خاتمة التوراة: بركات و لعنات

تناولنا في المقال السابق المبادئ التوجيهيَّة لمعرفة الأنبياء الحقيقيِّين – أنَّ تنبؤهم بالمستقبل سوف يكون بمثابة جزءٍ من رسالتهم. ثمَّ قام النبيّ موسى نفسه (عليه السلام) بتطبيق هذا المبدأ التوجيهي- وقد أدلى بنبوءات تتعلَّق بمستقبل بني إسرائيل – وكان يجب أن تتحقَّق هذه النبوءات إذا كانت رسالته آتية من لدن الله. كانت هذه النبوءات تأتي على شكل لعنات وبركات تنزل على بني إسرائيل. يمكنك قراءة البركات واللعنات كاملة (هنا). لقد قمت بتسليط الضوء على الأفكار الرئيسة أدناه.

 البركات

يبدأ النبيّ موسى عليه السلام بوصف النِعَم والبركات الرائعة التي سيحصل عليها بنو إسرائيل إذا ما أطاعوا الوصايا. وهذه البركات سوف تكون على مرأى ومسمع من الأمم الأخرى بحيث تعرف هذه الأمم بركات الله. كما هو مكتوب

 فَيَرَى جَمِيعُ شُعُوبِ الأَرْضِ أَنَّ اسْمَ الرَّبِّ قَدْ سُمِّيَ عَلَيْكَ وَيَخَافُونَ مِنْكَ.

(تثنية 28: 10)

لكنَّهم إذا أخفقوا في إطاعة الوصايا، فسوف يتلقّون عندها اللعنات بدلاً من البركات. ومرَّة أخرى سوف ترى الشعوب المـــُحيطة بهم هذه اللعنات بحيث:

تَكُونُ دَهَشًا وَمَثَلاً وَهُزْأَةً فِي جَمِيعِ الشُّعُوبِ الَّذِينَ يَسُوقُكَ الرَّبُّ إِلَيْهِمْ.

(تثنية 28: 37)

.  واللعنات

 وستكون هذه اللعنات أيةً لبني إسرائيل أنفسهم

فَتَكُونُ فِيكَ آيَةً وَأُعْجُوبَةً وَفِي نَسْلِكَ إِلَى الأَبَدِ.

(تثنية 28: 46)

حذَّر الله من أن الجزء الأسوأ من اللعنات سيأتي من الأمم الأخرى.

يَجْلِبُ الرَّبُّ عَلَيْكَ أُمَّةً مِنْ بَعِيدٍ، مِنْ أَقْصَاءِ الأَرْضِ كَمَا يَطِيرُ النَّسْرُ، أُمَّةً لاَ تَفْهَمُ لِسَانَهَا، أُمَّةً جَافِيَةَ الْوَجْهِ لاَ تَهَابُ الشَّيْخَ وَلاَ تَحِنُّ إِلَى الْوَلَدِ، فَتَأْكُلُ ثَمَرَةَ بَهَائِمِكَ وَثَمَرَةَ أَرْضِكَ حَتَّى تَهْلِكَ، … حَتَّى تُفْنِيَكَ. وَتُحَاصِرُكَ فِي جَمِيعِ أَبْوَابِكَ حَتَّى تَهْبِطَ أَسْوَارُكَ الشَّامِخَةُ الْحَصِينَةُ الَّتِي أَنْتَ تَثِقُ بِهَا فِي كُلِّ أَرْضِكَ. تُحَاصِرُكَ فِي جَمِيعِ أَبْوَابِكَ، فِي كُلِّ أَرْضِكَ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ.

(تثنية 28: 49-52)

وسوف يكون الأمر من سيِّءٍ إلى الأسوأ

فَتُسْتَأْصَلُونَ مِنَ الأَرْضِ الَّتِي أَنْتَ دَاخِلٌ إِلَيْهَا لِتَمْتَلِكَهَا. وَيُبَدِّدُكَ الرَّبُّ فِي جَمِيعِ الشُّعُوبِ مِنْ أَقْصَاءِ الأَرْضِ إِلَى أَقْصَائِهَا… وَفِي تِلْكَ الأُمَمِ لاَ تَطْمَئِنُّ وَلاَ يَكُونُ قَرَارٌ لِقَدَمِكَ، بَلْ يُعْطِيكَ الرَّبُّ هُنَاكَ قَلْبًا مُرْتَجِفًا وَكَلاَلَ الْعَيْنَيْنِ وَذُبُولَ النَّفْسِ. (تثنية 28: 63-65)

رُسِّخَت هذه البركات واللعنات بموجب عهدٍ وميثاق.

