كيف تمَّت ترجمة الكتاب المقدَّس؟

الكتاب المقدَّس لا يُقرأ عادةً بلغتَيه الأصليَّتين، (العبريِّة واليونانيّة). ولا يعود السبب إلى عدم توفُّره بهاتَين اللغَتين – فهو متوفِّر. يمكن لأيِّ شخصٍ مهتمّ أن يقوم بدراسة اليونانيّة والعبريّة في الجامعة حتّى يتمكَّن من قراءة الكتاب المقدّس في لُغتَيه الأصليَّتَين، وفي أغلب الأحيان، يدرس علماء اللاهوت الكتاب المقدَّس في هاتَين اللغَتَين. لكنَّ المؤمنين العاديِّين لا يمكنهم عادةً قراءة هذه اللغات، وبالتالي، بدلاً من ذلك يقومون بقراءة ترجمة للكتاب المقدَّس. لهذا، نحن في الغالب لا نرى الكتاب المقدَّس في لغتَيه الأصليَّتَين، ممّا يحدو بالبعض إلى الاعتقاد بأنَّ نسخته باللغات الأصليّة قد فُقِدَت، ويرى آخرون أنّ عمليَّة الترجمة أدَّت إلى التحريف. قبل القفز إلى هذه الاستنتاجات، ربّما يكون من الأفضل أوّلاً أن نفهم عمليَّة ترجمة الكتاب المقدَّس وتاريخها.

 تاريخ ترجمة الكتاب المقدَّس في مراحلها اللغويّة

تمَّ كتابة التوراة والزبور في الأصل باللغة العبريَّة خلال الفترة بين 1500- 400 قبل الميلاد. يظهر هذا في الجدول الزمنيّ التالي، حيث أنَّ خطوة اللغة #1 هي العبريَّة.

Slide3

تُرجِم الكتاب المقدَّس للمرَّة الأولى عندما تُرجِم العهد القديم (= التوراة والزبور) إلى اللغة اليونانيّة في سنة 250 قبل الميلاد. وهذه الترجمة التي لا تزال مُستَخدَمة على نطاقٍ واسعٍ اليوم، هي المعروفة بالترجمة السبعينيّة (أو (LXX. يُضيف الشكل أدناه هذه الترجمة الأولى إلى الجدول الزمنّي حيث تمَّ ترجمة خطوة اللغة #1 إلى اللغة #2 اليونانيّة. منذ ذلك الحين فصاعدًا، أصبح العهد القديم في كلٍّ من هاتين اللغتَين.

Slide4

في ذلك الزمن، كُتِبَت الأناجيل بعد صعود عيسى المسيح (عليه السلام) باللغة اليونانيّة ليشكِّلوا الكتاب المقدَّس كاملاً. يُتَرجَم الكتاب المقدَّس اليوم من المخطوطات العبريّة واليونانيّة العديدة الموجودة، إلى العديد من اللغات الحديثة (مثل العربيّة والإنكليزيّة) كما هو موضَّحٌ في الشكل أدناه كخطوة لغة #3.

Slide6

الترجمةـ في مقابل الترجمة الصوتيّة (نَسخْ كتابة لغة بحروفِ لغةٍ أخرى)

بسبب بعض المبادئ الأساسيّة جدًّا في الترجمة، يحاول بعض المترجمين إيجاد أفضل معنى. وبالتالي، فإنَّ استخدام أسلوب كلمة مقابل كلمة (الترجمة الحرفيَّة) لا يُستخدَم دائمًا. على سبيل المثال، إذا كنت أسأل عن الوقت باللغة العربيّة فسوف أقول ‘‘كم الساعة الآن؟’’ التي تُتَرجَم حرفيًّا إلى الإنكليزيّة على النحو التالي ‘‘ما ثمن الساعة الآن (أو كيف الساعة..)’’، ولكنّنا لا نستخدم هذا الأسلوب في الكلام في اللغة الإنكليزيّة، لهذا، فإنّ ترجمة تلك العبارة عن طريق المعنى بدلاً من الترجمة الحرفيَّة هو المفضَّل. لكنَّ المترجمين يحتاجون أحيانًا إلى الترجمة عن طريق الصوت المماثل بدلاً من ترجمة المعنى، خاصَّةً عندما يتعلَّق الأمر بالأسماء أو الألقاب. وهذا يُعرَف باسم الترجمة الصوتيَّة.

