات كافية. كلاّ، كانت المشكلة هي قساوة قلوب الشعب. وهكذا كان يجب أن يأتي أحدٌ قبل مجيء الخادم لإعداد الشعب لمجيئه. لذلك، أعطى النبيّ إشعياء (عليه السلام) هذه الرسالة حول الشخص الذي سيقوم بإعداد الطريق أمام الخادم. وقد تلقّى الرسالة التالية:

 صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ: «أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ. قَوِّمُوا فِي الْقَفْرِ سَبِيلاً لإِلَهِنَا. كُلُّ وَطَاءٍ يَرْتَفِعُ، وَكُلُّ جَبَل وَأَكَمَةٍ يَنْخَفِضُ، وَيَصِيرُ الْمُعْوَجُّ مُسْتَقِيمًا، وَالْعَرَاقِيبُ سَهْلاً. فَيُعْلَنُ مَجْدُ الرَّبِّ وَيَرَاهُ كُلُّ بَشَرٍ جَمِيعًا،

لأَنَّ فَمَ الرَّبِّ تَكَلَّمَ (إشعياء 40: 3-5)

كتبَ إشعياء (عليه السلام) عن شخصٍ سوف يأتي ’’في البرِّيَّةٍ‘‘ ’ليُعِدَّ طريق الربِّ‘. وهذا الشخص سيزيل العقبات (سيمهِّد هذا الطريق) بحيث ’’يُعلَن مجدُ الرَّبِّ‘. لكنّ إشعياء لم يحدِّد الطريقة التي سيتمُّ فيها هذا الأمر.

 النبيّ ملاخي – آخر أنبياء العهد القديم

isaiah, malachi and elijah in zabur timeline - in arabic

الأنبياء إشعياء و ملاخي و إيليّا (عليهم السلام) كما هم مبيَّنين في الجدول الزمنيّ التاريخي

بعد إشعياء بحوالي 300 سنة، جاء ملاخي (عليه السلام)، وهو الذي كتب السفر الأخير من العهد القديم. وفي هذا السفر، كتب ملاخي (عليه السلام) بشكلٍ مفصًّل عمّا كان إشعياء قد قاله حول مجيء المــــُعِدّ. كتب يقول:

هأَنَذَا أُرْسِلُ مَلاَكِي فَيُهَيِّئُ الطَّرِيقَ أَمَامِي. وَيَأْتِي بَغْتَةً إِلَى هَيْكَلِهِ السَّيِّدُ الَّذِي تَطْلُبُونَهُ،

وَمَلاَكُ الْعَهْدِ الَّذِي تُسَرُّونَ بِهِ. هُوَذَا يَأْتِي، قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ (ملاخي3: 1)

هنا مرّةً أخرى يتنبّأ ملاخي بالرسول الذي سوف ’يُعِدُّ الطريق‘. بعد مجيء هذا المـــُعِدّ، سيأتي ’رسول العهد (الميثاق)‘. أيُّ ميثاقٍ يُشير إليه ملاخي (عليه السلام)؟ تذكّروا أن النبيّ ارميا (عليه السلام) قد تنبّأ بأنّ الله سوف يصنع عهدًا جديدًا بأن يكتبه على قلوبنا. عندها فقط سنكون قادرين على إرواء عطشنا الذي يقودنا دائمًا إلى الخطيئة. هذا هو العهد نفسه الذي يُشير إليه ملاخي (عليه السلام). سيكون مجيء المــــُعِدّ إشارة إلى إعطاء ذلكالعهد.

ثمّ يختمُ ملاخي (عليه السلام) الكتاب المقدَّس بأكمله بالنظر إلى المستقبل وبهذه الفقرة الختاميّة:

هأَنَذَا أُرْسِلُ إِلَيْكُمْ إِيلِيَّا النَّبِيَّ قَبْلَ مَجِيءِ يَوْمِ الرَّبِّ، الْيَوْمِ الْعَظِيمِ وَالْمَخُوفِ، فَيَرُدُّ قَلْبَ الآبَاءِ عَلَى الأَبْنَاءِ، وَقَلْبَ الأَبْنَاءِ عَلَى آبَائِهِمْ. لِئَلاَّ آتِيَ وَأَضْرِبَ الأَرْضَ بِلَعْنٍ (ملاخي4: 5- 6)

ما الذي كان يعنيه ملاخي (عليه السلام) بقوله إنّ ’إيليّا‘ سوف يأتي قبل يوم الربّ العظيم؟ من كان إيليَّا؟ لقد كان نبيًّا آخر لم نكن قد تناولناه في دراستنا (لا يمكننا تناول جميع الأنبياء لأنّ هذا من شأنه أن يجعل سلسلة المقالات هذه طويلة جدًّا، ولكن انظُر إليه في الجدول الزمنيّ أعلاه). عاش إيليّا (عليه السلام) حوالي سنة 850 قبل الميلاد. كان معروفًا بعيشه في البرِّيَّة وارتدائه ثيابًا مصنوعة من شعر الحيوان وبأنّه كان يأكل طعامًا من البرِّيَّة. كان يبدو على الأرجح شخصًا غريبًا جدًّا. كتب ملاخي أنَّ المـــُعِدّ الذي سيأتي قبل مجيء العهد الجديد، سوف يكون بطريقةٍ ما شبيهًا بإيليّا (عليه السلام).

وبهذا الإعلان، تمَّ الانتهاء من كتابة العهد القديم حوالي سنة 400 قبل الميلاد. كان لهؤلاء الأنبياء جميعًا رسالة موحَّدة تتحدَّث عن وعود بأمورٍ ستحصل في المستقبل. دعنا نقوم بمراجعة بعضها.

مراجعة الوعود التي كانت لم تتحقَّق بعد

  • أعلن النبيّ إبراهيم (عليه السلام) في آية الذبيحة أنّه على جبل موريا ’’سوف يُعطى‘‘. كان اليهود لا يزالون ينتظرون في ذلك الوقت أن يتمّ هذا ’العطاء ‘.
  • كان النبيّ موسى (عليه السلام)قد قال إنَّ الفصح كان آيةً لبني إسرائيل، وكان بنو إسرائيل يحتفلون بالفصح على مدى تاريخهم، لكن كآية، فإنّ ما كانت تُشير إليه لم يكن قد أُعلِن بعد.
  • تنبّأ النبي موسى (عليه السلام) في التوراة بأن نبيًّا سوف يأتي وأنّ الله قال عنه: ’’و أجعل كلامي في فمه‘‘.   أعلن الله أيضًا في ذلك الوعد الذي يتحدّث عن النبيّ الآتي قائلاً: ’’ وَيَكُونُ أَنَّ الإِنْسَانَ الَّذِي لاَ يَسْمَعُ لِكَلاَمِي الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِهِ بِاسْمِي أَنَا أُطَالِبُهُ‘‘.
  • كان النبيّ داود (عليه السلام) قد تنبّأ بمجيء المسيح. خلال تاريخهم الطويل، تساءل بنو إسرائيل كيف سيكون مُلك ’المسيح‘.
  • وكان النبيّ إشعياء (عليه السلام) قد تنبّأ بأنّ عذراء ستلد ’ابنًا‘. في ختام كتاب الزبور، كان اليهود لا يزالون ينتظرون هذا الحدث الاستثنائيّ أن يقع.
  • وكما رأينا هنا، تنبّأ النبيّ ملاخي (عليه السلام) بأنّ  كلّ هذا سوف يسبقه مجيء المــــُعِدّ. وكان مجيئه لتهيئة قلوب الناس لأنّ من السهل أن تقسو قلوبنا تجاه أمور الله.

      وهكذا بختام كتاب الزبور 400 سنة قبل الميلاد، عاش الشعب اليهودي وهو ينتظر تحقيق هذه الوعود الرائعة. ولا يزال ينتظر وينتظر. جيلٌ يأتي ويحلُّ محلّه جيلٌ آخر، وسيأتي بعده آخرون – دون أن تتحقَّق هذه الوعود.

 ما الذي حدث بعد الانتهاء من كتابة العهد القديم

كما رأينا في تاريخ بني إسرائيل، غزا الاسكندر الأكبر معظم العالم الذي كان معروفًا في العام 330 قبل الميلاد، وانطلاقًا من هذه الغزوات، اعتمدت شعوب وحضارات العالم اللغة اليونانيّة. كما أصبحت الإنكليزيّة اليوم لغةً عالميّة للأعمال التجاريّة والتعليم والأدب، كانت اليونانيّة على نحوٍ مماثل مهيمنة في ذلك الوقت. قام المعلّمون اليهود بترجمة التوراة  والزبور من اللغة العبريّة إلى اللغة  اليونانيّة حوالة سنة 250 قبل الميلاد. أُطلِق على هذه الترجمة اسم الترجمة السبعينيّة. كما رأينا هنا، فإنّ هذا كان المصدر الذي أتت منه كلمة ’Christ‘، ورأينا هنا أنّ هذا كان أيضًا مصدر اسم ’يسوع‘.

isaiah, malachi and elijah in zabur timeline - in arabic

يظهر الأنبياء إشعياء و ملاخي و إيليّا (عليهم السلام) كما هو مبيِّن في الجدول الزمني التاريخي

خلال هذا الوقت (300 – 100 قبل الميلاد الذي هو الفترة الزمنيّة باللّون الأزرق في الجدول الزمنيّ)، كان هناك التنافس العسكريّ المستمرّ بين مصر وسوريا، وبما أنَّ بني إسرائيل كانوا تمامًا بين هاتين الإمبراطوريّتين، فقد كانوا يعلقون بانتظام في المعارك الدائرة. سعى واحدٌ من الملوك السوريّين إلى فرض الدين اليوناني (وهو دينٌ يقوم على عبادة الأوثان) على بني إسرائيل والقضاء على عبادتهم لإلهٍ واحدٍ. فقاد بعض القادة اليهود انتفاضة للدفاع عن دين التوحيد واستعادة نقاء عبادةٍ وضع النبيّ موسى (عليه السلام) أُسسها. أكان هؤلاء القادة هم التحقيق لهذه الوعود التي كان ينتظرها اليهود؟ لم يكن هؤلاء الرجال يتلاءمون مع آيات النبؤءات على الرغم من أنّهم كانوا أتباعًا مخلصين للعبادة كما علَّمها الأنبياء. في الواقع، هم أنفسهم حتّى لم يدَّعوا أنّهم أنبياء، كانوا مجرّد يهودٍ أتقياء يدافعون عن عبادتهم ضدَّ عبادة الأوثان.

كُتِبَت المؤلّفات التاريخيةّ التي تتناول هذه الفترة، واصفةً هذه الصراعات التي حافظت على العبادة التوحيديّة. قدّمت هذه الكتب رؤية تاريخيّة ودينيّة، وهي قيِّمة للغاية. لكنّ الشعب اليهودي لم يعتبر أنّها كُتِبَت مِن قِبَل أنبياء، ولذلك لم تُدرَج هذه الكتب في الكتاب المقدّس. كانت كتبًا جيّدة، كتبها أشخاصٌ متديّنون، لكنّها لم تكن مكتوبة مِن قِبل أنبياء. عُرِفَت هذه الكتب باسم الأبوكريفا (Apocrypha).

ولكن لأنّ هذه الكتب كانت مفيدة، فقد كانت تُدرَج في كثيرٍ من الأحيان جنبًا إلى جنب مع كتب الأنبياء لتقدِّم تاريخ الشعب اليهوديّ كاملاً. بعد كتابة الإنجيل ورسالة عيسى المسيح (عليه السلام)، جُمِعَت كتُب هؤلاء الأنبياء في كتابٍ واحدٍ – الكتاب المقدَّس. تُدرج اليوم بعض الكتب المقدّسة حتّى كُتب الأبوكريفا على الرغم من أنّها ليست جزءًا من الكتابات النبويّة.

لكنّ الوعود التي أُعطِيَت مِن قِبَل الأنبياء كانت لا تزال تنتظر أن تتحقَّق. بعد التأثيرات اليونانيّة، اتَّسعَت رقعة الإمبراطوريّة الرومانيّة القويّة واحتلّت مكان الإغريق في حكم اليهود (هذه هي الفترة باللون الأصفر التي تأتي بعد الفترة باللون الأزرق في الجدول الزمنيّ أعلاه). حكمَ الرومان بكفاءةٍ ولكن بقسوة. كانت الضرائب مرتفعة ولم يكون الرومان يتسامحون مع أيّة مخالفة. كان الشعب اليهوديّ يتوق أكثر من أيِّ وقتٍ مضى إلى تحقيق الوعود التي أعطاها الأنبياء، على أنّ فترة انتظارهم الطويلة جعلت عبادتهم متزمّتة جدًّا، وقد وضعوا العديد من القوانين الإضافيّة التي أتت من التقاليد وليس من الأنبياء. بدَت هذه ’الوصايا‘ الإضافيّة كفكرةٍ جيّدة عند اقتراحها في البداية، لكنّها سرعان ما حلّت محلّ وصايا الأنبياء الأصليّة في قلوب وعقول معلِّمي اليهود.

ثمَّ أخيرًا، حين بدا أنّ الله ربّما كان قد نسي الوعود منذ وقتٍ طويل، جاء الملاك جبرائيل العظيم (جبريل) ليُعلِن ولادة المــــُعِدّ التي طال انتظارها. نحن نعرفه اليوم باسم النبيّ يحيا (أو يوحنّا المعمدان – عليه السلام). ولكن هنا يبدأ الإنجيل، وهذا ما سوف نبحثه في المرّة القادمة.

علامات الخادم القادم

فى أخر مقال لنا رأينا أن النبى دانيال تنبأ أن المسيا سيُقطَع. و كان يبدو أن هذا يناقض الأنبياء الأخرين الذين كتبوا أن المسيا سيملك. و لكن يتلاشي التناقض عندما ندرك أن الأنبياء كانوا ينظرون لمجيئين مختلفين للمسيا. مجئ “ليقطع” و مجئ أخر “ليحكم”. معظم الأمة اليهودية لم تدرك هذا لأنهم لم يعرفوا كل الكتب. ويجب أن يكون هذا تحذيرا لنا ألا نفعل مثلهم.

          أقتربنا من نهاية رحلتنا فى الزبور. لكن مايزال لدينا القليل لنتعلمه. النبى أشعياء (كما هو واضح فى الجدول الزمنى بالأسفل) هو تنبأ عن مجئ المسيا بأستخدم صورة الغصن. لكنه كتب أيضا عن شخص قادم أسماه الخادم. كتب أشعياء مقطع طويل عن هذا الخادم القادم. من كان هذا “الخادم”؟ ،و ماذا كان سيفعل؟ نحن سننظر للمقطع بالتفصيل. أنا نسخته هنا بالأسفل بالضبط وبشكل كامل, و أضفت بعض التعليقات للتوضيح.

جدول التاريخ الزمني الخاصّ بداود وبعض أنبياء الزبور الآخرين أشعياء
جدول التاريخ الزمني الخاصّ بداود وبعض أنبياء الزبور الآخرين
أشعياء

الخادم القادم كما تنبأ به أشعياء. المقطع بالكامل من أشعياء 52 : 13 – 53 : 12

13 هوذا عبدي يُعقل يتعالى ويرتقي ويتسامى جدا. 

14  كما اندهش منك كثيرون. كان منظره كذا مُفسَدا اكثر من الرجل وصورته اكثر من بني ادم. 

15 هكذا ينضح امما كثيرين. من اجله يسد ملوك افواههم لانهم قد ابصروا ما لم يُخبروا به وما لم يسمعوه فهموه

            نحن نعلم أن هذا الخادم سيكون إنسانا لأن أشعياء أشار إليه بصيغة المُذكّر العاقل .عندما كان هارون (عليه السلام) يقدم ذبائحه عن الإسرائيليين كان يقوم برش الدم على الناس – فكانت تغطى خطاياهم و لا يتم أمساكها ضدهم. عندما يقول أن الخادم “سينضح” كان النبى أشعياء يعنى أن هذا الخادم سيرش (سينضح) الناس عن خطاياهم بطريقة مماثلة لما فعله هارون (عليه السلام) للإسرائيليين عندما قدم الذبائح.

            لكن هذا الخادم سينضح “امما كثيرين”. إذا هذا الخادم ليس قادم لليهود فقط. هذا يذكرنا بالوعود التى أعطاها الله لأبراهيم (عليه السلام) عندما قال الله (العلامة 1 و العلامة 3) تتبارك فى نسله “جميع قبائل الارض”. لكن أثناء هذا الرش “شكلا” و “موضوعا” هذا الخادم سيكونوا “مفسدا” و “مشوها”. على الرغم من أنه ليس واضح ماذا سيفعل الخادم ليُشوه بهذا الشكل, إلا أنه فى يوم ما ستفهم الأمم هذا الكلام.  

53 من صدق خبرنا ولمن استُعلنت ذراع الرب. 

2 نبت قدامه كفرخ وكعرق من ارض يابسة لا صورة له ولا جمال فننظر اليه ولا منظر فنشتهيه. 

3  محتقر ومخذول من الناس رجل اوجاع ومختبر الحزن وكمُستر عنه وجوهنا مُحتقر فلم نعتد به

لسبب ما, على الرغم من أن هذا الخادم سينضح أمما كثيرين, إلا أنه سيكون “مُحتقر” و “مخذول”,  مليئ “بالأوجاع” و “مختبر الحزن”.

