المسيح يعلم عن الطهاره الداخليه

لقد رأينا كيف كان لكلمات عيسى المسيح (عليه السلام) قوة فى التعليم وله سلطان على شفاء الناس،وحتى على السيطره على الطبيعه. وكانت كلماته موجهه ايضا للكشف عن حالة قلوبنا – ليجعلنا نختبر نفوسنا من الداخل كما من الخارج .كلنا نعرف عن الطهاره الخارجيه، فلهذا يتوضأ الناس قبل الصلاة، وياكلون اللحم الحلال.ذكر النبى محمد فى حديث :

“النظافه نصف ألأيمان” (صحيح مسلم.الباب ألأول-الكتاب الثانى-رقم 432 ).

ولكن النبى عيسى المسيح (عليه السلام) يريدنا ايضا ان نفكر بالطهاره الخارجيه. هذا مهم جدا لأنه يمكننا ان نرى نظافة الناس الخارجيه من عدم نظافتهم…لكن بالنسبه لله الوضع مختلف فهو يرى النظافه والطهاره الداخليه أيضا.

عندما كان هناك احد ملوك يهوذا الذين حافظوا ظاهريا على جميع ألألتزامات الدينيه، ولكنه لم يحافظ على طهارة ونظافة قلبه، جاء نبى فى ذلك الزمان برساله قال فيها :

“لأن عيني الرب تجولان فى كل ألأرض ليتشدد مع الذين قلوبهم كامله نحوه”.(اخبار ألأيام الثانى 16: 9 – الزبور).

كما اعلنت تلك الرساله، الطهاره الداخليه تتعلق “بقلوبنا” التى تفكر،وتشعر،وتقرر،وتسلم او تعصى،وتسيطر على اللسان.

انبياء الزبور اعلنوا ان عطش قلوبنا هو اساس خطايانا وان قلوبنا من ألأهميه بحيث ان عيسى(عليه السلام) اكد وشدد على هذا فى تعاليمه بمقارنته بطهارتنا الخارجيه.هنا نرى كيف سجل ألأنجيل المرات المختلفه التى علم فيها عن الطهاره الداخليه او النقاء :

طهر الداخل وايضا الخارج:

(فى الحديث التالى تم ذكر” الفريسيين” وهم معلمين للشريعه اليهوديه فى ذلك الوقت،مثل ألأئمه اليوم).عيسى (عليه السلام) ذكر ا تقديم  “العشور” لله (هذه هى الزكاة عند اليهود).:

“وفيما هو يتكلم سأله فريسى ان يتغدى عنده،فدخل واتكأ.واما الفريسى فلما رأى ذلك تعجب انه لم يغتسل اولا قبل الغداء.

فقال له الرب :”انتم ألآن ايها الفريسيون تنقون خارج الكأس والقصعه، واما باطنكم فمملوء اختطافا وخبثا.يا اغبياء،اليس الذى صنع الخارج صنع الداخل ايضا؟ بل اعطوا ما عندكم صدقه، فهوذا كل شئ يكون نقيا لكم.

ولكن ويل لكم ايها الفريسييون! لأنكم تعشرون النعنع والسذاب وكل بقل، وتتجاوزون عن الحق ومحبة الله .كان ينبغى ان تعملوا هذه ولا تتركوا تلك.

ويل لكم ايها الفريسيون! لأنكم تحبون المجلس ألأول فى المجامع ، والتحيات فى ألأسواق . ويل لكم ايها الكتبه والفريسيون المراؤون! لأنكم مثل القبور المختفيه،والذين يمشون عليها لا يعلمون.”                         (لوقا 11: 37-44 ).

حسب الشريعة اليهودية لمس جسد ميت يجعل اليهودى غير طاهر. عندما قال عيسى (عليه السلام)ان الناس يسيرون فوق “القبور المختفيه” كان يقصد انهم اصبحوا غير طاهرين بدون ان يدروا بذلك لأنهم يتجاهلون الطهاره الداخليه.انها مصيده سهله يقع فيها المؤمن بان يهتم فقط بالطهاره والنظافه الخارجيه وينسى الداخليه… وبالتالى يصبح غير طاهر مثل غير المؤمن الذى ليس له تقدير او اعتبار لأى التزام.

القلب ينجس الشخص الطاهر المتدين :-

عيسى المسيح(عليه السلام) يقتبس من اشعياء النبى(عليه السلام)  الذى عاش فى العام (750 قبل الميلاد) هذا التعليم الذى سجل فى الزبور:-

(اضغط هنا لرؤيه الجدول الزمني.)

حينئذ جاء إلى يسوع كتبه وفريسيون الذين من اورشليم قائلين:

“لماذا يتعدى تلاميذك تقليد الشيوخ،فانهم لا يغسلون ايديهم عندما يأكلون خبزا؟”.فأجاب وقال لهم:”وانتم ايضا ،لماذا تتعدون وصية الله بسبب تقليدكم؟  فان الله اوصى قائلا: اكرم اباك وامك،ومن يشتم ابا او اما فليمت موتا. واما انتم فتقولون : من قال لأبيه او امه:قربان هو الذى تنتفع به منى.فلا يكرم اباه او امه.فقد ابطلتم وصية الله بسبب تقليدكم! يا مراؤون !حسنا تنبأ عنكم اشعياء قائلا :

يقترب الى هذا الشعب بفمه،ويكرمنى بشفتيه،واما قلبه فمبتعد عنى بعيدا . وباطلا يعبدوننى وهم يعلمون تعاليم هى وصايا الناس”.