يوضِّح الشكل أدناه الفرق بين الترجمة والترجمة الصوتيَّة. يمكنك اختيار طريقتين لترجمة كلمة ‘الله’ من اللغة العربيّة إلى اللغة الإنكليزيّة. تستطيع ترجمتها بحسب المعنى ممّا يعطينا كلمة ‘God’، أو يمكنك أن تترجمها صوتيًّا على النحو التالي ‘Allah’ (الله). مع ازدياد التبادل بين اللغتَين الإنكليزيّة والعربيّة في السنوات الأخيرة، فقد أصبحت عبارة ‘Allah’ (الله)كلمة معتَرَف بها في اللغة الإنكليزيّة والتي تعني ‘God’.

Slide1
تُستَخدَم هنا كلمة ‘God’ لتوضيح كيف نُترجِم من خلال المعنى أو من خلال الصوت من لغةٍ إلى أخرى.

ليس ثمَّة خطأ وصواب في المـــُطلَق في اختيار الترجمة عن طريق المعنى أو الترجمة الصوتيّة في ما يتعلَّق بالأسماء والكلمات الرئيسة. ويتوقَّف الاختيار على مدى قبول المـــُصطَلَح أو فهمه في لغة المتلقّي.

أمّا بالنسبة إلى الكتاب المقدَّس، فقد كان على المترجمين أن يقرِّروا ما إذا كان من الأفضل ترجمة الأسماء والألقاب من خلال الترجمة (عن طريق المعنى) أو الترجمة الصوتيّة في مراحل الترجمة إلى اللغة اليونانيّة (#2) واللغة الحديثة (#3).

الترجمة من خلال المعنى في مقابل الترجمة الصوتيَّة في الترجمة السبعينيَّة

يوضِّح الشكل أدناه كيفيّة تأثير كلّ هذا في الكتب المقدَّسة في العصر الحديث حيث تظهر الآن الخطوات التاريخيَّة للترجمة (#1/ #2، #3).

Slide2
يوضِّح الشكل أعلاه عمليَّة ترجمة الكتاب المقدَّس إلى اللغات الحديثة

العهد القديم الأصليّ باللغة العبريّة (التوراة و الزبور) موجودٌ في الربع العُلويّ الأيسر رقم 1#، ويمكن إيجاده اليوم في النصّ الماسوريتي ومخطوطات البحر الميِّت. العهد الجديد (الإنجيل) باللغة اليونانيّة موجودٌ في الربع العلويّ الأيمن (#2) ويمكن الوصول إليه اليوم من خلال آلاف المخطوطات اليونانيَّة. يُرجى الاطِّلاع على مقالتي في علم النقد النصيّ لفهم كيفيَّة تأكيد المخطوطات على أنَّ النصّ الأصليّ لأسفار الكتاب المقدَّس هي غير مُحرَّفَة.

نظرًا إلى أنّ الترجمة السبعينيّة كانت الترجمة من العبريّة إلى اليونانيّة فهي تظهر على شكل سهم يتَّجه من الربع #1 إلى #2، حيث يتضمَّن الرقم 2 كلًّا من العهدَين القديم والجديد باللغة اليونانيّة. في الربع النصف السفليّ (#3) توجد اللغة الحديثة، كاللغة العربيّة، التي تُرجِم إليها الكتاب المقدَّس. تتمُّ ترجمة العهد القديم مباشرةً من اللغة العبريّة الأصليّة، ويُتَرجَم العهد الجديد من اللغة اليونانيّة الأصليّة كما يوضِّح ذلك سهمان يتَّجهان نحو اللغة الحديثة #3. إنَّ حقيقة أنّ بإمكان المترجمين استخدام ترجمة المعنى أو الترجمة الصوتيّة للأسماء والألقاب، توضِّحه عبارَتي ‘ترجمة’ و ‘ترجمة صوتيّة’ على جانبَي سهمَي الترجمة.