4  لكن احزاننا حملها واوجاعنا تحملها ونحن حسبناه مصابا مضروبا من الله ومذلولا. 

5 وهو مجروح لاجل معاصينا مسحوق لاجل اثامنا تاديب سلامنا عليه وبحبره شفينا. 

الخادم سيأخذ “اوجاعنا”. هذا الخادم سيكون أيضا “مجروح” و “مسحوق” فى “التأديب”. هذا التأديب سيجلب لنا (هؤلاء الذين فى الأمم الكثيرين) “سلام” و سيجعلنا “نُشفى”.

6  كلنا كغنم ضللنا ملنا كل واحد الى طريقه والرب وضع عليه اثم جميعنا. 

لقد رأينا فى علامة عطشنا, مدى سهولة الذهاب “لأبارنا المُشققة” لنُشبع عطشنا بدل من اللجوء لله. نحن “ضللنا” و كلنا “ملنا كل واحد الى طريقه”. هذه خطية (= اثم).

7 ظُلم اما هو فتذلل ولم يفتح فاه كشاة تُساق الى الذبح وكنعجة صامتة امام جازيها فلم يفتح فاه.

قام الأنبياء هابيل, نوح, أبراهيم, موسى, و هارون (عليهم السلام) بأحضار حملان كذبيحة. لكن الخادم نفسه سيكون كشاة تُساق الى “الذبح”. لكنه لن يحتج أو حتى “يفتح فاه”. 

8 من الضغطة ومن الدينونة اُخذ. وفي جيله من كان يظن انه قُطع من ارض الاحياء انه ضُرب من اجل ذنب شعبي.

هذا الخادم “قُطع” من “ارض الاحياء”. هل هذا ما كان يعنيه النبى دانيال عندما قال أن المسيا “سيقطع؟ نفس الكلمات بالضبط تم أستخدامها! ماذا يمكن أن تعنى بأنه “قُطع من ارض الاحياء” إلا أنه سيموت؟

9 وجُعل مع الاشرار قبره ومع غني عند موته.على انه لم يعمل ظلما ولم يكن في فمه غش.

لو أنه تم تعيين “قبر” لهذا الخادم فهذا بالتأكيد يعنى أنه مات. مات محكوم عليه أنه من “الاشرار” على الرغم من أنه “لم يعمل ظلما ولم يكن في فمه غش”.

10 اما الرب فسُر بان يسحقه بالحزن.ان جعل نفسه ذبيحة اثم يرى نسلا تطول ايامه ومسرة الرب بيده تنجح. 

            هذا الموت القاسى لم يكن حادثة فظيعة أو سوء حظ. لكنه كان صراحة “مشيئة الله” أن “يسحقه”. لكن لماذا؟ بالضبط مثلما كانت ذبيحة هارون “ذبيحة اثم” و بذلك الشخص المُقدم الذبيحة يعتبر بلا لوم, هنا “حياة” هذا الخادم هى “ذبيحة اثم”. لأثام من؟؟؟  نظرا لأن “امما كثيرين” سيتم “رشهم” (طبقا لما سبق) فلابد أنها أثام الناس الذين من “الامم الكثيرين”.

11 من تعب نفسه يرى ويشبع.وعبدي البار بمعرفته يبرر كثيرين واثامهم هو يحملها. 

على الرغم من أن النبوة عن الخادم مروعة الا أنه هنا تتغير نغمة الكلام لتصبح متفائلة و مليئة بالنصرة. بعد هذا “العذاب” الرهيب (بسبب كونه “قُطع من ارض الاحياء” و بسبب تعيين “قبر” له), هذا الخادم سوف يرى “تعب نفسه”. سيعود للحياة مرة أخرى؟! و بسبب هذا, هذا الخادم “سيبرر كثيرين”.  

التبرير هو مثل إعطاء “البر”. و تذكّر أنه لأعطاء “البر” من ناموس موسى كان لابد للشخص أن يحفظ كل الوصايا كل الوقت. لكن النبى أبراهيم (العلامة 2) “حُسب له” أو تم أعطائه “البر”. تم أعطائه له ببساطة بسبب أيمانه. وبنفس الطريقة هذا الخادم سوف يبرر, أو يعطى البر “لكثيرين”…..  أليس البر شيئ نريده و نحتاجه؟

12 لذلك اُقسم له بين الاعزاء ومع العظماء يقسم غنيمة من اجل انه سكب للموت نفسه واُحصي مع اثمة وهو حمل خطية كثيرين وشفع في المذنبين.

            هذا الخادم سيكون بين “العظماء” لأنه تطوع (“سكب للموت نفسه”). و مات كشخص محسوب مع “الاثمة”, “كخاطئ”. و بسبب أن هذا الخادم فعل هذا يمكنه أن “يتشفع” نيابة عن “المذنبين”. و المتشفع هو وسيط بين طرفين, الطرفين هنا هما “الامم الكثيرين” و “الرب”. هذا “الخادم” جدير بما فيه الكفاية أن يتشفع أو يتضرع عنا إلى الله نفسه!

            من هو هذا الخادم؟ كيف حدثت كل هذه الأشياء؟ هل سيقدر و يريد أن “يتشفع” عن “كثيرين” من “أمم” مختلفة لله نفسه؟ سوف نختتم الزبور بالنظر فى أخر نبوة و بعدها نذهب للأنجيل نفسه.   

 

المسيح: الآتي ليحكُم … أو لكي ’يُقطَع‘

رأينا في مقالنا الأخير كيف قدَّم الأنبياء آيات تتنبّأ عن اسم المسيح(كانت النبوءة هي يسوع) وتتنبّأ ﺑــــ زمن مجيئه. هذه النبوءات هي محدَّدة بشكلٍ مثيرٍ للدهشة، وهي مدَوَّنة ومنصوصٌ عليها قبل مجيء يسوع (المسيح عيسى– عليه السلام) بمئات السنين، وقد كانوا مصيبين في نبوءاتهم عنه. هذه النبوءات هي مكتوبة، وهي لا تزال موجودة في الكتب المقدَّسة اليهوديّة – وليس في الإنجيل أو القرآن. ولذلك يبرز السؤال المطروح: لماذا يستمرُّ الشعب اليهوديّ (في معظمه) في رفض يسوع باعتباره المسيح، ما دام هذا هو ما كُتِبَ في كتبهم؟

قبل أن نبحث هذا السؤال، أودُّ توضيح أنّ طَرْح السؤال بطريقة طرحي له ليس دقيقًا تمامًا. إنَّ العديد من اليهود خلال فترة حياة يسوع (عيسى – عليه السلام) قد قبلوه باعتباره المسيح. وهناك اليوم أيضًا العديد من الذين يقبلونه باعتباره المسيح. ولكن تظلُّ حقيقة أنّهم كأُمّة، لا يقبلون به. فلماذا؟

 لما لا يقبل اليهود عيسى (عليه السلام) باعتباره المسيح؟

يسجِّل إنجيل متّى لقاءً بين يسوع (عيسى – عليه  السلام) ومعلِّمي الشريعة اليهود (الذين يُسَمَّون الفرّيسيّين والصدّوقيّين – كان دورهم مماثلاً لدور الأئِمَة في يومنا الحاضر). طرحوا عليه سؤالاً خادعًا، وهذا ما أجابهم به يسوع:

 فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: ’’تَضِلُّونَ إِذْ لاَ تَعْرِفُونَ الْكُتُبَ وَلاَ قُوَّةَ اللهِ‘‘.

(متى 22: 29)

يعطينا هذا التبادل الكلاميّ فكرةً مهمَّة. على الرغم من أنَّهم كانوا رؤساء كهنة أو قادة يعلِّمون الشعب التوراة والزبور، إلاّ أنّ يسوع اتَّهمهم بأنّهم لا يعرفون الكُتب ولا قوَّة الله. ما الذي يعنيه بهذا القول؟ كيف يمكن لعلماء الشريعة ألاّ يعرفوا الكتُب‘؟

 لم يكن اليهود يعرفون كلّ ما جاء في الكُتُب

عند دراستك لما كان يتحدَّث عنه رؤساء اليهود والرجوع إليه في التوراة والزبور، سوف تلاحظ أنّهم كانوا على علمٍ كبيرٍ بنبوءاتٍ معيَّنة فقط – وليس ببعضها الآخر. لذلك رأينا في آية ابن العذراء، على سبيل المثال، أنَّ علماء الشريعة كانوا يعرفون النبوءة التي تقول إنّ المسيح سيأتي من بيت لحم. في ما يلي الآية التي نقلها علماء الشريعة إلى الملك هيرودس عند ولادة عيسى ليُبيِّنوا له أين كان سيولَد المسيح:

 ’’أَمَّا أَنْتِ يَا بَيْتَ لَحْمِ أَفْرَاتَةَ،

وَأَنْتِ صَغِيرَةٌ أَنْ تَكُونِي بَيْنَ أُلُوفِ يَهُوذَا،

فَمِنْكِ يَخْرُجُ لِي

الَّذِي يَكُونُ مُتَسَلِّطًا عَلَى إِسْرَائِيلَ،

وَمَخَارِجُهُ مُنْذُ الْقَدِيمِ،

مُنْذُ أَيَّامِ الأَزَلِ.‘‘ (ميخا5: 2)

سوف ترى أنّهم كانوا يعرفون الآية التي تأتي على ذكر Christ(= المسيح – انظر هنا سبب تماثل هذه التسميات) وأنّ هذه الآية تُشير إليه باعتباره ’الحاكم المتسلِّط‘. ثمّة فقرة أخرى كانت معروفة جيّدًا لعلماء اليهود، وهي المزمور 2 المــُوحى من النبيّ داود (عليه السلام) الذي كان أوَّل من أدخلَ التسمية ’مسيح،‘وأوّل من قال إنّ ’المسيح‘ سوف ’’يُمسَحُ ملكًا على صهيون‘‘ = أُورشليم أو القُدْس) كما نرى في الفقرة أدناه:

 قَامَ مُلُوكُ الأَرْضِ … عَلَى الرَّبِّ وَعَلَى مَسِيحِهِ … اَلسَّاكِنُ فِي السَّمَاوَاتِ يَضْحَكُ. الرَّبُّ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ … حِينَئِذٍ يَتَكَلَّم، ’’أَمَّا أَنَا فَقَدْ مَسَحْتُ مَلِكِي عَلَى صِهْيَوْنَ جَبَلِ قُدْسِي…

(مزمور2 في الزبور)

كان معلِّمو اليهود على علمٍ تامّ بالفقرات التالية من كتاب الزبور:

 يَا رَبُّ، … مِنْ أَجْلِ دَاوُدَ عَبْدِكَ لاَ تَرُدَّ وَجْهَ مَسِيحِكَ. أَقْسَمَ الرَّبُّ لِدَاوُدَ بِالْحَقِّ لاَ يَرْجعُ عَنْهُ: مِنْ ثَمَرَةِ بَطْنِكَ أَجْعَلُ عَلَى كُرْسِيِّكَ – … هُنَاكَ أُنْبِتُ قَرْنًا لِدَاوُدَ. رَتَّبْتُ سِرَاجًا لِمَسِيحِي.

(مزمور 132: 10-18 من الزبور)

 لم يكن اليهود يعرفون قوَّة الله لأنّهم كانوا يحدِّدونها بمنطِقِهم

     وهكذا، كانوا يعرفون فقرات معيَّنة تشير جميعها إلى اتّجاهٍ واحدٍ – أنَّ المسيح سوف يحكم بقوَّة. وبالنظر إلى أنّ اليهود في زمن عيسى (يسوع – عليه السلام) كانوا يعيشون في ظلِّ الاحتلال الروماني في أرض إسرائيل (انظر هنا للاطّلاع على تاريخ اليهود)، كانت هذه هي الصفة الأساسيّة الوحيدة للمسيح الذي كانوا يريدونه. لقد أرادوا مسيحًا يأتي ليبسط سلطته ويطرد الرومان المـــُبغَضين ويُقيم المملكة القويَّة التي أسَّسها الملك داود قبل 1000 عام (انظر هنا للاطِّلاع على خلفيّة الملك داود). إنَّ هذا التوق إلى مسيحٍ يكون مشكَّلاً بحسب رغباتهم وليس بحسب خطَّة الله، قد منعهم من دراسة كلّ ما جاء في أسفارهم المقدَّسة.

ثم أنّهم استخدموا منطِقهم البشريّ للحدِّ من قوَّة الله في تفكيرهم. قالت النبوءات إنَّ المسيح سوف يحكم في أُورشليم. ويسوع لم يحكم بسلطة من أُورشليم. وبالتالي، لا يمكن أن يكون هو المسيح! كان ذلك تفكيرًا بسيطًا. لقد عملوا على وضع حدودٍ لقدرة الله بجعله حصرًا على فكرتهم الراسخة ومنطقهم البشريّ.

حتّى يومنا هذا، يجهل اليهود بصورةٍ عامّة نبوءات الزبور. على الرغم من وجودها في كتابهم الذي يُدعى تناخ (=التوراة + الزبور)، ولكن إذا ما قرأوا شيئًا فإنّهم يكتفون بقراءة التوراة. إنّهم يتجاهلون وصايا الله بمعرفة جميع الكتب المقدّسة، فهم بالتالي يجهلون النبوءات الأُخرى، وبتحديد الله بمنطقهم البشريّ، يعتقدون أنّه طالما أنّ المسيح جاء ليحكم، وأنّ عيسى لم يحكم، فلا يمكن أن يكون المسيح. نهاية القصّة! ولا حاجة إلى مزيدٍ من التحقيق في المسألة! حتّى يومنا هذا، لا ينظر معظم اليهود إلى أبعد من ذلك في الموضوع.

 المسيح: أتى لكي … ’يُقطَع‘

     لكن لو أنّهم قاموا بدراسة الأسفار المقدَّسة، لكانوا تعلَّموا شيئًا نحن الآن على وشك أن نتعلَّمه. في المقال الأخير، رأينا أنَّ النبيَّ دانيال (عليه السلام) تنبَّأ عن زمن مجيء المسيح بشكلٍ صحيح. إنّما لاحظ الآن ما الذي قاله أيضًا عن المسيَّا (= الممسوح=المسيح=Christ)

 فَاعْلَمْ وَافْهَمْ أَنَّهُ مِنْ خُرُوجِ الأَمْرِ لِتَجْدِيدِ أُورُشَلِيمَ وَبِنَائِهَا إِلَى الْمَسِيحِ الرَّئِيسِ سَبْعَةُ أَسَابِيعَ وَاثْنَانِ وَسِتُّونَ أُسْبُوعًا، يَعُودُ وَيُبْنَى سُوقٌ وَخَلِيجٌ فِي ضِيقِ الأَزْمِنَةِ. وَبَعْدَ اثْنَيْنِ وَسِتِّينَ أُسْبُوعًا يُقْطَعُ الْمَسِيحُ وَلَيْسَ لَهُ، وَشَعْبُ رَئِيسٍ آتٍ يُخْرِبُ الْمَدِينَةَ وَالْقُدْسَ، وَانْتِهَاؤُهُ بِغَمَارَةٍ، وَإِلَى النِّهَايَةِ حَرْبٌ وَخِرَبٌ قُضِيَ بِهَا. (دانيال 9: 25-26)

لاحظ ما يقول دانيال إنّه سيحدث للمسيح عندما يأتي. هل يتنبّأ دانيال بأنّ المسيح سوف يحكُم؟ وإنّه سيتربَّع  على عرش سلفه داود ويدمّر سلطة الاحتلال الروماني؟ كلا! في الواقع، هو يقول بوضوحٍ تامّ إنَّ المسيح سوف ’يُقطَعُ … وليس له (شيء)‘. ثمَّ تقول النبوءة إنّ شعبًا آتٍ من الخارج سوف يُدمِّر المكان المقدَّس (الهيكل اليهوديّ) والمدينة (أُورشليم)، وإنّها ستصبح مُقفِرة. إذا تفحَّصت تاريخ بني إسرائيل، سوف ترى أنَّ هذا حدث فعلاً. بعد 40 سنة من موت يسوع، جاء الرومان وأحرقوا الهيكل ودمَّروا مدينة أُورشليم وأرسلوا اليهود إلى المنفى في جميع أنحاء العالم بحيث طُرِدوا من الأرض. وقعت هذه الأحداث في العام 70 بعد الميلاد، تمامًا كما تنبّأ دانيال قبل حوالي 537 سنة من ميلاد المسيح، وكما تنبّأ موسى (عليه السلام) في اللعَنات.

تنبّأ دانيال إذن بأنَّ المسيح لن يأتي ليحكُم! بل إنّه سوف ’يُقطَع … وليس له (شيء). غابت هذه النبوءة عن رؤساء اليهود نظرًا إلى أنّهم ’لا يعرفونَ الكُتُب‘. ولكنَّ هذا الأمر يُثير مشكلةً أخرى. أليس ثمّة تناقض ما بين نبوءة دانيال (’يُقطَع‘) والنبوءات التي يعرفها اليهود (أنَّ المسيح سيأتي ليحكُم). في نهاية الأمر،إذا كان الأنبياء جميعًا يحملون رسائل من الله، فهذه الرسائل جميعها يجب أن تتحقَّق على النحو الذي حدَّده موسى (عليه السلام) في التوراة. كيف يمكن أن يكون ممكنًا أن يُقطَع المسيح الآتي و أن يأتي ليحكُم؟ يبدو أن منطقهم البشريّ قد فاق ’قوَّة الله‘ في الذكاء والبراعة.

