عيسى المسيح: نورٌ للأُمَم

كان النبيّ عيسى المسيح (عليه السلام) قد دخل للتوِّ إلى أورشليم القدس راكبًا على حمارٍ كما تنبَّأ بذلك النبيّ زكريّا (عليه السلام) قبل 500 عام، وقد قام بذلك في اليوم نفسه الذي كان النبيّ دانيال قد تنبَّأ به قبل 550 عامًا. وكان اليهود قد وفدوا من العديد من البلدان لحضور احتفال الفصح القادم، ولهذا كانت مدينة أورشليم القدس مزدحمة بالحجّاج اليهود (مثل مدينة مكّة المكرّمة في موسم الحجّ). لذلك تسبَّب وصول النبيّ في إثارة ضجّةٍ بين اليهود. ولكن لم يكن اليهود فقط هم من لاحظ وصول عيسى المسيح. يسجّل الإنجيل ما حدث مباشرةً بعد دخوله أورشليم القدس.

 

20 وَكانَ بَعضُ اليُونانِيِّيْنَ قَدْ ذَهَبُوا إلَى مَدينَةِ القُدْسِ لِلعِبادَةِ فِي عِيدِ الفِصْحِ أيضاً. 21 فَذَهَبُوا إلَى فِيلِبُّسَ، وَهُوَ مِنْ بَلْدَةِ بَيْتِ صَيْدا فِي إقلِيْمِ الجَلِيلِ، وَرَجُوهُ فَقالوا: «يا سَيِّدُ، نُرِيْدُ أنْ نَرَى يَسُوعَ.» 22 فَجاءَ فِيلِبُّسُ وَأخبَرَ أندراوُسَ. ثُمَّ جاءَ أندَراوُسُ وَفِيلِبُّسُ وَأخبَرا يَسُوعَ.  (يوحنا 12: 20-22) 

الحاجز بين اليونانيّين واليهود في زمن النبيّ

كان من غير المعتاد إلى أبعد الحدود بالنسبة إلى اليونانيّين،(وهم الذين ينتمون إلى الأمم الأُخرى أو غير اليهود)، أن يتواجدوا في احتفالاتِ أعيادٍ يهوديّة. ولأنّ الإغريق واليونان كانوا من المُشركين، فقد كان اليهود يعتبَرونهم نجسين ينبغي تجنّبهم. كما كان معظم اليونانيّين يعتبرون الدين اليهودي الذي يقوم على عبادة إلهٍ واحدٍ (غير مَرئيٍّ) والاحتفالات المرافقة أنّها حماقة. في ذلك الوقت، كان اليهود هم وحدهم الذين يؤمنون بإلهٍ واحدٍ. ولذلك ظلَّت هذه الشعوب في معزلٍ عن بعضها البعض.وبما أنّ المجتمع الذي ينتمي إلى الأُمم أو غير اليهوديّ كان أكبر بكثير من المجتمع اليهوديّ، فقد عاش اليهود في نوعٍ من العزلة عن بقيّة العالم. إنّ اختلاف ديانتهم، ونظامهم الغذائيّ القائم على الذبح الحلال، وكتابهم الخاصّ بالأنبياء، خلق حاجزًا بين اليهود والأُمم ومعاداة كلّ جانبٍ للآخر

في يومنا هذا، وقد أصبح الشِرك بالله وعبادة الأوثان مرفوضَين من قِبَل معظم العالم، يمكننا بسهولةٍ نسيان كم كان هذا مختلفًا في زمن هذا النبيّ. في الواقع، في أيّام إبراهيم (عليه السلام)، كان الجميع تقريبًا، في ما عدا ذلك النبيّ، من المُشرِكين. في زمن النبيّ موسى (عليه السلام)، كانت الأُمم الأُخرى جمعها تعبد الأصنام، وكان الفرعَون نفسه يدّعي بأنّه أحد الآلهة. كان بنو إسرائيل بمثابة جزيرةٍ صغيرةٍ من الموحِّدين في محيطٍ من عابدي الأوثان الذين ينتمون إلى جميع الأمم المحيطة بهم. لكنّ النبيّ إشعياء (عليه السلام) [750 قبل الميلاد] قد سمح له الله أن ينظر في المستقبل فتنبّأ بتغييرٍ سيحصل لجميع هذه الأُمم. وقد كتب:

49 اسْتَمِعُوا إلَيَّ يا سُكّانَ الجُزُرِ،
وَأصغِي أيَّتُها الأُمَمُ البَعِيدَةُ.
قَبلَ أنْ أُولَدَ دَعانِي اللهُ لأخدِمَهُ،
سَمَّانِي وَأنا بَعدُ فِي رَحمِ أُمِّي.

جَبَلَنِي اللهُ فِي بَطنِ أُمِّي لأكُونَ خادِماً لَهُ،
لإرجاعِ شَعبِ يَعقُوبَ إلَيهِ،
وَلِجَمعِ إسْرائِيلَ حَولَهُ.
لِهَذا أنا مُكَرَّمٌ فِي عَينَيِّ اللهِ،
وَقَدْ صارَ إلَهِيَ قُوَّتِي.

وَقالَ لِي:

«ألَيسَ كافِياً أنْ تَكُونَ عَبدِي،
لِقِيامِ قبائلِ بَنِي يَعقُوبَ،
وَرَدِّ النّاجِينَ مِنْ بِنِي إسْرائِيلَ؟
لَكِنِّي سَأجعَلُكَ نُوراً لِلأُمَمِ،
لِكَي يَصِلَ خَبَرُ خَلاصِي
جَميعَ النّاسِ إلَى أقصَى الأرْضِ.» 

(إشعياء 49: 1، 5- 6 )

«اسْتَمِعْ إلَيَّ يا شَعبِي،
وَانتَبِهِي إلَيَّ يا أُمَّتِي.
لأنَّ التَّعلِيمَ سَيَخرُجُ مِنْ عِندِي،
وَعَدالَتِي سَتَكُونُ نُوراً لِلشُّعُوبِ. 

(إشعياء 51: 4)

60 «قُومِي وَأنِيرِي، لأنَّ نُورَكِ أتَى،
وَمَجدُ اللهِ أشرَقَ عَلَيكِ.
لأنَّ الظُّلمَةَ تُغَطِّي الأرْضَ،
وَالظَّلامَ الشَّدِيدَ يُغَطِّي الأُمَمَ.
وَلَكِنَّ اللهَ يُشرِقُ عَلَيكِ،
وَمَجدُهُ عَلَيكِ سَيَظهَرُ.
سَتَأتِي الأُمَمُ إلَى نُورِكِ،
وَالمُلُوكُ إلَى ضِياءِ فَجرِكِ. 

(إشعياء 60: 1- 3)

إذن، تنبّأ النبيّ إشعياء بأنّ ‘خادم’ الربّ القادم، على الرغم من كونه يهوديًّا، (‘سبط يعقوب’) سوف يكون ‘نورًا للأمم’ (جميع مَن هم ليسوا يهودًا) وهذا النور سيصل إلى آخر العالم. ولكن كيف يمكن أن يحدث هذا وهذا الحاجز بين اليهود والأمم لا يزال قائمًا منذ مئات السنين؟

في ذلك اليوم الذي دخل النبيّ عيسى فيه مدينة أورشليم القدس، بدأ النور يجتذب أوائل الأُمميّين كما نرى بعضًا منهم يقترب من النبيّ. هنا في هذا الاحتفال اليهودي حيث كان اليونانيّون الذين توجّهوا إلى أورشليم القدس للتعرُّف على النبّي عيسى المسيح (عليه السلام). ولكن هل سيتمكّنون من رؤية النبيّ’ وهم يعتَبَرون ذلك حرامًا في نظر اليهود؟ لقد توجّهوا بسؤالهم إلى أصحاب عيسى الذين نقلوا بدورهم الطلب إلى النبيّ. ماذا سيكون ردُّه؟ هل سيسمح لهؤلاء اليونانيّين الذين كانوا يعرفون القليل جدًّا عن الدين الصحيح أن يقابلوه؟ يتابع الإنجيل سرده

23 فَقالَ يَسُوعُ: «آنَ الأوانُ لِيَتَمَجَّدَ ابْنُ الإنسانِ. 24 أقُولُ الحَقَّ لَكُمْ: يَنبَغِي أنْ تَقَعَ حَبَّةُ القَمْحِ عَلَى الأرْضِ وَتَمُوتَ، وَإلّا فَإنَّها تَظَلُّ حَبَّةً وَحِيْدَةً. لَكِنَّها إنْ وَقَعَتْ عَلَى الأرْضِ وَماتَتْ، فَإنَّها تُنتِجُ ثَمَراً كَثِيْراً. 25 مَنْ يَتَعَلَّقُ بِحَياتِهِ يَخسَرُها، أمّا الَّذِي لا يَتَعَلَّقُ بِحَياتِهِ فِي هَذا العالَمِ فَسَيَحفَظُها لِلحَياةِ الأبَدِيَّةِ. 26 فَلْيَتبَعْنِي مَنْ يُرِيْدُ أنْ يَخدِمَنِي. وَحَيْثُ أكُونُ أنا، سَيَكُونُ خادِمِي أيضاً. إنْ كانَ أحَدٌ يَخدِمُنِي، فَسَيُكْرِمُهُ الآبُ.» 

27 «الآنَ تَتَضايَقُ نَفْسِي، فَماذا أقُولُ؟ أأقُولُ نَجِّنِي أيُّها الآبُ مِنْ ساعَةِ الألَمِ هَذِهِ؟ لَكِنِّي جِئْتُ مِنْ أجلِ هَذِهِ السّاعَةِ.28 فَمَجِّدِ اسْمَكَ أيُّها الآبُ.» فَجاءَ مِنَ السَّماءِ صَوْتٌ يَقُولُ: «لَقَدْ مَجَّدْتُهُ، وَسَأُمَجِّدُهُ أيضاً.»

29 وَكانَ هُناكَ جَمْعٌ مِنَ النّاسِ، فَسَمِعُوا الصَّوْتَ، وَقالَ بَعضُهُمْ: «هَذا صَوْتُ الرَّعْدِ.» وَقالَ آخَرُونَ: «بَلْ كَلَّمَهُ مَلاكٌ!»

30 فَأجابَهُمْ يَسُوعُ: «لَمْ يَأْتِ هَذا الصَّوْتُ مِنْ أجلِي أنا، بَلْ مِنْ أجلِكُمْ أنتُمْ. 31 الآنَ هُوَ وَقْتُ الحُكْمِ عَلَى هَذا العالَمِ. الآنَ سَيُطْرَدُ حاكِمُ هَذا العالَمِ خارِجاً. 32 وَإذا رُفِعْتُ عَنِ الأرْضِ، سَأجذِبُ الجَمِيعَ إلَيَّ.» 33 قالَ هَذا مُشِيْراً إلَى المِيْتَةِ الَّتِي سَيَمُوتُها.

34 فَقالَ لَهُ بَعْضُهُمْ: «لَقَدْ سَمِعْنا مِنَ الشَّرِيْعَةِ أنَّ المَسِيْحَ سَيَبْقَى إلَى الأبَدِ، فَكَيْفَ تَقُولُ إنَّهُ يَنبَغِي لابْنِ الإنسانِ أنْ يُرْفَعَ؟ إذاً أيُّ ابْنِ إنسانٍ هَذا؟»

35 فَقالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «سَيَبْقَى النُّورُ مَعْكُمْ زَماناً قَصِيْراً بَعْدُ، فَسِيْرُوا مادامَ النُّورُ مَعْكُمْ، وَقَبلَ أنْ تُدرِكَكُمُ الظُّلْمَةُ. لِأنَّ السّائِرَ فِي الظُّلمَةِ لا يَعلَمُ إلَى أيْنَ يَتَّجِهُ. 36 آمِنُوا بِالنُّورِ مادامَ مَعَكُمْ، فَتَصِيْرُوا أولادَ النُّورِ.» قالَ يَسُوعُ هَذا وَمَضَى وَتَوارَىْ عَنْهُمْ.

37 صَنَعَ يَسُوعُ كُلَّ هَذِهِ المُعجِزاتِ أمامَهُمْ. لَكِنَّهُمْ كانُوا يَرفُضُونَ أنْ يُؤْمِنُوا بِهِ. 38 فَصَحَّ فِيْهِمْ قَولُ النَّبِيِّ إشَعْياءَ:

«يا رَبُّ،
مَنِ الَّذِي صَدَّقَ رِسالَتَنا،
وَلِمَنْ أُظهِرَتْ قُوَّةُ الرَّبِّ؟»

39 وَلَمْ يَكُنْ بِإمكانِهِمْ أنْ يُؤمِنُوا، فَإشَعْياءُ قالَ أيضاً:

40 «قَدْ أعمَى اللهُ عُيُونَهُمْ،
وَقَسَّى قُلُوبَهُمْ.
فَلا يَقدِرُونَ أنْ يُبصِرُوا بِعُيُونِهِمْ،
وَلا أنْ يَفهَمُوا بِقُلُوبِهِمْ،
لِكَيلا يَرجِعُوا إلَيَّ فَأُشْفِيْهِمْ.»

41 قالَ إشَعْياءُ هَذا لِأنَّهُ رَأى مَجدَ يَسُوعَ وَتَحَدَّثَ عَنْهُ.

42 وَمَعَ ذَلِكَ، كانَ هُناكَ كَثِيْرُونَ قَدْ آمَنُوا بِهِ مِنْ قادَةِ اليَهُودِ. لَكِنَّهُمْ لَمْ يُجاهِرُوا بِإيْمانِهِمْ خَوفاً مِنَ الفِرِّيْسِيِّيْنَ، لِأنَّهُمْ كانُوا يَخافُونَ أنْ يُحرَمُوا مِنْ دُخُولِ المَجمَعِ. 43 فَقَدْ كانُوا يُحِبُّونَ إكرامَ النّاسِ لَهُمْ أكثَرَ مِنْ إكرامِ اللهِ.

44 وَقالَ يَسُوعُ بِصَوتٍ مُرتَفِعٍ: «مَنْ يُؤمِنُ بِي، فَإنَّهُ لا يُؤمِنُ بِي أنا، بَلْ يُؤمِنُ بِذاكَ الَّذِي أرسَلَنِي. 45 وَمَنْ يَرانِي يَرَى ذاكَ الَّذِي أرسَلَنِي. 46 لَقَدْ جِئْتُ نُوراً لِلعالَمِ، فَكُلُّ مَنْ يُؤمِنُ بِي لا يَبْقَى فِي الظَّلمَةِ.

47 إنْ سَمِعَ أحَدٌ كَلامِي وَلَمْ يُطِعْهُ، فَإنِّي لا أحكُمُ عَلَيْهِ. فَأنا لَمْ آتِ لِكَي أحكُمَ عَلَى العالَمِ، بَلْ جِئْتُ لِأُخَلِّصَ العالَمَ.48 وَمَنْ يَرفُضُنِي وَيَرفُضُ أنْ يَقبَلَ كَلامِي، فَهُناكَ ما يَحكُمُ عَلَيْهِ: الرِّسالَةُ الَّتِي عَلَّمْتُها هِيَ الَّتِي سَتَحكُمُ عَلَيْهِ فِي اليَوْمِ الأخِيْرِ. 49 فَأنا لَمْ أتَكَلَّمْ مِنْ عِندِي، بَلِ الآبُ نَفسُهُ الَّذِي أرسَلَنِي هُوَ الَّذِي أوصانِي بِما أقُولُ وَبِما أتَكَلَّمُ.50 وَأنا أعلَمُ أنَّ وَصِيَّتَهُ تُؤَدِّي إلَى الحَياةِ الأبَدِيَّةِ. فَما أتَكَلَّمُ بِهِ الآنَ، إنَّما أتَكَلَّمُ بِهِ كَما تَكَلَّمَ بِهِ الآبُ إلَيَّ.» 

(يوحنا 12: 23- 50)

في هذا التبادل الكلامي الدراميّ، بما في ذلك حتّى صوتٌ من السماء، قال النبيّ إنّه سوف ‘يُرفَع عن الأرض’ وهذا من شأنه أن يجذب ‘الجميع’ إليه – وليس اليهود فقط. لم يفهم العديد من اليهود، على الرغم من أنّهم يعبدون إلهًا واحدًا فقط، ما كان النبيّ يقوله. وقد قال النبيّ إشعياء إنّ ذلك راجع إلى قسوة قلوبهم – عدم رغبتهم في الخضوع لله – وكان ذلك السبب الأصليّ لعدم خضوعهم – حتّى عندما آمن آخرون في صمتٍ بسبب الخوف.

أعلن النبيّ عيسى المسيح بجرأة أنّه ‘جاء نورًا إلى العالم’ (الآية 46) وهو ما كان قد كتبه الأنبياء السابقون بأنّه سيكون نورًا يُضيء جميع الأُمم. في اليوم الذي دخل فيه أورشليم القدس، بدأ النور يُضيء الأُمم. هل ينتشر هذا النور ليصل إلى جميع الأُمم؟ ماذا يعني النبيّ بأنّه ‘يرتفعُ عن الأرض’؟ نواصل خلال هذا الأسبوع الأخير كي نفهم هذه الأسئلة.

يمرُّ الرسم البيانيّ التالي خلال كلّ يومٍ من أيّام هذا الأسبوع. في يوم الأحد، وهو اليوم الأوّل من الأسبوع، تمَّم المسيح ثلاث نبوءاتٍ مختلفةٍ تنبّأ بها ثلاثة أنبياء سابقين. أوّلاً، دخل أورشليم القدس راكبًا حمارًا كما تنبّأ زكريّا. ثانيًا، قام بذلك في الوقت الذي تنبّأ به دانيال. ثالثًا، بدأت رسالته ومعجزاته في إذكاء الاهتمام بين الأُمم – وهو الأمر الذي تنبّأ إشعياء النبيّ بأنّه سيكون نورًا للأُمم ويصبح أكثر سطوعًا للشعوب في جميع أنحاء العالم.

عيسى المسيح يُعلِنُ الجهاد – بطريقةٍ مُذهلة، ضدَّ عدوٍّ مُختلف، في الوقت المُحدَّد

النبيّ عيسى المسيح (عليه السلام) قد كشف عن رسالته عندما أقام لعازر من الموت وهو الآن متوجِّهٌ إلى أورشليم (القدس). وقد تمَّ التنبُّؤ بطريقة وصوله قبل مئات السنين. يوضِّح الإنجيل ذلك على النحو التالي:
وفي الْغَدِ سَمِعَ الْجَمْعُ الْكَثِيرُ الَّذِي جَاءَ إِلَى الْعِيدِ أَنَّ يَسُوعَ آتٍ إِلَى أُورُشَلِيمَ، 13فَأَخَذُوا سُعُوفَ النَّخْلِ وَخَرَجُوا لِلِقَائِهِ، وَكَانُوا يَصْرُخُونَ:

‘‘أُوصَنَّا!’’
‘‘مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ!’’
’’مَلِكُ إِسْرَائِيلَ!’’
وَوَجَدَ يَسُوعُ جَحْشًا فَجَلَسَ عَلَيْهِ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ:
‘‘لاَ تَخَافِي يَا ابْنَةَ صَهْيَوْنَ؛
هُوَذَا مَلِكُكِ يَأْتِي
جَالِسًا عَلَى جَحْشٍ أَتَانٍ’’.
وَهذِهِ الأُمُورُ لَمْ يَفْهَمْهَا تَلاَمِيذُهُ أَوَّلاً، وَلكِنْ لَمَّا تَمَجَّدَ يَسُوعُ، حِينَئِذٍ تَذَكَّرُوا أَنَّ هذِهِ كَانَتْ مَكْتُوبَةً عَنْهُ، وَأَنَّهُمْ صَنَعُوا هذِهِ لَهُ.
وَكَانَ الْجَمْعُ الَّذِي مَعَهُ يَشْهَدُ أَنَّهُ دَعَا لِعَازَرَ مِنَ الْقَبْرِ وَأَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ. لِهذَا أَيْضًا لاَقَاهُ الْجَمْعُ، لأَنَّهُمْ سَمِعُوا أَنَّهُ كَانَ قَدْ صَنَعَ هذِهِ الآيَةَ. فَقَالَ الْفَرِّيسِيُّونَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: ‘‘انْظُرُوا! إِنَّكُمْ لاَ تَنْفَعُونَ شَيْئًا! هُوَذَا الْعَالَمُ قَدْ ذَهَبَ وَرَاءَهُ!’’.
(يوحنا 12: 12-19)

دخول عيسى المسيح – بحسب داوُد

بدءًا من النبيّ داود (عليه السلام)، كان الملوك اليهود القُدامى يمتطون كلّ سنةٍ صُهوة حصانهم المَلَكيّ ويتقدَّمون موكبًا من الناس إلى أورشليم (القُدس). أعاد عيسى المسيح العمل بهذا التقليد عندما دخل أورشليم راكبًا حمارًا في اليوم الذي نعرفه باسم أحد الشعانين. ردَّد الناس لعيسى المسيح الترنيمة نفسها من الزبور كما فعلوا لداود:

 خَلِّصْنا الآنَ،
نَتَوَسَّلُ إلَيكَ يا اللهُ!
يا اللهُ، نَتَوَسَّلُ إلَيكَ،
أنجِحْ مَسعانا.
مُبارَكٌ هُوَ الآتِي بِاسْمِ اللهِ.
مِنْ بَيتِ اللهِ نُبارِكُكَ.