 الترجمة السبعينيّة شاهدٌ على موثوقيَّة الكتاب المقدَّس

تقدِّم لنا الترجمة السبعينيَّة مجموعة أخرى من النصوص للوصول إلى العهد القديم. بما أنَّ الترجمة السبعينيّة قد تُرجِمَت من العبريَّة حوالي 250 قبل الميلاد، (إذا عكسنا الأمر وأعدنا ترجمة النصّ اليونانيّ إلى العبريّة) يمكننا أن نرى النصّ العبريّ الذي ترجم منه هؤلاء المترجمين. إنَّ الرأي المقبول اليوم هو أنّ الترجمة السبعيّنيّة هي سجلُّ في غاية الدقَّة لترجمة مبكِّرة للنصّ العبريّ للعهد القديم. كانت الترجمة السبعينيّة تُقرأ في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط والبحر الأبيض المتوسِّط منذ مئات السنين، مِن قِبَل اليهود والمسيحيّين والوثنيّين- وحتّى يومنا هذا، لا يزال العديد من الأشخاص في الشرق الأوسط يستخدمونها. إذا قام أحدٌ ما (من المسيحيِّين أو اليهود، أو أيّ شخصٍ آخر) بتغيير العهد القديم بهدف تحريفه، فسيكون النصّ السبعينيّ في هذه الحال مختلفًا عن النصّ الماسوريتي العبريّ وعن مخطوطات البحر الميِّت. لكنَّ هذه النصوص هي واحدة. وبالمثل، إذا كان أحد الأشخاص في الإسكندريّة في مصر قد قام بتحريف الترجمة السبعينيَّة نفسها، فستكون نُسَخ مخطوطة الترجمة السبعينيّة في الإسكندريّة عندها، مختلفة عن مخطوطات الترجمة السبعينيّة الموجودة في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط والبحر الأبيض المتوسِّط. لكنّها هي نفسها. وبالتالي، فإنَّ المـــُعطيات تُخبرنا دون أيِّ تناقضٍ، أنّ العهد القديم لم يُحَرَّف.

السبعينيَّة في الترجمة

تُستَخدَم الترجمة السبعينيّة أيضًا كمساعدة إضافيّة في الترجمة. يستخدم علماء اللاهوت الترجمة السبعينيّة حتّى يومنا هذا لمساعدتهم على ترجمة بعض أكثر الفقرات صعوبة في العهد القديم. تُفهَم الترجمة اليونانيّة بشكلٍ جيِّدٍ، في بعض الفقرات حيث يكون من الصعب فهم النصّ العبريّ، يستطيع المترجمون أن يروا كيف فهم المترجمون السبعينيّون هذه العبارات قبل 2250 سنة. إنَّ المساهمة التي قدّمتها الترجمة السبعينيّة ككلّ في ترجمة العهد القديم هي أنّها أعطتنا مجموعة من المخطوطات الأخرى تدعم مصداقيّة العهد القديم فضلاً عن إعطائنا بُعدَ نظر للقيام بترجمة بعض الفقرات الصعبة بصورةٍ أفضل.

ولكنَّ هذا ليس كلّ شيء. فقد كان على المترجمين السبعينيّين أن يقرِّروا ما إذا كانت الكلمات أفضل في اللغة اليونانيّة بالترجمة الصوتيّة، أو من خلال الترجمة عن طريق المعنى كما هو موضَّح أعلاه. إنَّ فهمنا للترجمة من خلال المعنى/الترجمة الصوتيّة و الترجمة السبعينيّة سوف يساعدنا على إدراك مصدر الكلمات ‘Christ’ و ‘Messiah’(المسيَّا) و ‘Masih’ ( (عليه السلام)، الأمر الذي يتوجَّب علينا معرفته إذا أردنا أن نفهم
رسالة الإنجيل.  سوف نبحث في هذا الموضوعفي مقالتنا القادمة.المسيح)، وكيف ترتبط هذه المصطلحات بعيسى المسيح

علم النقد النَصِّيّ لمعرفة ما إذا كان الكتابُ المقدَّسُ محرَّفًا أم لا

‘‘ما الذي يدعوني إلى التفكير حتّى في أسفارِ الكتابِ المقدَّس؟ لقد كُتِبَ منذ فترةٍ طويلةٍ جدًّا، وقد تمَّ تنقيحه عدَّة مرَّاتٍ وله عددٌ كبيرٌ جدًّا من الترجمات – لقد سمعتُ أنَّ الرسالةَ الأصليَّة قد تغيَّرت بمرور الوقت’’. لقد سمعتُ أسئلةً وأقوالًا كهذه العديد من المرّات حول كتُبِ التوراة والزبور والإنجيل الذين يشكِّلون الكتاب أو الكتاب المقدَّس.

