الإنجيل بحسب… مَنْ؟

     طُرِح عليَّ مؤخّرًا سؤالٌ ممتازٌ.  وأنا أنقله هنا.

        مرحبًا، هل يمكنك أن توضِّح سبب وجود عبارة بحسب لوقا، بحسب يوحنّا في الإنجيل؟          بقدر ما أستطيع أن أفهم، فإنَّ كلمة بحسب تعني قصَّة استلهمها ذلك الشخص استنادًا     إلى ما فهمه.

        ولذا، أنا مهتمٌّ بالإنجيل (الأناجيل) بحسب يسوع عليه السلام و ‘‘ليس بحسب’’ لوقا، يوحنّا وغيرهم.  إذا كانت لديك نسخة، فسأكون سعيدًا بالحصول عليها منك.

     فكَّرت أنَّ إعطاء إجابة متعمِّقة كانت أمرًا يستحقُّ الجهد.  دعونا نفكِّر بالسؤال وحتّى إعادة صياغته بعض الشيء.

ماذا تعني كلمة ‘إنجيل’؟

     يوجد كتبُ أناجيلٍ أربعة في كتاب العهد الجديد:  إنجيل متّى و مرقس و لوقا و يوحنَّا.  ما معنى أن تكون هذه الأناجيل ‘بحسب’ هؤلاء الكتّاب المختلفين؟  هل يعني هذا وجود أربعة أناجيل مختلفة؟  وهل تختلف هذه الأناجيل عن ‘إنجيل يسوع’؟  هل يعني هذا أنَّ هذه الأناجيل هي قصصٌ ‘استوحاها ذلك الشخص اعتمادًا على فهمه’؟

     من السهل جدًا مع أسئلةٍ كهذه أن نطرح جانبًا التفكير الجدّيَ بسبب آرائنا المــُسبَقَة.  ولكن للحصول على إجابةٍ منهجيَّةٍ، إجابةٍ تستندُ إلى المعرفة، علينا أن نفهم معنى كلمة ‘إنجيل’.  في اللغة اليونانيّة الأصليَّة (وهي لغة العهد الجديد الأصليَّة، انظر هنا للحصول على التفاصيل) الكلمة المرادفة لكلمة الإنجيل في اللغة اليونانيّة هي εὐαγγελίου (تُلفَظ euangeliou باللغة الإنكليزيَّة).  هذه الكلمة تعني ‘رسالة أخبارٍ سارَّة’.  نحن نعرف هذا من خلال معرفتنا كيفيَّة استخدامها في التاريخ القديم.  كُتِب العهدُ القديم (التوراة و الزبور) باللغة العبريَّة (انظر هنا للحصول على التفاصيل).  ولكن حوالي 200 قبل الميلاد – قبل العهد الجديد – ولأنَّ اللغة اليونانيّة في ذلك العصر أصبحت لغة العالم المنطوقة إلى حدٍّ كبير، قام علماء الدين اليهود في ذلك العصر بترجمة العهد القديم من اللغة العبريّة إلى اللغة اليونانيَّة.  دُعِيَت هذه الترجمة بالسبعينيّة (انظر هنا للحصول على مزيدٍ من التفاصيل حول الترجمة السبعينيّة من الموقع الآخر الخاص بي على الإنترنت).  انطلاقًا من الترجمة السبعينيَّة، يمكننا أن ندرك كيف تمَّ استخدام الكلمات اليونانيّة في ذلك العصر (أيّ 200 قبل المسيح).  إليكم هنا فقرة من العهد القديم حيث تمَّ استخدام كلمة  εὐαγγελίου (‘الأخبار السارَّة أو البشارة’) في الترجمة السبعينيَّة.

        فأجاب داود ركاب وبعنة أخاهُ ابنيّ رمُّون البئيروتي وقال لهما.  حيٌّ هو الربُّ     الذي فدى نفسي من كلِّ ضيقٍ.  إنَّ الذي أخبرني قائلاً هوذا قد مات        شاول وكان في عيني نفسهِ كمبشِّرٍ قبضتُ عليهِ وقتلتهُ في صقلغ.  ذلك أعطيتهُ بشارةً.  (2 صموئيل 9:4-10)

     هذه إحدى الفقرات حيث يتحدَّث الملك داود عن كيفيّة مجيء أحد الأشخاص حاملاً له أخبارَ موت عدوِّه معتقدًا أنّها ستكونُ أخبارًا سارَّة بالنسبة إلى الملك.  تُرجِمَت كلمة ‘الأخبار السارّة’ إلى εὐαγγελίου في الترجمة اليونانيّة السبعينيّة في الأعوام 200 قبل المسيح.  وهكذا فإنَّ هذا يعني أنَّ  εὐαγγελίου باللغة اليونانيّة تعني ‘الأخبار السارَّة’.