 يهوه هُوَ اللهُ، وَسَيَقبَلُنا.
فَاربُطُوا ذَبِيحَةَ العِيدِ بِزَوايا المَذبَحِ.

(مزمور 118: 25-27)

رنَّم الشعب هذه الترنيمة القديمة التي كُتِبَت للملوك لأنّهم علموا أنّ عيسى قد أقام لعازَر من الموت، ولذلك كانوا متحمِّسين لدى وصوله إلى أورشليم. وكانت العبارة التي صرخوا بها ‘أوصنَّا’ تعني ‘خَلِّصْ’ – تمامًا كما كان قد كُتِبَ في المزمور 118: 25 قبل فترةٍ طويلة. ما الشيء الذي كان ،سيُنقذهم’ منه؟ ننتقل إلى النبيّ زكريّا.

الدخول الذي تنبَّأ به زكريّا

على الرغم من أنّ عيسى المسيح أعاد العمل بما كان يفعله الملوك السابقون قبل مئات السنين، إلاّ أنّه فعل ذلك بطريقةٍ مختلفة. إنّ النبيّ زكريّا (عليه السلام)، وهو الذي قد تنبَّأ باسم المسيح الآتي، قد تنبَّأ أيضًا بأنّ المسيح سوف يدخل أورشليم راكبًا على حمار. يُبيِّن الجدول الزمنيّ النبيّ زكريّا، تاريخيًّا، جنبًا إلى جنب مع أنبياء آخرين تنبّؤا بأحداث أحد الشعانين.

الأنبياء الذين تنبّؤا بدخول عيسى إلى أورشليم في أحد الشعانين
الأنبياء الذين تنبّؤا بدخول عيسى إلى أورشليم في أحد الشعانين

استشهدَ إنجيل يوحنا بجزءٍ من تلك النبوءة أعلاه (بالنصّ الأزرق). في ما يلي نبوءة النبيّ زكريّا كاملة:

اِبْتَهِجِي جِدًّا يَا ابْنَةَ صِهْيَوْنَ!
اهْتِفِي يَا بِنْتَ أُورُشَلِيمَ!
هُوَذَا مَلِكُكِ يَأْتِي إِلَيْكِ،
هوَ عَادِلٌ وَمَنْصُورٌ،
وَدِيعٌ وَرَاكِبٌ عَلَى حِمَارٍ،
وَعَلَى جَحْشٍ ابْنِ أَتَانٍ.
وَأَقْطَعُ الْمَرْكَبَةَ مِنْ أَفْرَايِمَ
وَالْفَرَسَ مِنْ أُورُشَلِيمَ،
وَتُقْطَعُ قَوْسُ الْحَرْبِ.
وَيَتَكَلَّمُ بِالسَّلاَمِ لِلأُمَمِ.
وَسُلْطَانُهُ مِنَ الْبَحْرِ إِلَى الْبَحْرِ
وَمِنَ النَّهْرِ إِلَى أَقَاصِي الأَرْضِ.
وَأَنْتِ أَيْضًا فَإِنِّي بِدَمِ عَهْدِكِ،
قَدْ أَطْلَقْتُ أَسْرَاكِ مِنَ الْجُبِّ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ مَاءٌ. (زكريا 9: 9-11)

إنّ هذا الملك الذي تنبَّأ عنه زكريّا سيكون مختلفًا عن غيره من الملوك. فهو لن يصبح ملكًا باستخدام ‘المركبات’ و ‘أفراس الحرب’ و ‘قوس المعركة’. في الواقع، سوف يقوم هذا الملك بإزالة هذه الأسلحة، وسوف ‘يُعلن السلام للأُمم’ بدلاً من ذلك. لكنّ هذا الملك سيكون عليه، مع ذلك، أن يكافح لهزيمة العدوّ. سيكون عليه أن يُجاهد كما هو الحال في الجهاد الأعظم.

وهذا يصبح واضحًا عندما نعرف العدوّ الذي تقول النبوءة إنّ على هذا الملك أن يواجهه. إنّ عدوَّ الملك عادةً، هو ملكٌ آخر من أُمّةٍ مُعادية، أو هو جيشٌ آخر، أو هو ثورةٌ مِن قِبَل شعبه،  أو من أشخاصٍ يقفون ضدّه. لكنّ النبيّ زكريّا كتبَ أنّ الملك الذي أظهر نفسه وهو راكبٌ على ‘حمارٍ’ و ‘يتكلَّم بالسلام للأمم’، سوف ‘يُطلقُ الأسرى من الجبّ الذي ليس فيه ماءٌ’ (v11). كان البئر هو الطريقة العبريّة للإشارة إلى القبر أو إلى الموت. سوف يقوم هذا الملك بتحرير الذين كانوا سجناء، ليس مِن قِبَل حكّامٍ طُغاةٍ، ولا مِن قِبَل سياسيِّين فاسدين، أو مُحاصَرين في سجونٍ مِن صُنع الإنسان، إنّما أولئك الذين كانوا ‘أسرى’ الموت.

عندما نتحدّث عن إنقاذ الناس من الموت، فهذا يعني إنقاذ شخصٍ ما بحيث يُقضى على الموت. على سبيل المثال، قد نقوم بإنقاذ شخصٍ يغرق، أو تقديم دواءٍ ما يُنقذ حياة أحد الأشخاص. هذا ‘الإنقاذ’ يعمل فقط على تأجيل الموت لأنّ الشخص الذي تمَّ إنقاذه سوف يموت في وقتٍ لاحقٍ. لكنّ زكريّا لم يكن يتنبّأ عن إنقاذ الأشخاص من الموت، بل عن ملكٍ سوف يقوم بإنقاذ الذين هم أسرى الموت – أولئك الذين قد ماتوا فعلاً. إن مجيء الملك راكبًا على حمار الذي تنبّأ به زكريّا، كان لمواجهة وهزيمة الموت نفسه – تحرير أسراه. وهذا يتطلَّب كفاحًا هائلاً – جهادًا لم يسبق له مثيلٌ مِن قَبل. يُشير العلماء أحيانًا إلى ‘الجهاد الأكبر’ لصراعاتنا الداخليّة، و ‘الجهاد الأصغر’ لصراعاتنا الخارجيّة. من خلال مواجهة ‘البئر’، سوف يواجه هذا الملك كلَّا من هذه الصراعات أو الجهاد.

ما هي الأسلحة التي كان الملك سيستخدمها في هذا الجهاد أو الصراع مع الموت؟ كتب النبيّ زكريّا أنّ هذا الملك سوف يأخذ فقط ‘‘دمَ عَهدِكَ’’ إلى معركته في الجُبِّ. سيكون دمه السلاح الذي سيواجه به الموت.

من خلال دخول أورشليم (القدس) على حمار، أعلن عيسى أنّه هو هذا الملك – المسيح.

لماذا بكى عيسى المسيح (عليه السلام) حزنًا

في يوم أحد الشعانين، عند دخول عيسى المسيح إلى أورشليم (الذي يُعرَف أيضًا بالدخول المُنتَصِر)، عارضهُ الرؤساء الدينيّون. يصفُ إنجيل لوقا ردّ فعل عيسى المسيح على معارضتهم.

وَفِيمَا هُوَ (عيسى المسيح) يَقْتَرِبُ نَظَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَبَكَى عَلَيْهَا قَائِلاً: ‘‘إِنَّكِ لَوْ عَلِمْتِ أَنْتِ أَيْضًا، حَتَّى فِي يَوْمِكِ هذَا، مَا هُوَ لِسَلاَمِكِ! وَلكِنِ الآنَ قَدْ أُخْفِيَ عَنْ عَيْنَيْكِ. فَإِنَّهُ سَتَأْتِي أَيَّامٌ وَيُحِيطُ بِكِ أَعْدَاؤُكِ بِمِتْرَسَةٍ، وَيُحْدِقُونَ بِكِ وَيُحَاصِرُونَكِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، وَيَهْدِمُونَكِ وَبَنِيكِ فِيكِ، وَلاَ يَتْرُكُونَ فِيكِ حَجَرًا عَلَى حَجَرٍ، لأَنَّكِ لَمْ تَعْرِفِي زَمَانَ افْتِقَادِكِ (مجيُّ اللهُ إليكِ)’’. (لوقا 19: 41-44)

قال عيسى المسيح، على وجه التحديد، ينبغي أن يكون القادة قد ‘عرفوا وقت مجيء الله’ في ‘هذا اليوم’. ما الذي كان يعنيه؟ ما الذي قد فاتهم معرفته؟

كان الأنبياء قد تنبَّؤا ﺑ ‘اليوم’

قبل قرونٍ، تنبَّا النبيّ دانيال (عليه السلام) بأنّ المسيح سوف يأتي بعد 483 سنة من إصدار مرسوم إعادة بناء أورشليم. لقد قمنا بحساب أنّ السنة التي توقّعها دانيال هي 33 ميلاديّة – سنة دخول عيسى المسيح إلى أورشليم راكبًا على حمار. إنّ التنبُّؤ بسنة الدخول قبل مئات السنين من حدوثه، هو أمرٌ مُذهلٌ. لكن يمكن حساب الزمن باليوم. (يُرجى المراجعة هنا) أوّلاً لأنّنا نعتمد على ذلك.

لقد توقَّع النبيّ دانيال 483 سنة ،باعتبار السنة هي 360 يومًا، قبل إعلان المسيح عن نفسه. وبناء على ذلك، فإنّ عدد الأيّام هو :

483 سنة * 360 يومًا/سنة = 173880 يومًا

من حيث التقويم الدَوليّ الحديث الذي يقول إنّ عدد أيّام السنة هو 365.2422 يومًا، فهذا يكون 476 سنة زائد 25 يومًا إضافيًّا.  (173880/365.24219879 = 476، يتبقّى 25)

متى صدرَ مرسوم إعادة بناء أورشليم الذي بدأ هذا العَدُّ التنازليّ؟ لقد صدرَ:

فِي شَهْرِ نِيسَانَ فِي السَّنَةِ الْعِشْرِينَ لأَرْتَحْشَسْتَا الْمَلِكِ… (نحميا 2: 1)

لم يُحَدَّد في أيِّ يومٍ من نيسان (شهرٌ في التقويم اليهودي)، ولكن من المُرجَّح أن يكون ذلك في 1 نيسان بما أنّ هذا اليوم هو بداية السنة الجديدة، ممّا يمنح الملك سببًا للتحدُّث إلى نحميا خلال الاحتفال. كما أنّ الأوّل من نيسان سيكون علامة القمر الجديد لأنّ الأشهر كانت قمريّة (مثل التقويم الإسلامي). حُدِّدَت الأقمار الجديدة بالطريقة الإسلاميّة التقليديّة – من خلال مراقبة رجال مُعتَرَف بهم ظهور القمر الجديد (الهلال). بواسطة علم الفك الحديث، يمكننا معرفة متى كان الظهور الأوّل في سنة 444 قبل الميلاد لذلك القمر الجديد الذي يُحدِّد الأوّل من شهر نيسان. تكمن الصعوبة في معرفة إذا كان الهلال الأوّل قد شوهِدَ فعلاً مِن قِبَل المراقبين في ذلك اليوم، أو إذا كان قد فاتهم مشاهدته وتأخّرت بداية نيسان يومًا واحدًا. تضعُ الحسابات الفلكيّة ظهور هلال الأوّل من نيسان من السنة العشرين للإمبراطور الفارسيّ أرْتَحْشَستّا، في الساعة 10 مساءً من يوم 4 نيسان سنة 444 قبل الميلاد بحسب التقويم الحديدث [2]. إذا فات المراقبون رؤية الهلال، سيكون الأول من نيسان في اليوم التالي، أيّ 5 مارس، 444 قبل المسيح. في كلتا الحالتَين، سيكون المرسوم الفارسي لإعادة بناء أورشليم قد صدر في 4 أو 5 مارس سنة 444 قبل الميلاد.

إنّ إضافة 476 عامًا من الوقت الذي تنبَّأ به دانيال إلى هذا التاريخ، تصلُ بنا إلى 4 أو 5 مارس، عام 33 ميلادي. (ليس هناك سنة 0، يبدأ التقويم الحديث من 1 قبل الميلاد إلى 1 ميلاديّة في سنةٍ واحدة، بحيث يكون الحساب هو -444 + 476 + 1 = 33). بإضافة 25 يومًا المتبقيّة من الوقت الذي تنبّأ به دانيال إلى 4 أو 5 آذار/مارس، سنة 33 ميلاديّة، يكون الناتج 29 أو 30 آذار سنة 33م  كما هو موضَّح في الجدول الزمنيّ أدناه. كان 29 آذار/مارس سنة 33م هو يوم أحد – أحد الشعانين – اليوم نفسه الذي دخل فيه عيسى (عليه السلام) إلى أورشليم راكبًا على حمار، مُعلنًا أنّه المسيح. نحن نعرف ذلك لأنّ يوم الجمعة التالي كان يصادف عيد الفصح اليهودي – وكان موعد عيد الفصح دائمًا هو 14 نيسان. و 14 نيسان في سنة 33م كان يوافق 3 نيسان/أبريل. وبما أنّه كان قبل 5 أيّام من يوم الجمعة 3 نيسان/أبريل، فقد كان أحد الشعانين في يوم 29 آذار/مارس.

من خلال دخوله أورشليم في 29 آذار/ماس سنة 33م راكبًا على حمار، حقَّق النبيّ عيسى كلاًّ من نبوءة زكريّا ونبوءة دانيال – باليوم. وهذا ما يوضّحه الجدول الزمنيّ أدناه.

تنبّأ دانيال قبل 173880 يومًا قبل إعلان المسيح عن نفسه؛ وقد بدأ نحميا بالعدّ التنازليّ للوقت. وقد انتهى ذلك إلى يوم 29 آذار/مارس، سنة 33م عندما دخل عيسى أورشليم يوم أحد الشعانين.
تنبّأ دانيال قبل 173880 يومًا قبل إعلان المسيح عن نفسه؛ وقد بدأ نحميا بالعدّ التنازليّ للوقت.
وقد انتهى ذلك إلى يوم 29 آذار/مارس، سنة 33م عندما دخل عيسى أورشليم يوم أحد الشعانين.

هذه النبوءات العديدة التي تحقَّقَت في يومٍ واحدٍ، تُظهِر الآيات الواضحة التي استخدمها الله لإعلان خطّته بشأن المسيح. ولكن في اليوم التالي، يوم الاثنين 30 آذار/مارس، سنة 33م، حقّق عيسى المسيح أيضًا نبوءةً أُخرى للنبيّ موسى (عليه السلام). بقيامه بذلك، أطلق الأحداث التي من شأنها أن تؤدّي إلى جهاده ضدّ ‘الجُبّ’ – عدوّه الموت. سوف نتطرَّق إلى ذلك لاحقًا.


في ما يلي، كيف تعني كلمة ‘جبٍّ’ للأنبياء، وبعض الأمثلة على ذلك:

‘‘لكِنَّكَ انْحَدَرْتَ إِلَى الْهَاوِيَةِ، إِلَى أَسَافِلِ الْجُبِّ’’. (إشعياء 14: 15)

لأَنَّ الْهَاوِيَةَ لاَ تَحْمَدُكَ. الْمَوْتُ لاَ يُسَبِّحُكَ. لاَ يَرْجُو الْهَابِطُونَ إِلَى الْجُبِّ أَمَانَتَكَ. (إشعياء 38: 18)

يَا رَبُّ، أَصْعَدْتَ مِنَ الْهَاوِيَةِ نَفْسِي. أَحْيَيْتَنِي مِنْ بَيْنِ الْهَابِطِينَ فِي الْجُبِّ. (مزمور 30: 3)

للتحويل بين التقويمين القديم والحديث (على سبيل المثال، 1 نيسان = 4 آذار، سنة 444 ق.م)، ولحساب الظهور القديم لهلال الأقمار، استخدمتُ مؤلَّف الدكتور هارولد دبليو هوهنير (Dr, Harold W. Hoehner) جوانب التسلسل الزمني لحياة المسيح (Chronological Aspects of the Life of Christ). 1977. الصفحة 176.

النبيُّ عيسى المسيح (عليه السلام) يخلِّصُ خائنًا ‘ضالًّا’

النبيُّ عيسى المسيح (عليه السلام) قد أعاد لِعازر إلى الحياة من الموت – كاشفًا عن هدف رسالته – ليحطِّم الموت نفسه. وهو الآن في طريقة إلى أورشليم القدس لإتمام مهمّته. وفي طريقه، مرَّ بأريحا (التي لا تزال موجودة اليوم في الضفّة الغربيّة من فلسطين). جاء حشدٌ كبيرٌ لمشاهدته بسبب تعاليمه و معجزاته العديدة. كان في ذلك الحشد رجلٌ غنيٌّ لكنّه مُحتَقَر – اسمه زكّا. كان غنيًّا لأنّه كان جامع ضرائب للرومان الذين كانوا يحتَّلون اليهوديّة بالقوّة العسكريّة. وكان يجمع ضرائب من الشعب تفوق ما تطلب روما جمعه – وكان يحتفظ بالزيادة لنفسه. كان مُحتَقَرًا من اليهود لأنّه، بالرغم من كونه يهوديًّا، كان يعمل للمُحتَلّين الرومان بهذه الطريقة ويغشّ شعبه. كانوا يعتبرونه خائنًا لشعبه.

وبما أنّ زكّا كان قصير القامة، فلم يكن قادرًا على رؤية النبيّ عيسى المسيح (عليه السلام) بين الحشد، ولم يكن هناك مَن يرغب في مساعدته. يسجِّل الإنجيل لقاءه بالنبيّ وما قيل خلال هذا اللقاء:

 وَدَخَلَ يَسُوعُ أرِيحا وَراحَ يَمشِي فِيها. 2 فَجاءَ رَجُلٌ اسْمُهُ زَكّا، وهُوَ رَجُلٌ غَنيٌ مِنْ كِبارِ جامِعِي الضَّرائِبِ، 3 وَأرادَ أنْ يَرَى مَنْ يَكُونُ يَسُوعُ. لَكِنَّهُ عَجِزَ عَنْ رُؤيَتِهِ بِسَبَبِ الحَشدِ، لأنَّهُ قَصِيْرَ القامَةِ. 4 فَرَكَضَ وَسَبَقَ الجَمِيعَ، وَتَسَلَّقَ شَجَرَةَ جُمِّيْزٍ راجِياً أنْ يَرَى يَسُوعَ الَّذِي كانَ سَيَمُرُّ مِنْ ذَلِكَ المَكانِ.

5 وَعِندَما وَصَلَ يَسُوعُ إلَى المَكانِ، رَفَعَ بَصَرَهُ وَقالَ لَهُ: «يا زَكّا، عَجِّلْ بِالنُّزُولِ، لِأنَّهُ لا بُدَّ أنْ أمْكُثَ اليَومَ فِي بَيتِكَ.»