ثم دعا الجمع وقال لهم:”اسمعوا وافهموا. ليس ما يدخل الفم ينجس ألأنسان،بل ما يخرج من الفم هذا ينجس ألأنسان”.

فأجاب بطرس وقال له:”فسر لنا هذا المثل”.

فقال يسوع :”هل انتم ايضا حتى ألآن غير فاهمين؟  ألا تفهمون بعد ان كل ما يدخل الفم يمضى الى الجوف ويندفع الى المخرج؟ وأما ما يخرج من الفم فمن القلب يصدر،وذاك ينجس ألأنسان،لأن من القلب تخرج افكار شريره : قتل، زنى، فسق، سرقه، شهادة زور، تجديف.هذه هى التى تنجس ألأنسان، واما ألأكل بأيد غير مغسوله فلا ينجس ألأنسان”.                (متى 15 :1-20 ).

فى هذا اللقاء مع معلمى الشريعه اليهوديه، اشار عيسى المسيح (عليه السلام) بأننا نسرع فى بناء التزاماتنا الدينيه من التقاليد ألأنسانيه بدلا من رسالة الله. فى زمن عيسى المسيح(عليه السلام) تجاهل القادة اليهود وصية الله فى ألأهتمام بابائهم بانهم يقدمون اموالهم لأغراض دينيه بدلا من ان يساعدوا ابائهم.

السبب الدينى هو حقيقة تقليد من صنع ألأنسان.واليوم ايضا الوضع مشابه الى حد كبير.وقد اعلن احد العلماء بانه يمكن ان يكون هنالك شئ محدد يكون حراما بينما يقول شخص آخر انه حلال، ونحن لا ننظر لرسالة ألأنبياء فى هذه المسأله.ولكن الله يهتم جدا بالنجاسه التى تخرج من القلوب.هذه النجاسه تؤدى الى ادانتنا يوم القيامه (الدينونه) اسرع بكثير من كسر التقاليد ألأنسانيه.

جميل من الخارج ولكن ملئ بالشر من الداخل:-

“ويل لكم ايها الكتبه والفريسيون المراؤون ! لأنكم تنقون خارج الكأس والصحفه،وهما من داخل مملوآن اختطافا ودعاره.ايها الفريسى ألأعمى ! نق اولا داخل الكأس والصحفه لكى يكون خارجهما ايضا نقيا.

ويل لكم ايها الكتبه والفريسيون المراؤون ! لأنكم تشبهون قبورا مبيضه تظهر من خارج جميله ،وهى من داخل مملوءة عظام اموات وكل نجاسة.هكذا انتم ايضا : من خارج تظهرون للناس ابرارا ،ولكنكم من داخل مشحونون رياءا واثما”.(متى 23: 25-28)

فى هذه المخاطبه، عيسى المسيح(عليه السلام) تكلم بما شهدناه جميعا.متابعة الطهاره والنظافه الخارجيه يمكن ان يكون شائع جدا وسط المؤمنين،ولكن العديد مننا نحن المؤمنون مازلنا مملوئين بالجشع والتساهل مع دواخلنا- حتى الناس ذوى ألأهميه الدينيه والمركز الدينى.

نوال الطهاره الداخليه مهم- ولكنه اكثر صعوبه. الله سوف يحاسبنا على طهارتنا الداخليه بحرص شديد. اذن القضيه التى تثير نفسها :-       كيف نطهر قلوبنا بحيث يمكننا دخول ملكوت الله فى يوم الدينونه(القيامه)؟

سوف نواصل فى ألأنجيل لنجد ألأجابه.

ملكوت الله: كثيرون مدعوّون، إنّما…

    لقد رأينا كيف كان النبيّ عيسى المسيح (عليه السلام) يتكلَّمُ بسلطانٍ بحيث أنّ الأمراض و حتّى الطبيعة كانت تخضع له. وهو أيضًا قد تحدَّث مطوَّلاً عن ملكوت الله. تذكَّرْ أن العديد من أنبياء الزبور قد كتبوا عن مجيء ملكوت الله. وقد بنى عيسى على نبوءاتهم ليعلِّم أنَّ ملكوت الله كان ’قريبًا‘.

في البداية، علَّم الموعظة على الجبل، مبيِّنًا كيف كان يُنتَظَر من مواطني ملكوت الله أن يسلكوا ويعامِلوا بعضهم البعض. وقد علَّم مبدأً جذريًّا في محبّة حتّى ’العدوّ‘. فكِّر في مدى البؤس والموت والظلم والرعب الذي يعاني منهم الإنسان في يومنا هذا (يكفيك الاستماع إلى الأخبار لتتذكَّر) لأنَّ الكثيرين لا يستمعون إلى تعاليمه عن المحبّة. إذا كانت الحياة في ملكوت الله ستكون مختلفةً عن جحيم الحياة الذي نعيشه في بعض الأحيان في هذا العالم، فيتعيَّن علينا إذًا أن نعامِل بعضنا بعضًا بشكلٍ مختلفٍ – بمحبَّة.

