الشيطان يُجرِّبُ المسيح

لقد رأينا كيف جاء النبيّ يحيا (عليه السلام) ليُعِدَّ الناس لمجيء المسيح. كانت رسالته البسيطة لكن القويَّة تقول إنَّ الجميع يجب أن يتوبوا. يتابع الإنجيل سرده فيقول إنَّ النبيّ عيسى (عليه السلام) قد اعتمدَ على يد يحيا (عليه السلام). وهذا قد أعلنَ بِدء خدمة عيسى (عليه السلام) العامّة بوصفه المسيح. ولكن قبل أن يكون من الممكن أن تبدأ هذه الخدمة، كان على المسيح أن يُختَبَر ويُجَرَّب أوّلاً مِنْ قِبَل العدو الأكبر لنا جميعًا – الشيطان نفسه.

يصف الإنجيل هذا الاختبار بشيءٍ من التفصيل بذكر ثلاث تجارب محدَّدة عرضها الشيطان على عيسى (عليه السلام). دعنا نُلقي نظرة على كلِّ واحدةٍ منها بدورها. (سوف تلاحظ في هذه التجارب أنّ الشيطان يُخاطب عيسى داعيًا إيّاه بهذا اللقب الصعب ’ابن الله‘. ولكي نفهم ما معنى ذلك، يُرجى الاطّلاع على مقالتي هنا).

تجربة الخُبز

ثُمَّ أُصْعِدَ يَسُوعُ إِلَى الْبَرِّيَّةِ مِنَ الرُّوحِ لِيُجَرَّبَ مِنْ إِبْلِيسَ. فَبَعْدَ مَا صَامَ أَرْبَعِينَ نَهَارًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً،
جَاعَ أَخِيرًا. فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ الْمُجَرِّبُ وَقَالَ لَهُ: ’’إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَقُلْ أَنْ تَصِيرَ هذِهِ الْحِجَارَةُ خُبْزًا‘‘.

فَأَجَابَ وَقَالَ: ’’مَكْتُوبٌ: لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ اللهِ‘‘‘.
(متى 4: 1- 4)

نرى هنا شيئًا موازيًا لما حدث عندما أقدم الشيطان على إغراء أو تجربة آدم وحوّاء في الفردَوس. ولعلّكم تذكرون أنَّه في تلك التجربة، كانت الثمرة المـــُحَرَّمة ’…جيِّدة للأكل…‘ وكان ذلك أحد الأسباب في كونها مغريّةً جدًّا. في حالة عيسى (عليه السلام) هذه، وبعد صيامه (ولم يكن هذا الصوم يتبعه إفطار – أو كسر الصيام كلّ مساء) هذه الفترة الطويلة، فإنّ بإمكاننا أن نتفهَّم أنّ فكرة الخبز كانت بمثابة تجربة. ولكن هذه النتيجة كانت مختلفة عن نتيجة تجربة آدم بما أنَّ النبيّ عيسى المسيح (عليه السلام) قاوم التجربة، في حين لم يفعل آدم ذلك.

ولكن لماذا لم يكن مسموحًا له بأن يأكل خلال الأربعين يومًا هذه؟ لا يُجيب الإنجيل على وجه التحديد على هذا السؤال، لكنّ الزبور قد تنبَّأ بأنَّ الخادم القادم سيكون ممثّلاً لأُمّة إسرائيل اليهوديّة. تحت قيادة النبيّ موسى (عليه السلام)، تاهت أُمَّة إسرائيل 40 عامًا في الصحراء وهي تأكل الطعام الوحيد (الذي يُدعى المـــَنّ) الآتي من السماء. إنَّ الصيامَ أربعين يومًا والتأمُّل في كلمة الله باعتبارها غذاءً روحيًّا، كان بمثابة تجديدٍ رمزيٍّ لذلك الوقت في الصحراء بوصف المسيح الخادم الموعود.

التجربة لاختبار الله.

