آية إبراهيم الثانية: التقوى

ما الشيء الذي نحن جميعًا في حاجةٍ إليه من عند الله؟ يمكننا التفكير في إجاباتٍ عديدة على هذا السؤال، لكنَّ آية آدم تذكِّرنا بأنَّ أوَّلى حاجاتنا وأعظمها هي التقوى. توجد هنا الكلمات الموجَّهَة مباشرةً إلينا (بني آدم).

بِسْمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرحيمِ

يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ

(7) سورة الأعراف – الآية 26

فما هي التقوى أو البرّ إذن؟ تخبرنا التوراة في (سفر التثنية 32: 3-4) عن الله قوله:

إنِّي باسمِ الربِّ أُنادي.

أعطوا عظَمَةً لإلَهِنا!

هو الصخرُ الكاملُ صنيعهُ.

إنَّ جميعَ سُبُلهِ عدلٌ.

إلهُ أمانةٍ لا جورَ فيه

صدِّيقٌ وعادلٌ هو

هذه هي صورة تقوى أو برَّ الله كما جاءت في التوراة. تعني كلمة برّ أو تقوى أنَّ أحدًا ما يتَّصف بالكمال! وأنَّ جميعَ (وليس فقط بعض أو معظم، بل كلّ) سبُلهِ عادلةٌ، وأنَّه لا يرتكب خطأً (ولا حتّى خطأً صغيرًا)؛ وهو مستقيمٌ. هذا هو البرُّ، وهذا هو وصف الله كما جاء في التوراة. ولكن ما حاجتنا إلى البرِّ والتقوى؟ فلننتقل بسرعة إلى فقرة في كتاب الزبور للإجابة على هذا السؤال. نقرأُ في المزمور 15 (الذي كتبه داود النبيّ) ما يلي:

 يا ربُّ مَنْ ينزل في مسكنكَ؟

مّنْ يسكنُ في جبلِ قُدسِكَ؟

 

2 السالكُ بالكمالِ

والعاملُ الحقّ

والمتكلِّم بالصدق في قلبهِ.

3 الذي لا يشي بلسانهِ

ولا يصنعُ شرًّا بصاحبهِ

ولا يحمل تعييرًا على قريبهِ.

4 والرذيلُ محتَقَرٌ في عينيهِ

ويكرم خائفي الربّ.

يحلف للضرر ولا يغيِّر.

5 فضّتهُ لا يُعطيها بالربا

ولا يأخذ الرشوة على البريءِ…

إنَّ السؤال عمَّن سيسكن في ‘جبل الله المقدَّس’، هو طريقة أُخرى للسؤال عمَّن سيكون مع الله في الفردوس. ويمكننا أن نرى من الجواب أنَّ السالك بالكمال والعامل ‘الحقِّ’ (الآية 2) – يمكنهُ أن يدخل الفردَوس ليكون مع الله. لهذا نحن في حاجةٍ إلى البرِّ والتقوى. بما أنَّ الله كامل، البرُّ والتقوى مطلوبان ليكون المرء مع الله.

بأخذنا هذه الحاجة في الاعتبار، سننظر الآن في آية إبراهيم (عليه السلام) الثانية. انقر هنا لفتح الفقرة في الكتب المقدَّسة. نرى في قراءة التوراة والقرآن الكريم أنَّ أبراهام (عليه السلام) من ‘شِيعَتِهِ’ (37 سورة الصَّافَّات – آية 83) وبذلك حصل على ‘البرّ’ (تكوين 6:15) – وهو بالذات الشيء الذي أخبرتنا آية آدم بحاجتنا إليه.. لذا، السؤال المهمُّ بالنسبة إلينا هو: كيف حصل على البرِّ؟

يمكنني التفكير في كثيرٍ من الأحيان في أنّني أستطيع الحصول على البرِّ بإحدى طريقتين. في الطريقة الأولى (في اعتقادي)، أحصل على البرِّ بالإيمان بوجود الله أو بالاعتراف بوجوده. أنا ‘أؤمِنُ’ بالله. ودعمًا لهذا التفكير أقول، ألم يفعل إبراهيم (عليه السلام) ذلك ‘فآمَنَ بالربِّ’ في سفر التكوين 6:15؟ ولكن بعد مزيدٍ من التفكير أدركتُ أنَّ هذا لا يعني أنَّه يؤمنُ فقط بوجود إلهٍ واحدٍ. كلاّ، لقد أعطاه الله وعدًا قاطعًا – بأنَّه سيولد له ابنٌ. وكان ذلك الوعد هو ما كان على إبراهيم (عليه السلام) أن يختار ما إذا كان عليه الإيمان به أو عدم الإيمان به. فكِّروا أكثر في ذلك، الشيطان (المعروف أيضًا باسم إبليس) يؤمن بوجود الله – وهو بدون أدنى شكّ ليس بارًّا. لذا، ليس الإيمانُ فقط بوجود الله هو كلُّ ما يعنيه أن يكون مِن ‘شِيعَته’. إنَّه لأمرٌ جيِّدٌ، لكنَّه ليس كافيًا.