 مَثَلُ الوليمة العظيمة

      بما أنّ عددًا قليلاً جدًّا من الأشخاص يعيشون بحسب تعاليم النبيّ عيسى المسيح (عليه السلام)، فإنّك سوف تعتقد  أن عددًّا قليلاً جدًّا سيكون مرغوبًا فيه في ملكوت الله أو مَدعوًّا إلى دخوله. ولكن ليس هذا هو الحال. لقد أعطى النبيّ عيسى المسيح (عليه السلام) مثلاً عن وليمة كبيرة لتوضيح مدى شموليَّة وامتداد دعوة المجيء إلى ملكوت الله. يسرد الإنجيل تعليمه في هذا الشأن:

 ﻟﻮﻗﺎ 14:15-24

مَثَلُ الوَليمَة

15 فَسَمِعَ أحَدُ الجالِسِينَ عَلَى المائِدَةِ هَذا الكَلامَ، فَقالَ لِيَسُوعَ: «هَنِيئاً لِكُلِّ مَنْ يَتَعَشَّى فِي مَلَكُوتِ اللهِ!»

16 فَقالَ لَهُ يَسُوعُ: «كانَ رَجُلٌ يُعِدُّ لِوَلِيمَةٍ عَظِيمَةٍ، وَدَعا أشخاصاً كَثِيرِينَ. 17 وَفِي وَقتِ الوَلِيمَةِ أرسَلَ خادِمَهُ لِيَقُولَ لِلمَدعُوِّينَ: ‹تَعالَوا لِأنَّ العَشاءَ جاهِزٌ!› 18 فَابتَدَأُوا جَمِيعاً يَختَلِقُونَ الأعذارَ. قالَ الأوَّلُ: ‹لَقَدِ اشتَرَيتُ حَقلاً، وَعَلَيَّ أنْ أخرُجَ وَأراهُ، فَاعذُرنِي مِنْ فَضلِكَ.› 19 وَقالَ آخَرٌ أيضاً: ‹لَقَدِ اشتَرَيتُ لِلتَّوِّ عَشْرَةَ ثِيرانٍ وَأنا الآنَ ذاهِبٌ لِأُجَرِّبَها، فَاعذُرْنِي مِنْ فَضلِكَ.› 20 وَقالَ آخَرُ أيضاً: ‹لَقَدْ تَزَوَّجتُ مُنْذُ فَترَةٍ قَصيرَةٍ، وَلا أستَطِيعُ أنْ آتِيَ.›

21 «وَلَمّا عادَ الخادِمُ أخبَرَ سَيِّدَهُ بِكُلِّ هَذِهِ الأُمُورِ. فَغَضِبَ سَيِّدُ البَيتِ وَقالَ لِخادِمِهِ: ‹اخرُجْ بِسُرعَةٍ إلَى شَوارِعِ المَدِينَةِ وَأزِقَّتِها، وَأحضِرِ الفُقَراءَ وَالمُعَوَّقِيْنَ وَالعُرجَ إلَى هُنا!›

22 «فَعادَ الخادِمُ وَقالَ لَهُ: ‹يا سَيِّدُ، ما أمَرتَ بِهِ قَدْ تَمَّ. وَما يَزالُ هُناكَ مُتَّسَعٌ.› 23 فَقالَ السَّيِّدُ لِلخادِمِ: ‹اخرُجْ إلَى الطُّرُقاتِ الرِّيفِيَّةِ وَإلَى أسيِجَةِ الحُقُولِ وَألزِمِ النّاسَ بِالمَجِيءِ لِكَيْ يَمتَلِئَ بَيتِي. 24 فَإنِّي أقُولُ لَكُمْ، إنَّهُ لَنْ يَذُوقَ وَلِيمَتِي أحَدٌ مِنَ أولَئِكَ الَّذينَ دَعَوتُهُمْ أوَّلاً!›»

إنّ مفاهيمنا المـــُسَلَّم بها قد انقلَبَت رأسًا على عقِب – عدّة مرَّاتٍ – في هذا التعليم. في المقام الأوّل، قد نفترض أنّ الله لن يدعو كثيرين إلى ملكوته (الذي هو الوليمة في البيت) لأنّه لا يجد كثيرين يستحقّون ذلك، ولكنّ ظهرَ أنّ ذلك الافتراض خاطئ. إنّ دعوة الحضور إلى الوليمة موَجَّهة إلى الكثير الكثير من الناس. إنّ السيّد (الذي هو الله في هذا المثل) يريد أن تكون الوليمة مليئة بالمدعوّين. وهذا أمرٌ مُشَجِّعٌ.