إنَّ هذا سؤالٌ مهمٌّ جدًّا، وهو مبنيٌّ على ما سمعناه حول الكتاب/الكتابُ المقدَّس. وهو قد كُتِبَ في النهاية منذ ما يزيد على ألفي سنة. لم يكن هناك مطبعةٌ أو آلات تصويرٍ أو شركات نشر خلال معظم تلك الفترة من الزمن. لذلك تمَّ نسخُ المخطوطات الأصليَّة باليد جيلاً بعد جيلٍ بالتزامنِ مع موتِ لغاتٍ وبروزِ لغاتٍ جديدةٍ، ومع انهيارِ إمبراطوريَّاتٍ وولادة إمبراطوريَّاتٍ جديدةٍ أُخرى. وبما أنَّ المخطوطات الأصليَّة لم تعد موجودة، فكيف نعلمُ أنَّ ما نقرأه اليوم في الكتاب (الكتاب المقدَّس) هو في الواقع ما كتبه الأنبياء الأصليُّون منذ زمنٍ بعيدٍ؟ وبمعزلٍ عن الدين، هل توجدٌ أيَّةُ أسبابٍ علميَّة أو منطقيَّة تدعونا إلى معرفة ما إذا كان ما نقرأُه اليوم محرَّفًا أم لا؟

المبادئ الأساسيَّة في النقد النصِّيّ

لا يُدركُ العديد ممَّن يقومون بطرح هذا السؤال أنَّ هناك قواعد علميَّة مُتَّبَعَة معروفة باسم النقد النصِّيّ والتي يمكننا من خلالها الإجابة على هذه الأسئلة. ولأنَّها قواعد سلوكٍ علميَّة، فهي تنطبق على أيِّ نوعٍ من أنواع الكتابة القديمة. ستقدِّمُ لنا هذه المقالة المبدأين الرئيسَين المــُستَخدَمَين في النقد النصِّيّ، ثمَّ يتمُّ تطبيقهما على الكتاب المقدَّس. وللقيام بذلك، نبدأ بهذا الشكل الذي يوضِّح العمليَّة التي تجعل أيَّة كتابةٍ قديمةٍ محفوظة بمرور الوقت بحيث نتمكَّن من قراءتها اليوم.

Article_13 arabic timeline
جدول زمني يوضح كيف جميع الكتب القديمة يأتون إلينا اليوم

يُبيِّنُ هذا الرسم البيانيّ مثالاً لكتابٍ كُتِبَ سنة 500 قبل المسيح. إنَّ هذا النصَّ الأصليّ لا يبقى إلى ما لا نهاية، ولذلك، وقبل أن يضمحلّ، يضيع أو يُتلَف، يتمُّ عمل نُسَخةٍ منه (النسخة الأولى). كانت فئة من الأشخاص المحترفين الذين يُطلَق عليهم اسم الكَتَبة تقوم بأعمال النسخ. ومع مرور السنين، كان يتمُّ عمل نسخٍ من النسخة (النسخة الثانية و النسخة الثالثة). وفي مرحلةٍ ما، يتمُّ الاحتفاظُ بإحدى النُسخ بحيث أنّها بقيت (موجودة) اليوم (النسخة الثالثة). في الرسم البياني الذي هو مثالنا، تعود هذه النسخة الموجودة إلى سنة 500 بعد الميلاد. وهذا يعني أنَّ أقرب ما يتسنَّى لنا معرفته عن حالة هذا الكتاب هو ابتداء من سنة 500 بعد الميلاد فقط. ومن ثمَّ، فإنَّ الفترة الممتدَّة من سنة 500 قبل الميلاد إلى سنة 500 بعد الميلاد (التي أُشيرَ إليها في الرسم البياني بعلامة ×)، هي الحقبة التي لا يمكننا أن نقوم بتدقيق أيّة نسخة من النسخ فيها بما أنَّ جميع مخطوطات تلك الحقبة قد اختَفت. على سبيل المثال، إذا تمَّ التحريف عند القيام بعمل النسخة الثانية من النسخة الأولى، فلن يكون بمقدورنا كشف هذا التحريف لأنَّ أيًّا من هذه الوثائق لم يعد موجودًا لمقارنته مع بعضه البعض. إنَّ هذه الفترة الزمنيّة قبل النُسَخ الموجودة هي الفاصل الزمنّي لعدم اليقين النصِّي – حيث يمكن أن يكون قد حدث التحريف. ومن ثمَّ، فإنَّ المبدأ الأوّل للنقد النصِّيّ هو أنَّه كلَّما كان الفاصل الزمنيّ × أقصر، كلَّما زادت ثقتنا في صحَّة الوثيقة المحفوظة إلى يومنا هذا، بما أنَّ فترة عدم اليقين تكون أقصر.