الطريقة الثانية التي غالبًا ما أفكِّر في أنَّني أستطيع من خلالها الحصول على البرّ، هو أنَّني أستحقُّ الحصول عليه أو أستأهله من الله عن طريق فعل الأمور الصالحة. فعل أشياءٍ صالحة تفوق الأشياء السيِّئة، أو القيام بنوعٍ أو كمٍّ معيَّنٍ من العمل الدينيّ يجعلني أستأهل أو أستحقُّ الحصول على البرّ. ولكن لاحظوا أنَّ ذلك ليس ما تقوله التوراة على الإطلاق. أقتبسُ مرَّة أخرى من الآية 6 من سفر التكوين في التوراة حتّى نتمكَّن أن نرى حقًّا ذلك.

 فآمَنَ (أبرام) بالربِّ فحسِبهُ (أيّ الله) لهُ (أيّ إبراهيم) برًّا.

لم يكن إبراهيم يستحقُّ الحصول على ‘البرّ’؛ لقد ‘حُسِبَ’ له. ما الفرق إذًا؟ حسنًا، إذا كنت قد استحققتَ شيئًا فهذا يعني أنّك سعيتَ وعملتَ للحصول عليه – فأنتَ تستحقّه. إنّه مثل تلقِّي أجور العمل الذي تقوم به. ولكن عندما يُحسَب لك شيءٌ ما، فهو يُعطى لك. إنَّه ليس شيئًا استحققته أو استأهلته.

إذًا، كان إبراهيم (عليه السلام) رجلاً آمَنَ إيمانًا عميقًا بوجود إلهٍ واحدٍ. وكان رجلَ صلاة وعبادة، وكان يساعد الناس (مثل مساعدة ابن أخيه لوط والصلاة من أجله). لهذا، ليس علينا تجاهُل هذه الأمور. لكنَّ وصف ‘السبيل الذي اتَّبَعه’ إبراهيم (عليه السلام) هنا بسيطٌ جدًّا بحيث يمكن عدم الانتباه إليه بسهولة. تخبرنا التوراة أنَّ إبراهيم (عليه السلام) قد حصل على البرّ لأنّه آمَنَ بالوعدِ الذي أُعطيَ له من الله. إنَّ هذا يقلب المفاهيم الشائعة التي نعتنقها حول الحصول على البرِّ، إمَّا بالتفكير في أنَّ الإيمان بوجود الله هو كافٍ، أو بالقيام بما يكفي من الأعمال الصالحة والدينيَّة بحيث نتمكَّن من الحصول على البرّ أو استحقاقه. ليست هذه هي الطريقة التي اتَّبعها إبراهيم (عليه السلام)، لقد اختار بكلِّ بساطةٍ أن يؤمن بالوعد.

الآن، ربّما كان اختيار الإيمان بوعد الابن هذا بسيطًا، لكن من المؤكَّد أنّه لم يكن سهلاً! كان بإمكان إبراهيم (عليه السلام) أن يتجاهل الوعد بسهولة بالتفكير في أنَّه إذا ما كانت لدى الله حقيقةً الإرادة وكذلك القدرة على أن يمنحه ولدًا، لكان قد فعل ذلك من قبل. لأنَّ إبراهيم (عليه السلام) وسارة (امرأته)، في هذه المرحلة من حياته، كانا مُسنَّين – قد تجاوزا إلى حدٍّ بعيدٍ سنَّ الحصول على الأولاد. تذكَّروا أنَّه كان، كما جاء في التوراة، في الخامسة والسبعين من عمره في آية إبراهيم الأولى عندما غادر موطنه وذهب إلى كنعان. في ذلك الوقت، كان الله قد وعده بأنّه سيكون له ‘أمّة عظيمة’. ولقد مرَّت سنواتٌ عديدةٌ منذ ذلك الحين حتِّى أصبح إبراهيم (عليه السلام) وزوجته سارة مسنَّيْن حقًّا، وقد انتظرا فترةً طويلةً. وليس لديهما حتّى الآن حتّى ولدٌ واحدٌ – وليس بالتأكيد أمَّة عظيمة! كان إبراهيم (عليه السلام) ليتساءل ‘‘لماذا لم يعطنا الله ولدًا حتّى الآن إن كان يمكنه أن يفعل ذلك’’؟ بعبارةٍ أخرى، لقد آمن بوعد الله بولادة ابنٍ له على الرغم من أنَّه كانت لديه أسئلةٌ لا إجابات عليها حول الوعد. لقد صدَّق الوعد لأنَّه كان يثق بالله الذي أعطى الوعد – بالرغم من أنّه لم يفهم كلَّ شيءٍ عن الوعد. ولتصديق ذلك الوعد (مجيء ابنٍ بعد تجاوز سنِّ الإنجاب)، يتطلَّب الأمر الإيمان بأنَّ الله سيُجري معجزة له ولزوجته.