      ولكن سرعان ما نعرف أنَّ ثمّة انعطافة أُخرى غير مُتوَقَّعة في تعليمه. إنَّ عددًا قليلاً جدًّا من الضيوف أراد فعلاً أن يأتي، بدلاً من ذلك جعلوا يسوقون الأعذار حتَّى لا يُضطّروا إلى الذهاب! فلننظر إلى مدى عدم منطقيَّة أعذارهم! من الذي سيشتري البقر دون أن يحاول إخراجها للاختبار قبل شرائها؟ ومن الذي سيشتري حقلاً دون أن يكون قد عاينه أوّلاً؟ كلاّ، إنّ هذه الأعذار تكشف عن النوايا الحقيقيَّة لقلوب الضيوف – فهم لم يكونوا مهتمّين بدخول ملكوت الله بل كان لديهم اهتمامات أُخرى بدلاً من ذلك.

بمجرّد تفكيرنا في أنَّ إرادة السيّد ربّما ستُصاب بالإحباط بسبب عدم حضور أحد الوليمة أو حضور عددٍ قليلٍ لها، فسيكون هناك انعطافةٌ أُخرى. إنَّ الناس ’غير المرغوب فيهم‘، أولئك الذين نحن جميعًا نقصيهم عن أفكارنا باعتبار أنّهم لا يستحقّون أن يكونوا مَدعوّين إلى احتفالٍ كبير، أولئك الذين يتواجدون في ’’الشوارع والأزِقّة‘‘ وبعيدًا في ’’طُرُق البلد وممرّاتها‘‘، هم ’’الفقير والمشلول والأعمى والأعرج‘‘ – هم الأشخاص عينهم الذين نتجنّبهم في كثيرٍ من الأحيان – تلقّوا دعواتً لحضور الوليمة. وهذه الدعوات تذهب إلى أبعد من ذلك بكثير وتضمُّ عددًا من الناس أكبر ممّا كنّا أنت وأنا لنعتقد أنّه ممكنٌ. إنَّ صاحب الدعوة يريد حضور الناس، وهو سيدعو حتّى أولئك الذين ما كنا نحن أنفسنا لندعوهم إلى بيوتنا.

وهؤلاء الناس يلبّون الدعوة! فليس لديهم اهتماماتٍ متعارضة مثل الحقول أو البقر لتصرف محبَّتهم بحيث لا يأتون إلى الوليمة. إنّ ملكوت الله ممتلئ، وإنّ إرادة السيّد قد تمَّت!

أعطى النبيّ عيسى المسيح (عليه السلام) هذا المثل ليجعلنا نطرحُ السؤال التالي: ’’هل سأقبل دعوةً إلى ملكوت الله إن تلقَّيتُ واحدة؟‘‘ أم سيجعلك الاهتمام أو الحبّ الذي يتعارض مع حضورك تقدِّم ذريعةً لرفض هذه الدعوة؟  الحقيقة هي أنّك مدعوٌّ إلى وليمة الملكوت هذه، لكنّ الواقع هو أنّ معظمنا سوف يرفض الدعوة لسببٍ أو لآخر. نحن لن نقول أبدًا ’لا ‘ بشكلٍ مباشر، لهذا فإنّنا نقدِّم الأعذار لتغطية رفضنا. في هذا المثل، كان السبب الأصليّ لرفضنا حبَّ الأشياء الأُخرى. إنّ أولئك الذين وُجِّهَت إليهم الدعوة أوّلاً أحبّوا أشياء هذا العالم (التي يُمثِّلها ’الحقل‘ و ’البقرة‘ و ’الزواج‘) أكثر ممّا أحبّوا ملكوت الله.

 مثلُ معلِّم الناموس الذي لم يحصل على التبرير

البعضُ منّا يُحبّون الأشياء الماديّة في هذا العالم أكثر ممّا يُحبّون ملكوت الله، ولذا فإنّنا سوف نرفض هذه الدعوة. وبعضنا الآخر يحبُّ أو يثق باستحقاق برِّه الذاتيّ.  علَّم النبيّ عيسى المسيح (عليه السلام) أيضًا عن هذا الموضوع في قصَّةٍ أُخرى:

ﻟﻮﻗﺎ 18:9-14

البِرُّ الحَقِيقِيّ

كَما رَوَى يَسُوعُ المَثَلَ التّالِي لِلَّذِينَ كانُوا مُقتَنِعينَ بِأنَّهُمْ صالِحُونَ وَيَحتَقِرُونَ الآخَرِينَ: 10 «ذَهَبَ اثْنانِ إلَى ساحَةِ الهَيكَلِ لِكَي يُصَلِّيا. كانَ أحَدُهُما فِرِّيسِيّاً، وَالآخَرُ جامِعَ ضَرائِبَ. 11 فَوَقَفَ الفِرِّيسِيُّ وَصَلَّى عَنْ نَفسِهِ فَقالَ: ‹أشكُرُكَ يا اللهُ لِأنِّي لَستُ مِثلَ الآخَرِينَ، اللُّصُوصِ وَالغَشّاشِيْنَ وَالزُّناةِ، وَلا مِثلَ جامِعِ الضَّرائِبِ هَذا. 12 فَأنا أصُومُ مَرَّتَينِ فِي الأُسبُوعِ، وَأُعطِي عُشراً مِنْ كُلِّ ما أكسِبُهُ.›