 توضيح التناقض بين كلمتَي ’يَحكُم‘ و ’يُقطَع‘

ولكن بالطبع،لم يكن منطقهم أقوى من قوَّة الله. لقد كانوا لا يُدركون ببساطة، كما نفعل نحن البشر، افتراضًا كانوا يبنون عليه. لقد افترضوا أنّ المسيح سيأتي مرّة واحدة. إذا كان الأمر كذلك، فهناك بالفعل تناقض بين حُكْم المسيح وكونه ’يُقطَع‘. وهكذا وضعوا حدودًا لقوّة الله في أذهانهم بسبب منطقهم، ولكن في النهاية، إنَّ منطقهم هو الذي كان خاطئًا. كان المسيح سيأتي مرَّتَين. كان مجيئه الأوّل سيُحقِّق النبوءات التي تقول: ’يُقطَعُ المسيحُ وليس له‘، وسوف يحقِّق في مجيئه الثاني فقط النبوءات التي تتحدَّث عن ’الحُكم‘. انطلاقًا من ذلك المنظور، يمكن بسهولة حلّ هذا ’التناقض‘.

 هل نُغفِل نحن أيضًا الكُتب المقدَّسة كلّها و نضع حدودًا لقوَّة الله؟

ولكن ما معنى أن ’يُقطَعُ المسيحُ وليسَ لهُ‘؟ سنتطَرّق إلى هذا السؤال قريبًا، ولكن الآن، ربّما سيكون التفكير بالسؤال، كيف غابت هذه الآيات عن اليهود، أكثر فائدة. لقد سبق وأن رأينا سببَين اثنَين لعدم رؤية اليهود آيات المسيح. هناك أيضًا سببٌ ثالث مُدَوَّنٌ من أجلنا في إنجيل يوحنّا، في حوارٍ آخر بين يسوع (عيسى – عليه السلام) وبين رؤساء الكهنة، حيث يقول لهم:

 فَتِّشُوا الْكُتُبَ لأَنَّكُمْ تَظُنُّونَ أَنَّ لَكُمْ فِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً. وَهِيَ الَّتِي تَشْهَدُ لِي. وَلاَ تُرِيدُونَ أَنْ تَأْتُوا إِلَيَّ لِتَكُونَ لَكُمْ حَيَاةٌ….كَيْفَ تَقْدِرُونَ أَنْ تُؤْمِنُوا وَأَنْتُمْ تَقْبَلُونَ مَجْدًا بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَالْمَجْدُ الَّذِي مِنَ الإِلهِ الْوَاحِدِ لَسْتُمْ تَطْلُبُونَهُ؟ (يوحنا5: 39-44)

بعبارةٍ أخرى، السببُ الآخر الذي جعل آيات المسيح تغيب عن اليهود كان ببساطة ’رفضهم‘ قبول تلك الآيات نظرًا إلى أنّهم كانوا أكثر اهتمامًا بكسب قبول واحدهم للآخر من الحصول على قبول الله لهم!

اليهود ليسوا مُضَلَّلين ومتشبِّثين برأيهم الخاطئ أكثر من غيرهم من الشعوب. ومع ذلك، من السهل بالنسبة إلينا أن نجلس ونحكُم عليهم لأنَّ الآيات التي تقول إنّ يسوع كان المسيح قد غابت عنهم. ولكن قبل أن نُشير بأصابعنا إليهم، ربّما ينبغي أن ننظر إلى أنفسنا. أيمكن أن نقول بأمانةٍ وصِدق إنَّنا نعرف ’جميع الكُتب‘؟ ألَسنا، مثلنا مثل اليهود، نقرأ فقط الأسفار التي تُعجبنا والتي نرتاح إليها ونفهمها؟ وألَسنا نستخدم في غالب الأحيان منطقنا البشريّ للحدِّ من قوّة الله في عقولنا؟ أو ألا نرفض حتّى في بعض الأحيان قبول الكتب المقدّسة بدافعٍ من اهتمامنا بما يفكِّر فيه الآخرون أكثر من اهتمامنا بما قاله الله؟

ينبغي أن تكون الطريقة التي فوَّت بها اليهود الآيات بمثابة تحذيرٍ لنا. نحن لا نجرؤ على أن نقصر أنفسنا على قراءة الأسفار التي نعرفها فقط والتي صادف أنّنا نحبّها. نحن لا نجرؤ على الحَدِّ من قوّة الله بمنطقنا البشريّ. ونحن لا نجرؤ على رفض قبول ما تعلِّمه الكُتب المقدَّسة. مزوَّدين بهذه التحذيرات المتعلِّقة بكيفيَّة غيات الآيات المتعلِّقة بالمسيح الآتي عن اليهود، ننتقل الآن إلى فهم مجيء شخصٍ رئيسيّ هو مفتاح كلّ شيء – الخادم.

المسيح الآتي: في آيات ’’السبعة‘‘

عندما قمنا باستكشاف قصص الأنبياء، كنَّا نتعلَّم أنَّه على الرغم من أنَّ مئات السنين كانت تفصل أحدهم عن الآخر في بعض الأحيان – وبالتالي، لم يكن بإمكانهم إنسانيًّا تنسيق نبوءاتهم مع بعضهم البعض – ومع ذلك، أبرزَت النبوءات للعيان موضوعًا مركزيًّا وهو مجيء المسيح (= Christ). نرى أنَّ النبيّ أشعياء (عليه السلام) استخدمَ آية الغصن  من جذع، وبعد ذلك تنبَّأ النبيّ زكريّا (عليه السلام) أنَّ هذا الغصن سيحمل اسمًا عبريًّا هو يهوشَع، الذي تُرجمته Iesousباللغة اليونانيّة، والذي هو Jesus باللغة الإنكليزيَّة و عيسى باللغة العربيَّة. نعم، لقد تمَّ التنبّؤ بالمسيح قبل 500 عام من مجيء عيسى المسيح – يسوع (عليه السلام). دُوِّنَت هذه النبوءة في كتاب اليهود (وليس في الإنجيل)، الذي لا يزال مقروءًا ومقبولاً – إنّما ليس مفهومًا – مِن قِبَل اليهود.

النبيّ دانيال

نصل الآن إلى النبيّ دانيال (عليه السلام). عاش في المنفى في بابل، وكان مسؤولاً ذا نفوذٍ قويّ في الحكومتين البابليّة والفارسيّة – فضلاً عن كونه نبيًّا. يوضِّح الجدول الزمنيّ أدناه أين عاش النبيّ دانيال (عليه السلام) في تاريخ الأنبياء.

النبيّان دانيال ونحميا (عليهما السلام) مبيَّنان في الجدول الزمنيّ مع غيرهما من أنبياء الزبور

النبيّان دانيال ونحميا (عليهما السلام) مبيَّنان في الجدول الزمنيّ مع غيرهما من أنبياء الزبور

يتلقَّى النبيّ دانيال (عليه السلام) في السفر الذي يحمل اسمه، رسالة من الملاك جبرائيل (جبريل). إنَّ النبيّ دانيال ومريم أُمّ يسوع (عيسى– عليه السلام)، كانا الوحيدين في الكتاب المقدَّس كلّه (الكتاب) اللذين تلقّيا رسائل من جبرائيل. لذلك ينبغي أن نولي اهتمامًا خاصًّا لهذه الرسالة.

قال له الملاك جبرائيل (جبريل) إنَّ:

 

جِبْرَائِيلَ الَّذِي رَأَيْتُهُ فِي الرُّؤْيَا… عِنْدَ وَقْتِ تَقْدِمَةِ الْمَسَاءِ… وَتَكَلَّمَ مَعِي وَقَالَ: ’’… سَبْعُونَ ’أُسْبُوعًا‘ قُضِيَتْ عَلَى شَعْبِكَ وَعَلَى مَدِينَتِكَ الْمُقَدَّسَةِ لِتَكْمِيلِ الْمَعْصِيَةِ وَتَتْمِيمِ الْخَطَايَا، وَلِكَفَّارَةِ الإِثْمِ، وَلِيُؤْتَى بِالْبِرِّ الأَبَدِيِّ، وَلِخَتْمِ الرُّؤْيَا وَالنُّبُوَّةِ، وَلِمَسْحِ قُدُّوسِ الْقُدُّوسِينَ.

’’فَاعْلَمْ وَافْهَمْ أَنَّهُ مِنْ خُرُوجِ الأَمْرِ لِتَجْدِيدِ أُورُشَلِيمَ وَبِنَائِهَا إِلَى الْمَسِيحِ الرَّئِيسِ سَبْعَةُ أَسَابِيعَ وَاثْنَانِ وَسِتُّونَ ’أُسْبُوعًا‘، يَعُودُ وَيُبْنَى سُوقٌ وَخَلِيجٌ فِي ضِيقِ الأَزْمِنَةِ. وَبَعْدَ اثْنَيْنِ وَسِتِّينَ أُسْبُوعًا يُقْطَعُ الْمَسِيحُ وَلَيْسَ لَهُ، وَشَعْبُ رَئِيسٍ آتٍ يُخْرِبُ الْمَدِينَةَ وَالْقُدْسَ، وَانْتِهَاؤُهُ بِغَمَارَةٍ، وَإِلَى النِّهَايَةِ حَرْبٌ وَخِرَبٌ قُضِيَ بِهَا.

(دانيال 9: 21-26)

نحن نرى أنَّ هذه النبوءة تتكلَّم عن مجيء ’الممسوح‘ (= المسيح = Christ  كما رأينا هنا). أعطى الملاك جبرائيل جدولاً زمنيًّا لموعد مجيء المسيح. قال الملاك جبرائيل إنَّه سيكون هناك عدًّا تنازليًّا سيبدأ مع ’صدور مرسوم لترميم وإعادة بناء أُورشليم‘ (القُدْس). على الرغم من أنَّ دانيال قد أُعطي هذه الرسالة (حوالي العام 537 قبل الميلاد)، إلاّ أنّه لم يعِش ليرى بداية هذا العدّ التنازليّ.

 إصدار المرسوم القاضي بترميم وإعادة بناء أُورشليم (القُدْس)

     في الواقع، كان نحميا الذي عاش بعد دانيال (عليه السلام) بمائة سنة تقريبًا، هو الذي رأى بداية هذا العَدّ التنازليّ. وقد كان حامل كأس الملِك الفارسيّ أرْتَحْشَسْتَا، وعاش في سوسة التي تقع في إيران يومنا هذا. انظُر أين عاش في الجدَول الزمنيّ أعلاه. وهو يقولُ لنا في سفرِه:

وَفِي شَهْرِ نِيسَانَ فِي السَّنَةِ الْعِشْرِينَ لأَرْتَحْشَسْتَا الْمَلِكِ، … فَقَالَ لِي الْمَلِكُ:: ’’مَاذَا طَالِبٌ أَنْتَ؟‘‘

فَصَلَّيْتُ إِلَى إِلهِ السَّمَاءِ،وَقُلْتُ لِلْمَلِكِ: ’’إِذَا سُرَّ الْمَلِكُ، وَإِذَا أَحْسَنَ عَبْدُكَ أَمَامَكَ، تُرْسِلُنِي إِلَى يَهُوذَا، إِلَى مَدِينَةِ قُبُورِ آبَائِي فَأَبْنِيهَا‘‘…

وَقُلْتُ لِلْمَلِكِ: ’’… ورِسَالَةٌ إِلَى آسَافَ حَارِسِ فِرْدَوْسِ الْمَلِكِ لِكَيْ يُعْطِيَنِي أَخْشَابًا لِسَقْفِ أَبْوَابِ الْقَصْرِ الَّذِي لِلْبَيْتِ، وَلِسُورِ الْمَدِينَةِ، وَلِلْبَيْتِ الَّذِي أَدْخُلُ إِلَيْهِ». فَأَعْطَانِي الْمَلِكُ حَسَبَ يَدِ إِلهِي الصَّالِحَةِ عَلَيَّ. فَأَتَيْتُ إِلَى وُلاَةِ عَبْرِ النَّهْرِ وَأَعْطَيْتُهُمْ رَسَائِلَ الْمَلِكِ…

فَجِئْتُ إِلَى أُورُشَلِيمَ، … (نحميا 2: 1-11)

تُسجِّل الآيات أعلاه ’’صدور المرسوم القاضي بترميم وإعادة بناء أُورشليم (القُدْس)‘‘ وهو ما تنبَّأ دانيال بأنّه سيحدثُ في يومٍ ما. كما نرى أنَّه حدث في السنة العشرين من حُكم الملِك الفارسيّ أرْتَحْشَسْتَا الذي بدأ حكمه، كما هو معلومٌ تاريخيًّا، في العام 465 قبل الميلاد. وبالتالي، فإنّ السنة العشرين من حكمه تحدِّد تاريخ هذا المرسوم في العام 444 قبل الميلاد. كان الملاك جبرائيل قد بعث برسالة إلى النبيّ دانيال (عليه السلام) وأعطاه آية لبدء العدّ التنازليّ. بعد ما يقرُب من مائة سنة، أصدر الملك الفارسيّ، الذي لم يكن على علمٍ بنبوءة دانيال آنفة الذِكر، هذا المرسوم – مُطلقًا العَدّ التنازليّ الذي كان قد كُتِبَ أنّه سيأتي بالممسوح – المسيح.

 السَبْعات الغامضة (يُشار إلى ’السبعة‘ في الكتاب المقدَّس باللغة العربيّة بالأسبوع)

كان دانيال رسالة عن ‘أسابيع. في العبرية كان حرفيا السبعات”.أشارت رسالة الملاك جبرائيل التي تسلَّمها النبيّ دانيال إلى أنَّ الأمر سيستَغرق ’’سَبْعَةُ ’سبعات‘ وَاثْنَانِ وَسِتُّونَ ’سبعة‘ ‘‘ وبعد ذلك سوف يُعلَن مجيء المسيح. فما هي هذه ’السَبعَة‘ إذًا؟ كان في توراة موسى (عليه السلام) دورَة من سبع سنوات. وكانت السنة السابعة  مخصَّصة للراحة من الزراعة  بحيث يمكن للتربة أن تعمل على تجديد المواد التي تغذّيها. فاﻟــــ ’سبعة‘ إذن هي دورة من سبع سنوات. مع أخذ ذلك بعين الاعتبار، نرى أنّه من تاريخ صدور المرسوم، يبدأ العدُّ التنازليّ في جزأين. كان الجزء الأوّل ’سبع سبعات‘ أو فترات من 7 سنوات. هذه اﻟــــ 7×7=49 سنة، كانت الفترة التي سيستغرقها إعادة بناء أورشليم.. وأعقب ذلك اثنين وستّين من السبعات، وبالتالي فإنّ العدّ التنازلي الإجمالي كان  7×7+62×7=483 سنة. بعبارةٍ أخرى، بدءًا من تاريخ صدور مرسوم أرْتَحْشَسْتَا، سيكون هناك 483 سنة حتّى إعلان مجيء المسيح.

 السنة، 360 يومًا

يجب أن نقوم بإجراء تعديلٍ طفيفٍ على التقويم. كما فعلت أُممٌ عديدة في الأزمنة القديمة، استخدمَ اليهود سنة عدد أيّامها 360 يومًا. هناك طرقٌ مختلفة لتحديد طول ’سنة‘ في التقويم. يبلغ عدد أيّام السنة في التقويم الغربيّ (الذي يستند إلى الانقلاب الشمسيّ) 365,24 يومًا، ويبلغ التقويم الهجريّ (لدى المسلمين) 354 يومًا (على أساس دورات القمر)، وكان التقويم الذي استخدمه دانيال ما بين الاثنين. إذن، 483 سنة من ’360‘ يومًا هي 483×360/365.24=476 سنة شمسيَّة.

 توقُّع مجيء المسيح في سنةٍ محدَّدة

يمكننا باستخدام هذه المعلومات أن نحسب الزمن الذي يُفتَرَض أن يأتي فيه المسيح. سوف ننتقل من حقبة ما ’قبل الميلاد‘ إلى حقبة ما ’بعد الميلاد‘، وهناك سنة واحدة فقط من السنة الأولى قبل الميلاد – السنة الأولى بعد الميلاد (ليس ثمّة سنة صفر). تتلخَّص المعلومات المتعلِّقة بهذه العمليّات الحسابيّة في الجدول

بدء السنة
444قبل الميلاد(السنة العشرون لأرْتَحْشَسْتَا)
الفترة الزمنيَّة
476سنة شمسيَّة
المجيء المتوقَّع في التقويم الغربي
(-444 + 476 + 1) (’+1‘ لأنّ ليس هناك سنة صفر بعد الميلاد) = 33
السنة المــُتَوَقَّعة
33 ميلاديّة
جاء يسوع من الناصرة إلى أُورشليم راكبًا على حمارٍ ابن أتان في ما أصبح الاحتفال الذي يُعرَف بأحد السُعُف (أحد الشعانين). في ذلك اليوم، أعلن يسوع عن نفسه ودخل أُورشليم بوصفه مسيحهم. كانت ذلك في العام 33 بعد الميلاد.