كان الإيمان بالوعد سيتطلَّب أيضًا انتظارًا نشطًا. كانت حياته كلّها، إلى حدٍّ ما، متوقِّفة عندما كان يُقيم في خيامٍ في كنعان، أرض الميعاد، بانتظار (بعد عدَّة سنوات) مجيء الابن الموعود. كان الأمر سيكون أكثر سهولةً بكثير أن يتجاهل الوعد ويعود إلى دياره، إلى الحضارة في بلاد ما بين النهرين (العراق في العصر الحديث) التي كان قد غادرها قبل عدَّة سنوات، حيث لا يزال يعيش شقيقه والعائلة. لذا كان على إبراهيم (عليه السلام) العيش مع صعوبة الاستمرار في الإيمان بالوعد – يوميًّا وكلَّ يوم – لسنواتٍ عديدةٍ في انتظار الوعد الذي قُطِع. كانت ثقته بالوعد كبيرةً بحيث كانت لها الأولويّة على أهداف الحياة العاديَّة – الراحة والرفاهية. إنَّ إيمانه بوعد الله أظهر كلاً من ثقته بالله ومحبّته له.

وهكذا ذهب ‘الإيمان’ بالوعد إلى ما هو أبعد من مجرَّد القبول الفكريّ له. كان على إبراهيم (عليه السلام) أن يراهن بحياته وبسمعته وبسلامته، وبالأعمال الحاضرة وآمال المستقبل على هذا الوعد. لأنّه آمَنَ، فقد كان ينتظر بنشاطٍ وطاعةٍ.

وبالتالي، إنَّ آية إبراهيم (عليه السلام) تكمن في كيفيَّة إيمانه بوعدٍ من الله بإنجاب ابن، وبذلك أُعطيَ له أيضًا البرّ، أو حُسِبَ له. بالمعنى الحقيقيّ، استسلم إبراهيم لهذا الوعد. كان من الممكن أن يختار عدم الإيمان ويعود أدراجه إلى الأرض التي جاء منها (عراق اليوم). وكان من الممكن أن يتجاهل الوعد بينما يستمرُّ في الإيمان بوجود الله ويستمرُّ في رفع الصلوات ومساعدة الآخرين. لكنَّه سيكون حينذاك قد التزم بتعاليم دينه فقط لكن لم يُحسَب له ذلك ‘برًّا’. وكما يقول القرآن الكريم، نحن جميعًا أبناء آدم – ‘‘وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ذَٰلِكَ’’. هذا هو سبيل إبراهيم (عليه السلام).

وهكذا قد تعلَّمنا الكثير. البرّ أو التقوى، هذا الشيء بالذات الذي نحن في حاجةٍ إليه لدخول الفردوس، ليس استحقاقًا بل فضلاً من الله لنا. وهو يُحسَب لنا بالثقة بوعد الله. لكنَّ آية إبراهيم (عليه السلام) لم تكتمل بعد. نتابع مع آية 3.

آية إبراهيم الأولى: البَرَكَة

 إبراهيم!  وهو يُعرَفُ أيضًا باسمِ أبرام (عليه السلام).  تنظر إليه الديانات السماويَّة الثلاث كلّها، اليهوديَّة والمسيحيَّة والإسلام باعتباره قدوةً يُحتَذى بها.  ويعود العرب واليهود بأنسابهم إليه اليوم من خلال ولدَيهِ إسماعيل وإسحاق.  وهو مهمٌّ أيضًا في سلسلة الأنبياء باعتبار أنَّ آياته قد أسَّسَت إلى حدٍّ كبيرٍ لجميع الأنبياء الآخرين.  ما الذي كان يمتلكه أو كان يفَعَلَهُ أو كان يعرفه إذًا، ما سمح بأن يكون له دورٌ كهذا حتَّى بين الأنبياء؟  إنَّ الإجابة على هذا السؤال مهمَّةٌ جدًّا بحيث أنَّنا سوف ننظر في آية إبراهيم (عليه السلام) في أقسامها المختلفة.  انقر هنا لقراءة الآية الأولى كما وردت في القرآنِ الكريمِ و في التوراة.

     إنَّنا نرى في آياتِ القرآنِ الكريم هذه أنَّ إبراهيم (عليه السلام) كان سيكون لديه ‘قبائل’ من البشر ينحدرون منه.  كان الله سيُؤتي هؤلاء الناس ‘‘مُلْكًا عظيمًا’’.

     ولكنَّ يجب أن يكون للمرء ابنٌ واحدٌ على الأقلّ قبل أن يكون له ‘قبائلً’ من البشر، ويجب أن يكون له أيضًا مكانٌ قبل أن يتمكَّن هؤلاء الناس من الحصول على ‘مُلْكٍ عظيمٍ’.

وعدُ إبراهيم (عليه السلام)

     تُظهِرُ لنا الفقرة الواردة في التوراة (تكوين 1:12-7) كيف أنَّ الله كان على وشك تحقيق هذا الكشف المزدوج، ‘القبائل’ و ‘المــُلك العظيم’ الذي يأتي من إبراهيم (عليه السلام).  يُعطيه الله وعدًا يُعتَبَر تأسيسيًّا لخططه المستقبليَّة.  دعونا نستعرِض ذلك بمزيدٍ من التفصيل.  نحن نرى أنَّ الله يقولُ لإبراهيم:

2 ‘‘فَأَجْعَلَ مِنْكَ أُمَّةً كَبِيرَةً

وَأُبَارِكَكَ وَأُعَظِّمَ اسْمَكَ، وَتَكُونَ بَرَكَةً (لِكَثِيرِينَ).