13 «أمّا جامِعُ الضَّرائِبِ فَوَقَفَ مِنْ بَعِيدٍ، وَلَمْ يَجرُؤْ عَلَى أنْ يَرفَعَ عَينَيهِ إلَى السَّماءِ، بَلْ قَرَعَ عَلَى صَدرِهِ وَقالَ: ‹ارحَمنِي يا اللهُ، فَأنا إنسانٌ خاطِئٌ!› 14 أقُولُ لَكُمْ، إنَّ جامِعَ الضَّرائِبِ هَذا، قَدْ عادَ إلَى بَيتِهِ مُبَرَّراً أمامَ اللهِ، أمّا الفِرِّيسِيُّ فَذَهَبَ كَما أتَىْ. لِأنَّ كُلَّ مَنْ يَرفَعُ نَفسَهُ يُذَلُّ، وَكُلُّ مَنْ يَتَواضَعُ يُرفَعُ.»

نلتقي هنا أحد الفرّيسيّين (وهو معلِّمُ دين مثل الإمام) الذي كان يبدو مثاليًّا في جدارته وجهوده الدينيَّة. وكان صومه وزكاته أكثر حتّى ممّا هو مطلوب. لكنّه وضع ثقته في برِّه الذاتيّ. ولم يكن هذا ما أبداه النبيّ إبراهيم (عليه السلام) قبل ذلك بزمنٍ طويلٍ عندما حصل على البِرّ فقط من خلال الثقة المتواضعة بوعد الله. في الواقع، طلب العشّار (وكانت مهنة غير أخلاقيَّة في ذلك الوقت) بتواضعٍ الرحمة، وبيقينه من حصوله على هذه الرحمة مجّانًا، مضى إلى بيته ’مُبرَّرًا‘ – باستقامةٍ مع الله – في حين أنّ الفرّيسي الذي نحتسب أنّه ’يسلك باستقامة مع الله‘، كانت خطاياه لا تزال تُحتَسَب ضدَّه.

وهكذا يسألك النبيّ عيسى (عليه السلام) ويسألني مرّة أُخرى وهو يتكلَّم بسلطان، إذا كنّا نرغب حقَّا في ملكوت الله، أو إذا كان ذلك مجرّد اهتمامٍ من بين اهتماماتٍ أُخرى كثيرة غيره. إنّه يسألنا أيضًا ما الذي نثقُ به – استحقاقنا الشخصيّ أو رحمة الله.

من المهمِّ أن نطرح على أنفسنا بصدقٍ هذه الأسئلة وإلاّ فإنّنا لن نفهم تعاليمه التي سنتناولها تاليًا – أنّنا نحتاج إلى الطهارة الداخليّة.

المسيح يُعلِن عن نفسه – من خلال تعليمه بسلطان

بدأ عيسى المسيح (عليه السلام) بعد أن جُرِّب مِنْ قِبَل الشيطان خدمته كنبيٍّ بتعاليم فريدةٍ من نوعها. وقد ظهر هذا بشكلٍ خاصّ في ما يُسمّى الآن موعظته على الجبل المسجَّلة في الإنجيل. يمكنك أن تقرأ الموعظة على الجبل كاملة هنا. سوف أقوم بتلخيص بعض النقاط الرئيسة، وبعد ذلك نجد الصلة المذهلة بما تنبّأ به النبيّ موسى في التوراة. علَّم عيسى المسيح (عليه السلام) ما يلي:

الغَضَب

21 «تَعرِفُونَ أنَّهُ قِيلَ لِآبائِكُمْ: ‹لا تَقتُلْ.  وَكُلُّ مَنْ يَقتُلْ يَستَحِقُّ المُحاكَمَةَ.› 22 أمّا أنا فَأقُولُ لَكُمْ إنَّ مَنْ يَغضَبُ مِنْ شَخصٍ آخَرَ فَإنَّهُ يَستَحِقُّ المُحاكَمَةَ، وَمَنْ يَشتِمُ شَخصاً آخَرَ يَنبَغِي أنْ يَقِفَ أمامَ مَجلِسِ القَضاءِ. وَكُلُّ مَنْ يَقُولُ لِشَخصٍ آخَرَ: ‹أيُّها الغَبِيُّ› يَستَحِقُّ الجَحِيمَ.

23 «لِذَلِكَ إنْ كُنتَ تُقَدِّمُ تَقدِمَةً عَلَى المَذْبَحِ، وَهُناكَ تَذَكَّرْتَ أنَّ شَخصاً آخَرَ لَهُ شَيءٌ عَلَيكَ، 24 فَاترُكْ تَقدِمَتَكَ هُناكَ أمامَ المَذْبَحِ، وَاذْهَبْ وَاصْطَلِحْ مَعَ ذَلِكَ الشَّخصِ أوَّلاً، ثُمَّ ارجِعْ وَقَدِّمْ تَقدِمَتَكَ.