على الرغم من أنَّ النبيّ دانيال والنبيّ نحميا لم يكونا يعرفان بعضهما بما أنَّ 100 عام كان يفصل بينهما، فقد نسَّق الله بينهما ليتلقّيا النبوءتَين ويُطلقا العَدّ التنازليّ الذي سيُعلِن عن المسيح. وبعد 570 سنة تقريبًا من تلقِّي النبيّ دانيال رسالته مِن الملاك جبرائيل، دخل عيسى أُورشليم بوصفه المسيح. تلك نبوءة استثنائيّة إلى حدٍّ كبير تحقَّقت بدقَّة بالغة. إلى جانب نبوءة اسم المسيح الذي أعطاه أو ذكره النبيّ زكريّا، يشكِّل هؤلاء الأنبياء مجموعة مذهلة حقًّا من النبوءات بحيث يتسنّى لجميع أُولئك الذين يريدون أن يعرفوا خطّة الله، يمكنهم أن يروها وهي تتجلّى للعَيان.

ولكن إذا كانت هذه النبوءات مِن كتاب الزبور لافتة إلى هذا الحدّ، وكانت مدَوَّنة في كتاب اليهود- وليس في الإنجيل- فلماذا لا يقبل اليهود عيسى باعتباره المسيح؟ إنّ ذلك مذكورٌ في كتابهم! ينبغي أن يكون ذلك واضحًا بحسب اعتقادنا، خاصّةً مع مثل هذه النبوءات الدقيقة التي تحقَّقت. إنّ فَهْمنا سبب عدم قبول اليهود لعيسى باعتباره المسيح، يجعلنا نتعلَّم بعض الأشياء اللافتة الأخرى حول مجيئه الذي تنبَّأ به الأنبياء. سوف نبحث هذا السؤال في المقال القادم.

آية الغُصْن: الآتي المسيح اسمه (يُدعى المسيح)

لقد رأينا في المقالة الأخيرة حول الزبور أنّ الله قد وعَدَ ﺑ ملكوتٍ قادم. هذا الملكوت سيكون مختلفًا عن ممالك الإنسان. فلنلقِ نظرة على الأخبار اليوم فنرى ما يحدث في الممالك البشريّة. قتالٌ وفسادٌ وفظائعٌ وقتلٌ، القويّ يستغلُّ الضعيف – وهذا يحدث في جميع ممالك الإنسان، سواء كانوا مسلمين أو مسيحيِّين أو يهودًا أو بوذيّين أو هندوسيّين أو ينتمون إلى العلمانيّة الغربيّة. إنّ المشكلة الكبري في هذه الممالك جميعها هي أنّنا نحن الذين نعيش فيها، لدينا عطشٌ لا يرتوي، كما رأينا مع النبيّ أرميا (عليه السلام)، هذا العطش الذي يقودنا إلى الخطيئة وإلى الكثير من المشاكل على جميع ومختلَف أنواعها (أيّ الفساد والقتل والمضايقات الجنسيَّة، إلخ..) هو في الحقيقة الآثار المنظورة للخطيئة ليس إلاّ، وبالتالي فإنّ العقبة الكبرى أمام مجيء هذا الملكوت هي أنفسنا. لو كان الله قد أقام مملكته الجديدة في الحال، لما كان بإمكان أحدٍ منّا أن يدخلها، لأنَّ من شأن خطايانا أن تُفسِد هذه المملكة كما تدمِّر خطايانا اليوم الممالك في جميع أنحاء العالم. كما تنبَّأ إرميا (عليه السلام) باليوم الذي سيُقيم الله فيه عهدًا جديدًا. هذا الميثاق أو العهد سيكون مختلفًا، لأنّه سيُكتب في قلوبنا وليس على ألواحٍ من حجر كما كُتِبَت شريعة موسى. وهو سيقوم بتغييرنا من الداخل إلى الخارج ليجعلنا صالحين لأن نكون مواطنين في هذا الملكوت.

كيف كان سيتمّ هذا الأمر؟ كانت خطَّة الله تشبه كنزًا مخبَّئاً. لكنَّ الأدلَّة أُعطِيَت في رسائل أنبياء الزبور حتّى يفهم أولئك الذي كانوا يطلبون هذا الملكوت، لكنَّ البقيّة التي لم تكن مهتمَّة سوف تبقى جاهلة. إنّنا ننظر إلى هذه الرسائل الآن. ركَّزَت الخطَّة على مجيء المسيح (والذي كما رأينا هنا = المسيَّا = Christ). لقد سبق أن رأينا في مزامير الزبور (المستَوحاة من الملك داود) أنَّ المسيح المـــُنتَظَر يجب أن يأتي من نسل الملك داود (انظر هنا للمراجعة).

ما قاله النبيّ أشعياء عن الشجرة والجذع … والغصن

      كشف النبيّ أشعياء (عليه السلام) أن خطَّة الله هذه سوف تحدث بطريقةٍ غير مباشرة. كُتِب سفر أشعياء في الزبور خلال فترة الحُكم الملكيّ لسلالة داود (حوالي 1000 – 600 قبل الميلاد). وخلال الفترة التي كُتِبَ فيها (750 قبل الميلاد) كانت السلالة ومملكة بني إسرائيل كلّها فاسدة – بسبب عطش قلوبهم.

جدول التاريخ الزمني الخاصّ بداود وبعض أنبياء الزبور الآخرين أشعياء
الخطّ الزمنيّ التاريخيّ للنبيّ أشعياء (عليه السلام) مع بعض الأنبياء الآخرين في الزبور

 

Slide1
سلالة داود – مثل شجرة

أُوحيَ إلى أشعياء (عليه السلام) بكتابة نداءٍ يطلبُ فيه من بني إسرائيل العودة إلى الله وإلى ممارسة وروح شريعة موسى. كان أشعياء يعرف أيضًا أنَّ هذه التوبة والعودة لن تحدث، لذلك تنبّأ بأنّ أمّة بني إسرائيل سوف تُدَمَّر وسيتمُّ تحطيم السلالة الملكيّة. رأينا هناكيف حصل هذا. استخدمَ أشعياء في نبوءته استعارة أو صورة للسلالة على شكل شجرةكبيرة ستُقطَع قريبًا فلا يتبقَّى منها سوى جذع فقط. حدث ذلك حوالي عام 600 قبل الميلاد عندما دمَّر البابليّون أورشليم/القدس، ومنذ ذلك التاريخ،لم يحكم أحد من سلالة الملك داود قَط في أورشليم/القدس.

Slide2
الشجرة – مقطوعة

ولكن إلى جانب هذه النبوءات كلّها في سِفْره عن الدمار الآتي، وردت هذه الرسالة الخاصّة:

 

’’وَيَخْرُجُ قَضِيبٌ مِنْ جِذْعِ يَسَّى، وَيَنْبُتُ غُصْنٌ مِنْ أُصُولِهِ، وَيَحُلُّ عَلَيْهِ رُوحُ الرَّبِّ، رُوحُ الْحِكْمَةِ وَالْفَهْمِ، رُوحُ الْمَشُورَةِ وَالْقُوَّةِ، رُوحُ الْمَعْرِفَةِ وَمَخَافَةِ الرَّبِّ‘‘. (أشعياء 11: 1-2)

كان يَسَّى والدَ الملك داود، وكان بالتالي أصل سلالته. وكان جذع يسَّى بالتالي نبوءةً عن التحطيم القادم ونهاية سلالة الملوك من نسل داود. لكن لكون أشعياء نبيًّا، فقد رأى أيضًا ما وراء ذلك الزمن وتنبَّأ بأنّه على الرغم من أنَّ الجذع (سلالة الملوك) سيبدو ميِّتًا، فهو لن يكون كذلك تمامًا. وقد أعلن أنَّه في يومٍ ما في المستقبل، سيبرز قضيبٌ، يُعرَف بالغُصْن، من الجذع نفسه.

Slide3يُدعى هذا الغصن ’هو‘، أشعياء يتنبّأ إذن عن مجيء رجلٍ من سلالة داود. وسيكون لدى هذا الرجل صفات مثل الحكمة والقوَّة والمعرفة التي لا يمكن أن يكون مصدرها إلاّ روح الله نفسه الساكن فيه. تذكَّر الآن كيف رأينا أنَّه تمَّ التنبّؤ بأنَّ المسيح أيضًا هو من سلالة داود– وهذا كان أكثر أهميّة. الغصن والمسيح، كلاهما، هما من سلالة داود؟ أيمكن أن يكون هناك لقبان للشخص الآتي نفسه؟ فلنتابع بحثنا في الزبور.

 النبيّ ارميا … حول الغُصْن

جدول التاريخ الزمني الخاصّ بداود وبعض أنبياء الزبور الآخرين إرميا
جدول التاريخ الزمني الخاصّ بداود وبعض أنبياء الزبور الآخرين إرميا

كتب النبي ارميا (عليه السلام) الذي جاء بعد أشعياء بمائة وخمسين سنة، عندما كانت سلالة داود تُقطَع فعليًّا أمام عينيه:

’’هَا أَيَّامٌ تَأْتِي‘‘، يَقُولُ الرَّبُّ، ’’وَأُقِيمُ لِدَاوُدَ غُصْنَ بِرّ، فَيَمْلِكُ مَلِكٌ وَيَنْجَحُ، وَيُجْرِي حَقًّا وَعَدْلاً فِي الأَرْضِ. فِي أَيَّامِهِ يُخَلَّصُ يَهُوذَا، وَيَسْكُنُ إِسْرَائِيلُ آمِنًا، وَهذَا هُوَ اسْمُهُ الَّذِي يَدْعُونَهُ بِهِ: الرَّبُّ بِرُّنَا‘‘. (ارميا 23: 5-6)

يتابع ارميا (عليه السلام) مباشرةً من نبوءة الغصن التي بدأها النبيّ أشعياء (عليه السلام) قبل 150 عامًا. الغُصنُ سيكون ملكًا. رأينا أنّ المسيح كان أيضًا سيكون ملكًا. إنّ التشابه ما بين المسيح والغُصن آخذٌ في الازدياد.

 النبيّ زكريّا … يُسمِّي الغُصْن

يتابع النبيّ زكريّا (عليه السلام) الرسائل لنا. عاش في عام 520 قبل الميلاد، تمامًا بعد عودة الشعب اليهوديّ إلى أورشليم/القدس من سبيِهم الأوّل إلى بابل، ولكن في الفترة التي كانوا فيها تحت حكم الفرس.

جدول التاريخ الزمني الخاصّ بداود وبعض أنبياء الزبور الآخرين أشعياء
النبيّ زكريّا في الجدول الزمنيّ مع غيره من أنبياء الزبور

يُرجى عدم الخَلط بين زكريّا الذي نتحدَّث عنه وزكريّا والد النبيّ يحيا. إنّهما يحملان الاسم نفسه، لكنّ النبيّ زكريّا هذا عاش قبل زكريّا ﺑــ 500 سنة، وقد سُمِّي في واقع الأمر باسم زكريّا النبيّ، تمامًا كما يوجد العديد من الأشخاص الذي يحملون اسم مُحَمَّد وقد دُعوا بهذا الاسم تيمُّنًا بالنبيّ مُحَمَّد (صلّى اللهُ عليهِ وسَلَّم). في ذلك الوقت، (520 قبل المسيح)، كان الشعب اليهوديّ يعمل لإعادة بناء هيكلهم المــُدَمَّر وإعادة إقامة ذبائح هرون أخو موسى (عليهما السلام). كان يهوشَع رئيس الكهنة في زمن النبيّ زكريَّا، وهو سليل هرون الذي كان رئيس الكهنة (ولا يمكن لأحدٍ أن يكون رئيسًا للكهنة ما لم يكن من نسل هرون). وهكذا، في ذلك الوقت (حوالي 520 قبل الميلاد)، كان زكريّا هو النبيّ وكان يهوشع رئيس الكهنة. وهذا ما أعلنه الله – من خلال زكريّا – بشأن يهوشع رئيس الكهنة.

 ’ ’’فَاسْمَعْ يَا يَهُوشَعُ الْكَاهِنُ الْعَظِيمُ أَنْتَ وَرُفَقَاؤُكَ الْجَالِسُونَ أَمَامَكَ، لأَنَّهُمْ رِجَالُ آيَةٍ، لأَنِّي هأَنَذَا آتِي بِعَبْدِي الْغُصْنِ. فَهُوَذَا الْحَجَرُ الَّذِي وَضَعْتُهُ قُدَّامَ يَهُوشَعَ‘‘…، يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ، ’’وَأُزِيلُ إِثْمَ تِلْكَ الأَرْضِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ‘‘ ‘. (زكريّا 3: 8-9)

الغُصْن! مرَّةً أخرى! لكنَّه دُعيَ هذه المرَّة ’عَبْدي‘. وبطريقةٍ ما، يرمز يهوشَع الكاهن العظيم إلى هذا الغُصْن الآتي. بالتالي، الكاهن العظيم يَهوشَع هو آية. ولكن بأيِّة طريقة؟ وما معنى في ’يومٍ واحدٍ‘ سوف يُزالُ الإثْمُ مِن قِبَل الربّ (’’وأُزِيلُ…‘‘)؟ نتابع قراءتنا لسفر زكريّا ونكتشف شيئًا مذهلاً.

 وَكَانَ إِلَيَّ كَلاَمُ الرَّبِّ قَائِلاً: ’’… يَهُوشَعَ … الْكَاهِنِ الْعَظِيمِ. وَكَلِّمْهُ قَائِلاً: هكَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ قَائِلاً: هُوَذَا الرَّجُلُ ’’الْغُصْنُ‘‘ اسْمُهُ ‘‘.

(زكريّا 6: 9- 12)

لاحِظْ أنّ اسم يهوشَع بالذات (يشوع) هو اسم الغُصْن. تذكَّر ما تعلَّمناه عن الترجمة الصوتيّة والترجمة بحسب المعنى من العبريّة إلى الإنكليزيّة. نقرأ هنا الاسم ’Joshua‘ لأنّنا نقرأ ترجمةً إنكليزيّة. ولكن ما الاسم الأصليّ باللّغة العبريَّة؟ يوضِّح لنا ذلك الشكل أدناه.

translation of Joshua and Jesus - arab translation
يشوع = يسوع لأنَّ كليهما مُترجمان ترجمةً صوتيّة من الاسم العبريّ نفسه

انطلاقًا من المربَّع 1->3 (كما فعلنا في فهمنا للمصدر الذي جاء منه اسم ’مسيَّا‘ أو ’مسيح‘)، نرى أنَّ اسم ’يشوع‘ هو ترجمة صوتيّة من الاسم العبريّ ‘Yhowshuwa’(يَهوشَع). تُرجِم هذا الاسم ترجمةً صوتيّة إلى ’Joshua‘ عندما تُرجِم إلى اللغة الإنكليزيّة. تذكَّر أيضًا أنّ التوراة/الزبور قد تُرجما إلى اليونانيّة حوالي عام 250 قبل الميلاد. هذا هو المربَّع 1 ->2. هؤلاء المترجمون قاموا أيضًا بترجمة الاسم العبريّ ’يهوشَع‘ ترجمةً صوتيّة عندما ترجموا العهد القديم إلى اللغة اليونانيّة. فكانت ترجمتهم الصوتيّة اليونانيّة للاسم هي Iesous. وبالتالي، ’يَهوشَع‘في العهد القديم باللغة العبريّة، دُعيَIesousفي العهد القديم باللغة اليونانيّة. عندما تُرجِم العهد الجديد إلى اللغة الإنكليزيّة، تُرجِم الاسم Iesous ترجمةً صوتيّة إلى Jesus. بعبارةٍ أُخرى، تمامًا كما أنَّ المسيح=المسيَّا=Christ=الممسوح.

 ’يَهوُشَع Yhowshuwa‘= Iesous= Joshua = يسوع (= عيسى)

 بالطريقة نفسها التي يُتَرجَم فيها الاسم Muhammad = محمَّد، هكذا يُتَرجَم Joshua = يسوع. إنَّ ما هو مُذهل والذي يستحقُّ أن يعرفه الجميع، هو أنَّه قبل 500 عام من مجيء عيسى المسيح، نبيّ الإنجيل، تنبَّأ النبيّ زكريّا بأنّ الاسم الغُصْن سوف يكون يسوع (أو عيسى – الترجمة الصوتيّة من اللغة العربيّة). يسوع (أو عيسى) هو الغُصْن! الغُصْن والمسيح هما اسمان للشخص نفسه! ولكن لما هو بحاجةٍ إلى اسمَين مُختَلفَين؟ ما الذي كان سيفعله والذي كان على هذه الدرجة من الأهميّة؟ يشرح ذلك أنبياء الزبور الآن بمزيدٍ من التفصيل – في مقالتنا القادمة حول الزبور.