لِكَيْ يُقِيمَكَ الْيَوْمَ لِنَفْسِهِ شَعْبًا، وَهُوَ يَكُونُ لَكَ إِلهًا كَمَا قَالَ لَكَ، وَكَمَا حَلَفَ لآبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ. وَلَيْسَ مَعَكُمْ وَحْدَكُمْ أَقْطَعُ أَنَا هذَا الْعَهْدَ وَهذَا الْقَسَمَ … وَمَعَ الَّذِي لَيْسَ هُنَا مَعَنَا الْيَوْمَ. (تثنية 29: 12- 15)

سيكون هذا العهد موجَّهًا إلى الأجيال القادمة – بني إسرائيل والشعوب الأجنبيَّة على حدٍّ سواء.

وَيُفْرِزُهُ الرَّبُّ لِلشَّرِّ مِنْ جَمِيعِ أَسْبَاطِ إِسْرَائِيلَ حَسَبَ جَمِيعِ لَعَنَاتِ الْعَهْدِ الْمَكْتُوبَةِ فِي كِتَابِ الشَّرِيعَةِ هذَا. فَيَقُولُ الْجِيلُ الأَخِيرُ، بَنُوكُمُ الَّذِينَ يَقُومُونَ بَعْدَكُمْ، وَالأَجْنَبِيُّ الَّذِي يَأْتِي مِنْ أَرْضٍ بَعِيدَةٍ، حِينَ يَرَوْنَ ضَرَبَاتِ تِلْكَ الأَرْضِ وَأَمْرَاضَهَا الَّتِي يُمْرِضُهَا بِهَا الرَّبُّ… لاَ تُزْرَعُ وَلاَ تُنْبِتُ وَلاَ يَطْلُعُ فِيهَا عُشْبٌ مَا… وَيَقُولُ جَمِيعُ الأُمَمِ: لِمَاذَا فَعَلَ الرَّبُّ هكَذَا بِهذِهِ الأَرْضِ؟ لِمَاذَا حُمُوُّ هذَا الْغَضَبِ الْعَظِيمِ؟

فَيَقُولُونَ: لأَنَّهُمْ تَرَكُوا عَهْدَ الرَّبِّ إِلهِ آبَائِهِمِ الَّذِي قَطَعَهُ مَعَهُمْ حِينَ أَخْرَجَهُمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ… فَاشْتَعَلَ غَضَبُ الرَّبِّ عَلَى تِلْكَ الأَرْضِ حَتَّى جَلَبَ عَلَيْهَا كُلَّ اللَّعَنَاتِ الْمَكْتُوبَةِ فِي هذَا السِّفْرِ… وَاسْتَأْصَلَهُمُ الرَّبُّ مِنْ أَرْضِهِمْ بِغَضَبٍ وَسَخَطٍ وَغَيْظٍ عَظِيمٍ، وَأَلْقَاهُمْ إِلَى أَرْضٍ أُخْرَى كَمَا فِي هذَا الْيَوْمِ. (تثنية 29: 21- 28)

 هل حدثت بركات ولعنات موسى (عليه السلام)؟

إنَّ السؤال الأكثر أهميَّة الذي ينبغي طرحه: ‘هل حدثت هذه الأمور فعلاً؟، بالإجابة على هذا السؤال سوف نعرف ما إذا كانت كتابات موسى جديرة بالثقة، وسوف نحصل منها على الإرشاد لحياتنا اليوم. إنَّ الجواب في متناول أيدينا بما أنَّ معظم ما جاء في العهد القديم في الكتاب المقدَّس هو سجلٌّ لتاريخ بني إسرائيل، ومن هنا يمكننا أن نعرف ما يحدث. كما أنَّ لدينا أيضًا سجلّات من خارج العهد القديم مِنَ العديد من المؤرِّخين القدماء، وكذلك من العديد من المعالم الأثريَّة. هذه المصادر كلّها تتَّفق فيما بينها وترسم صورةً ثابتةً لتاريخ بني إسرائيل. وهذه آية أخرى لنا. توجد هنا لمحة عامّة عن تاريخ بني إسرائيل مع جداول زمنيَّة لمساعدتنا على رؤية أفضل لما حدث في تاريخهم.