25 «سالِمْ خَصمَكَ سَرِيعاً، بَينَما تَمشِي مَعَهُ فِي الطَّرِيقِ إلَى المَحكَمَةِ. وَإلّا فَإنَّهُ سَيُسَلِّمُكَ إلَى القاضِي، وَالقاضِي سَيُسَلِّمُكَ إلَى السَّجّانِ فَيُلقِي بِكَ إلَى السِّجْنِ. 26 أقولُ الحَقَّ لَكَ، إنَّكَ لَنْ تَخرُجَ مِنْ هُناكَ إلَىْ أنْ تَسُدَّ آخِرَ فِلْسٍ عَلَيكَ.

الزِّنَى

27 «سَمِعْتُمْ أنَّهُ قِيلَ: ‹لاتَزْنِ.›  28 أمّا أنا فَأقُولُ لَكُمْ: إنَّ كُلَّ مَنْ نَظَرَ إلَى امْرأةٍ لِيَشتَهيَها، فَقَدْ زَنَى بِها فِي قَلبِهِ. 29 لِذَلِكَ إنْ كانَتْ عَينُكَ اليُمنَى تَدفَعُكَ إلَى الخَطِيَّةِ، فَاقلَعْها وَألقِها بَعِيداً عَنْكَ. فَالأفضَلُ أنْ تَفقِدَ عُضْواً واحِداً مِنْ جِسْمِكَ، مِنْ أنْ يُطرَحَ جِسْمُكَ كُلُّهُ إلَى جَهَنَّمَ. 30 وَإنْ كانَتْ يَدُكَ اليُمنَى تَدفَعُكَ إلَى الخَطِيَّةِ، فَاقطَعْها وَألقِها بَعِيداً عَنْكَ. فَالأفضَلُ أنْ تَفقِدَ عُضْواً واحِداً مِنْ جِسْمِكَ، مِنْ أنْ يُطرَحَ جِسْمُكَ كُلُّهُ إلَى جَهَنَّمَ.

الطَّلاق

31 «قِيلَ أيضاً: ‹إذا طَلَّقَ أحَدٌ زَوجَتَهُ، فَليُعطِها وَثِيقَةً تُثبِتُ ذَلِكَ.›  32 أمّا أنا فَأقُولُ لَكُمْ إنَّ كُلَّ مَنْ يُطَلِّقُ زَوجَتَهُ، إلّا بِسَبَبِ الزِّنَى، فَإنَّهُ يُعَرِّضُها لارْتِكابِ الزِّنَى. وَمَنْ يَتَزَوَّجُ امْرأةً مُطَلَّقَةً، فَإنَّهُ يَزنِي.

القَسَم

33 «سَمِعْتُمْ أنَّهُ قِيلَ أيضاً لِآبائِكُمْ: ‹لا تَحلِفْ بِالكَذِبِ، بَلْ أوفِ بِما أقسَمْتَ بِأنْ تَفعَلَهُ لِلرَّبِّ.›  34 أمّا أنا فَأقُولُ لَكُمْ: لا تَحلِفُوا مُطلَقاً. 35 لا تَحلِفُوا لا بِالسَّماءِ لِأنَّها عَرشُ اللهِ، وَلا بِالأرْضِ لِأنَّها مَسنَدُ قَدَميهِ،  وَلا بِمَدِينَةِ القُدسِ لِأنَّها مَدِينَةُ المَلِكِ العَظِيمِ. 36 لا تَحلِفْ بِرَأسِكَ، لِأنَّكَ لا تَستَطِيعُ أنْ تَجعَلَ شَعرَةً مِنْهُ سَوداءَ أوْ بَيضاءَ. 37 فَإنْ أرَدْتُمْ أنْ تَقُولُوا ‹نَعَمْ،› فَقُولُوا ‹نَعَمْ.› وَإنْ أرَدْتُمْ أنْ تَقُولُوا ‹لا،› فَقُولُوا ‹لا.› وَكُلُّ ما يَزِيدُ عَنْ ذَلِكَ فَهُوَ مِنَ الشِّرِّيرِ. 

مُقاوَمَةُ الشَّرّ

38 «سَمِعْتُمْ أنَّهُ قِيلَ: ‹العَينُ بِالعَينِ، وَالسِّنُّ بِالسِّنِّ.›  39 أمّا أنا فَأقُولُ: لا تُقاوِمُوا الشَّرَّ. بَلْ إنْ لَطَمَكَ أحَدٌ عَلَى خَدِّكَ الأيمَنِ، فَقَدِّمْ لَهُ الخَدَّ الآخَرَ أيضاً. 40 وَإنْ أرادَ أحَدٌ أنْ يُحاكِمَكَ لِيَأخُذَ قَمِيصَكَ، فَدَعْهُ يَأخُذُ مِعطَفَكَ أيضاً. 41 وَإنْ أجبَرَكَ أحَدٌ عَلَى السَّيرِ مَعَهُ مِيلاً واحِداً، فَامشِ مَعَهُ مِيلَينِ. 42 وَإنْ طَلَبَ مِنْكَ أحَدٌ شَيئاً، فَأعطِهِ إيّاهُ. وَلا تَرفُضْ إقراضَ مَنْ يَطلُبُ الاقتِراضَ مِنْكَ.