     لكنَّ  εὐαγγελίου تعني أيضًا الكتاب التاريخي أو الوثيقة التي تتضمَّن ‘الأخبار السارّة’.  على سبيل المثال، كان Justin Martyr جستن الشهيد أحد أوائل أتباع الإنجيل (وهذا ما سيجعله أشبه ما يكون ﺒ ‘خليفة’ صحابة النبيّ (صلّى اللهُ عليه وسلَّم) و كاتبٌ على نطاقٍ واسعٍ.  استخدم جستن الشهيد كلمة εὐαγγελίου على هذا النحو عندما كتب ‘‘… لكن كُتِبَ في الإنجيل أيضًا أنَّ اللهَ قال…’’ (جستن الشهيد، حوار مع تريفو  Trypho، 100).  استُخدِمَت عبارة ‘الأخبار السارّة’ هنا للإشارة إلى كتاب.

     في العنوانين ‘الإنجيل بحسب…’ وردت كلمة إنجيل εὐαγγελίου بالمعنى الأوّل للكلمة، في حين تشير أيضًا إلى المعنى الثاني.  ‘الإنجيل بحسب متّىيعني الأخبار السارّة كما هو مدوَّن في سجلٍّ كتبه متّى.

مقارنة الإنجيل ﺒـ ‘الأخبار’

     إنَّ الكلمة ‘الأخبار’ اليوم المعنى المزدوج نفسه.  كلمة ‘أخبار’ بمعناها الأساسيّ تعني الأحداثٍ المأساويّة التي تقع، مثل المجاعة أو الحرب.  لكن يمكن أن تُشير أيضًا إلى وكالات أنباء مثل قناة BBC أو الجزيرة أو CNN التي تنقل هذه المواد ‘الإخباريّة’ إلينا.  بينما أنا أكتب هذا، تصنع الحرب الأهليّة في سوريا الكثير من الأخبار، وسيكون من الطبيعيّ بالنسبة إليَّ أن أقول ‘‘سأستمع إلى أخبار قناة BBC حول سوريا.  تشير كلمة ‘أخبار’ في هذه الجملة في المقام الأوّل إلى الأحداث، لكنّها تشير أيضًا إلى وكالة الأنباء التي تنقل الأحداث.  لكنَّ قناة BBC لا تصنع الأخبار، كما أنَّ الأخبار لا تتعلَّق بها – فهي تتعلَّق بالحدث الدراماتيكيَّ المؤثِّر. إنَّ المستمع الذي يريد الاطّلاع على حدثٍ إخباريّ ما قد يستمع إلى تقاريرٍ إخباريّةٍ متعدِّدةٍ من وكالات أنباءٍ مختلفة للحصول على منظورٍ عامّ أكثر اكتمالاً- وكلُّ ذلك يتعلَّق بالحدث الإخباريّ عينه.

     بالطريقة ذاتها، يتحدَّث الإنجيل عن عيسى المسيح – يسوع (عليه السلام).  إنّه هو وحده موضوع التركيز الإخباري، وهناك إنجيلٌ واحدٌ فقط.  لاحظوا كيف استهلَّ مرقس كتابه:

‘‘بدءُ إنجيلِ يسوع المسيح…’’ (مرقس 1:1)

     يوجد إنجيلٌ واحدٌ وهو عن يسوع (عيسى – عليه السلام)، ويتضمَّن رسالةً واحدةً، لكنَّ هذه الرسالة قد دوِّنت مِن قِبَل مرقس في كتاب، وهذا الكتاب يُدعى أيضًا إنجيلاً.