6 فَنَزَلَ بِسُرعَةٍ وَاستَضافَهُ فِي بَيتِهِ فَرِحاً.

7 فَلَمّا رَأى النّاسُ ذَلِكَ، بَدَأُوا يَتَذَمَّرُونَ وَيَقولونَ: «لَقَدْ ذَهَبَ لِيَحِلَّ ضَيفاً عَلَى إنسانٍ خاطِئٍ.»

8 أمّا زَكّا فَقَدْ وَقَفَ وَقالَ لِلرَّبِّ: «يا رَبُّ! ها أنا سَأُعطِي نِصفَ ما أملكُهُ لِلفُقَراء. وَإنْ كُنْتُ قَدِ ظَلَمْتُ أحَداً، فَإنِّي سَأُعَوِّضُهُ بِأربَعَةِ أضعافٍ.»

9 فَقالَ يَسُوعُ: «اليَومَ جاءَ الخَلاصُ إلَى هَذا البَيتِ. فَهَذا الرَّجُلُ هُوَ أيضاً ابنٌ لإبراهِيمَ. 10 لِأنَّ ابنَ الإنسانَ جاءَ لِكَي يَجِدَ الضّائِعِيْنَ فَيُخَلِّصَهُمْ.»

(لوقا 19: 1-10)

لم يعجب الناس ما فعله النبيّ – دعوة نفسه إلى منزل زكّا. كان زكّا رجلاً سيّئًا، وكان الجميع يعرفون ذلك. لكنّ زكّا اعترف بأنّه كان خاطئًا. معظمنا يخفي خطاياه ويُغطّيها أو يدَّعي بأنّه ليس لديه خطايا. ولكن لم يكن الأمر كذلك بالنسبة إلى زكّا. كان يعرفُ أنّ ما يفعله هو خطأ – وحتّى خيانة. ومع ذلك، عندما خطا الخطوة الأولى للقاء النبيّ، كانت استجابة النبيّ عيسى المسيح ودودة ومرحّبة إلى درجة أنّها فاجأت الجميع.

أراد عيسى المسيح (عليه السلام) من زكّا أن يتوب، وأن يبتعد عن الخطيئة، وأن يأتي إليه وهو يؤمن بأنّه ‘المسيح’. وعندما فعل زكّا هذا، وجد أنّ النبيّ (عليه السلام) قد غفر له – مُعلنًا أنّه قد ‘نال الخلاص أو خَلُصَ’ ولم يعُد ‘ضالًّا’.

ماذا عنك وعنّي؟ ربّما لم نفعل نحن تلك الأمور المخجلة كما فعل زكّا. ولكن لأنّنا لسنا سيِّئين جدًّا، فإنّنا نعتقد، مثل آدم، أنّنا نستطيع إخفاء أو سَتْرَ الخطايا ‘الصغيرة’ التي نفعلها و ‘‘الأخطاء’’ التي نرتكبها أو التظاهُر بعدم وجودها. نحن نأملُ أن نتمكّن من القيام بما يكفي من الأمور الجيّدة لندفع ثمن أفعالنا السيّئة. كان ذلك هو ما اعتقده الحشد الذي أتى لرؤية النبيّ. لذلك، لم يقُم عيسى بدعوة نفسه إلى أيٍّ من بيوتهم، ولم يُعلن أنّ أيًّا منهم قد ‘‘خلُصَ’’ – لم يخلُص سوى زكّا. من الأفضل بكثير لنا أن نعترف بخطايانا أمام الله ولا نحاول إخفاءها. وبعد ذلك، عندما ننال نحن أنفسنا رحمة عيسى المسيح سوف نجد أنّ المغفرة والعفو سيُمنحان لنا بما يتجاوز ما يمكن أن نتصوّره.

ولكن كيف يمكن أن تُمحى أعمال زكّا السيِّئة بحيث يمكنه أن يضمن الغفران من تلك اللحظة – دون انتظار يوم الدينونة؟ نتابع خطى عيسى المسيح (عليه السلام) وهو يواصل تقدّمه نحو أورشليم القدس لإتمام رسالته.

مُهمَّة عيسى المسيح في إقامة لعازر من الموت

لقد علَّم عيسى المسيح (عليه السلام) وشفى المرضى وأجرى العديد من المعجزات. لكنّ سؤالًا لا يزال باقيًا في أذهان تلاميذه وأتباعه وحتى أعدائه: لماذا جاء؟ إنّ العديد من الأنبياء السابقين، بما في ذلك النبيّ موسى (عليه السلام)، قد أجروا معجزات قويّة. بما أنّ موسى قد أعطى الشريعة ، وعيسى نفسه قال إنّه ‘‘لم يأتِ لينقض الناموس (الشريعة)’’، فلماذا إذًا أرسله الله؟
     أصبح صديق النبيّ (عليه السلام) مريضًا جدًّا. وقد توقَّع تلاميذ النبيّ عيسى المسيح (عليه السلام) أن يشفي صديقه كما شفى العديد من الأشخاص الآخرين. لكنّ عيسى المسيح (عليه السلام) تعمَّدَ ألّا يشفي صديقه، وبفعل ذلك، قام بإعلان مهمّته. يسجِّل الإنجيل ما حدث على هذا النحو:

عيسى المسيح يُجابه الموت

       1 وَمَرِضَ رَجُلٌ اسْمُهُ لِعازَرَ مِنْ قَرْيَةِ بَيْتَ عَنْيا، وَهِيَ القَرْيَةُ الَّتِي كانَتْ تَسْكُنُ فِيْها مَرْيَمُ وَأُختُها مَرْثا. 2 وَمَرْيَمُ هِيَ أُختُ لِعازَرَ المَرِيْضِ، وَهِيَ المَرْأةُ الَّتِي مَسَحَتْ قَدَمَيِّ الرَّبِّ بِالعِطْرِ وَنَشَّفَتْهُما بِشَعْرِها. 3 فَأرْسَلَتِ الأُختانِ إلَى يَسُوعَ شَخْصاً يَقُولُ لَهُ: «يا سَيِّدُ، ها إنَّ الَّذِي تُحِبُّهُ مَرِيْضٌ.»
4 فَلَمّا سَمِعَ يَسُوعُ ذَلِكَ قالَ: «لَنْ يَنتَهِيَ هَذا المَرَضُ بِالمَوْتِ، لَكِنَّهُ لِمَجْدِ اللهِ، وَلِكَيْ يَتَمَجَّدَ ابْنُ اللهِ بِواسِطَتِهِ.»
5 وَكانَ يَسُوعُ يُحِبُّ مَرْثا وَأُختَها وَلِعازَرَ. 6 فَلَمّا سَمِعَ أنَّ لِعازَرَ مَرِيْضٌ، مَكَثَ يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ حَيْثُ كانَ. 7 بَعْدَ ذَلِكَ قالَ لِتَلامِيْذِهِ: «لِنَرْجِعْ إلَى اليَهُودِيَّةِ.»
8 فَقالَ لَهُ تَلامِيْذُهُ: «يا مُعَلِّمُ، لَقَدْ حاوَلَ اليَهُودُ أنْ يَرْجُمُوكَ فِي ذَلِكَ المَكانِ مُنْذُ مُدَّةٍ قَصِيْرَةٍ، فَكَيْفَ تَرْجِعُ إلَى هُناكَ؟»
9 أجابَ يَسُوعُ: «ألَيْسَتْ ساعاتُ النَّهارِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ؟ فَإنْ سارَ أحَدٌ فِي النَّهارِ، فَإنَّهُ لا يَتَعَثَّرُ لِأنَّهُ يَرَى نُورَ هَذا العالَمِ. 10 أمّا إنْ سارَ أحَدٌ لَيلاً، فَإنَّهُ يَتَعَثَّرُ لِأنَّهُ بِلا نُورٍ.»
11 ثُمَّ قالَ لَهُمْ: «لَقَدْ نامَ صَدِيْقُنا لِعازَرُ، لَكِنِّي سَأذْهَبُ لِكَيْ أُوقِظَهُ.»
12 فَقالَ لَهُ تَلامِيْذُهُ: «يا رَبُّ، إنِ اسْتَطاعَ أنْ يَنامَ، فَسَيَتَعافَى.» 13 وَكانَ يَسُوعُ يَتَحَدَّثُ عَنْ مَوْتِ لِعازَرَ، لَكِنَّهُمْ ظَنُّوا أنَّهُ كانَ يَتَحَدَّثُ عَنِ النَّوْمِ الطَّبِيْعِيِّ.
14 فَقالَ لَهُمْ يَسُوعُ بِوُضُوحٍ: «ماتَ لِعازَرُ. 15 وَأنا سَعِيْدٌ لِأنِّي لَمْ أكُنْ هُناكَ، وَذَلِكَ لِكَيْ تُؤْمِنُوا أنتُمْ. فَلْنَذْهَبِ الآنَ إلَيْهِ.»
16 فَقالَ تُوما، وَيَعْنِي اسْمُهُ «التَّوْأمَ،» لِبَقِيَّةِ التَّلامِيْذِ: «دَعُونا نَذْهَبُ نَحنُ أيضاً لِكَيْ نَمُوتَ مَعَ السَّيِّدِ.»
يَسُوعُ فِي قَرْيَةِ بَيْتِ عَنْيا
17 فَذَهَبَ يَسُوعُ وَوَجَدَ أنَّهُ قَدْ مَضَتْ عَلَى لِعازَرَ أربَعَةُ أيّامٍ فِي القَبْرِ. 18 وَلَمْ تَكُنْ قَرْيَةُ بَيْتَ عَنْيا تَبْعُدُ عَنْ مَدِيْنَةِ القُدْسِ إلّا نَحوَ مِيلَينِ. 19 فَجاءَ كَثِيْرٌ مِنَ اليَهُودِ إلَى مَرْثا وَمَرْيَمَ لِيُعَزُّوهُما عَنْ أخِيْهِما.
20 فَلَمّا سَمِعَتْ مَرْثا أنَّ يَسُوعَ قَدْ جاءَ، ذَهَبَتْ لاسْتِقْبالِهِ. أمّا مَرْيَمُ فَبَقِيَتْ فِي البَيْتِ. 21 فَقالَتْ مَرْثا لِيَسُوعَ: «لَوْ كُنْتَ هَنُا يا سَيِّدُ لَما ماتَ أخِي، 22 لَكِنِّي أعرِفُ الآنَ أيضاً أنَّ اللهَ يُعطِيْكَ كُلَّ ما تَطلُبُهُ مِنْهُ.»
23 فَقالَ لَها يَسُوعُ: «سَيَقُومُ أخُوكِ مِنَ المَوْتِ.»
24 فَقالَتْ لَهُ مَرْثا: «أنا أعرِفُ أنَّهُ سَيَقُومُ مِنَ المَوْتِ فِي القِيامَةِ، فِي اليَوْمِ الأخِيْرِ.»
25 فَقالَ لَها يَسُوعُ: «أنا هُوَ القِيامَةُ وَالحَياةُ. مَنْ يُؤْمِنُ بِي، وَإنْ ماتَ، فَسَيَحيا ثانِيَةً. 26 وَكُلُّ مَنْ يَحيا مُؤْمِناً بِي، فَلَنْ يَمُوتَ أبَداً. أتُؤْمِنِيْنَ بِهَذا؟»
27 قالَتْ لَهُ: «نَعَمْ يا رَبُّ، أُومِنُ بِأنَّكَ المَسِيْحُ ابْنُ اللهِ الآتِي إلَى هَذا العالَمِ.»
28 وَبَعْدَ أنْ قالَتْ هَذا، ذَهَبَتْ وَنادَتْ أُختَها مَرْيَمُ وَقالَتْ لَها سِرّاً: «المُعَلِّمُ هُنا، وَهُوَ يَسْألُ عَنْكِ.» 29 فَلَمّا سَمِعَتْ مَرْيَمُ هَذا، قامَتْ مُسْرِعَةً وَذَهَبَتْ إلَيْهِ. 30 وَلَمْ يَكُنْ يَسُوعُ قَدْ دَخَلَ القَرْيَةَ بَعْدُ، بَلْ كانَ ما يَزالُ فِي المَكانِ الَّذِي لاقَتْهُ فِيْهِ مَرْثا. 31 وَكانَ بَعضُ اليَهُودِ مَعَ مَرْيَمَ فِي البَيْتِ يُعَزُّونَها. فَلَمّا رَأَوْا أنَّها قامَتْ وَخَرَجَتْ مِنَ البَيْتِ مُسْرِعَةً، لَحِقُوا بِها. فَقَدْ ظَنُّوا أنَّها ذاهِبَةٌ إلَى القَبْرِ لِتَبْكِيَ هُناكَ. 32 وَحِيْنَ وَصَلَتْ مَرْيَمُ إلَى حَيْثُ كانَ يَسُوعُ وَرَأتْهُ، وَقَعَتْ عِنْدَ قَدَمَيْهِ وَقالَتْ لَهُ: «لَوْ كُنْتَ هُنا يا سَيِّدُ لَما ماتَ أخِي.»
33 فَلَمّا رَآها يَسُوعُ تَبْكِي هِيَ وَاليَهُودُ الَّذِيْنَ جاءُوا مَعَها، تَأثَّرَ فِي رُوحِهِ وَتَضايَقَ.
34 ثُمَّ قالَ: «أيْنَ دَفَنْتُمُوهُ؟»
فَقالُوا لَهُ: «تَعالَ وَانظُرْ يا سَيِّدُ.»
35 فَبَكَى يَسُوعُ.
36 فَقالَ بَعضُ اليَهُودِ: «انظُرُوا كَمْ كانَ يُحِبُّهُ!»
37 وَقالَ بَعضُهُمْ: «أما كانَ بِإمْكانِ الَّذِي أعطَى الأعمَى بَصَراً أنْ يَحفَظَ لِعازَرَ مِنَ المَوْتِ؟» فَتَأثَّرَ يَسُوعُ فِي نَفْسِهِ ثانِيَةً.
38 ثُمَّ اقْتَرَبَ مِنَ القَبْرِ، وَكانَ القَبْرُ مَغارَةً تَسُدُّ بابَها صَخْرَةٌ. 39 فَقالَ يَسُوعُ: «أزِيْحُوا هَذِهِ الصَّخْرَةَ.»
فَقالَتْ مَرْثا أُختُ المَيِّتِ: «سَتَكُونُ رائِحَتُهُ كَرِيْهَةً يا سَيِّدُ، فَقَدْ مَضَتْ عَلَيْهِ أربَعَةُ أيّامٍ.
40 فَقالَ لَها يَسُوعُ: «ألَمْ أقُلْ لَكِ إنْ آمَنْتِ فَسَتَرَيْنَ مَجْدَ اللهِ؟»
41 ثُمَّ أزاحُوا الصَّخْرَةَ، فَرَفَعَ يَسُوعُ عَيْنَيْهِ وَقالَ: «أيُّها الآبُ، أشْكُرُكَ لِأنَّكَ سَمِعْتَ لِي. 42 وَأنا أعرِفُ أنَّكَ دائِماً تَسْمَعُ لِي، لَكِنِّي تَكَلَّمْتُ مِنْ أجلِ هَؤُلاءِ النّاسِ لِكَيْ يُؤْمِنُوا بِأنَّكَ أنتَ أرْسَلْتَنِي.» 43 وَبَعْدَ أنْ قالَ هَذا، نادَى بِصَوْتٍ مُرْتَفِعٍ: «يا لِعازَرُ، اخرُجْ!» 44 فَخَرَجَ المَيِّتُ وَقَدْ رُبِطَتْ يَداهُ وَرِجلاهُ بِقُماشِ الأكفانِ، وَكانَ وَجهُهُ مَلْفُوفاً بِمِنْدِيلٍ.
فَقالَ يَسُوعُ: «حُلُّوهُ وَدَعُوهُ يَذْهَبْ.»(يوحنا 11: 1- 44)
     أمِلَت الشقيقتان أن يأتي عيسى المسيح بسرعة ليشفي شقيقهما. لكنّ عيسى المسيح قام بتأخير رحلته وكانت غايته من ذلك أن يدَع لعازر يموت، ولم يتمكّن أحد من فهم سبب قيامه بذلك. ولكن في هذه الحالة يمكننا أن نرى ما في قلبه ونعرف أنّه كان غاضبًا. ولكن مِمَّن كان غاضبًا؟ الشقيقتان؟ الجمع؟ التلاميذ؟ لعازر؟ كلاّ، كان غاضبًا من الموت نفسه. كانت هذه إحدى مرّتَين فقط  ذُكِرَ فيهما أنّ عيسى المسيح قد بكى. لماذا بكى؟ لأنّه رأى صديقه وقد غيَّبه الموت. لقد أثار الموت غضب النبيّ وكذلك جعله يبكي.
     إنّ شفاء المرضى، بقدر ما هو أمرٌ جيِّدٌ، فإنّه لا يؤدّي إلّا إلى تأجيل موتهم. سواءٌ شفوا أم لا، فإنّ الموت يأخذ الجميع في نهاية المطاف، سواءٌ أكانوا صالحين أو طالحين، رجالاً أو نساءً، شيبةً أو شبّانًا، متديِّنين أو غير متديِّنين. كان هذا هو الواقع منذ آدم الذي، وفقًا لما جاء في التوراة والقرآن الكريم، قد أصبح فانيًا بسبب عصيانه. وبذلك أصبحت ذريَّته كلّها، بمن فيهم أنت وأنا، رهينةً لدى العدوّ – الموت. إنّنا نشعر أمام الموت أنّه لا يوجد أمل ولا جواب. عندما يتعلَّق الأمر بالمرض فقط، يظلُّ الأمل موجودًا، وهذا هو السبب في أنّ أُختَي لعازر كان لديهما أملٌ في شفائه. ولكنهما فقدتا الأمل حين مات. وهذا هو الحال أيضًا بالنسبة إلينا. في المستشفى يكون هناك بعض الأمل، ولكن في الجنازة لا يكون هناك أيّ أمل. إنّ الموت هو عدوّنا النهائي. إنّه العدوّ الذي جاء عيسى المسيح ليهزمه لأجلنا، ولهذا أعلن للأُختَين:
‘‘أنا هو القيامة والحياة’’. (يوحنا 11: 25)
     جاء عيسى المسيح (عليه السلام) ليُحطِّم الموت ويُعطي الحياة لجميع الذين يرغبون في ذلك. لقد أظهر سلطته في هذه المهمّة من خلال إقامة لعازر علانيةً من الموت. وكان ذلك بمثابة عرضٍ ليقوم بالأمر نفسه لجميع الذي يريدون الحياة بدلاً من الموت.