3 وَأُبَارِكُ مُبَارِكِيكَ وَأَلْعَنُ لاعِنِيكَ،

وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ أُمَمِ الأَرْضِ’’.

عظَمَة إبراهيم (عليه السلام)

      يتساءلُ كثيرٌ من الناس اليوم في الغرب حيث أعيش الآن عمَّا إذا كان هناك إله، وكيف يمكن للمرءِ أن يعرف ما إذا أعلن عن نفسه حقيقةً من خلال التوراة.  أمامنا الآن وَعدٌ نستطيع التحقُّق من جزءٍ منه.  تقول نهاية هذا الوحي إنَّ الله وعد إبراهيم (عليه السلام) مباشرةً ‘وأعظِّمُ اسمكَ’.  ها نحن الآن في القرن الواحد والعشرين وما زال اسم إبراهيم/أبراهام/أبرام واحدًا من أكثر الأسماء المعروفة عالميًّا في التاريخ.  لقد تحقَّق هذا الوعد حرفيًّا وتاريخيًّا.  إنَّ أقدم نُسَخ التوراة الموجودة اليوم هي من مخطوطات البحر الميِّت التي تعود إلى الأعوام 200-100 قبل الميلاد (انظر مقالتي حول ما إذا كانت السنَّة النبويَّة تشهد على توراةٍ وزبورٍ وإنجيلٍ دون تغيير أم لا).  إنَّ معنى هذا هو أنَّ هذا الوعد على أقلِّ تقدير كان مسجَّلاً كتابةً منذ ذلك الوقت.  بيد أنَّ اسم شخصيَّة إبراهيم واسمه لم يكونا معروفَين- فقط لقلَّةٍ من اليهود الذين اتّبعوا التوراة.  ولكن لأنَّنا نعرف عظمة اسمهِ اليوم، يمكننا أن نرى أنَّ تحقيق الوعد قد جاء فقط بعد أن سُجِّل هذا الوعد كتابةً وليس قبل ذلك.

     إذًا، حدث هذا الجزء من وعد الله لإبراهيم (عليه السلام) بشكلٍ مؤكَّد، كما لا بدَّ أنَّ ذلك كان واضحًا حتَّى النسبة إلى غير المؤمنين، وهذا من شأنه أن يمدّنا بثقةٍ أكبر لفهم الجزء المتبقّي من هذا الوعد الذي أعطاه الله لإبراهيم (عليه السلام).  دعونا نواصل دراسة هذا الوعد.

بركة الله لنا

     يمكننا أن نرى مرَّةً أخرى وعدَ الله بأن يجعل من إبراهيم (عليه السلام) ‘أُمَّةً كبيرةً’ و ‘أُباركك’.  ولكن ثمَّة شيءٌ آخر كذلك، إنَّ البرَكة ليست فقط لإبراهيم لأنّها تقول ‘‘وتتباركُ فيك جميعُ أممِ الأرضِ’’ (أيّ من خلال إبراهيم عليه السلام).  وهذا ينبغي أن يجعلنا أنا وأنت أن نقف ونفكِّرَ مليًّا.  لأنّنا، أنا وأنتَ جزءٌ من ‘جميعِ أُممِ الأرضِ’ – بغضِّ النظر عن ديننا أو خلفيَّتنا العرقيَّة أو أين نعيش أو وضعنا الاجتماعي أو اللغة التي نتحدَّث بها.  هذا الوعد يشمل كلَّ شخصٍ حيٍّ اليوم!  على الرغم من أنَّ أدياننا المختلفة، وخلفيّاتنا العرقيَّة، ولغاتنا، تؤدّي في كثيرٍ من الأحيان إلى تقسيم الناس وتتسبَّبُ بالصراعات، فإنَّ هذا وعدٌ يبدو أنّه يتجاوز هذه الأمور التي  غالبًا ما تفرِّقنا.  كيف؟  متى؟ أيُّ نوعٍ من البركة هي؟  لم يُكشَف عن هذا بوضوح، لكنَّ هذه الآية قد أدَّت إلى ولادةِ وعدٍ هو مهمٍّ بالنسبة إليك وبالنسبة إليَّ  من خلال إبراهيم (عليه السلام).  وبما أنَّنا نعرف أنَّ جزءًا من هذا الوعد قد تحقَّق، يمكننا أن نثق في أنَّ هذا الجزء الآخر الذي ينطبق علينا سيتحقَّق بشكلٍ واضحٍ وحرفيٍّ – علينا فقط العثور على المفتاح لفتحهِ.