 الأناجيل – مماثلة للحديث الشريف

     يمكنك أيضًا أن تفكِّر في الأناجيل من منطلق أنّها أحاديث.  هناك أحاديث شريفة حول الحدث نفسه تأتي من خلال أحاديث شريفة مُسنَدَة مختلفة أو من خلال سلسلة من الرواة.  إنَّ الحدث شيءٌ واحدٌ، لكنَّ سلسلة الرواة يمكن أن تكون مختلفة.  إنَّ ما يتضمَّنه الحديث الشريف من حدثٍ أو من قولٍ لا يتعلَّق بالرواة – إنَّه يتعلَّق بشيءٍ ما قاله النبيُّ محمَّد (صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم) أو فعله.  الشيء نفسه تمامًا ينطبق على الأناجيل، باستثناء أنَّ سلسلة الأحاديث المــُسنَدَة ما هي إلاَّ حلقة واحدة طويلة فقط.  إذا  كنت تقبل مبدئيًّا بأنَّ الإسناد (بعد القيام بالتدقيق الصحيح الذي قام به البخاري ومسلم) يمكن أن يقدِّم بشكلٍ دقيقٍ أقوال وأفعال النبيّ محمَّد (صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم)، حتّى ولو أنّه يمكن أن توجد أحاديث مُسنَدة مختلفة من خلال رواة مختلفين يعودون إلى الحدث نفسه، فلماذا تجد صعوبةً في قبول الحلقة الواحدة أو  ‘إسناد’ الراوي الطويل لكتبة الإنجيل؟  إنَّه المبدأ ذاته تمامًا لكنَّ سلسلة الإسناد أقصر بكثير ومكتوبة بصورةٍ أكثر وضوحًا بكثير لكونها كُتِبَت بعد فترةٍ قصيرةٍ جدًّا من وقوع الحَدَث وليس بعد بضعة أجيالٍ كما فعل العالمــَين البخاري ومُسلم عندما قاما بتحويل الأحاديث المــُسنَدَة الشفويَّة في أيّامهما إلى أحاديث مكتوبة.

لم يكن وحي كتبة الإنجيل إلهامًا ذاتيًّا

     لقد وعد عيسى المسيح (عليه السلام) كتبة الأناجيل هؤلاء بأنَّ ما يكتبونه سيكون وحيًا من الله – ليست الكتابة من إلهامهم البشريّ.  يقول بذلك الأناجيل والقرآن الكريم.

        ‘‘بهذا كلَّمتُكم وأنا عندكم.  وأمَّا المعزِّي الروحُ القُدُسِ الذي سيرسلهُ الآب      باسمي فهو يعلِّمُكم كلَّ شيءٍ ويذكِّركم بكلِّ ما قلتهُ لكم’’   (يوحنا 25:14-26)

 بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحيمِ

        وإذا أوحَيْتُ إلى الحَوارِيِّين أَن آمِنُوا بِي وَبِرَسُولي قالُوا آمَنَّا وَاشْهَد بأنَّنَا مُسلِموُنَ (سورة 111:5 – المائدة)

 إذن، إنَّ الوثائق المكتوبة التي قاموا بتدوينها – الأناجيل التي هي بين أيدينا اليوم – لم تكن وحيًا ذاتيًّا.  كانت بوحيٍّ مِن عند الله، وهذا الأمر يستحقُّ التفكير الجادّ.  إنَّ أناجيل متّى و مرقس و لوقا و يوحنّا كانت دائمًا (منذ كتابتها في القرن الأوّل) إنجيل يسوع – لقد كانوا هم رواة ذلك الإنجيل.  اقرأ كتاباتهم لتقرأ رسالة يسوع (عيسى – عليه السلام) وتفهم ﺍﻟــ ‘الأخبار السارَّة’ التي كان يعلِّمها.

ما سبب وجود نصوص الأناجيل الأربعة عوضًا عن إنجيلٍ واحدٍ؟

     يُطرَح عليَّ في بعض الأحيان هذا السؤال، إذا كان هناك إنجيلٌ واحدٌ، فلماذا يتضمَّن الكتاب (الكتاب المقدَّس) أناجيل أربعة كتب كلَّ واحدٍ منها مؤلِّفٌ مختلف؟  ألن يجعلهم ذلك عرضةً للخطأ (والتناقض) البشريّ المصدر وغير منزلين من عند الله؟