علامة العهد الجديد

أينا فى المقال السابق من النبى أرميا (عليه السلام) أن الخطية, من بين أمور أخرى, علامة على عطشنا. على الرغم من أننا نعرف أن الأشياء الخاطئة خطأ و سوف تقود إلى الخزى, فمازال عطشنا يقودنا للخطية. عاش النبى أرميا (عليه  السلام) فى نهاية فترة حكم ملوك إسرائيل – قبل دينونه الله  – فى وقت كانت الخطية موجودة بكثرة. فى وقت النبى أرميا (عليه السلام – 600 ق.م) تقريبا بعد ألف سنة من أخذ الناموس بواسطة النبى موسى, كانت حياة الإسرائييلين منحلة. لم يحفظوا الناموس و بالتالى كانت ستجرى محاكمتهم كأمة. أثبت الدين أنه خيبة أمل لكل من الله و الناس العطشى. و لكن النبى أرميا (عليه السلام) الذى كان رسول القضاء كان لديه رسالة أخرى عن شيئ ما … يوما ما فى المستقبل … ماذا كانت الرسالة؟

ها ايام تاتي يقول الرب واقطع مع بيت اسرائيل ومع بيت يهوذا عهدا جديدا. ليس كالعهد الذي قطعته مع ابائهم يوم امسكتهم بيدهم لاخرجهم من ارض مصر حين نقضوا عهدي فرفضتهم يقول الرب. بل هذا هو العهد الذي اقطعه مع بيت اسرائيل بعد تلك الايام يقول الرب.اجعل شريعتي في داخلهم واكتبها على قلوبهم واكون لهم الها وهم يكونون لي شعبا. ولا يعلمون بعد كل واحد صاحبه وكل واحد اخاه قائلين اعرفوا الرب لانهم كلهم سيعرفونني من صغيرهم الى كبيرهم يقول الرب.لاني اصفح عن اثمهم ولا اذكر خطيتهم بعد. (أرميا 31 : 31 – 34)

Timeline for intro to Zabur - in arabic - jeremiah highlighted
التسلسل الزمنيّ التاريخي للنبيّ إرميا (عليه السلام) مع بعض الأنبياء الآخرين في الزبور

العهد الأول – الناموس المعطى بالنبى موسى (عليه السلام) – فشل ليس بسبب أن الناموس لم يكن جيد. ناموس موسى كان (و مازال) جيد جدا. لكن المشكلة كانت ببساطة أن الناموس كتب على ألواح حجرية. بوجود العطش فى قلوبهم لم يتمكنالناس من طاعة الناموس. لم تكن المشكلة مع ما كتب فى الناموس, لكن أين كتب. كان الناموس محتاج أن يكتب على قلوب الناس حتى يتمكن الناس من إتباعه, لا أن يكتب على ألواح حجرية. كان الناموس محتاج أن يكتب داخل الناس, حتى يكون لديهم القدرة على إتباعه. لكن هل كان سبب فشلهم فى حفظ الناموس هو أنهم يهود؟ العديد من الناس, لأسباب عديدة, يسارعون فى لوم اليهود. لكن فى هذه النقطة سيفيدنا أن نفحص أنفسنا أولاً. ففى النهاية, فى يوم الحساب سنجيب عن نجاحنا و فشلنا الخاص أمام الله, و لن يعنينا الناس الأخرين. و أنت تستعرض حياتك هل تشعر أنك تحفظ الناموس – هل هو مكتوب فى قلبك فلديك القدرة على إتباعه. لو أنك تشعر أنك تحفظ الناموس كما ينبغى قد تريد أن تراجع أفعالك فى ضوء تعاليم النبى عيسى المسيح (عليه السلام). أو هل هو بالنسبة لك كما كان بالنسبة للإسرائييلين فى أيام أرميا – أن الناموس جيد –  لكنه ببساطة مكتوب على ألواح حجرية بدون إعطائك القدرة على إتباعه؟ تذكر القياس الذى تعلمنه من النبى موسى (عليه السلام). ليس كافيا أن نطيع معظم الناموس أحيانا. يجب أن نطيعه كله, دائما. لو أنك تحاسب نفسك على تقصيرك فى الناموس بطريقة ما, لو أنك تشعر بالخزى بسبب بعض تصرفاتك, تشجع. الله, فى رحمته, فى الرسالة السابقة قطع وعد أخر, وعد بعهد جديد – سيتحقق فى يوم فى  المستقبل من بعد النبى أرميا (عليه السلام). هذا العهد سيكون مختلف لأن متطلباته ستكتب “بداخل” الناس الداخلين فى هذا العهد, معطي لهم القدرة على العيش بأحكامه. لكن لاحظ أن هذا العهد الجديد يبدو أنه “لبيت إسرائيل” – اليهود. كيف نفهم هذا؟ يبدو أن اليهود فى بعض الأوقات بيوجهوا أسوء الأوضاع, و فى أحيان أخرى أفضل الأوضاع. ها هو نبى عظيم أخر من الزبور, أشعياء (الذى تنبأ أن المسيا سيأتى من عذراء – عليه السلام) كان لديه نبوة أخرى مرتبطة بتلك التى فى أرميا (عليه السلام). هذان النبيان, على الرغم من أنه كان يفصل بينهما 150 سنة (كما يمكنك أن ترى فى الجدول الزمنى بالأسفل) و بالتالى لم يعرفوا بعضهما البعض, أعطهم الله رسالات مكملة لبعضهم لدرجة أننا عرفنا من هذه الرسائل أن الله من بعثهما بها. النبى أرميا موضح فى الجدول الزمنى مع أنبياء الزبور الأخرين. أشعياء, أيضا يتطلع للمستقبل, تكلم عن عبد قادم. ها هو ما تنبأ به

والان قال الرب – جابلي من البطن عبدا له لارجاع يعقوب اليه فينضم اليه اسرائيل, فاتمجد في عيني الرب والهي يصير قوتي – 6فقال قليل ان تكون لي عبدا لاقامة اسباط يعقوب ورد محفوظي اسرائيل. فقد جعلتك نورا للامم لتكون خلاصي الى اقصى الارض. (أشعياء 49 : 5 – 6)

بمعنى أخر, هذا العبد القادم, سيوسع خلاص الله من اليهود إلى الأمم (أى غير اليهود) و بذلك سيمتد الخلاص إلى أقصى الأرض. من كان هذا العبد القادم؟ كيف سيؤدى هذه المهمة؟ و كيف ستتحقق نبوة أرميا عن العهد الجديد المكتوب فى قلوبنا بدلا من الحجر؟ سنواصل البحث عن إجابات (هم موجودون)

علامات عطشنا

الكتاب المقدس يسجل لناتاريخ بنى إسرائيل الذين  أخذوا الشريعة  وبالرغم من ذلك نجد أنهم قد عصوا  الله ولم يعملوا بحسب الشريعة . وذكرت فى مقدمة الزبور أن الملوك الذين جاءوا بعد دأود وسليمان ومن نسيله . كان كثير منهم أشرار جدا والله أرسل لهم كثير من الأنبياء لتحذيرهم .

Timeline Jeremiah alinjil
النبي إرميا مبين في الجدول الزمني مع سائر الأنبياء من الزبور

 

عاش أرميا التبى ( عليه السلام ) كما هو واضح من الخط الذمنى فى نهاية حكم الملوك وكان الشر والخطية منتشرة بشدة  وهى تشبه كثيرا خطايا الشائعة هذه الأيام ، الزنا ، والسكر ، والفجور الجنسى ، والوثنية ، والسحر ، والقتل ، والعنف ، وخيانة الأمانة واستغلال الأغنياء للفقراء … ولكن أرميا يبدأ كتابه بإعطاء ملخص لخطياهم وقسم هذه الخطايا إلى شرين

لأَنَّ شَعْبِي عَمِلَ شَرَّيْنِ: تَرَكُونِي أَنَا يَنْبُوعَ الْمِيَاهِ الْحَيَّةِ، لِيَنْقُرُوا لأَنْفُسِهِمْ أَبْآرًا، أَبْآرًا مُشَقَّقَةً لاَ تَضْبُطُ مَاءً.    (إر2 :13)

إرميا النبي يستخدم صورة مجازية ليساعدنا لفهم أفضل للخطية فيقول بالنبوة : أن الناس كانوا عطشى ، ولا يوجد خطأ فى أنهم عطشي ولكنهم يحتاجون إلى مياه صالحة للشرب . الله نفسه هو المياه الجيدة التى يمكن أن تروى عطشهم  . وبدلا من المجئ إلى الله ، ذهبوا إلى أبار أخرى مشققة ( أبار خاوية من الماء )

وبعبارة أخرى خطياهم باشكالها المختلفة يمكن تلخيصها فى :بدلا من أن يأتوا إلى الله ليرووا عطشهم بحثوا فى أماكن مشققة لا يوجد بها ماء ، بكلمات أخرى خطيتهم  بكل أشكالها يمكن تلخيصها فى بحثهم البحث فى أشياء عوض عن الله ليرووا عطشهم  ، وهذه الأشياء لايمكن أن تروى عطشهم .

فى النهاية وبعد متابعة خطاياهم ، لا يزال إسرائيل عطشى ، والأن بدون الله تبقى الأبار المشققة ، أى جميع المشاكل والصعوبات هى نتيجة  خطياهم .

حكمة سليمان تكشف لنا الأبار المشققة’

فى الحقيقة كان سليمان (عليه السلام) ذو خبرة واوضح أختبارة كان يمتلك كل ما يتمناه وفى النهاية كان ” عطشان “

وكما شرحت مي المقال بعنوان ؛الحكمه التي تعلمتها من الخضوع للرحمه الله ؛ كم كانت كتابات سليمان هذه مؤثره جدا في حياتي .

شرح كل محاولاته الفاشلة للارتواء من الأبار المشققة فقال:

كُنْتُ مَلِكًا عَلَى إِسْرَائِيلَ فِي أُورُشَلِيمَ. وَوَجَّهْتُ قَلْبِي لِلسُّؤَالِ وَالتَّفْتِيشِ بِالْحِكْمَةِ عَنْ كُلِّ مَا عُمِلَ تَحْتَ السَّمَاوَاتِ. هُوَ عَنَاءٌ رَدِيءٌ جَعَلَهَا اللهُ لِبَنِي الْبَشَرِ لِيَعْنُوا فِيهِ. رَأَيْتُ كُلَّ الأَعْمَالِ الَّتِي عُمِلَتْ تَحْتَ الشَّمْسِ فَإِذَا الْكُلُّ بَاطِلٌ وَقَبْضُ الرِّيحِ.  اَلأَعْوَجُ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يُقَوَّمَ، وَالنَّقْصُ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يُجْبَرَ. أَنَا نَاجَيْتُ قَلْبِي قَائِلاً: «هَا أَنَا قَدْ عَظُمْتُ وَازْدَدْتُ حِكْمَةً أَكْثَرَ مِنْ كُلِّ مَنْ كَانَ قَبْلِي عَلَى أُورُشَلِيمَ، وَقَدْ رَأَى قَلْبِي كَثِيرًا مِنَ الْحِكْمَةِ وَالْمَعْرِفَةِ». وَوَجَّهْتُ قَلْبِي لِمَعْرِفَةِ الْحِكْمَةِ وَلِمَعْرِفَةِ الْحَمَاقَةِ وَالْجَهْلِ، فَعَرَفْتُ أَنَّ هذَا أَيْضًا قَبْضُ الرِّيحِ.  لأَنَّ فِي كَثْرَةِ الْحِكْمَةِ كَثْرَةُ الْغَمِّ، وَالَّذِي يَزِيدُ عِلْمًا يَزِيدُ حُزْنًا ( جامعة 1: 12-18 ) .

قُلْتُ أَنَا فِي قَلْبِي: «هَلُمَّ أَمْتَحِنُكَ بِالْفَرَحِ فَتَرَى خَيْرًا». وَإِذَا هذَا أَيْضًا بَاطِلٌ. لِلضَّحْكِ قُلْتُ: «مَجْنُونٌ» وَلِلْفَرَحِ: «مَاذَا يَفْعَلُ؟». 3اِفْتَكَرْتُ فِي قَلْبِي أَنْ أُعَلِّلَ جَسَدِي بِالْخَمْرِ، وَقَلْبِي يَلْهَجُ بِالْحِكْمَةِ، وَأَنْ آخُذَ بِالْحَمَاقَةِ، حَتَّى أَرَى مَا هُوَ الْخَيْرُ لِبَنِي الْبَشَرِ حَتَّى يَفْعَلُوهُ تَحْتَ السَّمَاوَاتِ مُدَّةَ أَيَّامِ حَيَاتِهِمْ.  فَعَظَّمْتُ عَمَلِي: بَنَيْتُ لِنَفْسِي بُيُوتًا، غَرَسْتُ لِنَفْسِي كُرُومًا. عَمِلْتُ لِنَفْسِي جَنَّاتٍ وَفَرَادِيسَ، وَغَرَسْتُ فِيهَا أَشْجَارًا مِنْ كُلِّ نَوْعِ ثَمَرٍ. عَمِلْتُ لِنَفْسِي بِرَكَ مِيَاهٍ لِتُسْقَى بِهَا الْمَغَارِسُ الْمُنْبِتَةُ الشَّجَرَ.

قَنَيْتُ عَبِيدًا وَجَوَارِيَ، وَكَانَ لِي وُلْدَانُ الْبَيْتِ. وَكَانَتْ لِي أَيْضًا قِنْيَةُ بَقَرٍ وَغَنَمٍ أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ الَّذِينَ كَانُوا فِي أُورُشَلِيمَ قَبْلِي. جَمَعْتُ لِنَفْسِي أَيْضًا فِضَّةً وَذَهَبًا وَخُصُوصِيَّاتِ الْمُلُوكِ وَالْبُلْدَانِ. اتَّخَذْتُ لِنَفْسِي مُغَنِّينَ وَمُغَنِّيَاتٍ وَتَنَعُّمَاتِ بَنِي الْبَشَرِ، سَيِّدَةً وَسَيِّدَاتٍ.  فَعَظُمْتُ وَازْدَدْتُ أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلِي فِي أُورُشَلِيمَ، وَبَقِيَتْ أَيْضًا حِكْمَتِي مَعِي.

وَمَهْمَا اشْتَهَتْهُ عَيْنَايَ لَمْ أُمْسِكْهُ عَنْهُمَا. لَمْ أَمْنَعْ قَلْبِي مِنْ كُلِّ فَرَحٍ، لأَنَّ قَلْبِي فَرِحَ بِكُلِّ تَعَبِي. وَهذَا كَانَ نَصِيبِي مِنْ كُلِّ تَعَبِي. ثُمَّ الْتَفَتُّ أَنَا إِلَى كُلِّ أَعْمَالِي الَّتِي عَمِلَتْهَا يَدَايَ، وَإِلَى التَّعَبِ الَّذِي تَعِبْتُهُ فِي عَمَلِهِ، فَإِذَا الْكُلُّ بَاطِلٌ وَقَبْضُ الرِّيحِ، وَلاَ مَنْفَعَةَ تَحْتَ الشَّمْسِ              (جامعة 2 : 1- 11 )

حكمة سليمان وتحذيرات أرميا كتبت لأجلنا اليوم . وبصفة خاصة لأننا نعيش فى عصر فيه الكثير من الرفاهية والثروة والأفلام والموسيقة وما إلى ذلك من الأجيال السابقة . مجتمعنا الحديث هم الأكثر ثراء ، وأفضل تعليم . سافر كثيرا ولديه الترفيه والسعادة والتقدم التكنولوجى أكثر من أى عصر مضى . لذلك يمكننا بكل سهولة نقدر أن نتحول إلى هذه الأمور والأمور الأخرى المتاحة فى عصرنا مثل : الأباحية  والعلاقات غير المشروعة والمخدرات والكحول والجشع والمال والغضب والغيرة –  وهذابغرض أن نروى عطشنا . ونحن نعلم من الشريعة لجميع الأنبياء أن هذه الأشياء خاطئة ، ولكننا نعتقد ( نظن ) أنها سوف تروى عطش قلوبنا . ولكنها تسبب وجع لنا .

هذا كان صحيحا فى أيام سليمان وفى أيام أرميا وفى أيام الأنبياء الآخرين ، وأيضا فى أيامنا هذه . والله يرسل لنا التحذيرات من أرميا وسليمان وهذا يجعلنا أن نكون صادقين مع أنفسنا ونسأل بعض الأسئلة :

س1 : لماذا فى عصرنا الحديث نتصارع كثيرا مع الاكتئاب ، والانتحار ، والسمنة ، والطلاق ، والغيرة ، والحسد ،

       والكراهية ، والمواد الإباحية ، والادمان ؟

س2 :  ما هى الأبار التى تستخدمها لتلبية عطشك ؟ هل فيها ماء ؟

س3 : هل تعتقد أنك سوف تحصل على أكبرقدر من الحكمة والحب والأنجازات والثروة مثل سليمان ؟ وأن كان سليمان غير راضى عن أنجازاته ، هل تعتقد أنك يمكن أن تلبى عطشك من خلال هذه الأشياء ؟

الخطيئة هي عدم حفظ الوصايا ، وإنما هى أيضا شيء آخر – شيء ينبغي أن نولي اهتماما . بل هو علامة من العطش لدينا. عندما نقر بهذا العطش الذى نحن  عليه اكتسبنا بعض الحكمة.