كانت التجربة الثانية بالمثل صعبة. يُخبرنا الإنجيل ما يلي:

ثُمَّ أَخَذَهُ إِبْلِيسُ إِلَى الْمَدِينَةِ الْمُقَدَّسَةِ، وَأَوْقَفَهُ عَلَى جَنَاحِ الْهَيْكَلِ، وَقَالَ لَهُ: ’’إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ
فَاطْرَحْ نَفْسَكَ إِلَى أَسْفَلُ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ:

أَنَّهُ يُوصِي مَلاَئِكَتَهُ بِكَ، فَعَلَى أيَادِيهِمْ يَحْمِلُونَكَ لِكَيْ لاَ تَصْدِمَ بِحَجَرٍ رِجْلَكَ‘‘.

قَالَ لَهُ يَسُوعُ: ’’مَكْتُوبٌ أَيْضًا: لاَ تُجَرِّب الرَّبَّ إِلهَكَ‘‘. (متى 4: 5-7)

يقتبس الشيطان هنا من كتاب الزبور ليُجرِّب عيسى (عليه السلام). ومن ثمَّ، من الواضح أنّه في معارضته لله، قد درس الكتابات المقدَّسة حتّى يتمكَّن من ابتكار طرقٍ للاعتراض عليها أو مقاومتها. هو يعرف جيِّدًا ما جاء في الكتب، وهو خبيرٌ في تحريفه.

أنقلُ هنا الفقرة الكاملة من الزبور التي لم يقتبس الشيطان سوى جزءٍ صغيرٍ منها. (وضعتُ خطًّا تحت الجزء الذي استشهد به).
10 لاَ يُلاَقِيكَ شَرٌّ، وَلاَ تَدْنُو ضَرْبَةٌ مِنْ خَيْمَتِكَ.
11 لأَنَّهُ يُوصِي مَلاَئِكَتَهُ بِكَ لِكَيْ يَحْفَظُوكَ فِي كُلِّ طُرُقِكَ.
12 عَلَى الأَيْدِي يَحْمِلُونَكَ لِئَلاَّ تَصْدِمَ بِحَجَرٍ رِجْلَكَ.
13 عَلَى الأَسَدِ وَالصِّلِّ تَطَأُ. الشِّبْلَ وَالثُّعْبَانَ تَدُوسُ.
14 لأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِي أُنَجِّيهِ. أُرَفِّعُهُ لأَنَّهُ عَرَفَ اسْمِي. (مزمور 91: 10- 14)

يمكنك أن ترى أنَّ الزبور هنا يتحدَّث عن ’هو أو إنّه‘ التي يعتقد الشيطان أنّها تُشير إلى المسيح. لكنّ هذه الفقرة لا تقول بشكلٍ مباشرٍ ’المسيح‘، إذن كيف عرف الشيطان هذا؟

ستلاحظ أنَّ ’هو‘ سوف ’يَطأُ أو يدوس‘ ’الأسدَ العظيم‘ و ’الثعبان‘(الآية 13 باللون الأحمر). يُشير ’الأسد‘ إلى سبط يهوذا من بني إسرائيل منذ أن تنبّأ النبيّ يعقوب (عليه السلام) في التوراة بما يلي:

9 يَهُوذَا جَرْوُ أَسَدٍ، مِنْ فَرِيسَةٍ صَعِدْتَ يَا ابْنِي، جَثَا وَرَبَضَ كَأَسَدٍ وَكَلَبْوَةٍ. مَنْ يُنْهِضُهُ؟
10 لاَ يَزُولُ قَضِيبٌ مِنْ يَهُوذَا وَمُشْتَرِعٌ مِنْ بَيْنِ رِجْلَيْهِ حَتَّى يَأْتِيَ شِيلُونُ وَلَهُ يَكُونُ خُضُوعُ شُعُوبٍ. (تكوين 49: 9- 10)

إنَّ النبيّ يعقوب (عليه السلام) كان قد أعلن منذ زمنٍ طويل في التوراة (أي حوالي 1700 قبل الميلاد) أنّ سبطَ يهوذا كان ’كأسدٍ‘ الذي منه سيأتي ’هو‘ وأنّ ’هو‘ سوف يحكم. يتابع كتاب الزبور هذه النبوءة. بإعلانه أنَّ ’هو‘ سوف يطأ ’الأسد‘، يقول الزبور إنَّ هذا اﻟـ ’هو‘ سيكون حاكم أو ملك يهوذا.