بطبيعة الحال، يوجد عادةً أكثر من نسخة مخطوطة واحدة من وثيقةٍ ما اليوم. لنفترض أنَّ لدينا نسختَين، وفي الفقرة نفسها من كلِّ واحدةٍ منهما العبارة التالية:

Article_13 arabic documents

 

يبيِّن لنا هذا الشكل قراءة مختلفة (تقول إحدى القراءتين ‘جوان’ وتقول القراءة الأخرى ‘جون’) لكن مع وجود عددٍ قليلٍ من المخطوطاتٍ فإنَّه من الصعب تحديد أيَّهما خطأ.

كان المؤلِّف الأصليّ يكتب إمّا عن جوان أو عن جون، وفي إحدى هاتَين المخطوطتَين يوجد خطأ. السؤال المطروحُ هو – في أيَّهما يوجد الخطأ؟ من الصعب جدًّا اتِّخاذ قرارٍ بهذا الشأن انطلاقًا من الأدلَّة المتوفِّرة (أيّ نسختين فقط).

لنفترض الآن أنَّنا وجدنا مخطوطتَين منسوختين إضافيَّتين من الوثيقة نفسها كما هو موضَّحٌ أدناه:

Article_13 arabic 4 documents

 

لدينا الآن أربع مخطوطات ومن السهل أن نرى في أيّة واحدة منها يكمن الخطأ.

أصبح من السهل الآن أن نقرِّر في أيّة مخطوطة وقع الخطأ. من المرجَّح أن الخطأ وقع مرَّةً واحدةً فقط ولم يتكرَّر الخطأ نفسه ثلاث مرَّات، لذلك، من المرجَّح أنَّ تكون المخطوطة المنسوخة الثانية هي النسخة التي وقع فيها الخطأ، وأنَّ المؤلِّف كان يكتب عن جوان وليس جون. ‘جون’ هو الاسم المحرَّف.

يوضِّح هذا المثال البسيط المبدأ الثاني في النقد النصِّيّ: كلَّما زاد عدد المخطوطات المنسوخة الموجودة اليوم، كلَّما كان كشف أخطائها وتصحيحها ومعرفة ما جاء في النصِّ الأصليّ أكثر سهولةً.

النقد النصِّيّ للكتب التاريخيَّة

لدينا الآن اثنان من مبادئ النقد النصِّي التي تُستَخدَم لتحديد الدقَّة أو الموثوقيَّة النصيَّة لأيِّ كتابٍ قديمٍ: 1) قياس الفترة الزمنيَّة الممتدَّة بين زمن الكتابة الأصليَّة وأقرب (أوائل) نسخ المخطوطات الموجودة، و 2) حساب عدد نسخ المخطوطات. وبما أنَّ هذين المبدأين يُطبَّقان على جميع الكتابات القديمة، فإنَّ باستطاعتنا أن نطبِّقهما على الكتاب المقدَّس وعلى الكتب القديمة الأخرى على حدٍّ سواء، كما فعلنا في الجداول أدناه (من كتاب جي. ماك دويل، McDowell J. أدلَّة تتطلَّب حكمًا Evidence That Demands a Verdict. 1979. صفحة 42-48).

 

 

المؤلِّف

 

تاريخ الكتابة

 

أقدم النسخ

زمنيًّا

 

الفاصل الزمنيّ

 

العدد

 

قيصر

  50ق.م

900   م   

950

10

أفلاطون

350 ق.م

900   م 

1250

7

أرسطو*

300 ق.م

1100 م

1400

5

ثيوسيديدز

400 ق.م

900  م 

1300

8

هيرودوت

400 ق.م

900  م

1300

8

سوفوكليس

400 ق.م

1000م

1400

100

تاسيتوس

100 م

1100م

1000

20

بليني

100 م

850  م

750

7

 

* مِن أيِّ عمل من أعماله

يمثِّل هؤلاء المؤلِّفون كتَّابَ الأدب الكلاسيكي الرئيسيّين من العصور القديمة – الكتابات التي شكَّلَت تطوُّر الحضارة الحديثة. إنَّ ما وصل إلينا من هذه الكتابات، لكن بعد 1000 سنة تقريبًا من كتابة المخطوطة الأصليَّة، هو بمعدَّل 10- 100 مخطوطة محفوظة.