     يقول الكتاب المقدَّس (الكتاب) متحدِّثًا عن نفسه:  ‘‘كلُّ الكتابِ هو موحى به من الله ونافعٌ للتعليم والتوبيخ للتقويم والتأديب الذي في البرّ لكي يكون إنسان الله كاملاً متأهّبًا لكلِّ عملٍ صالحٍ’’ (2 تيموثاوس 16:3-17).  إذًا، يؤكِّد الكتاب المقدَّس/الكتاب، أنَّ الله هو المؤلِّف النهائي بما أنّه هو الذي أوحى بالكتاب لمن كتبه من البشر.  يتّفق القرآن الكريم اتّفاقًا تامًّا مع الكتاب المقدَّس حول هذه النقطة كما رأينا في الموقع حول ما يقوله القرآن الكريم عن الكتاب المقدَّس.  ورأينا أيضًا أنَّ عيسى المسيح وعد تلاميذه بإرشاد روح الحقّ (الروح القدس) لهم عندما سيشهدون للإنجيل. 

     ولكن كيف نفهم وجود أناجيل أربعة عوضًا عن إنجيلٍ واحدٍ؟  غالبًا ما نجد في القرآن الكريم آياتً متعدّدة تعيد رواية حدثٍ واحدٍ، وهذه مجتمعة تسمح لنا بتكوين صورة كاملة عن ذلك الحدث.  على سبيل المثال، استَخدمت الأسفار المقدّسة في الدرس الذي موضوعه آية آدم، سورة 19:7-26 (الأعراف) لتخبرنا عن آدم في الفردوس.  ولكنّها استخدمت أيضًا سورة 121:20-123 (طه).  وقدَّمت لنا هذه الفقرة الثانية فهمًا إضافيًّا لآدم من خلال شرح تعرُّضه ﻟـ ‘الإغراء’، الشيء الذي لم تتضمَّنه سورة الأعراف.  فهما تقدِّمان لنا عند قراءتهما معًا، صورة أكثر اكتمالاً لما حدث.  وكان هذا هو القصد – أن تكمِّل كلّ منهما الأخرى.   

     بالطريقة نفسها، كانت نصوص الأناجيل الأربعة في الكتاب المقدَّس (الكتاب) تدور دائمًا وفقط حول إنجيلٍ واحدٍ.  وهي معًا تقدِّم لنا فهمًا أكمل لإنجيل عيسى المسيح-عليه السلام.  إنَّ في كلِّ نصٍّ من النصوص الأربعة بعض المواد التي لا تتضمَّنها النصوص الثلاثة الأخرى.  وهي تقدِّم لذلك، إذا ما أُخِذَت معًا، صورةً أكثر اكتمالاً للإنجيل. 

     وهذا هو السبب في أنّه عندما يتمُّ الحديث عن محتوى الإنجيل، يكون ذلك دائمًا بصيغة المفرد، وذلك لأنَّ هناك إنجيلاً واحدًا فقط.  على سبيل المثال، نرى هنا في اقتباسٍ من العهد الجديد أنَّ هناك إنجيلاً واحدًا فقط.

‘‘وأعرِّفكم أيُّها الأخوة الإنجيل الذي بشَّرت به أنّه ليس بحسب إنسانٍ. لأنّي لم أقبلهُ عن عند إنسانٍ ولا عُلِّمته. بل بإعلان يسوع المسيح’’. (غلاطية 11:1-13)

     هكذا يُشارُ إلى الإنجيل في القرآن الكريم كما يمكنكم أن تروا في مقالتي نموذج ‘الإنجيل’ في القرآن الكريم. ولكن عندما نتحدَّث عن الشهود أو كتب الإنجيل، فإنَّ هناك أربعة كتب.  في الواقع، ما كان بالإمكان البتّ في مسألةٍ ما في التوراة بناءً على شهادة شاهدٍ واحدٍ فقط.  كانت الشريعة تتطلَّب وجود ‘‘اثنين أو ثلاثة شهود’’ كحدٍّ أدنى (تثنية 15:19) للإدلاء بشهادتهم حول حدثٍ واحدٍ معيَّن أو رسالة ذات أهميّة.  من خلال توفُّر أربعة شهود على الروايات، يُعتَبَر نصَّ الإنجيل مُسنَدًا فوق الحدّ الأدنى لمتطلَّبات الشريعة.