إنّ الفقرة في الزبور التي اقتبس الشيطان منها، تذكر أيضًا أنّ ’هو‘ سوف ’يدوس الثعبان‘. وهذه إشارة مباشرة إلى الوعد الإلهيّ الأوّل في آية آدم بأنّ ’نسل المرأة‘ سيسحق الحيّة. إليكم هنا مرّةً أُخرى الرسم البياني الذي يوضِّح الشخصيّات والأحداث في هذا الوعد الأوّل.

فَقَالَ الرَّبُّ الإِلهُ لِلْحَيَّةِ…

وَأَضَعُ عَدَاوَةً بَيْنَكِ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ، وَبَيْنَ نَسْلِكِ وَنَسْلِهَا. هُوَ يَسْحَقُ رَأْسَكِ، وَأَنْتِ تَسْحَقِينَ عَقِبَهُ‘‘.

(تكوين 3: 15)

العلاقة بين امرأة ورجل، الشيطان وذريتهم في حديقة الله

أُعطيَ هذا الوعد لأوّل مرّة في آية آدم، لكن التفاصيل حينها لم تكن واضحة بعد. نحن نعرف الآن أن ’المرأة‘ هي مريم (عليها السلام) لأنّها الشخصُ الوحيد الذي كان له نسلٌ من دون رجل – لقد كانت عذراء. وبالتالي نحن نعرف الآن أنَّ نسلها، اﻟـ ’هو‘ الذي وُعِدَ به هو عيسى المسيح (عليه السلام). ولهذا أدرجت هذه الأسماء في هذا المخطَّط البيانيّ. وكما ترون في هذا المخطَّط، كان الوعد القديم قد قال ’إنّه‘، أيّ عيسى المسيح سيسحق الحيّة. وقد كرَّرت النبوءة في الزبور، التي اقتبس الشيطان منها، هذا الوعد عند قولها:

’’عَلَى الأَسَدِ وَالصِّلِّ تَطَأُ. الشِّبْلَ وَالثُّعْبَانَ تَدُوسُ‘‘. (مزمور 91: 13)

إذًا، اقتبس الشيطان من الزبور الذي أشار بدوره في وقتٍ سابقٍ إلى هاتين النبوءتين من التوراة بأنّ ’هو‘ سوف يأتي وستخضَع له الشعوب ويسحق الشيطان (الثعبان). لقد كان الشيطان إذن يعرف أنّ الآيات التي اقتبسها من الزبور تُشير إلى المسيح، على الرغم من أنّها لم تذكر ’المسيح‘ بالاسم. لقد كانت تجربةُ الشيطان محاولةً لتحقيق النبوءة بطريقةٍ خاطئة. إنّ هذه النبوءات من الزبور والتوراة سوف تتحقَّق، ولكن ليس عن طريق رمي عيسى (عليه السلام) نفسه من فوق الهيكل لجذب الأنظار إليه، بل من خلال اتّباع الخطّة، دون انحراف، التي أُعلِنَ عنها في التوراة والزبور.

تجربة العبادة

ثمَّ جرَّب الشيطان عيسى بكلِّ ما كان يملكه – جميع ممالك الأرض. يقول الإنجيل ما يلي:

8 ثُمَّ أَخَذَهُ أَيْضًا إِبْلِيسُ إِلَى جَبَل عَال جِدًّا، وَأَرَاهُ جَمِيعَ مَمَالِكِ الْعَالَمِ وَمَجْدَهَا، 9 وَقَالَ لَهُ: ’’أُعْطِيكَ هذِهِ جَمِيعَهَا إِنْ خَرَرْتَ
وَسَجَدْتَ لِي‘‘.
10 حِينَئِذٍ قَالَ لَهُ يَسُوعُ:’’اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ! لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ‘‘.
11 ثُمَّ تَرَكَهُ إِبْلِيسُ، وَإِذَا مَلاَئِكَةٌ قَدْ جَاءَتْ فَصَارَتْ تَخْدِمُهُ. (متى 4: 8-11)

’مسيح‘ يعني ’الممسوح‘ ليحكُم، ولذلك فإنّ لدى المسيح الحقّ في أن يحكُم. جرَّب الشيطان عيسى (عليه السلام) بما كان حقٌّ من حقوقه، لكنّ الشيطان جرَّبه ليتَّخذ طريقًا مختصرًا خاطئًا للوصول إلى حُكمه، وكان يُجرِّب عيسى (عليه السلام) ليعبده هو ليحصل على الحكم – وهذا شُرْك. قاوم عيسى (عليه السلام) تجربة الشيطان (مرّةً أُخرى) من خلال الاستشهاد من التوراة. كان عيسى المسيح (عليه السلام) يعتبر التوراة كتابًا مهمًّا جدًّا، ومن الواضح أنّه كان على إلمامٍ جيِّدٍ جدًا به ويثق به.