ردود الفعل على ما قام به النبيّ

ردود الفعل على ما قام به النبيّ     على الرغم من أنّ الموت هو العدوّ النهائي لجميع الناس، فإنّ الكثيرين منّا محاصرون ‘بأعداء’ أصغر نتيجة الصراعات المستمرّة (السياسيّة والدينيّة والعُرقيّة، وما إلى ذلك) الدائرة مع آخرين من حولنا طوال الوقت. وهذا كان ما يجري أيضًا في زمن عيسى المسيح. يمكننا أن نرى من ردود فعل الشهود على هذه المعجزة، الشواغل الرئيسة لمختلف الأشخاص الذي كانوا يعيشون في ذلك الوقت. في ما يلي ردود الفعل المختلفة المسجَّلة.
45 فَآمَنَ بِيَسُوعَ كَثِيْرُونَ مِنَ اليَهُودِ الَّذِيْنَ جاءُوا مَعَ مَرْيَمَ وَرَأَوْا ما فَعَلَ. 46 لَكِنَّ جَماعَةً مِنْهُمْ ذَهَبُوا إلَى الفِرِّيْسِيِّيْنَ وَأخبَرُوهُمْ بِما فَعَلَ يَسُوعُ. 47 فَدَعا كِبارُ الكَهَنَةِ وَالفِرِّيْسِيُّونَ إلَى عَقْدِ المَجلِسِ اليَهُودِيِّ، وَقالُوا: «ماذا سَنَفْعَلُ؟ فَهَذا الرَّجُلُ يَصْنَعُ مُعْجِزاتٍ كَثِيْرَةً! 48 فَإذا تَرَكْناهُ، سَيُؤْمِنُ بِهِ الجَمِيعُ. وَسَيَأْتِي الرُّومانُ وَيُدَمِّرُونَ هَيْكَلَنا وَشَعبَنا.»
49 وَكانَ رَئِيْسُ الكَهَنَةِ فِي تِلْكَ السَّنَةِ هُوَ قِيافا، وَهُوَ واحِدٌ مِنْهُمْ. فَقالَ لَهُمْ: «أنتُمْ لا تَعْرِفُونَ شَيْئاً! 50 وَلا تُدْرِكُونَ أنَّهُ لِمَصلَحَتِنا أنْ يَمُوتَ رَجُلٌ واحِدٌ عَنِ الشَّعبِ. فَهَذا أفْضَلُ مِنْ أنْ تَمُوتَ الأُمَّةُ بِكامِلِها.»
51 وَكانَتْ هَذِهِ نُبُوَّةً بِأنَّ يَسُوعَ سَيَمُوتُ عَنِ الأُمَّةِ. وَلَمْ يَكُنْ قِيافا يَعلَمُ ذَلِكَ، لَكِنَّهُ تنَبَّأ بِذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ رَئِيْسَ الكَهَنَةِ فِي تِلْكَ السَّنَةِ. 52 وَلَيْسَ أنَّ يَسُوعَ سَيَمُوتُ عَنِ اليَهُودِ فَحَسْبُ، بَلْ أيضاً لِيَجمَعَ كُلَّ أولادِ اللهِ المُتَفَرِّقِيْنَ فِي شَعبٍ واحِدٍ.
53 وَمُنْذُ ذَلِكَ اليَوْمِ، بَدَأُوا يُخَطِّطُونَ لِقَتلِهِ. 54 فَلَمْ يَعُدْ يَسُوعُ يَتَنَقَّلُ بَيْنَ اليَهُودِ عَلانِيَةً، لَكِنَّهُ ذَهَبَ إلَى بَلْدَةٍ قَرِيْبَةٍ مِنَ البَرِّيَّةِ تُدْعَى أفْرايِمُ، وَأقامَ هُناكَ مَعَ تَلامِيْذِهِ.
55 وَكانَ عِيْدُ الفِصْحِ اليَهُودِيِّ قَدِ اقْتَرَبَ، فَذَهَبَ كَثِيْرُونَ مِنَ الرِّيْفِ إلَى مَدِيْنَةِ القُدْسِ قَبلَ الفِصْحِ لِيُطَهِّرُوا أنفُسَهُمْ. 56 وَكانُوا يَبْحَثُونَ عَنْ يَسُوعَ. وَبَيْنَما هُمْ واقِفُونَ فِي ساحَةِ الهَيْكَلِ، أخَذُوا يَتَساءَلُونَ فِيْما بَيْنَهُمْ: «ماذا تَظُنُّونَ؟ ألَنْ يَأْتِيَ إلَى العِيْدِ؟» 57 وَكانَ كِبارُ الكَهَنَةِ وَالفِرِّيْسِيُّونَ قَدْ أصْدَرُوا أوامِرَهُمْ بِأنَّ عَلَى كُلِّ مَنْ يَعْرِفُ مَكانَ يَسُوعَ أنْ يُبَلِّغَ عَنْهُ، لِكَيْ يَقْبِضُوا عَلَيْهِ.
        إذن، ارتفعت حدّة التوتُّر. لقد أعلن عيسى المسيح (عليه السلام) أنّه ‘الحياة’ و ‘القيامة’ وأنّه سيهزم الموت نفسه. كان ردّ القادة اليهود بالتآمر لقتله. لقد آمن به كثيرون، لكنّ آخرين كُثُر لم يعرفوا ما الذي يصدِّقونه. قد يكون أمرًا يستحقُّ الاهتمام عند هذه النقطة أن نسأل أنفسنا، إذا ما كنّا شهودًا على إقامة لعازر من الموت، فما الذي كنّا لنختار القيام به. هل كنّا سنكون مثل الفرّيسيّين ونركِّز على صراعٍ ما سرعان ما سيطويه النسيان في التاريخ ونفقد عرض القيامة من الموت؟ أو سوف ‘نؤمن’ به ونضع رجاؤنا في عرض القيامة الذي قدّمه، حتى ولو لم نفهمه كلّه؟ إنّ ردود الفعل التي وردت آنذاك في الإنجيل، هي ردود الفعل نفسها التي يُبديها اليوم أشخاصٌ مختلفون على العرض الذي قدّمه.
     يتزايد هذا الجدل مع اقتراب الاحتفال بعيد الفصح – وهو الاحتفال نفسه الذي بدأه النبيّ موسى (عليه السلام) قبل 1500 سنة كآيةٍ على التغلُّب على الموت. يواصل الإنجيل إظهار كيف قرّر النبي عيسى المسيح (عليه السلام) إنجاز مهمّته المتمثِّلة في هزيمة الموت.

النبيّ عيسى المسيح (عليه السلام) و آية النبيّ يونان

لقد رأينا كيف سجَّل الإنجيل تعاليم النبيّ عيسى المسيح (عليه السلام) وشفاءه المرضى و معجزاته . في كثيرٍ من الأحيان، كان يدعو الذين يستمعون إليه (ويدعونا نحن) إلى قبول ما يقدّمه. لقد أعطانا ‘الماء الحيّ’، الرحمة للخُطاة، العثور على ‘الضالّين’، ودعا جميع الذين كانوا راغبين في دخول ‘ملكوت الله.

لقد أربكَت هذه التعاليم القادة الدينيّين في ذلك الوقت. وقد تساءلوا بشكلٍ خاص عن السلطة المُعطاة له لكي يتكلّم على هذا النحو. على سبيل المثال، هل كان حقًّا يملك السلطةً ليقدِّم رحمة الله للأشخاص المذنبين، والسلطة ليدفع عن الجميع ثمن الدخول إلى ملكوت الله؟ ولذلك طلبَ منه القادة الدينيّون (الذين يشبهون الأئمّة اليوم) أن يُعطيهم آيةً للبرهان على سلطته. يُسجِّل الإنجيل هذا الحوار:

يُشيرُ عيسى إلى آية يونس

قادَةُ اليَهُودُ يَطلُبُونَ بُرهاناً

38 ثُمَّ طَلَبَ مِنْهُ بَعضُ مُعَلِّمِي الشَّرِيعَةِ وَالفِرِّيسِيُّونَ وَقالوا: «يا مُعَلِّمُ، نُرِيدُ أنْ نَرَى مَنْكَ بُرهاناً مُعْجِزيّاً.»

39 فَأجابَهُمْ: «هَذا الجِيلُ الشِّرِّيرُ الفاسِقُ يَبحَثُ عَنْ بُرهانٍ لِكَي يُؤمِنَ. وَلَنْ يُعطَى إلّا بُرْهانَ النَّبِيِّ يُونانَ. 40 فَكَما أنَّ يُونانَ بَقِيَ فِي بَطنِ السَّمَكَةِ الكَبِيرَةِ ثَلاثَةَ أيّامٍ وَثَلاثَ لَيالٍ، هَكَذا سَيَبقَى ابْنُ الإنسانِ فِي جَوفِ الأرْضِ ثَلاثَةَ أيّامٍ وَثَلاثَ لَيالٍ. 41 سَيَقِفُ أهلُ نِينَوَى يَومَ الدَّينُونَةِ ضِدَّ هَذا الجِيلِ، وَسَيَدِينُونَهُ لأنَّهُمْ تابُوا إذْ سَمِعوا تَحذِيْرَ يُونانَ. وَالآنَ هُنا أمامَكُمْ مَنْ هُوَ أعظَمُ مِنْ يُونانَ.

(متى 12: 38-41)

تاريخ النبيّ يونس

  أجاب عيسى المسيح (عليه السلام) بأن أشار إلى النبيّ يونس. يمكنكم أن تروا في الجدول الزمني أدناه أنّ النبيّ يونس عاش ما يقرب من 800 سنة قبل النبيّ عيسى المسيح.

النبيّ يونس (يونان) في الجدول التاريخي الزمني
النبيّ يونس (يونان) في الجدول التاريخي الزمني

النبيّ يونس في القرآن الكريم

تبَ النبيّ يونس (عليه السلام) سفرًا هو من الكتابات النبويّة. يُلخِّص القرآن الكريم ما كتبه على هذا النحو:

وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ {139}
إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ {140}
فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ {141}
فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ {142}
فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ {143}
لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ {144}
فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ {145}
وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ {146}
وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ {147}
فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ {148}

aS-Saaffaat (سورة الصافّات 37: 139-148)

ابتلعَ حوتٌ ضخمٌ النبيّ يونس لأنّه هرب من المهمّة التي أعطاه الله إيّاها – أن يدعو أهل نينوى إلى التوبة (تقع اليوم بالقرب من مدينة الموصل في العراق). يقول العالم الإسلامي يوسف علي عن الآية 144 (‘كان ليبقى داخل جوفه [الحوت] إلى يوم القيامة’).

هذا مجرّد تعبيرٍ لُغويّ. كان هذا ليكون مدفن وقبر يونان. لو لم يكن قد تاب، لما كان بإمكانه الخروج من داخل المخلوق الذي كان قد ابتلعه إلى يوم القيامة عند قيامة جميع الموتى. (حاشية 4125 من ترجمة يوسف علي للقرآن الكريم).

بعبارةٍ أُخرى، كان وجوده داخل الحوت حكمًا بالإعدام ولن يتمّ الإفراج عنه عادةً إلاّ يوم القيامة.

النبيّ يونس بحسب ما دوّنه في سِفْره

      يقدّم سِفْر يونان في العهد القديم تفاصيل أكبر حول الوقت الذي قضاه في جوف الحوت. يقول لنا ما يلي:

تَكَلَّمَ اللهُ بِكَلِمَتِهِ لِيُونانَ بْنِ أمِتّايَ، فَقالَ:

«قُمْ وَاذْهَبْ حالاً إلَى المَدِينَةِ الكَبيرَةِ نِينَوَى، وَبَلِّغْ أهلَها أنَّنِي أعلَمُ بِالشُّرُورِ الَّتِي يَصنَعُونَها.»

لَكِنَّ يُونانَ انطَلَقَ لِيَهرُبَ إلَى تَرْشِيشَ بَعِيداً عَنْ وَجهِ اللهِ. فَنَزَلَ إلَى يافا، حَيثُ وَجَدَ سَفِينَةً ذاهِبَةً إلَى تَرْشِيشَ. فَدَفَعَ أُجرَتَها وَرَكِبَ السَّفِينَةَ لِيَذهَبَ مَعَهُمْ إلَى تَرْشِيشَ بَعِيداً عَنْ وَجهِ اللهِ.

فَأرسَلَ اللهُ رِيحاً قَوِيَّةً عَلَى البَحرِ. فَحَدَثَتْ عاصِفَةٌ شَدِيدَةٌ، وَبَدا أنَّ السَّفِينَةَ سَتَتَحَطَّمُ. فَخافَ البَّحارَةُ وَصَلَّى كُلٌّ مِنهُمْ لإلَهِهِ طَلَباً لِلعَونِ. وَألقَوْا بِالبِضاعَةِ الَّتِي فِي السَّفِينَةِ إلَى البَحرِ لِتُصبِحَ السَّفِينَةُ أخَفَّ، فَلا تَغْرَقَ.

وَفِي هَذَهِ الأثناءِ، نَزَلَ يُونانُ إلَى داخِلِ السَّفِينَةِ، وَاستَلقَى هُناكَ وَنامَ نَوماً عَمِيقاً. فَجاءَ القُبطانُ إلَى يُونانَ وَقالَ لَهُ: «لِماذا أنتَ نائِمٌ؟ قُمْ وَصَلِّ لإلَهِكَ، فَقَدْ يَلتَفِتُ إلَينا، فَلا نَمُوتُ.»

ثُمَّ قالَ البَحّارَةُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: «لِنُلْقِ قُرعَةً بَينَنا، لِنَعلَمَ مَنْ سَبَّبَ لَنا هَذِهِ المِحنَةَ.» فَأجرُوا قُرعَةً، وَوَقَعَتِ القُرْعَةُ عَلَى يُونانَ. فَقالُوا لَهُ: «أخْبِرنا مَنْ هُوَ سَبَبُ هَذِهِ المِحنَةِ؟ ما هُوَ عَمَلُكَ؟ وَمِنْ أيْنَ أتَيْتَ؟ مِنْ أيِّ بَلَدٍ أنْتَ وَمَنْ هُمْ قَومُكَ؟»

فَقالَ لَهُمْ يُونانُ: «أنا عِبرانِيٌّ، أعبُدُ اللهَ، إلَهَ السَّماءِ، خالِقَ البَحرِ وَاليابِسَةِ.»

10 فَخافَ الرِّجالُ خَوفاً شَدِيداً وَقالُوا لَهُ: «ما الَّذِي فَعَلْتَهُ؟» لأنَّهُمْ عَلِمُوا أنَّهُ هارِبٌ مِنْ وَجهِ اللهِ، كَما أخبَرَهُمْ.

11 ثُمَّ قالُوا: «ماذا نَفعَلُ بِكَ لِيَهدَأَ البَحرُ؟» لأنَّ البَحرَ أصْبَحَ أكثَرَ هَيَجاناً.

12 فَقالَ: «ألقُوا بِي إلَى البَحْرِ فَيَهدَأَ، لأنَّ هَذِهِ العاصِفَةَ كُلَّها بِسَبَبِي.»

13 لَكِنَّ الرِّجالَ حاوَلُوا أنْ يُجَدِّفُوا عائِدِينَ إلَى اليابِسَةِ، فَلَمْ يَستَطِيعُوا، لِأنَّ البَحرَ أصْبَحَ أكثَرَ هَيَجاناً.

14 فَصَلُّوا إلَى اللهِ وَقالُوا: «يا اللهُ، لا تُحَمِّلنا ثَمَنَ حَياةِ هَذا الرَّجُلِ، وَمَسؤُولِيَّةَ قَتلِ رَجُلٍ بَرِيءٍ، لأنَّكَ أنْتَ تَفْعَلُ ما تَشاءُ.»

15 ثُمَّ أمسَكُوا بِيُونانَ وَألقَوْا بِهِ فِي البَحرِ، فَهَدَأَ البَحرُ حالاً. 16 وَخافَ الرِّجالُ اللهَ خَوْفاً عَظِيماً، وَذَبَحُوا لَهُ وَقَطَعُوا عُهُوداً.

17 ثُمَّ أرسَلَ اللهُ سَمَكَةً كَبِيرَةً لِتَبتَلِعَ يُونانَ، وَمَكَثَ يُونانُ فِي بَطنِ السَّمَكَةِ ثَلاثَةَ أيّامٍ وَثَلاثَ لَيالٍ.

صَلاةُ يُونان

وَمِنْ جَوْفِ السَّمَكَةِ، صَلَّى يُونانُ لإلَهِهِ، فَقالَ:

«دَعَوتُ اللهَ مِنْ ضِيقِيَ فَاسْتَجابَ لِي!
مِنْ أعماقِ الهاوِيَةِ صَرَختُ،
فَسَمِعْتَ صُراخِي.

«ألقَيتَ بِي فِي البَحرِ العَمِيقِ،
وَفِي قَلبِ البَحرِ أحاطَتْ بِي التَّيّاراتُ،
وَجَمِيعُ أمواجِكَ الهادِرَةِ فَوْقِي.
عِندَئِذٍ قُلْتُ لِنَفسِي:
‹ها إنَّنِي قَدْ طُرِدتُ بَعِيداً عَنْ عَينَيكَ،
لَكِنَّنِي سَأنظُرَ نَحوَ هَيكَلِكَ المُقَدَّسِ مِنْ جَدِيدٍ.›

«أغلَقَتِ المِياهُ عَلَيَّ،
وَالبَحرُ العَمِيقُ غَمَرَنِي.
عُشبُ البَحرِ التَفَّ حَولَ رَأسِي.
نَزَلتُ إلَى أساساتِ الجِبالِ،
وَانْحَدَرتُ إلَى أعْماقِ الأرْضِ،
فَظَنَنْتُ أنَّهُ أُغلِقَ وَرائِي إلَى الأبَدِ.
لَكِنَّكَ أقَمتَ حَياتِي مِنَ القَبرِ،
يا إلَهِي.

«عِندَما تَعِبْتُ وَفَقَدْتُ كُلَّ أمَلٍ،
تَذَكَرتُ اللهَ،
وَارتَفَعَتْ صَلاتِي إلَيكَ فِي هَيكَلِكَ المُقَدَّسِ.

«الَّذِينَ يَعبُدُونَ الأصنامَ التّافِهَةَ،
يَتَخَلَّوْنَ عَنْ مَحَبَّتِهِمْ لَكَ.
أمّا أنا فَسَأُسَبِّحُكَ وَأحمَدُكَ وَأذبَحُ لَكَ،
وَأُوفِي بِنُذُورِي لَكَ.
فَمِنَ اللهِ يَأتِي خَلاصِي.»

10 عِنْدَئِذٍ أمَرَ اللهُ السَّمَكَةَ فَألْقَتْهُ إلَى اليابِسَةِ.

ما هي ‘آية يونان’؟

      نحن نتوقَّع عادةً أنّه حين يتمّ تحدّي سلطةً شخصٍ ما، كما هو الحال في سلطة النبيّ عيسى المسيح (عليه السلام)، فسيكون ردّه بإظهار القوّة أو الانتصار أو النجاح. لكنّ عيسى المسيح دافع عن سلطته من خلال الإشارة إلى النبي يونان حين بقي 3 أيام ‘في عالم الموتى’ – ‘جَوف’ أو قبر. خلال هذا الوقت، منذ أن عصى يونان أمر الله فقد أصبح، ‘طُرِدْتُ مِنْ أَمَامِ عَيْنَيْكَ’ أيّ من مرأى الله. إنّ واقعة وجود يونان في قبضة الموت مدّة 3 أيام في أعماقٍ مُظلمة، مطرودًا من الله هو برهانٌ مُدهشٌ على السلطة التي من الله. لماذا يستخدم عيسى المسيح آيةً لا يبدو أنها تثبِّت سلطته كنبيٍّ مُؤيّدٍ من الله، بل بالأحرى كنبيٍّ يؤدّبه الله ويُعاقبه كما كان الأمر بالنسبة إلى يونان في جوف الحوت؟

ولكن ليست هذه المرّة الأولى التي نواجه فيها الضعف والموت كآيةٍ من الله. لقد رأينا أنّ النبيّ أشعياء قد تنبَّأ بالخادم القادم. وتنبّأ أشعياء بأنّ هذا الخادم سيكون ‘مُحتَقَرًا’ و ‘مخذولٌ من الناس’ و ‘محسوبٌ مضروبًا من الله’ وسيكون وكأنّه ‘قُطِعَ من أرض الأحياء’ و ‘جُعِلَ مع الأشرار قبره’. هذا يبدو شبيهًا إلى حَدٍّ بعيدٍ بما عاناه يونان. الأكثر غرابةً من ذلك هو أنّ ‘الربُّ سُرَّ بأن يسحقه (الخادم)’’. على الرغم من أنّنا قد لا نفهم سبب اختيار عيسى المسيح (عليه السلام) آية يونان (يونس) للدفاع عن سلطته، إلّا أنّ هذا ليس حدثًا معزولًا.