     ولكن يمكننا أن نلاحظ أنَّه عندما تلقَّى إبراهيم هذا الوعد أطاع الله و…

     ‘‘فارتحَلَ أبرامُ كما أمَرَهُ الربُّ’’ (الآية 4)

خريطة رحلة إبراهيم (هجرة إبراهيم من أور-< حاران - < أرض كنعان)
خريطة رحلة إبراهيم
(هجرة إبراهيم من أور-< حاران – < أرض كنعان)

كم من الوقت استغرقت هذه الرحلة إلى أرض الميعاد؟  تبيِّن لنا الخريطة هنا مسار هذه الرحلة.  كان إبراهيم يعيش في الأصل في أور (جنوب العراق اليوم) وانتقل إلى حاران (شمالي العراق).  ثمَّ ارتحلَ إبراهيم (عليه السلام) إلى ما كان يُدعى أرض كنعان في تلك الأيّام.  يمكنكم أن تروا أنَّ الرحلة كانت طويلةً جدًّا.  قد يكون سافر على ظهر جملٍ أو حصانٍ أو حمارٍ، وبالتالي قد يكون استغرقه ذلك شهورًا عديدة.  ترك إبراهيم أُسرته وحياته المريحة (كانت بلاد ما بين النهرين في ذلك الزمان مركز الحضارة) وأمنه وكلَّ ما كان مألوفًا لديه ليسافر إلى أرضٍ كانت غريبة بالنسبة إليه.  وحدث هذا، كما تقول لنا التوراة، عندما كان في الخامسة والسبعين من عمره!

الذبائح الحيوانيَّة مثل الأنبياء السابقين

     تقول لنا التوراة أيضًا إنَّه عند وصول إبراهيم (عليه السلام) إلى كنعان بسلام:

     ‘‘فَبَنَى أَبْرَامُ هُنَاكَ مَذْبَحاً لِلرَّبِّ’’ (آية 7)

     سيُبنى المذبحُ حيثُ قدَّم لله دماء الذبائح الحيوانيَّة كما فعل قايين و نوح من قَبْلِهِ.  إنَّنا نرى أنَّ هذا هو نمطٌ لكيفيَّة عبادة الأنبياء الله.

     لقد جازف إبراهيم (عليه السلام) كثيرًا وفي مرحلة متأخِّرة جدًّا من حياته في السفر إلى هذه الأرض الجديدة.  ولكنَّه بفعله هذا، أخضع نفسه لوعد الله بأن يتبارك هو وبأن تتباركَ فيه جميعُ أُممِ الأرضِ.  وهذا هو السبب الذي يجعله مهمًّا جدًّا بالنسبة إلينا.  ولكنَّ آيته لا تنتهي هنا.  نواصل مع آية إبراهيم الثانية في مقالتنا القادمة.

علم النقد النَصِّيّ لمعرفة ما إذا كان الكتابُ المقدَّسُ محرَّفًا أم لا

‘‘ما الذي يدعوني إلى التفكير حتّى في أسفارِ الكتابِ المقدَّس؟ لقد كُتِبَ منذ فترةٍ طويلةٍ جدًّا، وقد تمَّ تنقيحه عدَّة مرَّاتٍ وله عددٌ كبيرٌ جدًّا من الترجمات – لقد سمعتُ أنَّ الرسالةَ الأصليَّة قد تغيَّرت بمرور الوقت’’. لقد سمعتُ أسئلةً وأقوالًا كهذه العديد من المرّات حول كتُبِ التوراة والزبور والإنجيل الذين يشكِّلون الكتاب أو الكتاب المقدَّس.

إنَّ هذا سؤالٌ مهمٌّ جدًّا، وهو مبنيٌّ على ما سمعناه حول الكتاب/الكتابُ المقدَّس. وهو قد كُتِبَ في النهاية منذ ما يزيد على ألفي سنة. لم يكن هناك مطبعةٌ أو آلات تصويرٍ أو شركات نشر خلال معظم تلك الفترة من الزمن. لذلك تمَّ نسخُ المخطوطات الأصليَّة باليد جيلاً بعد جيلٍ بالتزامنِ مع موتِ لغاتٍ وبروزِ لغاتٍ جديدةٍ، ومع انهيارِ إمبراطوريَّاتٍ وولادة إمبراطوريَّاتٍ جديدةٍ أُخرى. وبما أنَّ المخطوطات الأصليَّة لم تعد موجودة، فكيف نعلمُ أنَّ ما نقرأه اليوم في الكتاب (الكتاب المقدَّس) هو في الواقع ما كتبه الأنبياء الأصليُّون منذ زمنٍ بعيدٍ؟ وبمعزلٍ عن الدين، هل توجدٌ أيَّةُ أسبابٍ علميَّة أو منطقيَّة تدعونا إلى معرفة ما إذا كان ما نقرأُه اليوم محرَّفًا أم لا؟

المبادئ الأساسيَّة في النقد النصِّيّ

لا يُدركُ العديد ممَّن يقومون بطرح هذا السؤال أنَّ هناك قواعد علميَّة مُتَّبَعَة معروفة باسم النقد النصِّيّ والتي يمكننا من خلالها الإجابة على هذه الأسئلة. ولأنَّها قواعد سلوكٍ علميَّة، فهي تنطبق على أيِّ نوعٍ من أنواع الكتابة القديمة. ستقدِّمُ لنا هذه المقالة المبدأين الرئيسَين المــُستَخدَمَين في النقد النصِّيّ، ثمَّ يتمُّ تطبيقهما على الكتاب المقدَّس. وللقيام بذلك، نبدأ بهذا الشكل الذي يوضِّح العمليَّة التي تجعل أيَّة كتابةٍ قديمةٍ محفوظة بمرور الوقت بحيث نتمكَّن من قراءتها اليوم.