عيسى (عليه السلام) – هو شخصٌ يفهمنا

إنَّ هذه الفترة التي تعرَّض فيها عيسى (عليه السلام) للتجربة هي مهمَّةٌ جدًّا بالنسبة إلينا. يقول الإنجيل عن عيسى:

لأَنَّهُ فِي مَا هُوَ قَدْ تَأَلَّمَ مُجَرَّبًا يَقْدِرُ أَنْ يُعِينَ الْمُجَرَّبِينَ. (عبرانيين 2: 18)
و
لَيْسَ لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ غَيْرُ قَادِرٍ أَنْ يَرْثِيَ لِضَعَفَاتِنَا، بَلْ مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا، بِلاَ خَطِيَّةٍ.
فَلْنَتَقَدَّمْ بِثِقَةٍ إِلَى عَرْشِ النِّعْمَةِ لِكَيْ نَنَالَ رَحْمَةً وَنَجِدَ نِعْمَةً عَوْنًا فِي حِينِهِ.
(عبرانيّين 4: 15- 16)

تذكَّروا أنَّ هارون (عليه السلام) كرئيسٍ للكهنة قد قدَّم الذبائح حتّى يتمكَّن بنو إسرائيل من نيل الغفران. والآن يُعتَبَر عيسى (عليه السلام) بطريقةٍ مماثلة رئيسًا للكهنة يمكنه التعاطف معنا وفهمنا – وحتّى مساعدتنا في التجارب التي نتعرَّض لها، وعلى وجه التحديد لأنّه هو نفسه قد تعرَّض للتجربة – (ومع ذلك كان دون خطيئة). ولذلك يمكننا أن نحصل على الثقة باقترابنا من الله بعيسى (عليه السلام) الذي هو بمثابة رئيس كهنتنا، لأنّه خضعَ لأكثر التجارب صعوبةً، لكنّه لم يستسلم ولم يُخطئ أبدًا. إنّه شخصٌ يفهمنا ويمكنه مساعدتنا لنتغلَّب على التجارب التي نتعرَّض لها وعلى خطايانا. السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل سندعهُ يفعل ذلك؟

التوراة – القرآن إلى الإنجيل – الدرس الأوّل: آية آدم

     إنَّ آدم وزوجته حوّاء هما حالة استثنائيّة فريدة من نوعها لأنَّ الله خلقهما بيديه بشكلٍ مباشر ولأنّهما عاشا في جنَّةِ عدن.  إنّ معنى كلمة ‘آدم’ هو ‘التراب’ في اللغة العبريّة الأصليّة للدلالة على أنَّه خُلِقَ من عناصر الأرض أو الغبار.  من آدم وحوّاء انحدر كلُّ ما تبقّى من الجنس الإنساني.  ولأنّهما ‘رأس’ الجنس البشريّ، فهما يمثّلان بالنسبة إلينا رمزًا مهمًّا لنكتشفه ونفهمه.  إنَّني أنظر إلى فقرتين متوازيتين في القرآن الكريم تتحدّثان عن آدم، وإلى فقرة في سفر التكوين الذي هو جزءٌ من توراةِ موسى.  (انقر هنا لتفتح هذه الفقرات في نافذة أخرى).