الفكرة التي تجعلنا نفهم ذلك هي الطريقة التي أنهى بها يونان صلاته وهو في جوف الحوت. كانت العبارة الأخيرة في صلاته هي ‘‘جاء الخلاصُ من الربّ’’. لقد رأينا وجه الشبه بين اسم ‘يسوع’ و ‘يشوع وأنّ ذلك كان نبوءة الغصن القادم. ولكن ما معنى اسم يشوع؟ إنّه يعني باللغة العبريّة ‘‘الربُّ يُخلِّص’. اعترف النبيّ يونان في صلاته بأنّه (وبأنّنا) نحتاج إلى أن ‘نخلص’ وبأنّ الربّ هو الذي بيده الخلاص. أعلنت حقيقته ذات الوجهَين عن كلٍّ من حاجتنا إلى (الخلاص) وعن أنّ الله وحده هو مَن يُخلِّص. إنّ اسم عيسى المسيح (Yhowshuwa بالعبريّة) لديه حرفيًّا الحقيقة نفسها التي اعترف بها يونان أخيرًا وهو في الحوت، بما أنّ اسم يسوع/يشوع يعني ‘الرب يُخلِّص’

ختمَ النبيّ عيسى المسيح حديثه مع القادة الدينيّين بتذكيرهم بأنّ شعب نينوى (المدينة التي أُرسِلَ إليها النبيّ يونس ليعظ أهلها) قد آمن وتاب بفضل رسالة يونان –  لكنّ القادة الدينيّين اليهود الذين استمعوا إلى عيسى المسيح لم يكونوا راغبين في التوبة. كان هؤلاء القادة غير راغبين في الاعتراف بحاجتهم إلى الخلاص.  ينبغي أن نقوم بفحص قلوبنا كي نعرف ما إذا كنّا كرجال نينوى (الذين تابوا) أو كالقادة (الذين لم يتوبوا). أيّ الاثنين هو أنت؟

نواصل تتبُّع عيسى المسيح لنرى بشكلٍ أكثر وضوحًا ما تعنيه آية يونان وكيف ‘يقوم الربّ بعمل الخلاص’ بينما تشارف مهمّة عيسى المسيح على نهايتها.

النبيّ عيسى المسيح (عليه السلام) ذهب إلى ‘الحَجِّ’

إنّنا جميعًا على اطّلاعٍ على مسألة الحجّ لأنّ الاحتفال به كلّ عام يتمُّ عندما يؤدّي المسلمون شعائر العبادة المفروضة في حجِّهم إلى مكّة. وما هو معروف بشكلٍ أقلّ هو أنّ شريعة موسى (عليه السلام) التي تلقّاها قبل 3500 سنة، تطلَّبَت من المؤمنين اليهود في ذلك الوقت أن يقوموا بالحجِّ المقدَّس إلى أورشليم (القدس) كلّ عام. وكان يُطلَق على مثل هذا الحجّ عيد المظال (أو سوكوت Sokkot). وهذا الحجّ الذي أمر به النبي موسى (عليه السلام) لديه العديد من نقاط التشابُه مع الحجّ الذي نعرفه اليوم. على سبيل المثال، كان كلًّا من حَج اليهود وحجّ المسلمين يجري خلال أسبوعٍ محدَّدٍ من التقويم العبري والهجري، وتضمَّن كلاهما تقديم أُضاحي من الحيوانات، كما تضمَّن كلاهما الحصول على مياهٍ خاصّة، والنوم في العراء، والطواف سبع مرّاتٍ حول بناءٍ مقدَّسٍ. بمعنى ما، كان عيد المظال بمثابة الحجّ بالنسبة إلى اليهود.في الواقع، لا يزال اليهود اليوم يحتفلون بعيد المظال ولكن بطريقةٍ مختلفةٍ بعض الشيء بما أنّ هيكلهم في أورشليم قد دُمِّر من قِبَل الرومان سنة 70 ميلاديّة.

يسجِّل الإنجيل كيف قام النبيّ عيسى (عليه السلام) بالحجِّ بمناسبة هذا العيد في إحدى السنوات – ‘حجَّه’. سوف أُعيد رواية القصّة مع بعض الإيضاحات عند الاقتضاء.

ذهاب يسوع إلى عيد المِظال

7 بَعْدَ ذَلِكَ بَدَأ يَسُوعُ يَتَنَقَّلُ فِي إقلِيْمِ الجَلِيلِ. وَلَمْ يَشَأْ أنْ يَتَنَقَّلَ فِي إقلِيْمِ اليَهُودِيَّةِ. فَقَدْ كانَ اليَهُودُ يَسْعَوْنَ إلَى قَتلِهِ. 2 وَكانَ عِيدُ السَّقائِفِ اليَهُودِيِّ قَرِيْباً. 3 فَقالَ إخْوَةُ يَسُوعَ لَهُ: «اتْرُكْ هَذا المَكانَ، وَاذْهَبْ إلَى اليَهُودِيَّةِ لِكَيْ يَتَمَكَّنَ أتباعُكَ مِنْ أنْ يَرَوا الأعمالَ الَّتِي تَعْمَلُها. 4 إنْ كانَ أحَدٌ يَسْعَى إلَى الشُّهْرَةِ، فَإنَّهُ لا يَعْمَلُ ما يَعْمَلُهُ فِي السِّرِّ. فَإنْ كُنْتَ تَصْنَعُ هَذِهِ المُعجِزاتِ حَقّاً، أظهِرْ نَفْسكَ لِلعالَمِ.» 5 إذْ لَمْ يَكُنْ حَتَّى إخْوَتُهُ يُؤْمِنُونَ بِهِ.  (يوحنا 7: 1-5)

نرى في هذه الآيات أنّ إخوة النبيّ كانوا يعاملونه بسخرية لأنّهم لم يكونوا يؤمنون به. ولكن حدث أمرٌ ما في وقتٍ لاحقٍ أدّى إلى تغييرٍ في إخوته لأنّ اثنين منهم، يعقوب ويهوذا، كتبا في وقتٍ لاحقٍ رسالتَين (سُمِّيتا رسالتَي يعقوب و يهوذا) اللَّتَين هما جزءٌ من العهد الجديد (الإنجيل).

6 فَقالَ لَهُمْ يَسوْعُ: «لَمْ يَحِنِ الوَقْتُ المُلائِمُ لِيْ بَعْدُ، بَيْنَما الوَقْتُ مُلائِمٌ لَكُمْ دائِماً. 7 لا يَسْتَطِيْعُ العالَمُ أنْ يُبْغِضَكُمْ، لَكِنَّهُ يُبْغِضُنِي لِأنِّي أقُولُ إنَّ أعمالَهُ شِرِّيْرَةٌ. 8 اذْهَبُوا أنتُمْ إلَى العِيْدِ، أمّا أنا فَلَنْ أذهَبَ إلَى هَذا العِيْدِ الآنَ، لِأنَّ وَقْتِي لِمْ يَحِنْ بَعْدُ.» 9 وَبَعْدَ أنْ قالَ هَذا بَقِيَ فِي الجَلِيلِ.

10 وَعِنْدَما ذَهَبَ إخْوَتُهُ إلَى العِيْدِ، ذَهَبَ هُوَ أيْضاً. غَيْرَ أنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ عَلَناً بَلْ فِي الخَفاءِ. 11 فَكانَ اليَهُودُ يَبْحَثُونَ عَنْهُ فِي العِيْدِ وَيَسْألُونَ: «أيْنَ ذَلِكَ الرَّجُلُ؟»

12 وَكانَ هُناكَ هَمْسٌ كَثِيْرٌ عَنْهُ بَيْنَ النّاسِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: «هُوَ إنسانٌ صالِحٌ.» بَيْنَما قالَ آخَرُونَ: «لا بَلْ هُوَ يَخْدَعُ النّاسَ.» 13 غَيْرَ أنَّ أحَداً لَمْ يَتَحَدَّثْ عَنْهُ عَلَناً. فَقَدْ كانُوا يَخافُونَ مِنْ قادَةِ اليَهُودِ.

يَسُوعُ يُعَلِّمُ فِي مَدينَةِ القُدْس

14 وَلَمّا كانَ مُنْتَصَفُ العِيْدِ تَقْرِيْباً، ذَهَبَ يَسُوعُ إلَى ساحَةِ الهَيْكَلِ وَبَدَأ يُعَلِّمُ. 15 فَدُهِشَ اليَهُودُ وَقالُوا: «كَيْفَ لِهَذا الرَّجُلِ أنْ يَعْرِفَ كُلَّ هَذِهِ المَعْرِفَةِ دُونَ أنْ يَتَعَلَّمَ؟»

16 فَأجابَهُمْ يَسُوعُ: «ما أُعَلِّمُهُ لَيْسَ مِنِّي، بَلْ مِنَ الَّذِي أرْسَلَنِي. 17 فَإنْ أرادَ أحَدٌ مِنْكُمْ أنْ يَفْعَلَ ما يُرِيْدُهُ اللهُ، فَسَيَعْرِفُ إنْ كانَ تَعلِيْمِي مِنَ اللهِ أمْ مِنْ ذاتِي. 18 مَنْ يَتَكَلَّمُ مِنْ ذاتِهِ يَسْعَى إلَى تَمْجِيْدِ ذاتِهِ، أمّا الَّذِي يَسْعَى إلَى تَمْجِيْدِ مَنْ أرْسَلَهُ فَهُوَ صادِقٌ وَلَيْسَ فِيْهِ زِيْفٌ. 19 ألَمْ يُعْطِكُمْ مُوسَى الشَّرِيْعَةَ؟ لَكِنْ لا أحَدَ مِنْكُمْ يُطَبِّقُ تِلْكَ الشَّرِيْعَةَ. لِماذا تَسْعَوْنَ إلَى قَتلِي؟»

20 فَأجابَ النّاسُ: «فِيْكَ رُوحٌ شِرِّيْرٌ! فَمَنِ الَّذِي يَسْعَى إلَى قَتلِكَ؟»

21 فَقالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «صَنَعْتُ مُعْجِزَةً واحِدَةً يَوْمَ السَّبْتِ فَانْدَهَشْتُمْ جَمِيعاً! 22 لَكِنَّ مُوسَى أعطاكُمْ وَصِيَّةَ الخِتانِ، مَعَ أنَّ الخِتانَ جاءَ مِنْ آبائِكُمْ لا مِنْ مُوسَى. وَها أنتُمْ تَختِنُونَ الأطفالَ حَتَّى فِي يَوْمِ السَّبْتِ! 23 إذاً يُمْكِنُ لِلإنسانِ أنْ يُخْتَنَ يَوْمَ السَّبْتِ لِئَلّا تُكْسَرَ شَرِيْعَةُ مُوسَى. فَلِماذا تَغْضَبُونَ مِنِّي لِأنِّي شَفَيْتُ إنساناً بِكامِلِهِ يَوْمَ السَّبْتِ؟ 24 كُفُّوا عَنِ الحُكْمِ حَسَبَ المَظاهِرِ، وَاحْكُمُوا حَسَبَ ما هُوَ صَوابٌ حَقّاً.»

يَسُوعُ هُوَ المَسِيْح

25 فَقالَ بَعْضُ أهلِ القُدْسِ: «ألَيْسَ هَذا هُوَ الرَّجُلُ الَّذِي يَسْعُونَ إلَى قَتلِهِ؟ 26 لَكِنْ ها هُوَ يَتَحَدَّثُ عَلَناً، وَهُمْ لا يَعْمَلُونَ شَيْئاً لَهُ! ألَعَلَّ القادَةَ اقْتَنَعُوا بِأنَّهُ هُوَ المَسِيْحُ؟ 27 لَكِنَّنا نَعْرِفُ أصلَ هَذا الإنسانِ، أمّا حِيْنَ يَأْتِي المَسِيْحُ الحَقِيْقِيُّ، فَلَنْ يَعْرِفَ أحَدٌ مِنْ أيْنَ يَأْتِي.» (يوحنا 7: 6-27)

كما ترون، كان النقاش بين اليهود في ذلك الوقت هو ما إذا كان النبيّ عيسى (عليه السلام) هو المسيح (المسيّا) أم لا. كان الشعب اليهودي يعتقد أنّ المكان الذي سيأتي منه المسيح سيكون مجهولاً. ولأنّهم كانوا يعرفون من أين جاء عيسى، فقد اعتقدوا، بناءً على ذلك، أنّه لا يمكن أن يكون المسيح. فمن أين إذن جاءوا بهذا الاعتقاد الذي يقول بأنّ أصل المسيح لن يكون معروفًا؟ من التوراة؟ من كتابات الأنبياء؟ كلاّ على الإطلاق! لقد ذكر الأنبياء بوضوح من أيّ مكانٍ سيأتي المسيح. وقد كتب النبيّ ميخا (عليه السلام) في القرن السابع ق.م في الزبور ما يلي:

2 أمّا أنْتِ يا بَيْتَ لَحمَ الَّتِي فِي أفراتَةَ،
مَعَ أنَّكِ قَلِيلَةُ الأَهَمِّيَّةِ بَينَ مُدُنِ يَهُوذا،
لَكِنْ مِنْكِ سَيَخْرُجُ لِي
مَنْ يَرْعَى شَعبِي بَنِي إسْرائِيلَ،
وَتَعُودُ جُذُورُهُ إلَى الأيّامِ البَعِيدَةِ فِي الماضِي. (ميخا 5: 2)

لقد ذكرت هذه النبوءة (انظر المقال هنا لمزيدٍ من التفاصيل حول هذا الموضوع) أنّ الحاكم (= المسيح) سيأتي من بيت لحم. وقد رأينا في ولادة المسيح أنّه ولِدَ فعلاً في بيت لحم كما كانت هذه النبوءة قد توقَّعَت قبل 700 سنة من ولادته.

لقد كان اعتقاد اليهود الذي يقول بأنّ المكان الذي سيأتي منه المسيح سيكون غير معروفٍ هو مجرّد تقليدٍ دينيٍّ في ذلك الوقت. لقد أخطأوا في اعتقادهم لأنّهم لم يحكموا بما قد كتبه الأنبياء، بل حكموا، بدلاً من ذلك، بناءً على رأي الشارع، وأفكار زمانهم. يجب أن نحذر من ارتكاب الخطأ نفسه.

وتتابع القصّة

28 وَبَيْنَما كانَ يَسُوعُ يُعَلِّمُ فِي ساحَةِ الهَيْكَلِ، رَفَعَ صَوْتَهُ وَقالَ: «أنتُمْ تَعْرِفُونَنِي وَتَعْرِفُونَ مِنْ أيْنَ أنا. فَأنا لَمْ آتِ مِنْ نَفْسِي، لَكِنَّ الَّذِي أرْسَلَنِي هُوَ الحَقُّ وَأنتُمْ لا تَعْرِفُونَهُ. 29 أمّا أنا فَأعْرِفُهُ لِأنِّي مِنْهُ أتَيْتُ، وَهُوَ الَّذِي أرْسَلَنِي.»

30 حِيْنَئِذٍ حاوَلُوا أنْ يَقْبِضُوا عَلَيْهِ، لَكِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أحَدٌ أنْ يُمْسِكَهُ لِأنَّ وَقْتَهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ حانَ بَعْدُ. 31 فَآمَنَ بِهِ كَثِيْرُونَ وَقالُوا: «عِنْدَما يَأْتِي المَسِيْحُ، لا يُمْكِنُ أنْ يَصْنَعَ مُعْجِزاتٍ أكْثَرَ مِمّا صَنَعَ هَذا الرَّجُلُ.»

محاولةُ القَبْضِ عَلَى يَسُوع

32 وَسَمِعَ الفِرِّيْسِيُّونَ ما كانَ يَتَهامَسُ بِهِ النّاسُ عَنْ يَسُوعَ، فَأرْسَلَ كِبارُ الكَهَنَةِ وَالفِرِّيْسِيُّونَ حُرّاساً لِلقَبْضِ عَلَيهِ. 33 فَقالَ يَسُوعُ: «سَأبْقَى مَعَكُمْ أيُّها النّاسُ وَقْتاً قَلِيلاً بَعْدُ، وَبَعْدَ ذَلِكَ سَأعُودُ إلَى الَّذِي أرْسَلَنِي. 34 سَتَبْحَثُونَ عَنِّي، وَلَكِنَّكُمْ لَنْ تَجِدُونِي لِأنَّكُمْ لا تَقْدِرُونَ أنْ تَذْهَبُوا إلَى حَيْثُ سَأكُونُ.»

35 فَقالَ قادَةُ اليَهُودِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: «إلَى أيْنَ يَنْوِي الذَّهابَ فَلا نَقْدِرَ أنْ نَجِدَهُ؟» ألَعَلَّهُ ذاهِبٌ لِيُعَلِّمَ المُشَتَّتِيْنَ مِنْ شَعبِنا فِي المُدُنِ اليُونانِيَّةِ، وَلِيُعَلِّمَ اليُونانِيِّيْنَ مِنْ أهلِ تِلْكَ المَدُنِ؟ 36 فَما مَعْنَى قَولُهُ هَذا: ‹سَتَبْحَثُونَ عَنِّي، لَكِنَّكُمْ لَنْ تَجِدُونِي لِأنَّكُمْ لا تَقْدِرُونَ أنْ تَذْهَبُوا إلَى حَيْثُ سَأكُونُ›؟»

يَسُوعُ يَتَحَدَّثُ عَنِ الرُّوحِ القُدُس

37 وَفِي اليَوْمِ الأخِيْرِ وَالأهَمِّ مِنَ العِيْدِ، وَقَفَ يَسُوعُ وَقالَ بِصَوْتٍ مُرْتَفِعٍ: «إنْ عَطِشَ أحَدٌ مِنْكُمْ، فَلْيَأْتِ إلَيَّ وَيَشْرَبْ. 38 وَمَنْ آمَنَ بِي، سَتَفِيْضُ مِنْ أعماقِهِ أنْهارُ ماءٍ حَيٍّ، كَما يَقُولُ الكِتابُ. » 39 قالَ يَسُوعُ هَذا عَنِ الرُّوحِ القُدُسِ الَّذِي سَيَنالُهُ المُؤْمِنُونَ بِهِ. لَكِنْ لِأنَّ يَسُوعَ لَمْ يَكُنْ قَدْ تَمَجَّدَ بَعْدُ، فَإنَّ الرُّوحَ لَمْ يَكُنْ قَدْ أُرْسِلَ بَعْدُ. (يوحنا 7: 28-39)

في يوم هذا العيد، يجلب اليهود الماء من نبعٍ خاصّ في جنوب أورشليم (القدس) ويدخلون المدينة من ‘بوّابة الماء’ ويأخذون الماء إلى المذبح في الهيكل. لقد كان في هذا الوقت الذي كانوا يقيمون فيه شعائر الماء المقدّسة هذه أنّ المسيح (عليه السلام) صرخ قائلاً، كما قد سبق وأن قال، إنّه كان هو مصدر ‘الماء الحيّ’. وبقوله هذا، كان يذكّرهم ﺑ الظمأ في قلوبنا الذي يؤدّي إلى الخطيئة الذي كتب عنه الأنبياء، وكذلك بالوعد بمجيء الروح الذي سيَحلُّ على أولئك الذين يؤمنون به لإرواء هذا العطش بحيث لا يعودون بعد في حاجةٍ إلى أن يكونوا عبيدًا للخطيئة.

40 فَلَمّا سَمِعَ بَعْضُ النّاسِ هَذا الكَلامَ بَدَأُوا يَقُولُونَ: «هَذا الرَّجُلُ هُوَ النَّبِيُّ  حَقّاً.» 41 وَكانَ آخَرُونَ يَقُولُونَ: «هَذا الرَّجُلُ هُوَ المَسِيْحُ.» غَيْرَ أنَّ آخَرِيْنَ كانُوا يَقُولُونَ: «أيُعْقَلُ أنْ يَأْتِيَ المَسِيْحُ مِنَ الجَلِيلِ؟ 42 ألا يَقُولُ الكِتابُ إنَّ المَسِيْحَ سَيَكُونُ مِنْ نَسلِ داوُدَ، وَإنَّهُ يَأْتِي مِنْ بَلْدَةِ بَيْتَ لَحْمَ  حَيْثُ عاشَ داوُدُ؟» 43 فَحَدَثَ انقِسامٌ بَيْنَ النّاسِ بِسَبَبِهِ. 44 وَأرادَ بَعْضُهُمْ أنْ يَقْبِضَ عَلَيْهِ، لَكِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أحَدٌ أنْ يُمْسِكَهُ. (يوحنا 7: 40-44)

في ذلك الوقت، تمامًا كما يحدث اليوم، كان الشعب منقسمًا حول النبيّ عيسى المسيح (عليه السلام). وكما رأينا أعلاه، كان الأنبياء قد تنبَّؤا بأن تكون ولادة المسيح في بيت لحم (حيث وُلِدَ عيسى). ولكن ماذا عن هذا السؤال حول أنّ المسيح لن يأتي من الجليل؟ كتب النبيّ إشعياء (عليه السلام) في القرن السابع ق.م ما يلي:

9 لَكِنْ لَنْ يَكُونَ هُناكَ ظَلامٌ لِلَّذِينَ كانُوا فِي الضِّيقِ. كانَتْ أرْضُ زَبُولُونَ وَنَفتالِي فِي عارٍ، وَلَكِنْ فِي المُستَقبَلِ سَتُكَرَّمُ الأرْضُ الغَربِيَّةُ الَّتِي عَلَى ساحِلِ البَحرِ، وَمِنطَقَةُ شَرقِ نَهرِ الأُردُنِّ، وَأرْضُ الجَلِيلِ حَيثُ الأُمَمُ الأُخرَى.