مَحَبَّةُ الجَمِيع

43 «سَمِعْتُمْ أنَّهُ قِيلَ: ‹أحبِبْ صاحِبَكَ، وَأبغُضْ عَدُوَّكَ.›  44 أمّا أنا فَأقُولُ لَكُمْ: أحِبُّوا أعداءَكُمْ، وَصَلُّوا مِنْ أجلِ الَّذِينَ يَضْطَهِدُونَكُمْ، 45 فَتَكُونُوا بِذَلِكَ أبناءَ أبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّماءِ. لِأنَّ اللهَ يَجعَلُ الشَّمْسَ تُشْرِقُ عَلَى الخُطاةِ وَالصّالِحِينَ، وَيُرسِلُ المَطَرَ إلَى الأبرارِ وَالأشْرارِ. 46 فَإنْ أحبَبْتُمْ مَنْ يُحِبُّونَكُمْ فَقَط، فَأيَّةَ مُكافَئَةٍ تَستَحِقُّونَ؟ أفَلا يَفْعَلُ جامِعُو الضَّرائِبِ ذَلِكَ أيضاً؟ 47 وَإنْ كُنْتُمْ تُحَيُّونَ إخْوَتَكُمْ فَقَطْ، فَما الَّذِي يُمَيِّزُكُمْ عَنِ الآخَرِينَ؟ أفَلا يَفعَلُ حَتَّى عابِدُو الأوثانِ ذَلِكَ أيضاً؟ 48 لِذَلِكَ كُونُوا كامِلِينَ كَما أنَّ أباكُمُ السَّماوِيَّ كامِلٌ.

 

المسيح والعظة على الجبل

يمكنك أن ترى أنَّ عيسى المسيح (عليه السلام) قد علَّم مستخدمًا هذه الصيغة ’’سمعتُم أنّه قيلَ… أمّا أنا فأقولُ لكم…‘‘. في تركيبة الجملة هذه، هو عادةً أوَّل ما يستشهد بآيةٍ من التوراة، ثمّ يوسِّع نطاق الوصيَّة لتشمل الدوافع والأفكار والكلمات، إلى درجةٍ تبعثُ على الذهول. علَّمَ عيسى المسيح من خلال أخذ وصايا النبيّ موسى (عليه السلام) الصارمة، وجعل اتِّباعها حتَّى أكثر صعوبةً بكثيرٍ.

ولكن ما هو لافتٌ للنظر أيضًا هو السبب الذي يجعله يوسِّع وصايا التوراة. إنّه يفعل ذلك مستندًا إلى سلطانه هو. فهو يقول ببساطة ’أمّا أنا فأقولُ لكم…‘ وبذلك يزيد من مجال الوصيَّة. وهذا أحد الأمور التي كانت فريدة للغاية بشأن عيسى المسيح (عليه السلام). كما جاء في الإنجيل عندما انتهى من هذه العِظة:

فَلَمَّا أَكْمَلَ يَسُوعُ هذِهِ الأَقْوَالَ بُهِتَتِ الْجُمُوعُ مِنْ تَعْلِيمِهِ، لأَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ كَمَنْ لَهُ سُلْطَانٌ وَلَيْسَ كَالْكَتَبَةِ. (متى 7: 28-29)

بالفعل، علَّم عيسى المسيح (عليه السلام) كمَن له سلطانٌ عظيم. كان معظم الأنبياء رُسُلاً فقط ينقلون رسالةً من الله، ولكن كان الوضعُ مختلفًا هنا. لماذا تمكَّن عيسى المسيح من القيام بذلك؟ حيث أنَّ اسم ’المسيح‘ الذي نراه هنا كان لقبًا أُعطيَ في الزبور لشخصٍ آتٍ، فقد كان لديه سلطانٌ عظيمٌ. يصف المزمور 2 في الزبور حيث أُعطيَ لقبُ ’المسيحِ‘ للمرَّة الأولى، الله وهو يُكلِّم المسيح بالطريقة التالية:

اسْأَلْنِي فَأُعْطِيَكَ الأُمَمَ مِيرَاثًا لَكَ، وَأَقَاصِيَ الأَرْضِ مُلْكًا لَكَ. (مزمور 2: 8)

أُعطيَ المسيح سلطانًا على الأُممِ، حتّى أقاصي الأرض. إذًا، كان عيسى باعتباره المسيح يملك سلطانًا ليعلِّم على النحو الذي فعله.

النبيُّ والموعظة على

الجبل في الواقع، كما رأينا هنا، كان النبيّ موسى (عليه السلام) قد تنبّأ في التوراة بمجيء ’النبيّ‘ الذي سيُشتَهَر بطريقة تعليمه. وقد كتبَ موسى:

أُقِيمُ لَهُمْ نَبِيًّا مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ، وَأَجْعَلُ كَلاَمِي فِي فَمِهِ، فَيُكَلِّمُهُمْ بِكُلِّ مَا أُوصِيهِ بِهِ. وَيَكُونُ أَنَّ الإِنْسَانَ الَّذِي لاَ يَسْمَعُ لِكَلاَمِي الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِهِ بِاسْمِي أَنَا أُطَالِبُهُ. (تثنية 18: 18-19)

في طريقة تعليمه هذه، كان عيسى يمارس سلطته بوصفه المسيح، وكان يحقِّق نبوءة موسى عن النبيّ الذي سيعلِّم بسلطان عظيمٍ. كان هو في آنٍ معًا، المسيح و النبيّ.