     عند قراءتي لهاتين الفقرتين في الأسفار المقدَّسة، فإنَّ أوّل ما لاحظته كان التشابه بين الروايتين.  تتطابق الشخصيّات في كلتا القصّتين (آدم، حوّاء، الشيطان، الله)؛  والمكان هو عينه في الروايتين (الفردوس)؛  وفي كلٍّ من الروايتين يكذب الشيطان ويخدع آدم وحوّاء؛  وفي كلٍّ من القصّتين يضع آدم وحوّاء أوراق الشجر لإخفاء عار عُريهما؛  وفي الروايتين يأتي الله عندها ويتحدَّث إليهما ويلفظ الحكم؛  ثمَّ يُظهِر لهما الرحمة من خلال تزويدهما باللباس لتغطية ‘عار أو سَوءَةَ’ عُريهم.  يستهلُّ القرآن الكريم هذا بقوله ‘لبني آدم’ (الذين سيكونون نحن!) إنَّ هذا هو من ‘بين آيات الله’.  بعبارةٍ أخرى، ليست هذه القصّة مجرَّد درسٍ في التاريخ حول أحداثٍ مقدّسة جرت في الماضي.  ينبغي أن يجعلنا هذا ننتبه لأنّه يقول صراحةً إنَّ هذه القصَّة موجَّهَة لنا – وبالتالي ينبغي أن نتساءل ونكتشف بأيّة طريقةٍ تكون هذه الرواية بمثابة إعلانٍ لنا.

تحذير آدم لنا

     ثمّة ملاحظة واحدة يجب أن نأخذها حقًّا على محمل الجدّ – في كلتا الروايتين (أي في القرآن والتوراة)، ارتكب آدم وحوّاء خطيئةً واحدة وهي العصيان قبل أن يُصدِر الله حكمه.  فهما مثلاً لم يقترفا عشر خطايا عصيان وبعدها وجَّه لهما الله تسعة تحذيرات ثمَّ أصدر حكمه في النهاية.  أصدر الله حكمه عليهما نتيجة عمل عصيانٍ واحدٍ فقط.  إنَّ معظم الناس الذين يؤمنون بالله في الغرب يعتقدون أنّه سيُدينهم بعد أن يكونوا قد ارتكبوا خطايا عديدة.  ويعللوا ذلك بأنّهم إذا ما ارتكبوا ‘خطايا أقلّ’ من معظم الأشخاص الآخرين، أو إذا ما كانت حسناتهم تفوق عدد أفعالهم العاصية، فإنَّ الله عندئذٍ (ربّما) لن يُدينهم.  إنَّ تجربة آدم وحوّاء هي بمثابة تحذيرٍ لنا أنّ هذا ليس هو الحال.  إنَّ الله سيدين حتّى خطيئة عصيانٍ واحدة.

     يبدو هذا الأمر معقولاً تمامًا إذا ما قارنّا عصيان الله بمخالفة قانون الدولة.  في كندا حيث أعيش، إذا ارتكبت مخالفة واحدة ضدَّ القانون (كالغشِّ في موضوع الضرائب المفروضة عليَّ) فإنَّ لدى الدولة سببًا كافيًا للحكم عليَّ.  وأنا لا أستطيع أن أدافع عن نفسي بأنّني خالفت قانونًا واحدًا فقط ولم أخالف قوانين بتهمة القتل والسرقة والاختطاف.  يكفي أن أرتكب مخالفةً ضدَّ قانونٍ واحدٍ لمواجهة الحكم في كندا.  الأمر هو نفسه بالنسبة إلى الله.

     هناك بالتالي إعلانٌ لنا هنا في معصية آدم وحوّاء.  كما نرى في أفعالهما التالية أنّهما يختبران عار عريهما ويحاولان أن يضعا أوراق شجرٍ لتغطية هذا العريّ.  وبالمثل، عندما أرتكب أفعال المعصية، أشعر بالعار وأحاول أن أستتر وإخفاء ذلك بطريقةٍ ما – لإخفاء ذلك عن الآخرين.  فعل آدم وحوّاء الأمر نفسه ولكنَّ جهودهما كانت بلا جدوى.  كان بإمكان الله أن يرى ضعفهما وفشلهما، ومن ثمَّ تصرَّف وتكلَّم.  دعونا نرى ما الذي فعله وقاله.

أفعال الله في الدينونة والرحمة

     إذا ما تأمّلنا مليًّا في ما فعله الله (مرَّة أخرى في كلٍّ من الروايتين) نرى أنّه يفعل ثلاثة أمور:

  1. جعلهما الله فانيَين – سوف يموتان الآن.
  2. طردهما الله من الفردوس.  عليهما الآن أن يعيشا في مكانٍ على الأرض أكثر صعوبةٍ بكثير.
  3. أعطاهما الله ثيابًا من الجلد.