 

النقد النصِّي للكتاب المقدَّس/الكتاب

يُقارن الجدول التالي كتابات الكتاب المقدَّس (الإنجيل على وجه الخصوص) بموجب هذه النقاط ذاتها. (من كتاب بي. دبليو. كومفورت Comfort, P. W. أصل الكتاب المقدَّس

The Origin of the Bible، 1992. صفحة 193).

 

 

نُسَخ المخطوطة

تاريخ

الكتابة

تاريخ المخطوطة

المنسوخة

الفاصل الزمنيّ

جون رايلَن

90  ميلاديّة

130 ميلاديّة

40 سنة

بودمِر

90 ميلاديَّة

150-200 م

110 سنوات

كتابات على ورق البردى

 

 

بعد

الميلاد

 

شيستر بيتي

60 ميلاديّة

200 ميلاديَّة

140 سنة

المخطوطات الفاتيكانيًّة

60-90

ميلاديَّة

325

ميلاديَّة

290

سنة

المخطوطات السينائيّة

60-90

ميلاديَّة

350

ميلاديَّة

290

سنة

 

موجز النقد النصِّيّ للكتاب المقدَّس/الكتاب

إنَّ عدد مخطوطات العهد الجديد هو من الكثرة بحيث أنَّه سيكون من المستحيل جدولتها. كما صرَّح أحد الباحثين الذي أمضى سنوات في دراسة هذه المسألة:

‘‘يوجد لدينا اليوم أكثر من 24000 نسخة من مخطوطات العهد الجديد… ما من وثيقةٍ أخرى تعود إلى العصور القديمة تبدأ حتّى في الاقتراب من مثل هذا العدد والشواهد. بالمقارنة، تأتي ملحمة الإلياذة لهوميروس في المرتبة الثانية بعددٍ من المخطوطات المنسوخة يبلغ 643 ما زالت موجودة’’ (من كتاب جي. ماك دويل، McDowell J. أدلَّة تتطلَّب حكمًا Evidence That Demands a Verdict. 1979. صفحة 40).

يتَّفق باحثٌ بارزٌ في المتحف البريطانيّ مع هذا القول:

‘‘إنَّ العلماء راضون عن امتلاكهم فعليًّا النصّ الحقيقيّ للكتَّاب الرئيسيِّين الإغريق والرومان… لكنَّ معرفتنا لكتاباتهم لا تزال تعتمد على مجرَّد حفنة من المخطوطات المنسوخة، في حين أنَّ مخطوطات العهد الجديد المنسوخة تُعَدُّ ﺒ… الآلاف’’ Kenyon, F.G. إف. جي. كينيون (المدير السابق للمتحف البريطاني) Our Bible and the Ancient Manuscripts كتابنا المقدَّس والمخطوطات القديمة. 1941 صفحة 23.

أمتلكُ كتابًا عن أوائل وثائق العهد الجديد. وهو يبدأ بهذه العبارات:

‘‘يقدِّم هذا الكتاب تدوينًا ﻟـ 69 مخطوطة من أوائل مخطوطات العهد الجديد… مؤرَّخة من أوائل القرن الثاني وحتّى بداية القرن الرابع (100 – 300 ميلاديَّة)… تحتوي على ما يُقارب ثلثي نصوص العهد الجديد’’ (بي. كومفورت P. Comfort، ‘‘ The Text of the Earliest New Testament Greek Manuscripts أوائل نصوص مخطوطات العهد الجديد باللغة اليونانيّة’’. مقدِّمة صفحة 17. 2001)

بعبارةٍ أخرى، إنَّ العديد من هذه المخطوطات الموجودة تعود إلى فتراتٍ تاريخيَّة مبكِّرة جدًّا، مائة سنة أو نحو ذلك فقط بعد كتابات العهد الجديد الأصليِّة. تأتي هذه المخطوطات في وقتٍ سابقٍ لصعود قسطنطين إلى السلطة وقبل نشوء الكنيسة الرومانيّة. وهذه المخطوطات منتشرة في جميع أنحاء الدول التي تطلُّ على البحر الأبيض المتوسِّط. إذا كان البعضُ منها من منطقةٍ ما محرَّفًا، فلسوف نرى الاختلاف من خلال مقارنته بمخطوطاتٍ موجودة في مناطق أخرى. لكنَّها متماثلة.