الله شمل هذا فى الزبور ( المزامير ) لأنه يرغب أن نكون على علم به ولأنه يريد أن يروى عطشنا لآنه يدرك تماما عطشنا وأنه يبدأ فى طريقه المعتاد – من خلال إعطاء وعد النبوة ومرة آخرى من خلال إرميا . وسوف نبين هذا فى المقال القادم

ما مصدر تسمية عيسى ‘المسيح’ ويسوع ‘المسيح’

     يُشير القرآن الكريم إلى عيسى (عليه السلام) باسم ‘المسيح’.  ماذا تعني هذه التسمية وما هو مصدرها؟  لماذا يُشير المسيحيّون إليه باسم ‘‘المسيح’’؟  هل المسيح هو Christ نفسه أم أنّ هناك بعض التناقض أو التحريف؟  يقدِّم لنا الزبور (المزامير) إجاباتً لهذه الأسئلة المهمَّة.  ولكن لكي تفهم هذه المقالة، ينبغي أن تقرأ أوّلاً المقالة الأولى حول ‘كيف تمَّت ترجمة الكتاب المقدّسنظرًا إلى أنّني سوف أستخدم المعرفة الخلفيّة التي تمّ شرحها في تلك المقالة لمساعدتنا على فهم هذه الأسئلة حول ‘مسيح’ و ‘Christ’.

 مصدر كلمة ‘مسيح’

      أتتبَّع في الشكل أدناه عمليّة الترجمة كما تمّ شرحها في كيف تمّت ترجمة الكتاب المقدَّس؟’، لكنّي ركَّزت في هذه المرّة تحديدًا على كلمة ‘Christ’ التي تظهر في إنجيل العصر الحديث.

تُظهِر عمليّة الترجمة أن ‘الممسوح’ = ‘المسيّا’ = ‘Christ’
تُظهِر عمليّة الترجمة أن ‘الممسوح’ = ‘المسيّا’ = ‘Christ’

      يمكنك أن ترى أنّ الاسم في الزبور باللغة الأصليّة العبريّة كانmashiyachالذي يعرِّفه القاموس العبريّ كشخصٍ ‘ممسوحٍ أو مُكرَّس’.  تبعًا لشكل مقالتي التي موضوعها كيف تمَّت ترجمة الكتاب المقدَّس، فهو ربع الدائرة رقم 1 في الشكل الوارد فيها.  تتحدَّث بعض النبوءات في الزبور عن أنَّ mashiyach محدَّد (باستخدام أداة التعريف ‘اﻟــ’) سوف يأتي. عندما وضِعَت الترجمة السبعينيّة سنة 250 قبل الميلاد، (انظر مقالة كيف تمّت ترجمة الكتاب المقدّس)، استخدم علماء اللاهوت كلمة في اللغة اليونانيّة مرادفة للاسم  mashiyach  في الأصل العبريّ والتي كان لها معنى مماثل – Christos  المشتقّة من chrio، التي معناها المــَسْح بالدُهن بحسب الشعائر.   وهكذا تُرجِمَت كلمة كريستوس Christos بحسب المعنى (وليس من خلال الترجمة الصوتيّة) من الأصل العبريّ ‘mashiyach’ إلى الترجمة اليونانيّة السبعينيّة للإشارة إلى هذا الشخص الآتي.  هذا هو ربع الدائرة رقم 2 في الشكل.  أدرك تلاميذ عيسى (عليه السلام) أنّه كان الشخص نفسه الذي كانت تتحدَّث عنه الترجمة السبعينيّة، ولذلك استمرّوا في استخدام مُصطَلَح كريستوس Christos في الإنجيل.  (مرّة أخرى في ربع الدائرة رقم 2).

      ولكن في اللغة الإنكليزيَّة في العصر الحديث (أو في لغاتٍ أخرى)، لم يكن هناك كلمة معترف بها وقابلة للتداول الفوريّ مرادفة في المعنى، ولذلك تُرجِمَت كلمة ‘Christosترجمةً صوتيّة، منالإنجيل باللغة اليونانيّةإلى اللغة الإنكليزيّة (وإلى لغاتٍ أوروبيّة أخرى) إلى التسمية ‘Christ’ (المسيح).  هذا هو النصف السفليّ من الشكل المشار إليه بالرقم 3.  وبالتالي، فإنّ الاسم Christباللغة الإنكليزيّة هو لقبٌ محدَّدٌ جدًّا مصدره الزبور، والذي يأتي من الترجمة من اللغة العبريّة إلى اللغة اليونانيّة، ومن ثمَّ من خلال الترجمة الصوتيّة في الإنجيل، من اللغة اليونانيّة إلى اللغة الإنكليزيّة.  تُرجِم العهد القديم مباشرةً إلى لغات العصر الحاضر، إلى الإنكليزيّة، واستخدمَ المترجمون كلماتٍ في تحويل كلمة ‘mashiyach’ العبريّة الأصل إلى اللغة الإنكليزيّة.  قام البعض بترجمة الاسمmashiyach’  إلى الكلمة الإنكليزيّة مسيَّا Messiah  من خلال الترجمة الصوتيّة.  وترجم آخرون الكلمة ‘mashiyach’ من خلال معناها، بحيث أعطت كلمة ‘الممسوح’ في هذه الفقرات المحدَّدة من المزامير (أو الزبور).  ولكن نحن نعلم انطلاقًا من هذا التحليل أنَّ في الكتاب المقدّس:

 ‘Christ’ = ‘المسيّا’ = ‘الممسوح’

إذن، من أين أتى اسم ‘المسيح’ في القرآن الكريم؟

      ماذا بالنسبة إلى الإشارة إلى ‘Christ’ في القرآن الكريم باسم المسيح؟  للإجابة على هذا السؤال، سوف أقوم بالاستقراء من الشكل أعلاه الذي يُظهِر تسلسُل الاسم Mashiyach – >  Christ في الكتاب المقدَّس.

      يوسِّع الشكل أعلاه العمليّة لتشمل القرآن الكريم العربيّ الذي نزل بعد الترجمات العبريّة واليونانيّة للكتاب المقدّس.  يمكنك أن ترى أنّ ربع الدائرة رقم 1 مقسومة إلى جزأين.  الجزء 1أ هو نفسه كالذي سبقه يتعامل  مع كلمة ‘Mashiyach’ في الزبور باللغة العبريّة كما هو موضَّح أعلاه.  الجزء 1ب يتتبّع هذا المصطلح إلى اللغة العربيّة.

      يُرجِع القاموس العربيّ أصل التسمية إلى الجذر مَسَحَ – يمسَح، يمَسِّد، يمشّط، يغسل (بالماء)، يمسح بالدُهن، إلخ.  معنى لقب مسيح، مَلِسْ، ممسوح، مسيَّا، رحّالة عظيم. 

      يقوم الكثيرون بعمليّة المسح أثناء الوضوء (الغَسْل) قبل الصلوات.  هذا هو المسح بالماء على الرأس والرقبة والأُذُنَين.  تمامًا كما أنَّ المسح أثناء الوضوء الذي يقوم به المرء بنفسه، باستخدام الماء، هو تحضيرٌ للصلاة، هكذا المسح في الكتاب المقدّس الذي يقوم به شخصٌ آخر، باستخدام الدُهن أو الزيت، هو الإعداد لرسامة شخصٍ ما ليصبح نبيًّا أو كاهنًا أو تنصيبه ملكًا.  المسيح، الذي معناه (الذي مُسِحَ بالدهن أو الزيت) هو الذي أُعِدَّ أسمى إعداد للأدوار الثلاثة جميعها.

      هكذا تُرجِمَ (أيّ من خلال المعنى) مُصطَلَح ‘Mashiyach’ في القرآن الكريم (إلى مسيح).  وفي وقتٍ لاحقٍ، عندما ردَّ الناطقون باللغة العربيّة الكلمة إلى اللغة الإنكليزيّة، قاموا بترجمتها ترجمةً صوتيّة إلى ‘مسيح’.

تُبيِّن عمليّة الترجمة أنَّ ‘الممسوح’ = ‘مسيح’ = ‘مسيّا’ = ‘Christ’
تُبيِّن عمليّة الترجمة أنَّ ‘الممسوح’ = ‘مسيح’ = ‘مسيّا’ = ‘Christ’

     بخلفيّة المعرفة هذه يمكننا أن نرى أنَّ هذه التسميات جميعها هي اللقب نفسه، وتعني كلّها الشيء نفسه على النحو الذي فيه ‘‘4 = ‘four’ (بالإنكليزيّة) = ‘quatre’ (بالفرنسيّة) = IV (الأرقام الرومانيّة) = 6-2 = 2+2.

 المسيح المُنتَظَر في القرن الأوّل

      مزوّدون بهذه الرؤية، دعونا نذكر بعض الملاحظات من الإنجيل.  يرد أدناه ردّ فعل الملك هيرودس عندما جاء المجوس من الشرق بحثًا عن ملك اليهود، وهذا جزءٌ معروفٌ من قصّة ولادة عيسى (عليه السلام).  لاحظوا أنَّ اﻟــ التعريف تسبق لقب ‘مسيح’ على الرغم من أنّها لا تُشير تحديدًا إلى عيسى (عليه السلام).

 فَلَمَّا سَمِعَ هِيرُودُسُ الْمَلِكُ اضْطَرَبَ وَجَمِيعُ أُورُشَلِيمَ مَعَهُ. فَجَمَعَ كُلَّ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَكَتَبَةِ الشَّعْب، وَسَأَلَهُمْ:«أَيْنَ يُولَدُ اﻟـ مَسِيحُ.  (متى 2: 3- 4)

      يمكنك أن ترى أنّ فكرة ‘المسيح’ نفسها كانت بالفعل مقبولة عمومًا بين هيرودس ومستشاريه الدينيّين – حتّى قبل ولادة عيسى (عليه السلام) – وهي مُستَخدَمَة هنا دون الإشارة تحديدًا إليه.  وهذا يعود، كما هو موضَّح أعلاه، إلى أنّ لقب ‘مسيح’ يأتي من الزبور (المزامير) التي كتبها النبيّ والملك داود (عليه السلام) قبل مئات السنين،  وكانت تُقرأ عادةً مِنْ قِبَل اليهود من القرن الأوّل (أمثال هيرودس ورئيس الكهنة في تلك الأيّام) في الترجمة اليونانيّة السبعينيّة.  كانت كلمة ‘مسيح’ (ولا تزال) لقبًا وليس اسمًا.  من هذا المنطَلَق، يمكننا أن نستبعد على الفور المفاهيم السخيفة التي تقول إنّ لقب ‘مسيح’ كان ابتكارًا مسيحيًّا أو اختراعًا من قِبَل شخص مثل الإمبراطور قسطنطين (300م) الروماني.  كان اللقب موجودًا قبل مئات السنين من وجود أيّ مسيحيّين أو قبل مجيء الإمبراطور قسطنطين إلى السلطة.

 نبوءات عن ‘المسيح’ في الزبور

      دعونا ننظر إلى التكرارات الأولى للَّقب النبويّ ‘مسيح’ في الزبور، الذي كتبه النبيّ داود (عليه السلام) قبل الميلاد بألف عام تقريبًا – قبل فترةٍ طويلة من ولادة عيسى (عليه السلام).

The kings of the earth take their stand … against the LORD andagainst his Anointed One ‘‘ممسوحِه’’ The One enthroned in heaven laughs; the Lord scoffs at them… saying, “I have installed my King on Zion, my holy hill….”. (Psalm 2:2-4)

     كانت الترجمة اليونانيّة السبعينيَّة مقروءة على نطاقٍ أوسع بكثير من النصّ العبريّ في زمن عيسى (عليه السلام).  كما كان مزمور 2 في الزبور في الترجمة السبعينيّة يُقرأ على النحو التالي (إنّي أضعه باللغة الإنكليزيّة بترجمة Christos ترجمة صوتيّة بحيث يمكنكم أن ‘تروا’ لقب المسيح كما كان بإمكان قارئ الترجمة السبعينيّة أن يراه أو يقرأه).

The kings of the earth take their stand … against the LORD and against his Christ ‘‘مسيحه’’… The One enthroned in heaven laughs; the Lord scoffs at them… saying, “I have installed my King on Zion, my holy hill … (Psalm 2)

يمكنك أن ترى الآن كلمة ‘مسيح’ في هذه الفقرة مثلما كان قارئٌ في زمن عيسى ليراها.  وما يلي سيكون له تمامًا المعنى ذاته:

 قَامَ مُلُوكُ الأَرْضِ… عَلَى الرَّبِّ وَعَلَى مَسِيحِهِ، اَلسَّاكِنُ فِي السَّمَاوَاتِ يَضْحَكُ. الرَّبُّ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ.                حِينَئِذٍ يَتَكَلَّمُ عَلَيْهِمْ بِغَضَبِهِ… ‘‘أَمَّا أَنَا فَقَدْ مَسَحْتُ مَلِكِي عَلَى صِهْيَوْنَ جَبَلِ قُدْسِي’’. 

(مزمور 2: 2 –  4)

      لكنَّ الزبور (المزامير) يتابع مع مزيدٍ من الإشارات إلى المسيح الآتي.  إنّي أضع النبوءة التالية هذه جنبًا إلى جنب مع تلك التي تُرجِمت ترجمةً صوتيّة حيث ترِد كلمة ‘Christ’ مع كلمة ‘مسيح’ بحيث يمكنكم أن تروها.

مزمور 132- من اللغة العبريّة

مزمور 132- من الترجمة السبعينيّة

مزمور 132- الترجمة العربيّة

 

O Lord, …10 For the sake of David your servant, do not reject your Christ.11 The Lord swore an oath to David, a sure oath that he will not revoke: “One of your own descendants I will place on your throne— …17 “Here I will make a horn grow for David and set up a lamp for my Christ. 18 I will clothe his enemies with shame, but the crown on his head will be resplendent.”

 

O Lord, …10 For the sake of David your servant, do not reject your anointed one.11 The Lord swore an oath to David, a sure oath that he will not revoke:

 “One of your own descendantsI will place on your throne—…17 “Here I will make a horn grow for David and set up a lamp for my anointed one. 18 I will clothe his enemies with shame, but the crown on his head will be resplendent.”

من اجل داود عبدك لا تردّ وجه مسيحك. اقسم الربُّ لداود بالحقِّ لا يرجع عنه من ثمرة بطنكَ اجعلُ على كرسيكَ هناك أُنبت قرنًا لداود رتّبت سراجًا لمسيحي. أعداءه اُلبِس خزيًا و عليه يُزهر اكليله.

 

      يمكنكم أن تروا أنّ المزمور 132 يتحدّث تحديدًا بصيغة المستقبل (‘‘… أُنبِتُ قرنًا لداود…’’)، مثل العديد من الفقرات الموجودة في صفحات التوراة والزبور.  من المهمِّ أن نتذكَّر هذا عند تقييم  النبوءات.  فمن الواضح أنّ الزبور يجعل للمطالبات والتوقُّعات مظهرًا مستقبليًّا.  كان هيرودس يدرك أنّ أنبياء العهد القديم نطقوا بنبوءاتٍ حول ‘مسيحٍ’ آتٍ –  وهذا ما جعله مستعدًّا لهذا الخبر.  كان في حاجةٍ فقط إلى أن يشرح مستشاروه له تفاصيل هذه النبوءات لأنّه لم يكن مطَّلعًا على الزبور بشكلٍ جيِّدٍ جدًّا.  في الواقع، لا يزال اليهود ينتظرون مجيء مسيحهم، وليس لهذا الأمر أيّة علاقة بعيسى (عليه السلام) أو بالإنجيل (بما أنّهم يتجاهلون الإنجيل ولا يعترفون بعيسى بكونه المسيح).  بل إنّهم ينتظرون، مستندين فقط إلى هذه النبوءات المستقبليّة في الزبور.

 نبوءات التوراة والزبور:  محدَّدة، كما نظام القفل والمفتاح

     إنّ حقيقة أنّ التوراة والزبور يتنبّآن صراحةً بالمستقبل، يجعلهما كقفل الباب.  القفلُ مُصمَّمٌ لشكلٍ معيَّن بحيث أنَّ ‘مفتاحًا’ محدّدًا واحدًا فقط يطابق شكله يمكن أن يفتحه.  وبالطريقة ذاتها، العهد القديم هو مثل القفل.  لقد رأينا أنّ الإشارات لا توجد فقط في هذين المزمورَين اللّذَين اطَّلَعنا عليهما هنا، بل إنّنا قد سبق وأن رأينا بعضها في ذبيحة إبراهيم العظمى (عليه السلام)، وفي فصح النبيّ موسى (عليه السلام)، وفي آية ابن العذراء الآتي.  إنَّ المزمور 2 والمزمور 132 في الزبور يُضيفان تعريفًا يقول بأنّ ‘المسيح’ سيكون من نسل النبيّ والملك داود (عليه السلام).  وهكذا يصبح القِفْلُ أكثر وأكثر دقةً وتحديدًا كلّما قرأنا في الفقرات التنبّؤيّة بين صفحات الزبور.  لكنَّ الزبور لا يختم بهذه التنبّؤات.  فهو يذهب إلى أبعد من ذلك بكثير فيذكر لنا بمزيدٍ من التفصيل ما سيكون عليه المسيح وما سيفعله.  نتابع الموضوع في مقالنا القادم.