     إنَّ ما هو رائع بالنسبة إلى هذه الأمور الثلاثة هو أنَّ كلَّ واحدٍ منّا، حتّى يومنا هذا، لا يزال مشاركًا فيها.  الكلُّ سيموت؛  ما من أحد – نبيًّا كان أم غير ذلك – قد عاد يومًا إلى الفردوس؛  والجميع لا يزالون يرتدون الثياب.  هذه الأمور الثلاثة هي في الواقع ‘طبيعيّة’ جدًّا بالنسبة إلى الجميع بحيث أنّنا تقريبًا لا نلاحظ هذه الحقيقة التي ضاعت منّا، وهي أنَّ ما فعله الله لآدم وحوّاء لا نزال نستشعره حتّى يومنا هذا، بعد مرور آلاف السنين.  يبدو الأمر وكأنَّ عواقب ما حدث في ذلك اليوم لا تزال تؤثِّر فينا في هذه النواحي على الأقلّ.

     هناك أمرٌ آخر ينبغي الإشارة إليه هنا وهو أنَّ الملابس التي قدّمها الله كانت رحمةً من عنده.  لقد أصدر حكمه عليهما، نعم، ولكنه قدَّم لهما الرحمة.  لم يكن الله مضطرًّا إلى منحهما إيّاها.  ولم يكسب آدم وحوّاء الثياب من خلال سلوكهما الورِع الذي جعلهما يحصلان على ‘جدارة الاستحقاق’ في مقابل فعل المعصية الذي ارتكباه (في الحقيقة، إنَّ سلوكهما في كلٍّ من التوراة والقرآن بعيدٌ عن أن يكون سلوكًا صالحًا).  كان بإمكان آدم وحوّاء الحصول فقط على ما يقدِّمه لهما الله من دون أن يكونا جديرين به أو يستحقّانه.  ولكنَّ أحدًا ما دفع الثمن.  تخبرنا التوراة بشكلٍ أكثر تحديدًا أنَّ الثياب المقدَّمَة من الله كانت ‘جلودًا’.   إذًا هي جاءت من حيوان.  حتّى هذه المرحلة لم يكن هناك موت، ولكن بعض الحيوانات الآن (ربّما كانت أغنام أو ماعز، على أيِّ حال كانت حيوانات جلدها مناسبٌ لصنع غطاءٍ من الملابس) دفعت حياتها ثمن ذلك.  مات حيوانٌ بحيث يستطيع آدم وحوّاء أن يتلقَّيا الرحمة من الله.

     يُضيف القرآن الكريم بعد ذلك ويقول لنا إنَّ الثياب كانت لتغطية سَوءَتَهُما، ولكنَّ الملابس التي كانا حقًّا في حاجةٍ إليها كانت ‘الطهارة والبِرّ’، وإنَّ الثياب التي كانت لديهما (الجلود) هي بطريقةٍ ما علامة على هذا البرِّ والصلاح، وهي علامةٌ لنا.  أقتبس ذلك بالتفصيل حتّى تتمكّنوا من متابعة ما أنا ألاحظه في هذه الفقرة.

‘‘يا بني آدمَ قد أنزلنا عليكُم لباسًا يُواري سَوءتِكُم وريشًا ولِباسُ التَّقوى ذلك خيرٌ ذلك من آياتِ الله لعلَّهم يَذَّكَّرون’’ [سورة 26:7 (الأعراف)]

     ربَّما تطرح هذه الآية سؤالاً جيِّدًا ينبغي أخذه بعين الاعتبار وهو:  كيف يمكننا الحصول على ‘‘لباس البِرِّ هذا’؟  سوف يُعلن لنا الأنبياء في وقتٍ لاحقٍ الإجابة على هذا السؤال المهمِّ جدًّا.

كلام الله في إصدار الحكم وفي الرحمة

     ولكنَّ لنستأنف الكلام في موضوع هذه الآية – لم يفعل الله هذه الأمور الثلاثة لآدم وحوّاء ولنا نحنُ (أولاده) فحسب، بل قال أيضًا كَلمته.  في كلٍّ من الروايتين، تحدَّث الله عن ‘العداوة’ بينهما، لكنَّ التوراة تقول وبشكلٍ أكثر تحديدًا إنّ هذا ‘العداء’ سيكون بين المرأة (حوّاء) والحيَّة (الشيطان).  إنَّني أُكرِّر هنا هذه العبارة المحدّدة الصادرة من الله.  لقد أدرجت بين قوسين الأشخاص المــُشار إليهم.  يتكلَّم الله قائلاً:

        ‘‘وأضعُ (أنا الله) عداوةً

        بينكِ (الشيطان) وبينَ المرأةِ ،

        وبين نسلِك ونسلها.