ما الذي يمكننا إذًا أن نستنتجه من هذا؟ بالتأكيد، على الأقلّ ما نستطيع أن نقيسه بموضوعيَّة (عدد نسخ المخطوطات الموجودة والفترة الزمنيَّة الممتدَّة بين تاريخ المخطوطة الأصليّة وأقرب المخطوطات المنسوخة الموجودة إلى هذا التاريخ) هو أنَّ الأدلَّة والبراهين التي يستند إليها العهد الجديد (الإنجيل) هي أكثر بكثير من التي يستند إليها أيٌّ من الكتابات الكلاسيكيَّة الأخرى. إنَّ حكمنا الذي تدفعنا الأدلَّة إلى إصداره يوجزه على أحسن وجه الاقتباس التالي:

 ‘‘إنَّ ارتيابنا في محصِّلة نصّ العهد الجديد يعني السماح بسقوط الأدب الكلاسيكي في العصور القديمة كلّه في الضبابيّة والغموض، لأنَّه ما من وثائق أخرى من العصور القديمة أفضل دعمًا بالأدلّة والمراجع مثل العهد الجديد’’ مونتغمري Montgomery، التاريخ والمسيحيَّة History and Christianity. 1971. صفحة 29

إنَّ ما يقوله هو أنَّنا يجب أن نكون ثابتين على مبدأ واحدٍ، إذا كنَّا نشكِّك في مصداقيَّة الكتاب (الكتاب المقدَّس) فقد يجوز لنا كذلك أن نرفض كلَّ ما نعرفه عن التاريخ الكلاسيكي بشكلٍ عام – وهذا ما لم يفعله أيُّ مؤرِّخٍ في أيِّ وقتِ من الأوقات. إنَّنا نعلم أنَّ نصوص الكتاب المقدَّس لم تتغيَّر بمجيء عصورٍ ولغاتٍ وإمبراطوريّاتٍ وأُفولها بما أنَّ أقدم نسخ المخطوطات الموجودة وُجِدَت قبل هذه الأحداث. على سبيل المثال، نحن نعلم أنَّه لا البابا ولا الإمبراطور الروماني قسطنطين قد قاما بتغيير الكتاب المقدَّس لأنَّ في حوزتنا مخطوطاتٍ تعود إلى زمن سابقٍ لزمن قسطنطين والباباوات، وكلُّ هذه المخطوطات السابقة تتضمَّن الأحداث نفسها.

يتبيَّن هذا في الجدول الزمنيّ التالي حيث يظهر أنَّ مصادر المخطوطة المـــُستَخدَمَة في ترجمة الكتب المقدَّسة الحديثة تأتي في زمنٍ أكثر قِدَمًا بكثير.

Article_13 arabic dotted timeline
تُرجِمَت الكتب المقدَّسة الحديثة من أوائل المخطوطات الموجودة، والتي يعود تاريخ الكثير منها إلى الأعوام 100- 300 ميلاديّة. تأتي هذه المخطوطات التي هي المصدر قبل قسطنطين أو قبل القوى السياسيّة الدينيَّة الأخرى بوقتٍ طويلٍ.

مجمل القول، لا الزمن ولا الزعماء المسيحيّون قد حرَّفوا الأفكار والرسالات الأصليَّة التي تمَّ وضعها في نصوص الكتاب أو الكتاب المقدَّس الأصليَّة. يمكننا أن نعرف أنَّنا نقرأ اليوم تمامًا ما كتبه المؤلِّفون فعلاً، وذلك من أُلوف المخطوطات القديمة التي لدينا اليوم. يدعم عِلمُ النقد النصِّيّ موثوقيَّة الكتاب/الكتاب المقدَّس.

النقد النصِّيّ في محاضرة جامعيَّة

كان لي شرف إلقاء محاضرةٍ عامَّةٍ حول هذا الموضوع في جامعة ويسترن أونتاريو Western Ontario في كندا منذ زمنٍ ليس ببعيد. في ما يلي يوجد فيديو مدَّته 17 دقيقة يعرِضُ جزءًا من المحاضرة يغطِّي هذا الموضوع.

لقد بحثنا في الواقع حتّى الآن في النقد النصِّيّ للعهد الجديد – الإنجيل. ولكن ماذا بشأن التوراة والزبور – الكتب التي تشكِّل العهد القديم؟ في الفيديو التالي الذي مدَّته 7 دقائق، قمتُ بإيجاز مبادئ النقد النصِّيّ للعهد القديم.