Article_13 arabic timeline
جدول زمني يوضح كيف جميع الكتب القديمة يأتون إلينا اليوم

يُبيِّنُ هذا الرسم البيانيّ مثالاً لكتابٍ كُتِبَ سنة 500 قبل المسيح. إنَّ هذا النصَّ الأصليّ لا يبقى إلى ما لا نهاية، ولذلك، وقبل أن يضمحلّ، يضيع أو يُتلَف، يتمُّ عمل نُسَخةٍ منه (النسخة الأولى). كانت فئة من الأشخاص المحترفين الذين يُطلَق عليهم اسم الكَتَبة تقوم بأعمال النسخ. ومع مرور السنين، كان يتمُّ عمل نسخٍ من النسخة (النسخة الثانية و النسخة الثالثة). وفي مرحلةٍ ما، يتمُّ الاحتفاظُ بإحدى النُسخ بحيث أنّها بقيت (موجودة) اليوم (النسخة الثالثة). في الرسم البياني الذي هو مثالنا، تعود هذه النسخة الموجودة إلى سنة 500 بعد الميلاد. وهذا يعني أنَّ أقرب ما يتسنَّى لنا معرفته عن حالة هذا الكتاب هو ابتداء من سنة 500 بعد الميلاد فقط. ومن ثمَّ، فإنَّ الفترة الممتدَّة من سنة 500 قبل الميلاد إلى سنة 500 بعد الميلاد (التي أُشيرَ إليها في الرسم البياني بعلامة ×)، هي الحقبة التي لا يمكننا أن نقوم بتدقيق أيّة نسخة من النسخ فيها بما أنَّ جميع مخطوطات تلك الحقبة قد اختَفت. على سبيل المثال، إذا تمَّ التحريف عند القيام بعمل النسخة الثانية من النسخة الأولى، فلن يكون بمقدورنا كشف هذا التحريف لأنَّ أيًّا من هذه الوثائق لم يعد موجودًا لمقارنته مع بعضه البعض. إنَّ هذه الفترة الزمنيّة قبل النُسَخ الموجودة هي الفاصل الزمنّي لعدم اليقين النصِّي – حيث يمكن أن يكون قد حدث التحريف. ومن ثمَّ، فإنَّ المبدأ الأوّل للنقد النصِّيّ هو أنَّه كلَّما كان الفاصل الزمنيّ × أقصر، كلَّما زادت ثقتنا في صحَّة الوثيقة المحفوظة إلى يومنا هذا، بما أنَّ فترة عدم اليقين تكون أقصر.

بطبيعة الحال، يوجد عادةً أكثر من نسخة مخطوطة واحدة من وثيقةٍ ما اليوم. لنفترض أنَّ لدينا نسختَين، وفي الفقرة نفسها من كلِّ واحدةٍ منهما العبارة التالية:

Article_13 arabic documents

 

يبيِّن لنا هذا الشكل قراءة مختلفة (تقول إحدى القراءتين ‘جوان’ وتقول القراءة الأخرى ‘جون’) لكن مع وجود عددٍ قليلٍ من المخطوطاتٍ فإنَّه من الصعب تحديد أيَّهما خطأ.

كان المؤلِّف الأصليّ يكتب إمّا عن جوان أو عن جون، وفي إحدى هاتَين المخطوطتَين يوجد خطأ. السؤال المطروحُ هو – في أيَّهما يوجد الخطأ؟ من الصعب جدًّا اتِّخاذ قرارٍ بهذا الشأن انطلاقًا من الأدلَّة المتوفِّرة (أيّ نسختين فقط).

لنفترض الآن أنَّنا وجدنا مخطوطتَين منسوختين إضافيَّتين من الوثيقة نفسها كما هو موضَّحٌ أدناه:

Article_13 arabic 4 documents

 

لدينا الآن أربع مخطوطات ومن السهل أن نرى في أيّة واحدة منها يكمن الخطأ.

أصبح من السهل الآن أن نقرِّر في أيّة مخطوطة وقع الخطأ. من المرجَّح أن الخطأ وقع مرَّةً واحدةً فقط ولم يتكرَّر الخطأ نفسه ثلاث مرَّات، لذلك، من المرجَّح أنَّ تكون المخطوطة المنسوخة الثانية هي النسخة التي وقع فيها الخطأ، وأنَّ المؤلِّف كان يكتب عن جوان وليس جون. ‘جون’ هو الاسم المحرَّف.