أنتَ و أنا والموعظة على الجبل

إذا ما درستَ أو تأمَّلْتَ بعنايةٍ هذه الموعظة على الجبل لترى كيف ينبغي أن تعيش، فإنّك ربّما ستشعر بالحيرة. كيف يمكن لأحدٍ أن يطبِّق هذا النوع من الوصايا التي تكشف قلوبنا ودوافعنا؟ ما كان قصدُ عيسى المسيح (عليه السلام) من

.لقاء هذه العِظة

 يمكننا أن نعرف الجواب من جملته الختاميَّة. فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ. (متى 5: 48)

لاحظوا أنَّ هذا كان وصيَّةً وليس اقتراحًا. فمطلبه هو أن نكون كاملين؛ لماذا؟ لأنّ الله هو كاملٌ، وإذا أردنا أن نكون معه في الجنّة، فلا شيء أقلُّ من الكمال سيكون مقبولاً. نحن نعتقد في أحيانٍ كثيرةٍ بأنّه ربّما بمجرَّد أن تكون الحسنات أكثر من السيِّئات – فإنَّ ذلك سيكون كافيًا. ولكن إن كان ذلك هو الحال، وسمح الله لنا بدخول الجنّة، فلسوف ندمِّر كمالها ونحوِّله إلى الفوضى التي لدينا في هذا العالم. إنّ شهوتنا وجشعنا وغضبنا هم الذين يدمِّرون حياتنا هنا اليوم. إذا ذهبنا إلى الجنّة ونحن لا نزال نتمسَّك بهذه الشهوة وهذا الجشع والغضب، فحينها ستصبح تلك الجنّة بسرعةٍ مثل هذا العالم – تحفل بالمشاكل التي تسبَّبنا بها. في الواقع، إنَّ معظم تعاليم عيسى المسيح (عليه السلام) تركِّز على داخل قلوبنا بدلاً من التركيز على الشكليّات الخارجيَّة. فكِّر في كيفيّة تركيزه في تعليمٍ آخر على أعماق قلوبنا. ثُمَّ قَالَ: ’’إِنَّ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الإِنْسَانِ ذلِكَ يُنَجِّسُ الإِنْسَانَ.

لأَنَّهُ مِنَ الدَّاخِلِ، مِنْ قُلُوبِ النَّاسِ، تَخْرُجُ الأَفْكَارُ الشِّرِّيرَةُ: زِنىً، فِسْقٌ، قَتْلٌ، سِرْقَةٌ، طَمَعٌ، خُبْثٌ، مَكْرٌ، عَهَارَةٌ، عَيْنٌ شِرِّيرَةٌ، تَجْدِيفٌ، كِبْرِيَاءُ، جَهْلٌ. جَمِيعُ هذِهِ الشُّرُورِ تَخْرُجُ مِنَ الدَّاخِلِ وَتُنَجِّسُ الإِنْسَانَ‘‘. (مرقس 7: 20-23)

فما يجري في داخلنا إذن هو مهمٌّ جدًّا، والمستوى المطلوب هو الكمال. ولن يسمح الله إلاَّ لما هو ’كامل‘ بدخول كمال جنَّته. ولكن على الرغم من أنّ ذلك قد يبدو حسنًا من الناحية النظريَّة، إلاّ أنّه يُثير مشكلةً كبيرة: كيف سندخل الجنّة إذا لم نكن كاملين؟ إنَّ الاستحالة المطلقة لأن نكون كاملين بما فيه الكفاية، يمكن أن يتسبَّب بشعورنا باليأس. وهذا هو ما يريده؛ عندما نيأس من إمكانيّة أن نصبح يومًا صالحين تمامًا، وعندما نتوقَّف عن الثقة في استحقاقاتنا الذاتيّة المحتملة، عندئذٍ نصبح ’مساكين بالروح‘. قال عيسى المسيح مستهلاًّ تلك الموعظة كلّها:

’’طُوبَى لِلْمَسَاكِينِ بِالرُّوحِ، لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَا تِ‘‘. (متى 5: 3)

بداية الحكمة بالنسبة إلينا ليس صرف النظر عن هذه التعاليم باعتبار أنّها لا تسري علينا. إنّها تنطبقُ علينا؛ إنّ المعيار هو ’كونوا كاملين‘. عندما ندَع ذلك المعيار ينغرس فينا ونُدرك أنّنا لسنا قادرين على أن نصبح كذلك، نكون عندها قد بدأنا السير في الطريق المستقيم. نبدأ المسير في الطريق المستقيم لأنّنا وقد اعترفنا بعدم أهليَّتنا، قد نكون أكثر استعدادًا لقبول المساعدة ممّا إذا كنّا نعتقد بأنّنا نستطيع أن نفعل ذلك باستحقاقاتنا الذاتيّة.