        هو (نسل المرأة) يسحقُ رأسَكِ (رأس الشيطان)،

        وأنتِ (الشيطان) تسحقينَ عقِبَهُ (عقب نسل المرأة)’’ (سفر التكوين 15:3)

إنّه لغزٌ – لكنّه لغزٌ مفهومٌ. عند قراءته بعناية سترى أنّه يُشير إلى خمس شخصيّات مختلفة، و أنّ هذا يُعتَبَر بمثابة نبوءة من حيث أنّه يتطلَّع إلى زمنٍ آتٍ (نرى ذلك في تكرار استخدام كلمة ’سوف‘ كما في صيغة المستقبل). الشخصيّات هي:

 

  1. الله
  2. الشيطان (أو إبليس)
  3. المرأة
  4. نسل المرأة
  5. نسل الشيطان

    sign of virgin birth  يرسم اللغز كيف سترتبط هذه الشخصيّات ببعضها البعض في المستقبل. وهذا مُوَضَّح في ما يلي أو في الجدول أدناه:

إنّه لا يذكر مَنْ تكون المرأة.  سوف تلاحظون أنَّ الله يتحدَّث عن ‘نسل’ الشيطان و ‘نسل’ المرأة.  بالرغم من الغموض الذي يكتنف هذا الحديث، فإننا نعرف شيئًا واحدًا حول نسل المرأة هذا.  يُشار إلى كلمة ‘نسل’ إلى أنّه ‘هو’ و ‘له’، ما نعرفه هو أنّه إنسانٌ ذكرٌ واحدٌ.  بهذه المعرفة يمكننا استبعاد بعض المعاني المحتمَلة.  بما أنّه ‘هو’ فإنّ النسل ليس ‘هي’، وبالتالي لا يمكن أن يكون امرأة – ولكنّه يأتي من المرأة.  وبما أنّه ‘هو’ فإنَّ النسل ليس ‘هم’ (أيّ ليس بصيغة الجمع).  وبالتالي، فإنَّ النسل المـُشار إليه ليس مجموعةً من الأشخاص سواء كان ذلك يُشير إلى هويّة قوميّة أو إلى مجموعة تنتمي إلى دينٍ معيَّن.  وبما أنَّه ‘هو’ فإنَّ كلمة نسل لا تُشير إلى ضمير ‘غير العاقل’ (النسل هو إنسان).  ولو أنَّ هذا قد يبدو واضحًا، فإنَّ ذلك يقضي على إمكانيّة أن يكون النسل هو فلسفة أو تعليمًا أو دينًا معيَّنًا.  إذًا، النسل ليس (على سبيل المثال) الديانة المسيحيّة أو الإسلام لأنّه في هذه الحالة كان أُشير إليه باستخدام ‘ضمير غير العاقل’، ولا هو مجموعة من الأشخاص، كما هو الحال في كلمة اليهود أو المسيحيّون أو المسلمون لأنَّه في هذه الحالة سيُشار إليهم باستخدام الضمير ‘هم’.  على الرغم من أنَّ الغموض لا يزال يكتنف ما تعنيه كلمة ‘نسل’، إلاّ أنّنا أزلنا العديد من الاحتمالات التي قد تتبادر إلى أذهاننا بشكلٍ طبيعيّ.

     نرى من خلال معنى التطلُّع في كلام الله (جاء كلُّ ذلك في صيغة المستقبل مترافقًا ﺒ ‘سوف’ التي تكرَّرت في كلِّ مكان) أنَّ خطَّةً بنتيجةٍ مقصودة كانت في ذهن الله.  سوف يسحق هذا النسل رأس الشيطان ( أي يدمِّره) بينما الشيطان في الوقت نفسه ‘يسحق عقبه’.  لم يتَّضح سرَّ ما يعنيه هذا القول إلى حدِّ أبعد عند هذه المرحلة.  ولكنّنا نعرف أنَّ هناك خطةً إلهيّة سوف تتكشَّف.