يوضِّح هذا المثال البسيط المبدأ الثاني في النقد النصِّيّ: كلَّما زاد عدد المخطوطات المنسوخة الموجودة اليوم، كلَّما كان كشف أخطائها وتصحيحها ومعرفة ما جاء في النصِّ الأصليّ أكثر سهولةً.

النقد النصِّيّ للكتب التاريخيَّة

لدينا الآن اثنان من مبادئ النقد النصِّي التي تُستَخدَم لتحديد الدقَّة أو الموثوقيَّة النصيَّة لأيِّ كتابٍ قديمٍ: 1) قياس الفترة الزمنيَّة الممتدَّة بين زمن الكتابة الأصليَّة وأقرب (أوائل) نسخ المخطوطات الموجودة، و 2) حساب عدد نسخ المخطوطات. وبما أنَّ هذين المبدأين يُطبَّقان على جميع الكتابات القديمة، فإنَّ باستطاعتنا أن نطبِّقهما على الكتاب المقدَّس وعلى الكتب القديمة الأخرى على حدٍّ سواء، كما فعلنا في الجداول أدناه (من كتاب جي. ماك دويل، McDowell J. أدلَّة تتطلَّب حكمًا Evidence That Demands a Verdict. 1979. صفحة 42-48).

 

 

المؤلِّف

 

تاريخ الكتابة

 

أقدم النسخ

زمنيًّا

 

الفاصل الزمنيّ

 

العدد

 

قيصر

  50ق.م

900   م   

950

10

أفلاطون

350 ق.م

900   م 

1250

7

أرسطو*

300 ق.م

1100 م

1400

5

ثيوسيديدز

400 ق.م

900  م 

1300

8

هيرودوت

400 ق.م

900  م

1300

8

سوفوكليس

400 ق.م

1000م

1400

100

تاسيتوس

100 م

1100م

1000

20

بليني

100 م

850  م

750

7

 

* مِن أيِّ عمل من أعماله

يمثِّل هؤلاء المؤلِّفون كتَّابَ الأدب الكلاسيكي الرئيسيّين من العصور القديمة – الكتابات التي شكَّلَت تطوُّر الحضارة الحديثة. إنَّ ما وصل إلينا من هذه الكتابات، لكن بعد 1000 سنة تقريبًا من كتابة المخطوطة الأصليَّة، هو بمعدَّل 10- 100 مخطوطة محفوظة.

 

النقد النصِّي للكتاب المقدَّس/الكتاب

يُقارن الجدول التالي كتابات الكتاب المقدَّس (الإنجيل على وجه الخصوص) بموجب هذه النقاط ذاتها. (من كتاب بي. دبليو. كومفورت Comfort, P. W. أصل الكتاب المقدَّس

The Origin of the Bible، 1992. صفحة 193).

 

 

نُسَخ المخطوطة

تاريخ

الكتابة

تاريخ المخطوطة

المنسوخة

الفاصل الزمنيّ

جون رايلَن

90  ميلاديّة

130 ميلاديّة

40 سنة

بودمِر

90 ميلاديَّة

150-200 م

110 سنوات

كتابات على ورق البردى

 

 

بعد

الميلاد

 

شيستر بيتي

60 ميلاديّة

200 ميلاديَّة

140 سنة

المخطوطات الفاتيكانيًّة

60-90

ميلاديَّة

325

ميلاديَّة

290

سنة

المخطوطات السينائيّة

60-90

ميلاديَّة

350

ميلاديَّة

290

سنة

 

موجز النقد النصِّيّ للكتاب المقدَّس/الكتاب

إنَّ عدد مخطوطات العهد الجديد هو من الكثرة بحيث أنَّه سيكون من المستحيل جدولتها. كما صرَّح أحد الباحثين الذي أمضى سنوات في دراسة هذه المسألة:

‘‘يوجد لدينا اليوم أكثر من 24000 نسخة من مخطوطات العهد الجديد… ما من وثيقةٍ أخرى تعود إلى العصور القديمة تبدأ حتّى في الاقتراب من مثل هذا العدد والشواهد. بالمقارنة، تأتي ملحمة الإلياذة لهوميروس في المرتبة الثانية بعددٍ من المخطوطات المنسوخة يبلغ 643 ما زالت موجودة’’ (من كتاب جي. ماك دويل، McDowell J. أدلَّة تتطلَّب حكمًا Evidence That Demands a Verdict. 1979. صفحة 40).

يتَّفق باحثٌ بارزٌ في المتحف البريطانيّ مع هذا القول:

‘‘إنَّ العلماء راضون عن امتلاكهم فعليًّا النصّ الحقيقيّ للكتَّاب الرئيسيِّين الإغريق والرومان… لكنَّ معرفتنا لكتاباتهم لا تزال تعتمد على مجرَّد حفنة من المخطوطات المنسوخة، في حين أنَّ مخطوطات العهد الجديد المنسوخة تُعَدُّ ﺒ… الآلاف’’ Kenyon, F.G. إف. جي. كينيون (المدير السابق للمتحف البريطاني) Our Bible and the Ancient Manuscripts كتابنا المقدَّس والمخطوطات القديمة. 1941 صفحة 23.