ما الذي نفهمه من هذا التاريخ؟ نعم بالفعل، إنَّ لعنات موسى (عليه السلام)، بقدر ما كانت رهيبةً، قد حدثت فعلاً – وتمامًا كما كَتبَ قبل آلاف السنين – قبل أن يحدث كلُّ شيء.

نهاية اللَّعَنات

لكنَّ اللعنات لم تنتهِ عند هذا الحدّ، بل استمرَّت. لاحظ كيف كانت نهاية البركات

وَمَتَى أَتَتْ عَلَيْكَ كُلُّ هذِهِ الأُمُورِ، الْبَرَكَةُ وَاللَّعْنَةُ، اللَّتَانِ جَعَلْتُهُمَا قُدَّامَكَ، فَإِنْ رَدَدْتَ فِي قَلْبِكَ بَيْنَ جَمِيعِ الأُمَمِ الَّذِينَ طَرَدَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ إِلَيْهِمْ، وَرَجَعْتَ إِلَى الرَّبِّ إِلهِكَ، وَسَمِعْتَ لِصَوْتِهِ حَسَبَ كُلِّ مَا أَنَا أُوصِيكَ بِهِ الْيَوْمَ، أَنْتَ وَبَنُوكَ، بِكُلِّ قَلْبِكَ وَبِكُلِّ نَفْسِكَ، يَرُدُّ الرَّبُّ إِلهُكَ سَبْيَكَ وَيَرْحَمُكَ، وَيَعُودُ فَيَجْمَعُكَ مِنْ جَمِيعِ الشُّعُوبِ الَّذِينَ بَدَّدَكَ إِلَيْهِمِ الرَّبُّ إِلهُكَ. إِنْ يَكُنْ قَدْ بَدَّدَكَ إِلَى أَقْصَاءِ السَّمَاوَاتِ، فَمِنْ هُنَاكَ يَجْمَعُكَ الرَّبُّ إِلهُكَ، وَمِنْ هُنَاكَ يَأْخُذُكَ، 5وَيَأْتِي بِكَ الرَّبُّ إِلهُكَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي امْتَلَكَهَا آبَاؤُكَ فَتَمْتَلِكُهَا، وَيُحْسِنُ إِلَيْكَ وَيُكَثِّرُكَ أَكْثَرَ مِنْ آبَائِكَ. (تثنية 30: 1- 5)

 السؤال البديهيّ الذي يُطرَح (مرَّة أخرى): هل حدث ذلك؟ انقر (اختتام عنة ونعيمه) لمتابعة تاريخهم.

 خاتمة التوراة – الزبور المُنتَظَر

وهكذا خُتِمَت التوراة مع البركات واللعنات التي تمَّ التنبّؤ بها. مات النبيّ موسى (عليه السلام) بعد ذلك بفترةٍ وجيزة. ثمَّ دخل بنو إسرائيل الأرض بقيادة يشوع خليفة موسى، وعاشوا فيها. وكما هو موضَّح في تاريخ بني إسرائيل، فقد عاشوا هناك دون أن يكون لديهم ملك ودون عاصمة، إلى أن صعد الملك داود العظيم إلى السلطة. وقد بدأ قسمًا جديدًا من الأسفار المقدّسة الذي يدعوه القرآن الكريم باسم الزبور. علينا أن نفهم الزبور نظرًا إلى أنَّه يستأنف الآيات التي بدأت في التوراة، وذلك من شأنه أن يساعدنا على فهم الإنجيل. سوف نتناول في المقالة التالية، الزبور.