الملكوت الآتي

 رأينا في مقالتي الأخيرة كيف تنبّأ إشعياء النبيّ (عليه السلام) بمجيء ابن العذراء الذي تحقَّق في ولادة عيسى المسيح (عليه السلام) بعد عدّة مئات من السنين.  غير أنّ نبوءاتٍ أخرى في الزبور أيضًا أعلنَت عن زمنٍ قادمٍ يحلُّ فيه السلام والبركة.  سوف ننظر الآن في هذه النبوءات.

 

      رأينا في تاريخ بني إسرائيل أنّ النبيّ والملك داود (عليه السلام) كان الأوّل من سلسلة الملوك الذين عيّنهم الله حكّامًا على القدس.  ولكنّ معظم الملوك الذي تعاقبوا بعد الملكَين داود وسُليمان (عليهما السلام) كانوا فاسدين.  لهذا، كانت الحياة في مملكتهم حينها شبيهةً بالعيش في ظلّ حكم العديد من حكّام اليوم الفاسدين والمستبدّين؛  كان هناك الكثير من الحروب والمعارك بين الشعوب وبين الأمم – تمامًا كما يحدث اليوم، وكان هناك الكثير من الفساد واستغلالٌ للفقراء مِن قِبَل الأغنياء – تمامًا كما يحدث اليوم؛  وكان هناك الكثير من الموت والبؤس في كلّ مكان – تمامًا كما يحدث اليوم.  لكنّ أنبياء الزبور قالوا إنّ عهدًا جديدًا سوف ينشأ في المستقبل.  وسيكون هذا العهد مملكةً يسودها العدل والرحمة والحبّ والسلام وطمأنينة كبيرة.  تأمّل كيف تنبّأ إشعياء النبيّ (عليه السلام) كيف ستكون الحياة في ظلّ هذا الحُكم. 

  فَيَقْضِي (الله) بَيْنَ الأُمَمِ وَيُنْصِفُ لِشُعُوبٍ كَثِيرِينَ، فَيَطْبَعُونَ سُيُوفَهُمْ سِكَكًا وَرِمَاحَهُمْ مَنَاجِلَ. لاَ تَرْفَعُ أُمَّةٌ عَلَى أُمَّةٍ سَيْفًا، وَلاَ يَتَعَلَّمُونَ الْحَرْبَ فِي مَا بَعْدُ.

(إشعياء 2: 4)

 

     لا مزيد من الحروب!  من المؤكّد أنّ هذا ليس صحيحًا في عالمنا اليوم.  ولكن، حتّى أبعد من السلام بين الأُمم، أعلنت النبوءات حتّى عن تغييراتٍ في البيئة الطبيعيّة. 

     فَيَسْكُنُ الذِّئْبُ مَعَ الْخَرُوفِ، وَيَرْبُضُ النَّمِرُ مَعَ الْجَدْيِ، وَالْعِجْلُ وَالشِّبْلُ وَالْمُسَمَّنُ مَعًا، وَصَبِيٌّ صَغِيرٌ يَسُوقُهَا.  وَالْبَقَرَةُ وَالدُّبَّةُ تَرْعَيَانِ. تَرْبُضُ أَوْلاَدُهُمَا مَعًا، وَالأَسَدُ كَالْبَقَرِ يَأْكُلُ تِبْنًا. وَيَلْعَبُ الرَّضِيعُ عَلَى سَرَبِ الصِّلِّ، وَيَمُدُّ الْفَطِيمُ يَدَهُ عَلَى جُحْرِ الأُفْعُوَانِ. لاَ يَسُوؤُونَ وَلاَ يُفْسِدُونَ فِي كُلِّ جَبَلِ قُدْسِي، لأَنَّ الأَرْضَ تَمْتَلِئُ مِنْ مَعْرِفَةِ الرَّبِّ كَمَا تُغَطِّي الْمِيَاهُ الْبَحْرَ. (إشعياء 11: 6-9)

 

وهذا بالتأكيد لم يحصل (بعد).  لكنّ النبوءات تمتدّ حتّى إلى ما هو أبعد من امتداد الأعمار والأمن الشخصيّ.

 

‘‘لاَ يَكُونُ بَعْدُ هُنَاكَ طِفْلُ أَيَّامٍ، وَلاَ شَيْخٌ لَمْ يُكْمِلْ أَيَّامَهُ. لأَنَّ الصَّبِيَّ يَمُوتُ ابْنَ مِئَةِ سَنَةٍ، وَالْخَاطِئُ يُلْعَنُ ابْنَ مِئَةِ سَنَةٍ. وَيَبْنُونَ بُيُوتًا وَيَسْكُنُونَ فِيهَا، وَيَغْرِسُونَ كُرُومًا وَيَأْكُلُونَ أَثْمَارَهَا. لاَ يَبْنُونَ وَآخَرُ يَسْكُنُ، وَلاَ يَغْرِسُونَ وَآخَرُ يَأْكُلُ… وَيَسْتَعْمِلُ مُخْتَارِيَّ عَمَلَ أَيْدِيهِمْ. لاَ يَتْعَبُونَ بَاطِلاً وَلاَ يَلِدُونَ لِلرُّعْبِ، لأَنَّهُمْ نَسْلُ مُبَارَكِي الرَّبِّ، وَذُرِّيَّتُهُمْ مَعَهُمْ. وَيَكُونُ أَنِّي قَبْلَمَا يَدْعُونَ أَنَا أُجِيبُ، وَفِيمَا هُمْ يَتَكَلَّمُونَ بَعْدُ أَنَا أَسْمَعُ. الذِّئْبُ وَالْحَمَلُ يَرْعَيَانِ مَعًا، وَالأَسَدُ يَأْكُلُ التِّبْنَ كَالْبَقَرِ…’’ قَالَ الرَّبُّ.  (إشعياء 65: 20-25)

      الأمنَ والسلام والاستجابة الفوريّة للصلوات… لا شيء من هذه النبوءات قد حدث – حتّى الآن.  لكنّه قد نُطِق بها ودوِّنَت في الكُتب.  يعتقد الكثيرون أنّه ربّما كان هناك بعض الخطأ في هذه النبوءات السخيّة – لكنَّ تحقُّق هذه النبوءات حرفيًّا في آية ابن العذراء ينبغي أن يجعلنا نأخذها على محمل الجدّ – وأن نطمح في تحقيقها.

 ملكوت الله

      ربّما استطعنا إذا ما أمعنّا التفكير أكثر أن نفهم سبب عدم تحقّقها حتّى الآن.  لقد أُعلِنَت هذه النبوءات في سياق ملكوت الله – سلطة الله في حياة وشؤون الناس.  اقرأ نبوءة أخرى من الزبور حول ملكوت الله الآتي.

 

يَحْمَدُكَ يَا رَبُّ كُلُّ أَعْمَالِكَ، وَيُبَارِكُكَ أَتْقِيَاؤُكَ. بِمَجْدِ مُلْكِكَ يَنْطِقُونَ، وَبِجَبَرُوتِكَ يَتَكَلَّمُونَ، لِيُعَرِّفُوا بَنِي آدَمَ قُدْرَتَكَ وَمَجْدَ جَلاَلِ مُلْكِكَ. مُلْكُكَ مُلْكُ كُلِّ الدُّهُورِ، وَسُلْطَانُكَ فِي كُلِّ دَوْرٍ فَدَوْرٍ. اَلرَّبُّ عَاضِدٌ كُلَّ السَّاقِطِينَ، وَمُقَوِّمٌ كُلَّ الْمُنْحَنِينَ.  (مزمور 145: 10-14)

 

     كانت هذه رسالة مُقدَّمة من الملك والنبيّ داود (عليه السلام) حوالي 1000 عام قبل الميلاد

(رجاءً، انظر الرابط هنالمعرفة متى عاش داود وغيره من أنبياء الزبور).  تتوقَّع هذه النبوءة مجيء يومٍ سيتمّ فيه على نحوٍ ظاهرٍ قيام ما يدعوه الزبور   سيكون لهذه المملكة المجد والجلال ولن تكون مملكةً مؤقّتة مثل ممالك الإنسان – بل ستكون مملكةً أبديّة.  إنّ هذا لم يحدث بعد، وهذا هو السبب في أنّنا لم نشهد نبوءات السلام الأخرى هذه تتحقّق حتّى الآن –  لأنّ هذا السلام يترافق ومجيء ملكوت الله.

 

     هناك نبيٌّ آخرٌ في الزبور وهو دانيال (عليه السلام) الذي عاش حوالي سنة 550 قبل الميلاد في بابل التي كانت جزءًا من المكان الذي نُفيَ إليه بنو إسرائيل، يشرح المزيد عن كيفيّة نشوء هذه المملكة.  (الخطّ تحت اسم دانيال باللّون الأحمر..) اسم دانيال مُحاط باللّون الأحمر في الجدول الزمني أدناه. 

Timeline Daniel arabic
الزمن الذي عاش فيه النبيّ دانيال (عليه السلام) مقارنةً مع غيره من أنبياء الزبور.

    

      عمِل دانيال (عليه السلام) في الحكومة البابليّة ورُفِع إلى مرتبة رئيس الوزراء.  في بداية حياته المهنيّة، قام بتفسير الأحلام التي كان الله يرسلها إلى الملك البابليّ في ذلك الزمان ليتنبّأ بالمستقبل الذي تتكشّف عنه الممالك عبر التاريخ.  إليكم هنا كيف يفسِّر دانيال الحلم لملك بابل هذا. 

 

…لأَنَّ إِلهَ السَّمَاوَاتِ أَعْطَاكَ مَمْلَكَةً وَاقْتِدَارًا وَسُلْطَانًا وَفَخْرًا. وَحَيْثُمَا يَسْكُنُ بَنُو الْبَشَرِ وَوُحُوشُ الْبَرِّ وَطُيُورُ السَّمَاءِ دَفَعَهَا لِيَدِكَ وَسَلَّطَكَ عَلَيْهَا جَمِيعِهَا… وَبَعْدَكَ تَقُومُ مَمْلَكَةٌ أُخْرَى أَصْغَرُ مِنْكَ وَمَمْلَكَةٌ ثَالِثَةٌ أُخْرَى مِنْ نُحَاسٍ فَتَتَسَلَّطُ عَلَى كُلِّ الأَرْضِ. وَتَكُونُ مَمْلَكَةٌ رَابِعَةٌ صَلْبَةٌ كَالْحَدِيدِ، لأَنَّ الْحَدِيدَ يَدُقُّ وَيَسْحَقُ كُلَّ شَيْءٍ. …تَسْحَقُ وَتُكَسِّرُ كُلَّ هؤُلاَءِ. …وَفِي أَيَّامِ هؤُلاَءِ الْمُلُوكِ، يُقِيمُ إِلهُ السَّمَاوَاتِ مَمْلَكَةً لَنْ تَنْقَرِضَ أَبَدًا، وَمَلِكُهَا لاَ يُتْرَكُ لِشَعْبٍ آخَرَ، وَتَسْحَقُ وَتُفْنِي كُلَّ هذِهِ الْمَمَالِكِ، وَهِيَ تَثْبُتُ إِلَى الأَبَدِ. لأَنَّكَ رَأَيْتَ أَنَّهُ قَدْ قُطِعَ حَجَرٌ مِنْ جَبَل لاَ بِيَدَيْنِ…. (دانيال 2: 36-45)

 

     تبدأ هذه المملكة صغيرةً (‘قطعة صخرٍ مُقتَطعةٍ من جبلٍ’)، لكنّ حكمها في نهاية المطاف سوف يستمرُّ إلى الأبد، كما ورد في نبوءة داود (عليه السلام) في مزمور 145 الذي رأيناه أعلاه.  فلماذا إذن يقوم الله بإنشاء مملكته ببطءٍ شديدٍ؟  لماذا يستغرق الأمر هذا الوقت الطويل؟  لماذا لم تتحقّق النبوءة حتّى الآن؟  حسنًا، عندما تفكِّر في ذلك، فإنّ أيّة مملكة وجميع الممالك يكون لديها المكوِّنات التالية:

  • ·       ملكٌ أو حاكمٌ
  • ·       مواطنون
  • ·       دستورٌ أو قانون
  • ·       طبيعة

      على سبيل المثال، دعونا نعتبر كندا حيث أعيش كمملكة.  لدى كندا حاكم – الذي هو اليوم ستيفن هاربر (Stephen Harper)رئيس وزرائنا المــُنتَخَب. كندا لديها مواطنون – الذين أنا أحدهم.  تمتلك كندا دستورًا أو قانونًا أيضًا يحدِّد حقوق ومسؤوليّات جميع المواطنين فيها.  كما أنّ لدى كندا طبيعة، وهي تقع في هذه الحالة في جزءٍ معيَّنٍ من الأرض يعطيها حجمًا طبيعيًّا معيَّنًا ومناخًا وموارد طبيعيّة، إلخ…  تمتلك جميع البلدان والممالك، في الماضي والحاضر، هذه العناصر الأربعة كلّها.

 أنت وأنا مدعوّان إلى ملكوت الله

      وهذا ينطبق أيضًا على ملكوت الله.  لقد سبق وأن رأينا من النبوءات أعلاه أنّه سيكون لهذا الملكوت طبيعة خاصَّة (مجيدة وأبديّة) ودستور (سلامٍ وعدلٍ وانسجامٍ في الطبيعة، إلخ).  إنّ المكوِّنَين الآخرَين هما اللّذان يجعلان ملكوت الله ممكنًا:  ملكها ومواطنيها.  أتناول أوّلاً في المقال التالي شخص الملك، في هذه الأثناء، ربّما ترغب في أن تسأل نفسك عمّا إذا كنت تريد أن تكون مواطنًا في ملكوت الله هذا – حتّى التَوق إليه مثل شخصٍ عطشان.  إليكم ها هنا كيف أنّ النبيّ إشعياء (عليه السلام)، من خلال رسالته، يدعو الناس جميعًا الذين يريدون أن يكونوا مواطنين في هذا الملكوت. 

 ‘‘أَيُّهَا الْعِطَاشُ جَمِيعًا هَلُمُّوا إِلَى الْمِيَاهِ، وَالَّذِي لَيْسَ لَهُ فِضَّةٌ تَعَالَوْا اشْتَرُوا وَكُلُوا… بِلاَ فِضَّةٍ وَبِلاَ ثَمَنٍ. لِمَاذَا تَزِنُونَ فِضَّةً لِغَيْرِ خُبْزٍ، وَتَعَبَكُمْ لِغَيْرِ شَبَعٍ؟ اسْتَمِعُوا لِي اسْتِمَاعًا وَكُلُوا الطَّيِّبَ، وَلْتَتَلَذَّذْ بِالدَّسَمِ أَنْفُسُكُمْ. أَمِيلُوا آذَانَكُمْ وَهَلُمُّوا إِلَيَّ. اسْمَعُوا فَتَحْيَا أَنْفُسُكُمْ. وَأَقْطَعَ لَكُمْ عَهْدًا أَبَدِيًّا، مَرَاحِمَ دَاوُدَ الصَّادِقَةَ… اُطْلُبُوا الرَّبَّ مَا دَامَ يُوجَدُ. ادْعُوهُ وَهُوَ قَرِيبٌ.

(إشعياء 55: 1- 6)

     إنّ الله يدعو جميع الذين هم ‘‘عطاش’’ إلى هذا الملكوت ليأتوا إليه، كما أنّ المحبّة التي أغدقها الله على الملك داود (عليه السلام) منذ القِدَم، سوف تمتدّ لتشمل جميع أولئك الذين يسعون للمجيء إليه.  إذا تلقّيت دعوةً لحضورٍ شيءٍ ما، فذلك يعني أنّك لم تحضر بعد.  لكنّ حقيقة أنّ الله يدعونا، تعني أنّه يريدنا أن نصبح مواطنين في ملكوته ونعيش في ظلِّ هذا الحكم الذي يسوده السلام.  وهكذا فإنّ لدينا العديد من التساؤلات حول هذه النقطة، ‘‘كيف’’ و ‘‘متى’’ بشأن مجيء هذا الملكوت الذي سوف نستمرّ في مناقشته في المزيد من المقالات حول الزبور.  ولكن هناك أيضًا سؤال واحدٌ آخر تستطيع أنت فقط الإجابة عليه:  ‘‘هل أريد أنا أن أكون في هذا الملكوت؟’’

آية ابن العذراء

ذكرتُ في مقدّمة الزبور أنَّ النبيّ والملك داود (عليه السلام) بدأ بكتابة الزبور بالكتابات الموحى بها من سفرلمزامير، ثمَّ أُضاف الأنبياء الذين خلَفوه بعد ذلك الأسفار الأخرى. كان إشعياء (عليه السلام) نبيًّا مهمًّا جدًّا، وكان يُعتَبَر أحد الأنبياء الرئيسيّين (لأنَّ سفره طويلٌ جدًّا). عاش قبل المسيح ﺒ 750 سنة تقريبًا. يُبيِّن الجدول الزمنيّ أدناه متى عاش إشعياء مقارنةً بغيره من أنبياء الزبور.