2 الشَّعبُ الَّذِي كانَ يَسلُكُ فِي الظُّلمَةِ
رَأى نُوراً عَظِيماً.
وَعَلَى السّاكِنِينَ فِي أرْضِ الظُّلمَةِ
أشرَقَ نُورٌ. (إشعياء 9: 1-2)

إذًا، كان الأنبياء قد تنبّؤا أن يبدأ المسيح تعليمه (إشراق النور) في ‘الجليل’ – وهو بالذات المكان حيث بدأ عيسى بالفعل تعليمه وقام بمعظم معجزاته. أخطأ الناس مرّةً أُخرى لأنّهم لم يدرسوا بعنايةٍ ما كتبه الأنبياء، بل آمنوا فقط بما كان معلّموهم عادةً يدرِّسونه.

عدم إيمان القادة اليهود

45 فَرَجِعَ حُرّاسُ الهَيْكَلِ إلَى الفِرِّيْسِيِّيْنَ وَكِبارِ الكَهَنَةِ. فَسَألَ هَؤُلاءِ الحُرّاسَ: «لِماذا لَمْ تُحْضِرُوهُ؟»

46 فَأجابَ الحُرّاسُ: «لَمْ يَتَحَدَّثْ إنسانٌ بِمِثلِ هَذا الكَلامِ قَطُّ!»

47 فَقالَ الفِرِّيْسِيُّونَ: «هَلْ خُدِعْتُمْ أنتُمْ أيضاً؟ 48 هَلْ تَعْرِفُونَ أحَداً مِنَ القادَةِ أوِ الفِرِّيْسِيِّيْنَ آمَنَ بِهِ؟ 49 لَكِنَّ أُولَئِكَ النّاسُ فِي الخارِجِ لا يَعْرِفُونَ شَيْئاً عَنِ الشَّرِيْعَةِ، وَهُمْ تَحتَ لَعْنَةِ اللهِ!»

50 وَكانَ نِيقُودِيْمُوسُ واحِداً مِنَ الفِرِّيْسِيِّيْنَ، وَهُوَ الَّذِي كانَ قَدْ ذَهَبَ إلَى يَسُوعَ سابِقاً. [a] فَسَألَهُمْ: 51 «هَلْ تَحْكُمُ شَرِيْعَتُنا عَلَى أحَدٍ قَبلَ الاسْتِماعِ إلَيْهِ أوَّلا وَمَعْرِفَةِ ما فَعَلَهُ؟»

52 فَأجابُوهُ: «يَبْدُوا أنَّكَ أنْتَ أيضاً مِنْ أهلِ الجَلِيلِ؟ ابْحَثْ فِي الكُتُبِ وَلَنْ تَجِدَ شَيْئاً عَنْ نَبِيٍّ يَأْتِي مِنَ الجَلِيلِ.» (يوحنا 7: 45-52)

يمكننا أن نرى أنّ علماء الشريعة كانوا مخطئين تمامًا لأنّ إشعياء قد تنبّأ بأنّ النور سيأتي من ‘الجليل’.

لقد استخلصتُ درسَين من هذه القصّة. أوّلاً، من السهل جدًّا تأدية أنشطتنا الدينيّة بحماسٍ كبيرٍ ولكن بقليلٍ من المعرفة. عندما نتناول موضوع الحجّ، يجب أن نحذر من ألاّ يكون ما يلي صحيحًا بالنسبة إلينا:

فَأنا أشهَدُ أنَّ لَهُمْ حَماساً للهِ، لَكِنَّهُ حَماسٌ غَيرُ مَبنِيٍّ عَلَى المَعرِفَةِ.  (رومية 10: 2)

يجب أن نعرف ما كتبه الأنبياء بحيث نكون مُطَّلعين بشكلٍ صحيحٍ.

ثانيًا، نرى هنا أنّ النبيّ عيسى المسيح (عليه السلام) يقدِّم عرضًا. لقد قال بمناسبة حجِّهم:

37 وَفِي اليَوْمِ الأخِيْرِ وَالأهَمِّ مِنَ العِيْدِ، وَقَفَ يَسُوعُ وَقالَ بِصَوْتٍ مُرْتَفِعٍ: «إنْ عَطِشَ أحَدٌ مِنْكُمْ، فَلْيَأْتِ إلَيَّ وَيَشْرَبْ. 38 وَمَنْ آمَنَ بِي، سَتَفِيْضُ مِنْ أعماقِهِ أنْهارُ ماءٍ حَيٍّ، كَما يَقُولُ الكِتابُ. [a]»  (يوحنا 7: 37-38)

إنّ هذا العرض مُقدَّم إلى ‘‘أيّ إنسانٍ’’ (وهو لذلك ليس وقفًا على اليهود أو المسيحيّين أو المسلمين، إلخ) ‘عطشان’ هل أنت عطشان؟ (انظر هنا ما الذي يعنيه الأنبياء بهذا القول). إنّه لأمرٌ جيِّدٌ الشرب من بئر زمزم. لماذا لا تشرب أيضًا من المسيح الذي يستطيع أن يروي عطشنا الداخليّ؟

جاء عيسى المسيح (عليه السلام) ليجد… الضالّين

في كثيرٍ من الأحيان، يُبقي الأشخاص المتديِّنون أنفسهم بعيدًا عن أولئك الذين هم غير متديِّنين حتّى لا يشاركونهم نجاستهم. وهذا ينطبق أيضًا على معلِّمي الشريعة في زمن النبيّ عيسى المسيح (عليه السلام). فقد كانوا يُبعِدون أنفسهم عن الأشخاص النجسين حتّى يبقوا أنقياء. لكنّ عيسى المسيح (عليه السلام) قد علَّم أنّ نقاءنا ونظافتنا هما أوّلاً مسألة تتعلَّق بقلوبنا. وهو لذلك سيُصاحب أولئك الذين لم يكونوا طاهرين طقسيٍّا. نرى في ما يلي كيف يسجّل الإنجيل كلاّ من مصاحبته للخطاة وردّ فعل معلّمي الشريعة.

15 وَكانَ كُلُّ جامِعِي الضَّرائِبِ وَالخُطاةِ مُعتادِينَ عَلَى التَّجَمُّعِ حَولَ يَسُوعَ لِيَسمَعُوهُ. 2 فَبَدَأ الفِرِّيسِيُّونَ وَمُعَلِّمُو الشَّرِيعَةِ يَتَذَمَّرُونَ وَيَقولونَ: «هَذا الرَّجُلُ يُرَحِّبُ بِالخُطاةِ وَيَأْكُلُ مَعَهُمْ!» (لوقا 15: 1-2)

فلماذا إذن يقبَل عيسى المسيح (عليه السلام) بالخطاة ويتناول الطعام معهم؟ هل كان يستمتع بالخطيئة؟ يُجيب النبيّ منتقديه برواية ثلاثة أمثالٍ أو قصصٍ.

مثال الخروف الضائع

3 فَرَوَى لَهُمْ يَسُوعُ هَذا المَثَلَ: 4 «لِنَفتَرِضْ أنَّهُ كانَ لِأحَدِكُمْ مِئَةُ خَرُوفٍ فَأضاعَ واحِداً مِنها، أفَلا يَترُكُ التِّسعَةَ وَالتِّسعِينَ الباقِيَةَ فِي الحُقُولِ وَيَذهَبُ وَراءَ الخَرُوفِ الضّائِعِ حَتَّى يَجِدَهُ؟ 5 وَعِندَما يَجِدُهُ، فَإنَّهُ يَضَعُهُ عَلَى كَتِفَيْهِ فَرِحاً. 6 وَعِندَما يَأْتِي إلَى البَيتِ، يَدعُو الأصحابَ وَالجِيْرانَ مَعاً، وَيَقُولُ لَهُمْ: ‹ابتَهِجُوا مَعِي. فَقَدْ وَجَدتُ خَرُوفِيَ الضّائِعَ!› 7 أقُولُ لَكُمْ، هَكَذا تَفرَحُ السَّماءُ بِخاطِئٍ واحِدٍ يَتُوبُ أكثَرَ مِمّا تَفرَحُ بِتِسعَةٍ وَتِسعِينَ بارّاً لا يَحتاجُونَ إلَى التَّوبَةِ.» (لوقا 15: 3-7)

في هذه القصّة، يُشبِّهنا النبيّ (عليه السلام) بالخراف ويشبّه نفسه براعي هذه الخراف. ويشرح ذلك بقوله إنّه مثل أيّ راعٍ يذهب باحثًا عن الخراف الضالّة، فهو نفسه يخرج باحثًا عن الأشخاص الضالّين. ربّما كنت قد وقعت في خطيئةٍ ما – حتّى خطيئةٍ سريّة لا يعرف أحدٌ في أسرتك شيئًا عنها. أو ربّما تكون حياتك بكلِّ مشاكلها مُربكة جدًّا بحيث تجعلك تشعر بالضياع. تهدف هذه القصّة إلى منح الأمل لأنّ بإمكانك معرفة أنّ النبيّ (عليه السلام) يسعى إلى العثور عليك ومساعدتك. إنّه يريد إنقاذك قبل أن تقضي الشرور عليك.

ثمّ روى قصَّةً أُخرى.

مثال الدرهم الضائع

8 «أوْ لِنَفتَرِضْ أنَّ لامرَأةٍ عَشْرَةَ دَنانيرٍ، [a] فَأضاعَتْ دِيناراً واحِداً مِنها. أفَلا تُشعِلُ مِصباحاً وَتُكَنِّسُ البَيتَ وَتَبحَثُ عَنهُ بِتَدقِيقٍ حَتَّى تَجِدَهُ؟ 9 وَعِندَما تَجِدُهُ، فَإنَّها تَدعُو صَدِيقاتِها وَجاراتِها مَعاً، وَتَقُولُ لَهُنَّ: ‹ابتَهِجْنَ مَعِي، فَقَدْ وَجَدتُ الدِّينارَ الَّذِي أضَعتُهُ!› 10 أقُولُ لَكُمْ إنَّهُ هَكَذا يَكُونُ فَرَحٌ أمامَ مَلائِكَةِ اللهِ بِخاطِئٍ واحِدٍ يَتُوبُ.» (لوقا 15: 8-10)

نحن نمثِّل في هذه القصّة درهمًا قيِّمًا لكنّه ضائع، وهو الذي يبحث عن هذا الدرهم. تكمن المفارقة في أنّ هذا الدرهم لا يعرف أنّه ضائعٌ، على الرغم من أنّه ضاع في مكانٍ ما في المنزل. إنّه لا يشعر بالخسارة. إنّ المرأة هي التي تحسُّ بشعور الخسارة، وهي لذلك تقوم بكنس المنزل بعنايةٍ فائقةٍ وتبحث تحت ووراء الأثاث، ولا ترتاح حتّى تجد ذلك الدرهم القَيِّم. ربّما أنت لا ‘تشعر’ بأنّك ضائع. لكنّ الحقيقة هي أنّنا جميعًا يحب أن نتوب، وإذا لم تَتُب، فأنت إذن شخصٌ ضائعٌ، سواءٌ كنت تشعر بذلك أم لا. أنت في نظر النبيّ الدرهم القَيِّم ولكن الضائع، وهو يعرف الخسارة، ولذلك هو يسعى إلى جعل التوبة واضحةً لك ويعمل على تحقيق ذلك.

كانت قصّته الثالثة هي الأقوى

مثال الابن الضالّ

11 ثُمَّ قالَ يَسُوعُ: «كانَ لِرَجُلٍ ابنانِ، 12 فَقالَ أصغَرُهُما لِأبِيهِ: ‹يا أبِي، أعطِنِي نَصِيبِي مِنَ أملاكِكَ.› فَقَسَّمَ الأبُ ثَروَتَهُ بَينَ ابنَيهِ.

13 «وَلَمْ تَمضِ أيّامٌ كَثِيرَةٌ حَتَّى جَمَعَ الابنُ الأصغَرُ كُلَّ ما يَخُصُّهُ وَسافَرَ إلَى بَلَدٍ بَعِيدٍ. وَهُناكَ بَدَّدَ كُلَّ مالِهِ فِي حَياةٍ مُستَهتِرَةٍ. 14 وَبَعدَ أنْ صَرَفَ كُلَّ ما مَعَهُ، أصابَتْ مَجاعَةٌ شَدِيدَةٌ ذَلِكَ البَلَدَ فَابْتَدَأ يَحتاجُ. 15 فَذَهَبَ وَعَمِلَ لَدَى واحِدٍ مِنْ أهلِ ذَلِكَ البَلَدِ، فَأرسَلَهُ إلَى حُقُولِهِ لِيَرعَى الخَنازِيرَ. 16 وَكانَ يَتَمَنَّى لَوْ أنَّهُ يَستَطِيعُ أنْ يُشبِعَ نَفسَهُ مِنْ نَباتِ الخَرُّوبِ الَّذِي كانَتِ الخَنازِيرُ تَأْكُلُ مِنهُ، لَكِنَّ أحَداً لَمْ يُعطِهِ شَيئاً.

17 «فَعادَ إلَى رُشدِهِ وَقالَ: ‹كَمْ مِنْ أجِيرٍ عِندَ أبِي يَشبَعُ وَيَفضُلُ عَنهُ الطَّعامُ، أمّا أنا فَأتَضَوَّرُ جُوعاً هُنا! 18 سَأقُومُ وَاذْهَبُ إلَى أبِي وَأقُولُ لَهُ: يا أبِي، لَقَدْ أخطَأْتُ إلَى اللهِ وَإلَيكَ، 19 وَلَمْ أعُدْ جَدِيراً بِأنْ أُدعَى ابناً لَكَ، فَاجعَلْنِي كَواحِدٍ مِنَ العامِلِينَ لَدَيكَ.› 20 ثُمَّ قامَ وَذَهَبَ إلَى أبيهِ.

«وَبَينَما كانَ ما يَزالُ بَعِيداً، رَآهُ أبُوهُ، فَامتَلأ حَناناً، وَرَكَضَ إلَيهِ، وَضَمَّهُ بِذِراعَيهِ، وَقَبَّلَهُ. 21 فَقالَ الابنُ: ‹يا أبِي، أخطَأْتُ إلَى اللهِ وَإلَيكَ. وَأنا لَمْ أعُدْ جَدِيراً بِأنْ أُدعَى ابناً لَكَ.›

22 «غَيْرَ أنَّ الأبَ قالَ لِعَبيدِهِ: ‹هَيّا! أحضِرُوا أفضَلَ ثَوبٍ وَألبِسُوهُ إيّاهُ، وَضَعُوا خاتَماً فِي يَدِهِ وَحِذاءً فِي قَدَمَيْهِ. 23 وَأحضِرُوا العِجلَ المُسَمَّنَ، وَاذْبَحُوهُ ودَعُونا نَأْكُلُ وَنَحتَفِلُ! 24 لِأنَّ ابنِي هَذا كانَ مَيِّتاً فَعادَ إلَى الحَياةِ، وَكانَ ضالاً فَوَجَدتُهُ.› فَبَدَأُوا يَبتَهِجُونَ وَيَحتَفِلُونَ.

25 «أمّا الابنُ الأكبَرُ فَكانَ فِي الحَقلِ. وَعِندَما جاءَ وَاقتَرَبَ مِنَ البَيتِ سَمِعَ صَوتَ مُوسِيقَى وَرَقصٍ. 26 فَدَعَى واحِداً مِنَ الخُدّامِ وَسَألَهُ عَمّا يَجرِي. 27 فَقالَ لَهُ الخادِمُ: ‹رَجِعَ أخُوكَ، فَذَبَحَ أبُوكَ العِجلَ المُسَمَّنَ لِأنَّهُ عادَ سَلِيماً مُعافَىً.›

28 «فَغَضِبَ الابنُ الأكبَرُ وَلَمْ يَقبَلْ أنْ يَدخُلَ. فَخَرجَ أبُوهُ يَطلُبُ إلَيهِ الدُّخُولَ. 29 فَقالَ لِأبِيهِ: ‹لَقَدْ عَمِلتُ بِجِدٍّ عِندَكَ كُلَّ هَذِهِ السَّنَواتِ، وَلَمْ أعصِ لَكَ أمراً. لَكِنَّكَ لَمْ تُعطِنِي حَتَّى جَدياً لِكَي أحتَفِلَ مَعَ أصدِقائِي! 30 وَعِندَما جاءَ ابنُكَ هَذا، الَّذِي بَدَّدَ أموالَكَ عَلَى السّاقِطاتِ، ذَبَحتَ العِجلَ المُسَمَّنَ مِنْ أجلِهِ!›

31 «فَقالَ لَهُ الأبُ: ‹يا بُنَيَّ، أنتَ دائِماً مَعِي، وَكُلُّ ما أملِكُهُ هُوَ لَكَ. 32 لَكِنْ كانَ لا بُدَّ أنْ نَحتَفِلَ وَنَفرَحَ، لِأنَّ أخاكَ هَذا كانَ مَيِّتاً فَعادَ إلَى الحَياةِ، وَكانَ ضالاً فَوُجِدَ.›» (لوقا 15: 11-32)

نحن في هذه القصّة إمّا الابن الأكبر المتديِّن، أو الابن الأصغر الذي يرحل بعيدًا. على الرغم من أنّ الابن الأكبر كان يلتزم بجميع القواعد والأحكام الدينيّة، فإنّه لم يفهم قَط قلب والده المُحبّ. اعتقد الابن الأصغر أنّه سيحصل على الحريّة عن طريق مغادرته البيت، لكنّه وجد أنّه أصبح عبدًا للجوع والهوان. وعندها ‘عاد إلى رشده’ وأدرك أنّه يستطيع العودة إلى بيته. سوف تكشف عودته أنّه كان مُخطئًا في المغادرة في المقام الأوّل، والاعتراف بذلك يتطلّب اتِّضاعًا. هذا التوضيح قد قُدِّم لنا لمساعدتنا على فهم ما تعنيه حقيقةً ‘التوبة’ التي يعلِّمها النبيّ يحيى (عليه السلام) بكلِّ جرأةٍ.

وعندما تخلّى عن كبريائه وعاد إلى البيت، وجد أنّ المحبّة هي أكبر بكثير ممّا كان يأمل. الحذاء، الرداء، الخاتم، المأدبة، البركة، القبول – هذا كلّه هو تعبيرٌ عن المحبّة. ترمي هذه القصّة إلى مساعدتنا على فهم أنّ الله يُحبّنا كثيرًا ويريد منّا أن نعود إليه. سوف يتطلّب ذلك منّا ‘التوبة’، ولكنّنا حين نتوب، سنجد أنّ الله مستعدٌّ لاستقبالنا. هذا هو ما يريد النبيّ عيسى المسيح (عليه السلام) أن نتعلّمه من هذه القصّة. هل يمكنك الخضوع له وقبول هذا النوع من المحبّة؟

النبيّ عيسى المسيح (عليه السلام) يبسط رحمته

هل سبقَ لك أن خالفتَ وصايا الشريعة؟ إنّه أمرٌ لا يرغب أحدٌ منّا القيام به، ولكنّ الواقع هو أنّ الكثيرين منّا يخفون ضعفاتهم، آملين ألاّ يكتشف الآخرون آثامنا ويفضحوا خِزيِنا. ولكن ماذا لو تمّ اكتشاف ذلك؟ ما الذي تأملُ فيه حينها؟

حدث هذا لامرأة شابّة بينما كان النبيّ عيسى المسيح (عليه السلام) يعلِّم. يورد الإنجيل ذلك على النحو التالي.