     ثمّة ملاحظة أخرى مثيرة للاهتمام تأتي ممّا لا يقوله الله للإنسان (آدم).  إنّه لا يعِد الإنسان بنسلٍ محدّد مثلما وعد المرأة.  هذا أمرٌ استثنائيّ إلى حدٍّ بعيد، وخاصّةً بالنظر إلى التركيز على الأبناء الذين يأتون من خلال الآباء في كلِّ مكانٍ في التوراة والزبور والإنجيل.  في الواقع، إنَّ واحدة من الانتقادات التي يوجِّهها الأشخاص العصريّون لهذه الكتب المقدّسة في كندا هو أنّها تتجاهل الأنسال التي  تأتي من خلال النساء.  إذا نظرتم إلى الأنساب الواردة في التوراة (سفر التكوين 5)، الزبور (أخبار الأيّام الأوّل 1-5) والإنجيل (متّى 1 و لوقا 3)، سوف ترون أنّهم يتحدّثون بشكلٍ حصريّ تقريبًا عن أبناء يأتون من الآباء.  ولكن في هذه الحالة وفي ما وعد الله به آدم وحوّاء والحيّة، فإنَّ الأمر كان مختلفًا – لم يكن هناك وعد بنسلٍ ‘هو’ يأتي من رجلٍ.  يقول كتاب التوراة فقط أنّه سيكون هناك نسلٌ يأتي من امرأة – لا أكثر ولا أقلّ.

 مِنْ بين جميع البشر الذين وُجِدوا في أيما وقتٍ مضى، اثنان فقط لم يكن لهما أبٌ بشريّ. كان الأوّل آدم الذي خلقه الله بشكلٍ مباشر. وكان الثاني يسوع (عيسى – عليه السلام) الذي ولِدَ مِن عذراء – وبالتالي لم يكن له أبٌ بشريّ. وهذا ينتاسب مع الملاحظة بأنّ النسل يكون ’هو‘ وليس ’هي‘ أو ’هم‘ أو ’ضمير الغائب لغير العاقل‘. إذا قرأتَ اللغز من هذا المنظور، فكلُّ شيءٍ سيصبح منطقيًّا ومفهومًا. عيسى (عليه السلام) هو النسل من امرأة. ولكن مَنْ هو عدوّه، أهو نسل الشيطان؟ على الرغم من أنّه ليس لدينا هنا مجال لشرح ذلك بالتفصيل، إلاّ أنّ الأسفار المقدّسة تتحدّث عن ’ابن الهلاك‘ وغيره من الألقاب التي تصوِّر مجيء حاكمٍ بشريّ سوف يقاوم ’المسيح‘. تتحدّث أسفار الكتاب المقدّس الأخيرة أو اللاحقة عن صراعٍ قادمٍ بين هذا ’’المسيح الدجّال‘‘ وبين المسيح (عليه السلام). لكنّ ذلك مُشارٌ إليه هنا بصورةٍ بدائيّة، تمامًا في بدء التاريخ.

إذًا، إنّ ذروة التاريخ، خاتمة الصراع ما بين الله و الشيطان، الذي بدأ منذ زمنٍ طويل في الفردَوس، قد تمّ التنبؤ به في تلك البداية نفسها – في السفر الأوّل من الكتاب المقدّس. إنّ الانطلاق من هنا في البداية، وتقدّمنا إلى الأمام متتبّعين الرسل المتعاقبين الذي جاؤوا عبر التاريخ، سوف يكون بمثابة تبليغٍ أو تحذيرٍ لنا بحيث نفهم بصورةٍ أفضل الزمن الذي نعيش فيه.     لقد تعلَّمنا الكثير مع هذه الملاحظات حول علامة آدم وحوّاء.  لقد قدَّم لنا كلاًّ من القرآن والتوراة الكثير من الأدلَّة.  ومع ذلك، ثمّة الكثير من الأسئلة لا تزال مطروحة، وأكثر منها قد تمَّ إثارتها.  ولكنّنا نستطيع الآن الاستمرار في تتبُّع خطّ الأنبياء لنرى المزيد ممّا يمكن أن يعلِّموه لنا.  وهكذا نواصل مع ولَدي آدم وحوّاء، قايين وهابيل.