Timeline Iasiah and other prophets al-injil
التسلسل الزمنيّ التاريخي للنبيّ إشعياء (عليه السلام) مع بعض الأنبياء الآخرين في الزبور

على الرغم من أنَّ إشعياء عاش قبل زمنٍ بعيدٍ جدًّا (قبل حوالي 2800 سنة)، إلّا أنّه قدّم العديد من النبوءات التي تتحدّث عن أحداثٍ مستقبليّة، كما قال النبيّ موسى (عليه السلام) مِن قبل إنَّ نبيًّا ينبغي أن يقدِّم نبوءات. وكما هو موضَّحٌ في مقدّمة الزبور، فإنَّ الملوك الذين جاءوا بعد النبيّ سليمان (عليه السلام) كانوا في الغالب فاسدين. وكان هذا حال الملوك في زمن إشعياء. وهكذا فإنّ كتابه مليءٌ بالتحذيرات من الدينونة الآتية (وهذا ما حدث بعد 150 عامًا عندما دمَّرت بابل مدينة أورشليم/القدس). على أنّه تنبّأ أيضًا بأبعد من ذلك بكثير، ونظر نظرةً فاحصة في مستقبله حين سيرسل الله آيةً خاصَّة – لم تُرسَل بعد للبشريّة. تحدَّث إشعياء إلى الملك الذي هو من سلالة داود (عليه السلام)، وهذا هو السبب الذي جعل هذه الآية موجَّهَة إلى ‘‘بيت داود’’

فَقَالَ إشعياء: اسْمَعُوا يَا بَيْتَ دَاوُدَ! هَلْ هُوَ قَلِيلٌ عَلَيْكُمْ أَنْ تُضْجِرُوا النَّاسَ حَتَّى تُضْجِرُوا إِلهِي أَيْضًا؟ وَلكِنْ يُعْطِيكُمُ السَّيِّدُ نَفْسُهُ آيَةً: هَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ عَّانُوئِيلَ. زُبْدًا وَعَسَلاً يَأْكُلُ مَتَى عَرَفَ أَنْ يَرْفُضَ الشَّرَّ وَيَخْتَارَ الْخَيْرَ. (إشعياء 7: 13- 15)

كانت هذه بالتأكيد نبوءة جريئة! مَن الذي كان قد سمع عن امرأة عذراء تلِد ابنًا؟ بدا هذا بمثابة نبوءةٍ لا تُصدَّق بحيث أنَّ الناس تساءلوا لسنواتٍ عديدة عمّا إذا كان هناك خطأ ما. من المؤكَّد أنّ رجلاً يخمِّن (أو يفترض) ما سيحدث في المستقبل لن يعلن – ويسجِّل كتابةً لجميع الأجيال القادمة لتقرأ – نبوءةً تبدو مستحيلة. لكنّ هذا ما حصل. نحن نعرف من مخطوطات البحر الميِّت الموجودة اليوم أنّ هذه النبوءة كانت في الواقع مكتوبة منذ عهدٍ بعيد – قبل مئات السنين من ولادة عيسى (عليه السلام). تمَّ التنبّؤ بولادة عيسى المسيح (عليه السلام) من عذراء نحن الذين نعيش اليوم بعد عيسى المسيح (عليه السلام)، يمكننا أن نرى أنّها نبوءة تتحدَّث عن مجيئه. ما من نبيٍّ آخر، بما في ذلك إبراهيم وموسى ومُحمَّد (عليهم السلام) وُلِدَ من عذراء. إنَّ عيسى، من دون جميع البشر الذين وُلدوا في أيِّ وقتٍ، جاء إلى العالم على هذا النحو. إذًا، كان الله يعطينا قبل ولادته بمئات السنين آية مجيئه، وكان يُعدّنا كذلك لتعلُّم أشياءٍ عن هذا الابن المولود من عذراء. نلاحظ في هذا الصدد أمرَين على وجه الخصوص.  دَعَته أُمّه باسم عمَّانوئيل أوَّلاً، هذا الابن المولود من عذراء ستُطلق عليه والدته اسم ‘‘عمَّانوئيل’’. المعنى الحرفيّ لهذا الاسم هو ‘‘الله معنا’’. ولكن ما الذي يعنيه ذلك؟ ربّما كان له معانٍ عديدة، ولكن بما أنَّ هذه النبوءة كانت قد أُعلِنَت لملوكٍ أشرار كان الله على وشك إدانتهم، فكان أحد المعاني المهمَّة أنّه عند ولادة هذا الابن سيكون ذلك آية على أنّ الله لم يعد ضدّهم في الدينونة ولكنّه كان سيكون ‘‘معهم’’. عندما ولد عيسى (عليه السلام)، بدا في الواقع وكأنَّ الله قد تخلّى عن إسرائيل مذ حكمهم أعداؤهم. فكانت ولادة الابن من العذراء آيةً على أنّ الله كان معهم وليس عليهم. في الواقع، يسجِّل إنجيل لوقا في العهد الجديد أنّ أمّه مريم أنشدت ترنيمةً مقدَّسة حين أبلغها الملاك الرسالة (حين بشّرها الملاك بالمجيء..) التي تُعلِمها بالمجيء القادم لابنها. تتضمَّن هذه الترنيمة ما يلي:

 تُعَظِّمُ نَفْسِي الرَّبَّ وَتَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللهِ مُخَلِّصِي… وَرَحْمَتُهُ إِلَى جِيلِ الأَجْيَالِ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَهُ… عَضَدَ إِسْرَائِيلَ فَتَاهُ لِيَذْكُرَ رَحْمَةً كَمَا كَلَّمَ آبَاءَنَا لإِبْراهِيمَ وَنَسْلِهِ إِلَى الأَبَدِ. (لوقا 1: 46- 55)

يمكنك أن ترى أنَّ مريم عندما أُبلِغَت بأنّه سيكون لها ولد على الرغم من أنّها كانت عذراء، فهمت الأمر على أنّه يعني أنّ الربّ كان يتذكَّر رحمتهُ لإبراهيم ونَسلِه إلى الأبد. فإنّ الدينونة لا تعني أنّ الله لن يكون مع بني إسرائيل مرّةً أخرى.  ابن العذراء ‘‘يرفُضُ الشَّرَّ ويختارُ الخَيرَ’’ إنَّ الجزء المذهل من هذه النبوءة في إشعياء هو أنّ هذا الابن ‘زُبْدًا وَعَسَلاً يَأْكُلُ مَتَى عَرَفَ أَنْ يَرْفُضَ الشَّرَّ وَيَخْتَارَ الْخَيْرَ’. إنَّ ما يعنيه إشعياء هو أنّ هذا الابن، ما أن يصل إلى السنّ الذي يجعله قادرًا على اتّخاذ قراراتٍ واعية، فإنّه سوف ‘يرفض الشرَّ ويختار الخير’. لديَّ ابن صغير أُحبُّه، ولكن من المؤكّد أنّه من المستحيل أن يقوم من تلقاء نفسه برفض الشرّ واختيار الخير. علينا، أنا وزوجتي أن نعمل، نعلِّم، نُذكِّر، نعاتب، نكون قدوة، نؤدِّب، نختار الأصدقاء المناسبين، نحرص على أن يرى القدوة الحسنة، إلخ… أمّا تعليمه رَفْض الخطأ واختيار الصواب – حتّى مع بذل جهودنا كلّها، فليس هناك من ضمان. بينما أحاول كوالدٍ القيام بذلك، تعود إليَّ ذكريات طفولتي حين كان والديَّ ملتزمَين في النضال نفسه في تعليمي أن ‘‘أرفض الخطأ وأختار الصواب’’. إن لم يبذل الوالدان كلّ ذلك الجهد والعمل ويكتفيان بأن يَدَعا الطبيعة تأخذ مجراها – فسيصبح الطفل شخصًا لا ‘‘يرفض الخطأ ويختار الصواب’’. سيكون الأمر أشبه بمقاومتنا ‘‘الجاذبيّة الأخلاقيّة’’ حيث أنّنا ما أن نتوقّف عن بذل الجهود حتّى ننحدر إلى أسفل. هذا هو السبب الذي يجعلنا نقوم بإقفال أبواب المنازل والشقق؛ والسبب الذي يجعل كلّ بلدٍ من البلدان يحتاج إلى رجال الشرطة؛ وما يدعو إلى أن يكون لدينا تشفيرًا وكلمات سرٍّ مصرفيّة؛ والسبب الذي يجعلنا نحتاج باستمرار إلى مواصلة سنّ قوانين جديدة في جميع البلدان – لأنّنا في حاجةٍ إلى حماية أنفسنا من بعضنا البعض ما دمنا لا ‘‘نرفض الخطأ ونختار الصواب’’. وحتّى بعد ذلك، لا يكون ذلك كافيًا في العادة. استمعوا فقط إلى الأنباء وأصغوا إلى كيفيّة رفضنا كلّ يومٍ للصواب واختيارنا الخطأ في كيفيّة تعاملنا مع بعضنا البعض.  حتّى الأنبياء لم يكونوا يرفضون دائمًا الشرّ ويختارون الخير وهذا صحيح حتّى مِنْ قِبَل الأنبياء. تسجّل التوراة أنّ النبيّ إبراهيم (عليه السلام) كَذَب في مناسبتين بشأن زوجته قائلاً إنّها كانت أخته الوحيدة (في تكوين 12: 10- 13 و تكوين 20: 1- 2). وتذكر التوراة أيضًا أنّ النبيّ موسى (عليه السلام) قتل مصريًّا (في سفر الخروج 2: 12)، ولم يتبع بالضبط وصايا الله في إحدى المناسبات (سفر العدد 20: 6- 12). وأُمِرَ النبيّ محمَّد ۖ بطلب الغفران في القرآن الكريم (سورة 47: 19) – مبيِّنًا أنّه هو أيضًا لم يكن يرفض دائمًا الخطأ ويختار الصواب. يُظهر الحديث التالي من مُسلِم كيف كان يتضرَّع إلى الله في صلاته طلبًا للمغفرة.

 فَٱعْلَمْ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنۢبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتِ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَىٰكُمْ

قال أبي موسى الأشعري استنادًا إلى أبيه، إنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وسلَّم) اعتاد أن يتضرَّع إلى الله بهذه العبارات: ‘‘ربّ اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري كلِّه، وما أنتَ أعلمُ به منّي، اللَّهم اغفِر لي خطايايَ وعمدي وجهلي وهزلي، وكلّ ذلك عندي، اللّهم اغفر لي ما قدَّمت وما أخَّرت وما أسرَرت وما أعلَنت، أنت المقدّم وأنت المؤخّر وأنت على كلِّ شيءٍ قدير’’. (صحيح مسلم 35: 6563)

وهذا مشابهٌ جدًّا لصلاة النبيّ داود (عليه السلام) عندما كان يُصلّي من أجل غفران ذنوبه:

 اِرْحَمْنِي يَا اَللهُ حَسَبَ رَحْمَتِكَ. حَسَبَ كَثْرَةِ رَأْفَتِكَ امْحُ مَعَاصِيَّ. اغْسِلْنِي كَثِيرًا مِنْ إِثْمِي… طَهِّرْنِي بِالزُّوفَا فَأَطْهُرَ. اغْسِلْنِي فَأَبْيَضَّ أَكْثَرَ مِنَ الثَّلْجِ… اسْتُرْ وَجْهَكَ عَنْ خَطَايَايَ وَامْحُ كُلَّ آثامِي. (مزمور 51: 1-9)

وهكذا نحن نرى أنّ هؤلاء الرجال – على الرغم من كونهم أنبياء – كانوا يُصارعون الخطيئة وكانوا في حاجةٍ إلى طلب المغفرة. يبدو أنّ هذه كانت الحالة العامّة للإنسان لنسل آدم كلّه.  القدّوس ابن العذراء لكنّ هذا الابن الذي تنبّأ به إشعياء يرفض الخطأ ويختار الصواب بشكلٍ طبيعيّ ومنذ نعومة أظفاره. فهذه مقدرة طبيعيّة بالنسبة إليه. ولكي يكون ذلك ممكنًا، يجب أن يكون من نسلٍ مختلف. يعود الأنبياء الآخرون، من خلال أبائهم، إلى آدم، وهو لم ‘‘يرفض الخطأ ويختار الصواب’’ كما رأينا. وكما تنتقل طبيعة الأب إلى ذريَّته في علم الوراثة، هكذا انتقلت طبيعة آدم المتمرِّدة تلك إلينا جميعًا، وحتّى إلى الأنبياء. لكنّ الابن المولود من عذراء، بحكم التعريف، لن يكون من نسل آدم. ستكون السلالة الأبويّة لهذا الابن مختلفة، وهكذا سيكون مُقدّسًا. هذا هو السبب في أنّ القرآن الكريم عندما ذكر قصّة بشارة الملاك لمريم (عليها السلام) بابنها المولود من عذراء، دعا الابن ‘‘زكيًّا’’ (مقدّسًا)

 بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قالَ (الملاكُ) إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ (لأبشّرك) غُلامًا زَكيًّا. قَاَلتْ أَنَّى يُكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا؟ قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقضِيًّا. فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا. (سورة 19:19-22)

كان النبيّ إشعياء (عليه السلام) واضحًا، وتؤكّد الأسفار اللاحقة – أنّ هناك ابنًا قادمًا سيولد من عذراء، ومن ثمَّ لن يكون لديه أبٌ أرضيّ ولن تكون لديه طبيعة الخطيئة، وبالتالي سيكون ‘‘زكيًّا’’ (قدّوسًا). عودة إلى آدم في الفردَوس لكنّ الأسفار التي كُتبت في وقت لاحق لم تكن هي فقط التي تتحدّث عن هذا الابن القادم من عذراء. فقد كان هذا موجودًا أيضًا منذ البداية. نرى في آية آدم أنّ الله قدّم وعدًا للشيطان. وأنا أُورده ثانيةً هنا.

 وَأَضَعُ (الله) عَدَاوَةً بَيْنَكِ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ (حوَّاء)، وَبَيْنَ نَسْلِكِ وَنَسْلِهَا. هُوَ (نسل المرأة) يَسْحَقُ رَأْسَكِ (رأس الشيطان)، وَأَنْتِ (الشيطان) تَسْحَقِينَ عَقِبَهُ (نسل المرأة). (تكوين 3: 15)

سوف ينسِّق الله أن يكون لكلٍّ من إبليس/الشيطان والمرأة/حوّاء ‘‘نسلٌ’’. وستكون هناك ‘‘عداوة’’ أو كراهية بين هَذَين النَسلَين وبين المرأة والشيطان. سوف ‘‘يسحق الشيطان عقب’’ نسل المرأة في حين أنَّ نسل المرأة ‘‘يسحق رأس الشيطان’’. تظهر هذه العلاقات في هذا الرسم البياني.

sign of virgin birth
الشخصيّات وعلاقتها بالوعد الذي أعطاه الله في الجنّة

يُرجى ملاحظة أن الله لم يَعِد الرجل أبدًا بنسلٍ كما وعد المرأة. وهذا الأمر استثنائيّ إلى حدٍّ بعيد، لاسيّما في ضوء التركيز على مجيء الأبناء من خلال الآباء في التوراة والزبور والإنجيل (في الكتاب المقدَّس). في الواقع، إنّ أحد الانتقادات الموجّهة إلى هذه الكتب مِن قِبَل الغربيّين من ذوي الآراء العصريّة هو أنّها تتجاهل خطّ الدمّ (النَسَب) الذي يأتي من خلال النساء. وهذا يُعتبر في رأيهم‘‘تحيُّزًا جنسيًّا’’ لأنّه يأخذ في اعتباره فقط أبناء الرجال. ولكنّ الأمر كان مختلفًا في هذه الحالة – ليس هناك وعد بنسلٍ (هو) يأتي من رجل. يقول الوعد فقط إنه سيكون هناك نسلٌ آتٍ من امرأة، من دون الإشارة إلى رجل.  إنّ ‘‘ابن العذراء’’في نبوءة إشعياء هو ‘‘نسل المرأة’’ من الواضح الآن، من وِجهة نظر نبوءة إشعياء الواضحة التي تتحدّث عن ابنٍ يولد لعذراء، أنّ المقصود حتّى منذ فترة طويلة في الجنَّة كان أنّ نسلاً (ابنًا) سيأتي من امرأة فقط (وهي بالتالي ستكون عذراء). إنّي أستحثّكم على الرجوع إلى الوراء وقراءة هذا الحوار في آية آدم من هذا المنظور، وسوف تجدون أنّه ‘‘يتّفق’’ مع ما سبق. إنّ أبناء آدم جميعهم، منذ بدء التاريخ، عانوا من المشكلة نفسها، عدم ‘‘رفض الخطأ واختيار الصواب’’ كما فعل سلفنا آدم. وهكذا قام الله بعد ذلك مباشرةً، حين جاءت الخطيئة إلى العالم، بإعطاء وعدٍ خفيّ بأنّ شخصًا مقدّسًا ليس من نسل آدم، سيأتي و ‘‘يسحق’’ رأس الشيطان. ولكن كيف كان هذا الابن المقدّس سيفعل ذلك؟ إذا كان الأمر يتعلّق بإيصال رسالة من الله، فإنّ أنبياء آخرين مثل إبراهيم وموسى (عليهما السلام) قد سبق وأن قاموا بإخلاص بإيصال رسائل. كلاّ، إنّ دور هذا الابن المقدّس كان مختلفًا، ولكن لكي نفهم هذا، نحن في حاجة إلى مزيدٍ من البحث في كتاب الزبور.