2 وَفِي الصَّباحِ الباكِرِ ذَهَبَ إلَى ساحَةِ الهَيْكَلِ ثانِيَةً حَيْثُ جاءَ إلَيْهِ الجَمِيعُ، فَجَلَسَ وَبَدَأ يُعَلِّمُهُمْ. 3 وَأحضَرَ مُعَلِّمُو الشَّرِيْعَةِ وَالفِرِّيْسِيُّونَ امْرأةً أُمْسِكَتْ وَهِيَ تَزْنِي. وَجَعَلُوها تَقِفُ وَسَطَ النّاسِ. 4 ثُمَّ قالُوا لِيَسُوعَ: «يا مُعَلِّمُ، أُمْسِكَتْ هَذِهِ المَرْأةُ مُتَلَبِّسَةً بِجَرِيْمَةِ الزِّنا.» 5 وَقَدْ أوْصانا مُوسَى فِي الشَّرِيْعَةِ  بِأنْ نَرْجُمَ مِثلَ هَذِهِ المَرْأةِ، فَماذا تَقُولُ أنتَ؟» 6 قالُوا هَذا لِيَمْتَحِنُوهُ، فَيَكُونَ لَهُمْ ما يَتَّهِمُونَهُ بِهِ.

لَكِنَّ يَسُوعَ انْحَنَى وَبَدَأ يَكْتُبُ عَلَى الأرْضِ بِإصْبِعِهِ. 7 وَلَمّا ألَحُّوا فِي السُّؤالِ، وَقَفَ وَقالَ لَهُمْ: «حَسَناً! مَنْ كانَ مِنْكُمْ بِلا خَطِيَّةٍ، فَلْيَكُنِ البادِئَ بِرَمْيِها بِحَجَرٍ.» 8 وَانحَنَى مَرَّةً أُخْرَى وَأخَذَ يَكْتُبُ عَلَى الأرْضِ.

9 فَلَمّا سَمِعُوا هَذا، بَدَأُوا يُغادِرُونَ المَكانَ واحِداً بَعْدَ الآخَرِ بَدْءاً بِالأكْبَرِ سِنّاً. وَبَقِيَ يَسُوعُ وَحْدَهُ مَعَ المَرْأةِ الواقِفَةِ أمامَهُ. 10 فَوَقَفَ يَسُوعُ وَقالَ لَها: «أيْنَ هُمْ؟ ألَمْ يَحكُمْ عَلَيْكِ أحَدٌ؟» 11 قالَتْ: «لا أحَدَ يا سَيِّدُ.» فَقالَ لَها يَسُوعُ: «وَلا أنا أحكُمُ عَلَيْكِ. فَاذْهَبِي وَلا تَعُودِي إلَى الخَطِيَّةِ فِيما بَعْدُ.» (يوحنا 8: 2-11)

نحن نرى أنّ هذه المرأة قد ضُبِطَت وهي تمارس فِعلَ الزنى، وقد أراد معلِّمو شريعة النبيّ موسى (عليه السلام) لها أن تُرجَم بالحجارة، لكنّهم اقتادوها إلى النبيّ عيسى المسيح (عليه السلام) اوّلاً ليعرفوا ما كان سيقوله في هذا الشأن. هل سيؤكِّد أو يدعم حقائق الشريعة التي يتساءلون عنها. (بالمناسبة، وفقًا للشريعة، فإنّ كلاًّ من الرجل والمرأة كانا يخضعان للرجم، ولكنَّ المرأة وحدها قد أُحضِرَت أمامه لتلقى العقاب).

عدالة الله و خطيئة الجنس البشريّ

لم ينقُض عيسى المسيح (عليه السلام) الشريعة – لقد كانت هذه الشريعة المعيار الذي أنزله الله، وكانت تعكس العدالة في كمالها.  لكنّه قال إنَّه فقط أولئك الذين كانوا بلا خطيئة يمكنهم أن يرموا الحجر الأوّل. حينما فكَّر المعلِّمون بهذا، استقرَّت صحَّة العبارة التالية من الزبور في عقولهم

اَلرَّبُّ مِنَ السَّمَاءِ أَشْرَفَ

عَلَى بَنِي الْبَشَرِ، لِيَنْظُرَ

هَلْ مِنْ فَاهِمٍ طَالِبِ اللهِ

3الْكُلُّ قَدْ زَاغُوا مَعًا، فَسَدُوا.

لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا،

لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ. (مزمور 14: 2- 3)

إنَّ ما يعنيه الزبور هو أنّ من يرتكبون الخطيئة ليسوا فقط الملحدون والكافرون والمشركون – حتّى اولئك الذين يؤمنون بالله وبرسلهِ يُخطئون أيضًا. في الواقع، وفقًا لهذه الآيات، عندما ينظر الله إلى الجنس البشريّ، لا يرى حتّى ’واحدًا‘يعمل صلاحًا.

كانت شريعة موسى (عليه السلام) من ترتيب الله للبشر وكانت ترتكز على العدالة المطلقة، وأولئك الذين تقيَّدوا بها أمكنهم  الحصول على البِرّ. ولكن كما رأينا، كان المعيار مطلقًا لا يسمح حتّى بانحرافٍ واحدٍ (عمّا جاء في الشريعة).

رحمة الله

ولكن بما أنَّ ’كلَّ شيءٍ قد فسَدَ‘، فإنَّ هناك حاجةٌ إلى تدبيرٍ جديدٍ. وهذا التدبير لن يكون فقط العدل على أساس الجدارة – لأنّ الناس لن يتمكَّنوا من التقيُّد بالتزاماتهم (التي تدعو إليها الشريعة) – ولذلك كان يجب أن يكون مرتكزًا على صفةٍ أُخرى من صفات الله – الرحمة. سوف يبسط الله الرحمة بدلاً من الإلزام. سبقَ وأن تحقَّق هذا في شريعة النبيّ موسى (عليه السلام) عندما منحَ حَمَلُ الفصح الرحمة والحياة لأولئك الذين وضعوا الدم وجعلوه على العتَبَة العُليا، ومع بقرة هارون (عليه السلام) [التي سمِّيَت سورة 2 – البقرة – باسمها].  وكان منتظرًا أو متوقَّعًا قبل ذلك حتّى في الرحمة التي أظهرها الله في الثياب لآدم، وفي ذبيحة هابيل (عليه السلام)، وفي الرحمة المعطاة للنبيّ نوح (عليه السلام). كما كانت أيضًا مُنتَظَرَة أيضًا في الزبور عندما وعدَ الله بأنّ

أُزِيلُ إِثْمَ تِلْكَ الأَرْضِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ. (زكريّا 3: 9)

كيف تمَّ تلقِّي هذه الرحمة؟ رأينا مثال النبيّ ابراهيم (عليه السلام). لقد آمنَ بوعد الله ووهبه الله البرَّ. على الرغم من أنّنا قد لا نفهم تمامًا هذه الوعود، إلاّ أنّه يتوجَّب علينا أن نثق بها وبالأحكام التي أعطاها الله لنا.

طُوبَى لِلرُّحَمَاءِ، لأَنَّهُمْ يُرْحَمُونَ. (متى 5: 7)

و

’لاَ تَدِينُوا لِكَيْ لاَ تُدَانُوا، لأَنَّكُمْ بِالدَّيْنُونَةِ الَّتِي بِهَا تَدِينُونَ تُدَانُونَ، وَبِالْكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ. (متى 7: 1-2)

ارحَموا كي تُرحَموا

ثمَّة احتمالٌ كبيرٌ جدًّا بأننا سوف نحتاج، أنت وأنا، إلى الرحمة المقدَّمة لنا في يوم الدينونة. كان النبيّ عيسى المسيح (عليه السلام) مستعدًّا لمنح الرحمة لشخصٍ قد خالف الوصايا بشكلٍ واضحٍ – لشخصٍ لم يكن يستحقّها. كان يمكنها فقط أن تثق برحمته. على الرغم من أنّه لايزال لدينا الكثير الذي علينا أن نتعلّمه، على أقلّ تقدير، نحن نعرف أنّنا في حاجةٍ أيضًا إلى تقديم الرحمة إلى الذين من حولنا. قد يكون هذا تعليمًا حكيمًا نقتدي به في أيّامنا عندما نكون سريعين جدًّا في الحكم بشدّة على أخطاء وخطايا الذين من حولنا. ولأنّنا سريعون جدًّا في الحكم على خطايا الآخرين، هناك الكثير من الصراعات من حولنا. دعونا نسأل الله أن يُعيننا لكي نصبح أشخاصًا، كما فعل النبيّ عيسى المسيح (عليه السلام)، يقدِّمون الرحمة إلى الذين من حولنا حتّى يتسنّى لنا أيضًا، نحن غير المستحقّين، أن نأمَل في الحصول عليها عندما نكون في حاجةٍ إليها.

النبيّ يحيى (عليه السلام) يُعانى – ويُظهر – استشهادًا حقيقيًّا؟؟؟

تُستَخدَم كلمة ‘شهيد’ كثيرًا في هذه الأيّام. إنّي أسمعها عندما يُقتَل شخصٌ ما في واحدةٍ من العديد من الحروب الجارية، أو في بعض النزاعات القائمة بين الطوائف حين يقتل المحاربون بعضهم البعض ويموت شخصٌ ما. ويُشار عادةً إلى هذا الشخص من قِبَل الجانب الذي ينتمي إليه باسم ‘شهيد’ (وربّما باسم ‘كافر’ من قِبَل الجانب الآخر).

ولكن، أهذا صحيحٌ؟ يسجّل الإنجيل كيف استشهد النبيّ يحيى (عليه السلام) خلال خدمة عيسى المسيح (عليه السلام)، ويقدّم مثالاً رائعًا عن كيفيّة  فهم هذا الاستشهاد. نرى في ما يلي كيف يسجِّل الإنجيل هذه الأحداث:

14 فِي ذَلِكَ الوَقتِ، سَمِعَ هِيرُودُسُ والِي الجَلِيلِ [a] عَنْ يَسُوعَ. 2 فَقالَ لِخُدّامِهِ: «إنَّهُ يُوحَنّا المَعمَدانُ، قامَ مِنَ المَوتِ، وَلِهَذا تُجرَى المُعجِزاتُ بِواسِطَتِهِ!»

3 فَهِيرُودُسُ هُوَ الَّذِي قَبَضَ عَلَى يُوحَنّا وَوَضَعَهُ فِي السِّجنِ، وَهَذا بِسَبَبِ هِيرُودِيّا زَوجَةِ أخِيهِ فِيلِبُّسَ، 4 لأنَّ يُوحَنّا قالَ لِهِيرُودُسَ: «لا يَحِقُّ لَكَ أنْ تَأخُذَ زَوجَةَ أخِيكَ.» 5 لِهَذا كانَ هِيرُودُسُ يُرِيدُ قَتلَهُ، وَلَكِنَّهُ كانَ يَخافُ مِنَ النّاسِ، لِأنَّهُمِ كانُوا يَعتَبِرُونَ يُوحَنّا نَبِيّاً.

6 لَكِنْ لَمّا جاءَ يَومُ عِيدِ مِيلادِ هِيرُودُسَ، رَقَصَتِ ابنَةُ هِيرُودِيّا أمامَهُ وَأمامَ ضُيُوفِهِ، فَأسعَدَتْ هِيرُودُسَ جِدّاً، 7 حَتَّى إنَّهُ وَعَدَ وَأقسَمَ بِأنْ يُعطِيَها ما تَطلُبُهُ مَهْما كانَ. 8 لَكِنَّ أُمَّها كانَتْ قَدْ لَقَّنَتْها ما تَطلُبُ، فَقالَتْ: «أعطِنِي رَأسَ يُوحَنّا المَعْمَدانِ هُنا عَلَى طَبَقٍ.»

9 فَحَزِنَ المَلِكُ، لَكِنَّهُ أمَرَ بِتَلبِيَةِ طَلَبِها بِسَبَبِ قَسَمِهِ، وَاحْتِراماً لِضُيُوفِهِ. 10 فَأرسَلَ مَنْ يَقطَعُ رَأسَ يُوحَنّا فِي السِّجنِ. 11 ثُمَّ أُحضِرَ رَأسُهُ عَلَى طَبَقٍ وَأُعطِيَ لَها، فَأعطَتْهُ لِأُمِّها. 12 حِينَئِذٍ أتَى تَلامِيذُ يُوحَنّا وَأخَذُوا جَسَدَهُ وَدَفَنُوهُ. ثُمَّ ذَهَبُوا وَأخبَرُوا يَسُوعَ بِما حَدَثَ. (متى 14: 1-12)

نرى أوّلاً سبب إلقاء القبض على النبيّ يحيى (عليه السلام). كان الملك المحلّي (هيرودس) قد انتزع زوجة أخيه منه وجعلها زوجته – الأمر الذي يتنافى  مع شريعة موسى (عليه السلام). وبصفته نبيًّا، قال يحيى (عليه السلام) أمام الملأ إنّ هذا كان خطأً، لكن بدلاً من أن يُصغي الملك الفاسد إلى النبيّ، قام بإلقاء القبض عليه. أرادت الزوجة التي استفادت من هذا الزواج الجديد لأنّها كانت الآن زوجة ملكٍ قويّ، إسكات النبيّ، وهكذا دبّرت مؤامرةً لجعل ابنتها تؤدّي رقصةً حسيّة أمام زوجها الملك وضيوفه في الحفل. تأثّر الملك بأداء الابنة إلى درجة أن وعد بإعطائها أيّ شيءٍ تطلبه. قالت لها أمّها أن تطلب رأس النبيّ يحيى (عليه السلام). وهكذا زُجَّ النبيّ يحيى (عليه السلام) في السجن لأنّه كان يتكلّم بالحقّ، وقُطِعَ رأسه فقط لأنّ الرقصة الحسيّة التي أدّتها الفتاة قد أوقعت الملك في فخٍّ أمام ضيوفه.

نحن نرى أيضًا أنّ النبيّ يحيى (عليه السلام) لم يكن يقاتل أحدًا، ولا كان يحاول قتل الملك. كان يقول فقط الحقيقة. لم يكن خائفًا من تحذير ملكٍ فاسدٍ على الرغم من أنّه لم يكن يمتلك سلطةً دنيويّة تمكّنه من مواجهة جبروت هذا الملك. لقد تكلَّم بالحقّ حبًّا ﺑ أحكام الشريعة التي أُعلِنَت للنبيّ موسى (عليه السلام). هذا مثالٌ جيِّد لنا اليوم يُظهِر كيف نقاتل (من خلال قول الحقيقة) وما نقاتل من أجله (حقائق الأنبياء). لم يحاول النبيّ يحيى (عليه السلام) قتل الملك أو قيادة ثورةٍ أو بدأ حربٍ. هذه كانت طريقة استشهاده.

كان نهجه الأكثر فاعليّة. كان ضمير الملك يعذّبه إلى حدٍّ كبيرٍ من جرّاء قتله حتّى أنّه اعتقد أنّ تعاليم عيسى المسيح (عليه السلام) القويّة ومعجزاته كانت صادرة عن يحيى (عليه السلام) وقد عاد إلى الحياة.

قال عيسى المسيح (عليه السلام) ما يلي عن النبيّ يحيى (عليه السلام):

7 وَإذْ غادَرَ تَلامِيذُ يُوحَنّا المَكانَ، بَدَأ يَسُوعُ يَتَحَدَّثُ إلَى النّاسِ عَنْ يُوحَنّا فَقالَ: «ما الَّذِي خَرَجتُمْ إلَى البَرِّيَّةِ لِتَرَوهُ؟ قَصَبَةً تُؤَرجِحُها الرِّيحُ؟ 8 لِماذا خَرَجتُمْ إذاً؟ لِتَرَوا رَجُلاً يَلبَسُ ثِياباً ناعِمَةً؟ إنَّ الَّذِينَ يَرتَدُونَ الثِّيابَ النّاعِمَةَ يَعِيشُونَ فِي قُصُورِ المُلُوكِ. 9 فَلِماذا خَرَجْتُمْ إذاً؟ لِتَرَوا نَبِيّاً؟ هُوَ كَذَلِكَ. بَلْ إنِّي أقُولُ لَكُمْ إنَّكُمْ رَأيتُمْ مَنْ هُوَ أعظَمُ مِنْ نَبِيٍّ! 10 فَهَذا هُوَ الَّذِي كُتِبَ عَنهُ:

‹ها أنا أُرسِلُ رَسُولِي قُدّامَكَ.
لِيُعِدَّ الطَّرِيقَ أمامَكَ.›»

11 «أقولُ الحَقَّ لَكُمْ، لَمْ يَظْهَرْ بَينَ الَّذِينَ وَلَدَتهُمُ النِّساءُ مَنْ هُوَ أعظَمُ مِنْ يُوحَنّا المَعْمَدانِ. غَيرَ أنَّ أقَلَّ شَخصٍ فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ أعظَمُ مِنهُ. 12 فَمِنْ وَقتِ يُوحَنّا المَعْمَدانِ إلَى الآنَ، وَالمَلَكُوتُ يُواجِهُ هُجُوماتٍ عَنِيفَةً، وَالعُنَفاءُ يُحاوِلُونَ أخذَهُ بِالقُوَّةِ. 13 لِأنَّ شَرِيعَةَ مُوسَى وَكُلَّ الأنبِياءِ تَنَبّأَوا حَتَّى وَقْتِ يُوحَنّا. 14 فَإنْ أرَدتُمْ قُبُولَ ما يَقُولُهُ الأنبِياءُ وَالشَّرِيعَةُ، فَيُوحَنّا هُوَ إيلِيّا الَّذِي تَنَبَّأُوا عَنْ مَجِيئِهِ. [a] 15 مَنْ لَهُ أُذُنانِ، فَلْيَسمَعْ.»

(متى 11: 7-15)

يؤكّد عيسى (عليه السلام) في هذه الآيات أنّ يحيى (عليه السلام) كان ‘المُهيّئ’ الذي كُتِبَ عن قدومه  وأنّه كان عظيمًا بين الأنبياء. إنّ دخوله ملكوت السموات يدوم إلى الآن، في حين أنّ الملك هيرودس – الذي كان قويًّا جدًّا في ذلك الزمان – ليس لديه شيءٌ لأنّه رفض الخضوع للأنبياء.

كان هناك أشخاصٌ عنيفون في زمن النبيّ يحيى (عليه السلام) كانوا يقطعون رؤوس الآخرين، وبالمثل، هناك أشخاصٌ عنيفون يفعلون الشيء نفسه اليوم. إنّ هؤلاء الأشخاص العنيفون ‘يهاجمون’ حتّى ملكوت السموات، لكنّهم لن يدخلوه. إنّ دخول ملكوت السموات يعني إتِّباع المسار الذي اتّخذه يحيى (عليه السلام) – في صُنع السلام وقول الحقيقة. سنكون حكماء إذا اتّبعنا مثاله وليس أمثلة الكثيرين الذي يتبعون العنف اليوم.

عيسى المسيح (عليه السلام) يُعلِّم – مستخدمًا الأمثال

لقد رأينا كيف علّم عيسى المسيح (عليه السلام) بسلطةٍ استثنائيّة. كما قدّم تعاليمه مستخدمًا قِصصًا توضِّح المبادئ الحقيقيّة. على سبيل المثال، رأينا كيف علَّم عن ملكوت الله باستخدام قصَّة المأدبة الكبيرة، وكيف علَّم عن المغفرة من خلال قصّة العبد عديم الرحمة. يُطلَق على هذه القصص اسم الأمثال، إنّ عيسى المسيح (عليه السلام) لا مثيل له بين الأنبياء والمعلّمين في كمِّ الأمثال التي استخدمها في تعاليمه، وكم هي مُدهشة. سأله تلاميذه في إحدى المناسبات لماذا يعلِّم باستخدام الأمثال. يسجِّل الإنجيل تفسيره للأمر:

10 وَجاءَ إلَيهِ التَّلامِيذُ وَسَألُوهُ: «لِماذا تَتَكَلَّمُ إلَيْهِمْ باسْتِخدامِ الأمثلةِ الرَمزيَّةِ؟»

11 فَأجابَهُمْ يَسُوعُ: «لَقَدْ أعطاكُمُ اللهُ امتِيازَ مَعرِفَةِ سِرِّ مَلَكُوتِ السَّماواتِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يُعْطِهِ لَهُمْ. 12 لِأنَّ كُلَّ مَنْ يَملُكُ [a] سَيُزادُ لَهُ، وَيَفيضُ عَنْهُ، أمّا الَّذِي لا يَملِكُ، فَسَيُنتَزَعُ مِنهُ ما لَهُ. 13 لِهَذا أتَكَلَّمُ إلَيْهِمْ بِأمثالٍ، فَمَعْ أنَّهُمْ يَرَونَ، إلّا أنَّهُمْ لا يُدرِكُونَ. وَمَعْ أنَّهُمْ يَسمَعُونَ، إلّا أنَّهُمْ لا يَفهَمُونَ. (متى 13: 10-13)

كانت عبارته الأخيرة تلاوةً من النبيّ إشعياء (عليه السلام) الذي عاش في القرن السابع قبل الميلاد وحذَّر من قسوة قلوبنا. بعبارةٍ أُخرى، نحن أحيانًا لا نفهم أمرًا ما لأنّ معناه يفوتنا أو لأنّه معقَّد جدًّا بحيث يكون عصيًّا على الفهم. في حالةٍ كهذه، التفسير الواضح يُبدِّد الحيرة والارتباك. ولكن هناك أوقاتٌ أُخرى حين لا نفهم أمرًا ما لأنّنا في أعماق قلوبنا لا نريد أن نفهمه. وقد لا نعترف بذلك، وهكذا نواصل طرح الأسئلة كما لو كان افتقارنا إلى الإدراك الفكريّ هو الذي يُعيقنا عن الفهم. لكن إذا كان الارتباك في قلوبنا وليس في أذهاننا، فلن يكون أيّ تفسيرٍ كافيًّا.  تكمن المشكلة إذن في عدم رغبتنا في الخضوع، وليس لأنّنا لعدم قدرتنا الذهنيّة على الفهم.

عندما كان النبيُّ عيسى المسيح (عليه السلام) يعلِّم عن طريق الأمثال، كان تأثير ذلك على الجموع التي يُلقي عليها تعاليمه كبيرًا جدًّا. وأولئك الذين لم يفهموا ذهنيًّا ما يقوله، سوف تُثير القصّة فضولهم وتجعلهم يطرحون أسئلة أكثر للحصول على مزيدٍ من التوضيح، في حين أنّ أولئك الذين كانوا غير راغبين في الخضوع، سوف يتعاملون مع القصّة بازدراءٍ وعدم اهتمام ولن يحصلوا على مزيدٍ من الفهم. كان استخدام الأمثال وسيلة السيّد المعلِّم لفصل الأشخاص كما يفصل المزارع القمح عن القشّ عن طريق التذرية. لقد فُصِل أولئك الذين كانوا راغبين في الخضوع لتعاليم النبيّ عن أولئك الذين لم يكونوا راغبين في ذلك. إنّ أولئك الأشخاص غير الراغبين في الخضوع للحقائق الواردة فيها سيجدون الأمثال مُربكة لأنّ قلوبهم لم تكن مستعدّة للخضوع لحقيقتها. وعلى الرغم من أنّهم يُبصرون، فإنّهم لن يروا مغزى هذه الأمثال.

مثل الزارع وأنواع التربة الأربعة

عندما كان التلاميذ يطرحون على النبيَّ عيسى (عليه السلام) سؤالاً حول تعليمه باستخدام الأمثال، كان هو يعلِّم  مُتكلِّمًا بمجموعةٍ من الأمثال حول ملكوت الله وتأثيره في الناس. في ما يلي المثل الأوّل

3 وَقالَ لَهُمْ أشياءَ كَثِيرَةً بِأمثالٍ. فَقالَ لَهُمْ:
«خَرَجَ فَلّاحٌ لِيَبذِرَ. 4 وَبَينَما هُوَ يَبذُرُ، وَقَعَ بَعضُ البِذارِ إلَى جانِبِ الطَّرِيقِ، فَجاءَتِ الطُيُورُ وَأكَلَتهُ. 5 وَوَقَعَ بَعضُ البِذارِ عَلَى أرْضٍ صَخرِيَّةٍ، حَيثُ لا تُوجَدُ تُربَةٌ كافِيَةٌ، فَنَمَتِ الحُبُوبُ بِسُرعَةٍ لِأنَّ التُّربَةَ لَمْ تَكُنْ عَميقَةً. 6 لَكِنْ عِندَما أشرَقَتِ الشَّمسُ احتَرَقَتْ، وَلِأنَّها كانَتْ بِلا جُذورٍ ذَبُلَتْ. 7 وَوَقَعَ بَعضُ البِذارِ عَلَىْ الأشواكِ. فَنَمَتِ الأشواكُ وَعَطَّلَتْ نُمُوَّهُ. 8 وَوَقَعَتْ بُذُورٌ أُخْرَى عَلَى الأرْضِ الصّالِحَةِ فَأثْمَرَ بَعضُها مِئَةَ ضِعفٍ، وَبَعضُها سِتِّينَ ضِعفاً، وَبَعضُها ثَلاثِينَ ضِعفاً. 9 مَنْ لَهُ أُذُنانِ، فَلْيَسمَعْ.» (متى 13: 3-9)

فماذا كان معنى هذا المثل؟ ليس علينا أن نُخمِّن لأنّ الأمثال كانت قد أسرت ألباب أولئك الذين كانوا يملكون قلوبًا راغبة في الخضوع، وكانوا يسألون عن معناها، وذلك هو ما أعطاه:

18 «فَاسْتَمِعُوا إلَى شَرْحِ مَثَلِ البِذارِ: 19 عِندَما يَسمَعُ شَخصٌ رِسالَةَ المَلَكُوتِ وَلا يَفهَمُها، يَأتِي الشِّرِّيرُ [a] وَيَأخُذُ البُذُورَ الَّتِي زُرِعَتْ فِي قَلْبِهِ. هَذا هُوَ مَعنَى البُذُورِ الَّتِي سَقَطَتْ إلَى جانِبِ الطَّرِيقِ.

20 «أمّا الَّتي سَقَطَتْ عَلَى الأرْضِ الصَّخرِيَّةِ، فَتُشْبِهُ مَنْ يَسمَعُ الكَلِمَةَ فَيَقبَلُها حالاً بِفَرَحٍ، 21 لَكِنْ لأنَّهُ بِلا جُذُورٍ فِي نَفسِهِ، فَإنَّهُ يَصْمُدُ لِوَقتٍ قَصِيرٍ، وَعِندَما يَأتِي الضِّيقُ وَالاضطِهادُ بِسَبَبِ الكَلِمَةِ الَّتِي قَبِلَها، يَفقِدُ إيمانَهُ سَرِيعاً.

22 «أمّا الَّتي سَقَطَتْ بَينَ الأشواكِ، فَتُشبِهُ مَنْ يَسمَعُ الكَلِمَةَ، لَكِّنَّ هُمُومَ الحَياةِ، وَإغراءتِ المالِ تَخنُقُ الكَلِمَةَ، فَلا تُثمِرُ.

23 «أمّا الَّذي زُرِعَ عَلَى الأرْضِ الصّالِحَةِ، فَهُوَ الَّذي يَسْمَعُ الكَلِمَةَ وَيَفهَمُها فَيُثمِرَ بِالفِعِلِ. فَيَحصُدَ مَرَّةً مِئَةَ ضِعفٍ، وَمَرَّةً سِتِّينَ ضِعفاً، وَمَرَّةً ثَلاثِينَ ضِعفاً.» (متى 13: 18-23)

يمكننا أن نرى أنّ هناك أربعة ردود أفعالٍ على الرسالة حول ملكوت الله. ردُّ الفعل الأوّل كان بعدم ‘الفَهم’، وهكذا يسلب الشيطان (إبليس) الرسالة من قلوبهم. الردود الثلاثة المتبقيّة كلّها هي في البداية إيجابيّةٌ جدًّا ويتلقّى أصحابها الرسالة بفرح. لكنّ هذه الرسالة يجب أن تنمو في قلوبنا خلال الأوقات الصعبة. وليس مجردّ أن نُسَلِّم بصحّتها في أذهاننا ومن ثمَّ نستمرُّ في عيش حياتنا كما نريد. ولذلك، اثنان من هذه الاستجابات، على الرغم من تلقّي أصحابها الرسالة في البداية، إلاّ أنّهم  لم يسمحوا لها بالنموّ في قلوبهم. القلب الرابع فقط الذي ‘سمع الكلمة وفهمها’ سوف يخضع حقًّا بالطريقة التي كان الله ينتظرها.

نقطةٌ واحدةٌ من هذا المثل تجعلنا نطرح السؤال التالي: ‘أيٌّ من هؤلاء الأشخاص أنا أكون؟’ فقط أولئك الذين ‘فهموا’ حقًّا  سيأتون بثمرٍ جيِّدٍ. إنّ أحد الطرق لتعزيز الفَهم هو أن نفهم بوضوح ما أعلنه مَن سَبَق من الأنبياء، بدءًا ﺑ آدم، حول مشيئة الله وخطّته من خلال التوراة والزبور. هذا هو السبب الذي جعلنا نبدأ بهؤلاء الأنبياء الأوائل. بعد آدم، وردت آياتٌ مهمّة في التوراة من الوعد لإبراهيم (عليه السلام) و ذبيحته، و موسى عليه السلام، الوصايا العشر، و هارون عليه السلام. إنّ فهم  أصل ‘المسيح’ و نبوءات إشعياء و ارميا و زكريّا و دانيال و ملاخي كما جاءت في كتاب الزبور، سوف تُعدّنا أيضًا لفهم ‘رسالة ملكوت الله’.

مثَلُ الزّوَانُ

بعد شرح معنى هذا المثل، قدَّم لهم النبيّ عيسى المسيح مثلاً آخر حول الزّوَان.

24 وَقالَ لَهُمْ مَثَلاً آخَرَ: «يُشبِهُ مَلَكُوتُ السَّماواتِ رَجُلاً زَرَعَ بُذُوراً جَيِّدَةً فِي حَقلِهِ. 25 وَلَكِنْ بَينَما كانَ النّاسُ نائِمِينَ، جاءَ عَدُوُّ الرَّجُلِ وَبَذَرَ أعشاباً ضارَّةً بَينَ القَمحِ ثُمَّ ذَهَبَ. 26 وَعِندَما نَبَتَ القَمحُ وَشَكَّلَ سَنابِلَ، نَبَتَتِ الأعشابُ الضّارَّةُ كَذَلِكَ. 27 فَجاءَ إلَيهِ عَبِيدُهُ وَقالُوا لَهُ: ‹يا سَيِّدُ، ألَمْ تَزرَعْ بُذُوراً جَيِدَةً فِي حَقلِكَ؟ فَمِنْ أينَ إذاً جاءَتْ هَذِهِ الأعشابُ الضّارَّةُ؟›

28 «فَأجابَهُمُ الرَّجُلُ: ‹عَدُوِّي فَعَلَ ذَلِكَ.› فَسَألَهُ عَبِيدُهُ: ‹هَلْ تُرِيدُنا أنْ نَذهَبَ وَنَقتَلِعَها؟›

29 «فَأجابَ الرَّجُلُ: ‹لا، لِأنَّكُمْ عِندَما تَقتَلِعُونَ الأعشابَ الضّارَّةَ، قَدْ تَقتَلِعُونَ القَمحَ مَعَها. (متى 13: 24-29)

في ما يلي التفسير الذي قدّمه

36 حِينَئِذٍ صَرَفَ يَسُوعُ الجُمُوعَ، وَدَخَلَ إلَى البَيتِ. فَتَقَدَّمَ إلَيهِ تَلامِيذُهُ وَقالوا: «اشْرَحْ لَنا مَثَلَ الأعشابِ الضّارَّةِ فِي الحَقلِ.»

37 فَقالَ لَهُمْ: «الَّذِي زَرَعَ البُذُورَ الجَيِّدَةَ هُوَ ابْنُ الإنسانِ، 38 وَالحَقلُ هُوَ العالَمُ، وَالبُذُورُ الجَيِّدَةُ هُمُ الَّذِينَ لَهُمُ المَلَكُوتُ. أمّا الأعشابَ الضّارَّةُ فَهُمُ الَّذِينَ يَنتَمونَ إلَى الشِّرِّيرِ. 39 وَالعَدُوُّ الَّذِي بَذَرَهُمْ هُوَ إبلِيسُ. وَالحَصادُ هُوَ نِهايَةُ العالَمِ. وَالحَصّادُونَ هُمُ المَلائِكَةُ.

40 «وَكَما أنَّ الأعشابَ الضّارَّةَ تُجمَعُ وَتُحرَقُ بِالنّارِ، هَكَذا سَتَكُونُ نِهايَةُ العالَمِ. 41 إذْ سَيُرسِلُ ابْنُ الإنسانِ مَلائِكَتَهُ الَّذِينَ سَيَجمَعُونَ مِنْ مَلَكُوتِهِ كُلَّ المُفسِدِينَ وَالأشرارِ، 42 ثُمَّ يَطرَحُونَهُمْ فِي الفُرنِ المُشتَعِلِ. هُناكَ يَبكِي النّاسُ وَيَصِرُّونَ عَلَى أسنانِهِمْ. 43 حِينَئِذٍ سَيَسْطَعُ الأبرارُ كَالشَّمسِ فِي مَلَكُوتِ أبِيهِمْ. مَنْ لَهُ أُذُنانِ، فَلْيَسمَعْ. (متى 13: 36-43)

مِثَالا حبّة الخردل والخميرة

قدَّم النبيّ عيسى المسيح (عليه السلام) أيضًا بعض الأمثال القصيرة جدًّا.

31 ثُمَّ قالَ لَهُمْ يَسُوعُ مَثَلاً آخَرَ: «يُشبِهُ مَلَكُوتُ السَّماواتِ بِذرَةَ خَردَلٍ أخَذَها إنسانٌ وَزَرَعَها فِي حَقلِهِ. 32 إنَّها أصغَرُ البُذُورِ. لَكِنْ عِندَما تَنمُو، فَإنَّها تَكُونُ أكبَرَ نَباتاتِ البَساتِينِ، إذْ تُصبِحُ شَجَرَةً كَبِيرَةً، حَتَّىْ إنَّ طُيورَ السَّماءِ تَأتِي إلَيها، وَتَصنَعُ أعشاشَها فِي أغصانِها.»

33 وَقالَ لَهُمْ مَثَلاً آخَرَ: «يُشبِهُ مَلَكُوتُ السَّماواتِ خَمِيرَةً أخَذَتْها امْرأةٌ وَخَلَطَتْها فِي ثَلاثَةِ مَقادِيْرَ مِنَ الطَّحِينِ حَتَّى اختَمَرَ العَجينُ كُلُّهُ.» (متى 13: 31-33)

بعبارةٍ أُخرى، سوف يبدأ ملكوت الله صغيرًا وغير مهمٍّ في هذا العالم، لكنّه سينمو بعد ذلك في جميع أنحاء العالم مثل الخميرة التي تخمِّر العجين، ومثل بذرةٍ  صغيرةٍ تنمو لتصبح نبتةً كبيرةً. إنّ هذا لا يُفرَضُ بالقوّة أو بشكلٍ فُجائيّ وفوريّ، إنّ نموّه غير مَرئيٍّ لكنّه ينمو في كلّ مكانٍ ولا يمكن وقفه.

مِثالا الكنز المَخفيّ واللؤلؤة الكثيرة الثمن

44 «يُشبِهُ مَلَكُوتُ السَّماواتِ كَنْزاً مَدفُوناً فِي حَقلٍ. وَجَدَهُ شَخصٌ فَدَفَنَهُ ثانِيَةً. وَلِشِدَّةِ فَرَحِهِ، ذَهَبَ وَباعَ كُلَّ ما يَملِكُهُ وَاشتَرَى ذَلِكَ الحَقلَ.

45 «وَيُشبِهُ مَلَكُوتُ السَّماواتِ تاجِراً يَبحَثُ عَنْ لآلِئَ جَمِيلَةٍ. 46 وَعِندَما وَجَدَ لُؤلُؤَةً ثَمِينَةً جِدّاً، ذَهَبَ وَباعَ كُلَّ ما يِملِكُهُ وَاشْتَراها. (متى 13: 44-46)

يركّز هذان المثلَان على قيمة ملكوت الله. فكِّرْ في كنزٍ مَخفيٍّ في حقل. وبما أنّه مخفيٌّ، فإنّ أيّ شخصٍ يمرُّ بهذا الحقل يعتقد بأنّ لا قيمة كبيرة له، ولذلك فلا مصلحة لهم فيه. ولكنّ أحد الأشخاص يدرك أنّ هناك كنزٌ ممّا يجعل الحقل قيِّمًا جدًّا – قَيِّمٌ بما يكفي لأنّ يبيع هذا الشخص كلّ شيٍّ لكي يشتريه ويحصل على الكنز. هكذا هو الأمر بالنسبة إلى ملكوت الله – إنّه قيمةٌ لا يُلاحظها معظم الناس، لكنّ القلّة منهم التي تراها سوف تربح قيمةً عظيمة.

مثل الشبكة

47 «وَيُشبِهُ مَلَكُوتُ السَّماواتِ شَبَكَةً أُلقِيَتْ إلَى البُحَيرَةِ، وَأمسَكَتْ سَمَكاً مِنْ أنواعٍ مُختَلِفَةٍ. 48 وَعِندَما امتَلأتِ الشَّبَكَةُ، سَحَبَها الصَّيّادُونَ إلَى الشّاطِئِ. ثُمَّ جَلَسُوا وَأخَذُوا يَختارُونَ السَّمَكَ الجَيِّدَ وَيَضَعُونَهُ فِي سِلالٍ، أمّا السَّمَكُ الرَّدِيءُ فَألقُوهُ خارِجاً. 49 هَذا ما سَيَحدُثُ فِي نِهايَةِ العالَمِ، إذْ سَتَأتِي المَلائِكَةُ وَسَتَفصِلُ الأشرارَ عَنِ الأبرارِ، 50 ثُمَّ تُلقِي الأشرارَ إلَى الفُرنِ المُشتَعِلِ. هُناكَ يَبكِي النّاسُ وَيَصِرُّونَ عَلَى أسنانِهِمْ.» (متى 13: 47-50)

إنّ ملكوت الله سيفصل بين الناس. وسوف يُكشَف عن هذا الفرز بشكلٍ كاملٍ يوم الدينونة – عندما تكون القلوب عارية.

يمكننا أن نرى أنّ ملكوت الله ينمو بشكلٍ غامضٍ كما تنمو الخميرة في العجين، وأنّه ذو قيمةٍ كبيرةٍ مخفيّة عن معظمنا، وأنّه يتسبَّب بردود أفعالٍ مختلفةٍ بين الناس. وهو يفرز الناس أيضًا بين أولئك الذين يفهمون والذين لا يفهمون. بعد تقديم تعاليمه باستخدام هذه الأمثال، سأل النبيّ عيسى المسيح  مستمعيه سؤالاً مهمًّا.

51 وَسَألَ يَسُوعُ تَلامِيذَهُ: «هَلْ تَفهَمُونَ جَمِيعَ هَذِهِ الأُمُورِ؟» فَأجابُوا: «نَعَمْ.» (متى 13: 51)

أيٌّ من هؤلاء هو أنتَ؟