أمتلكُ كتابًا عن أوائل وثائق العهد الجديد. وهو يبدأ بهذه العبارات:

‘‘يقدِّم هذا الكتاب تدوينًا ﻟـ 69 مخطوطة من أوائل مخطوطات العهد الجديد… مؤرَّخة من أوائل القرن الثاني وحتّى بداية القرن الرابع (100 – 300 ميلاديَّة)… تحتوي على ما يُقارب ثلثي نصوص العهد الجديد’’ (بي. كومفورت P. Comfort، ‘‘ The Text of the Earliest New Testament Greek Manuscripts أوائل نصوص مخطوطات العهد الجديد باللغة اليونانيّة’’. مقدِّمة صفحة 17. 2001)

بعبارةٍ أخرى، إنَّ العديد من هذه المخطوطات الموجودة تعود إلى فتراتٍ تاريخيَّة مبكِّرة جدًّا، مائة سنة أو نحو ذلك فقط بعد كتابات العهد الجديد الأصليِّة. تأتي هذه المخطوطات في وقتٍ سابقٍ لصعود قسطنطين إلى السلطة وقبل نشوء الكنيسة الرومانيّة. وهذه المخطوطات منتشرة في جميع أنحاء الدول التي تطلُّ على البحر الأبيض المتوسِّط. إذا كان البعضُ منها من منطقةٍ ما محرَّفًا، فلسوف نرى الاختلاف من خلال مقارنته بمخطوطاتٍ موجودة في مناطق أخرى. لكنَّها متماثلة.

ما الذي يمكننا إذًا أن نستنتجه من هذا؟ بالتأكيد، على الأقلّ ما نستطيع أن نقيسه بموضوعيَّة (عدد نسخ المخطوطات الموجودة والفترة الزمنيَّة الممتدَّة بين تاريخ المخطوطة الأصليّة وأقرب المخطوطات المنسوخة الموجودة إلى هذا التاريخ) هو أنَّ الأدلَّة والبراهين التي يستند إليها العهد الجديد (الإنجيل) هي أكثر بكثير من التي يستند إليها أيٌّ من الكتابات الكلاسيكيَّة الأخرى. إنَّ حكمنا الذي تدفعنا الأدلَّة إلى إصداره يوجزه على أحسن وجه الاقتباس التالي:

 ‘‘إنَّ ارتيابنا في محصِّلة نصّ العهد الجديد يعني السماح بسقوط الأدب الكلاسيكي في العصور القديمة كلّه في الضبابيّة والغموض، لأنَّه ما من وثائق أخرى من العصور القديمة أفضل دعمًا بالأدلّة والمراجع مثل العهد الجديد’’ مونتغمري Montgomery، التاريخ والمسيحيَّة History and Christianity. 1971. صفحة 29

إنَّ ما يقوله هو أنَّنا يجب أن نكون ثابتين على مبدأ واحدٍ، إذا كنَّا نشكِّك في مصداقيَّة الكتاب (الكتاب المقدَّس) فقد يجوز لنا كذلك أن نرفض كلَّ ما نعرفه عن التاريخ الكلاسيكي بشكلٍ عام – وهذا ما لم يفعله أيُّ مؤرِّخٍ في أيِّ وقتِ من الأوقات. إنَّنا نعلم أنَّ نصوص الكتاب المقدَّس لم تتغيَّر بمجيء عصورٍ ولغاتٍ وإمبراطوريّاتٍ وأُفولها بما أنَّ أقدم نسخ المخطوطات الموجودة وُجِدَت قبل هذه الأحداث. على سبيل المثال، نحن نعلم أنَّه لا البابا ولا الإمبراطور الروماني قسطنطين قد قاما بتغيير الكتاب المقدَّس لأنَّ في حوزتنا مخطوطاتٍ تعود إلى زمن سابقٍ لزمن قسطنطين والباباوات، وكلُّ هذه المخطوطات السابقة تتضمَّن الأحداث نفسها.

يتبيَّن هذا في الجدول الزمنيّ التالي حيث يظهر أنَّ مصادر المخطوطة المـــُستَخدَمَة في ترجمة الكتب المقدَّسة الحديثة تأتي في زمنٍ أكثر قِدَمًا بكثير.

Article_13 arabic dotted timeline
تُرجِمَت الكتب المقدَّسة الحديثة من أوائل المخطوطات الموجودة، والتي يعود تاريخ الكثير منها إلى الأعوام 100- 300 ميلاديّة. تأتي هذه المخطوطات التي هي المصدر قبل قسطنطين أو قبل القوى السياسيّة الدينيَّة الأخرى بوقتٍ طويلٍ.

مجمل القول، لا الزمن ولا الزعماء المسيحيّون قد حرَّفوا الأفكار والرسالات الأصليَّة التي تمَّ وضعها في نصوص الكتاب أو الكتاب المقدَّس الأصليَّة. يمكننا أن نعرف أنَّنا نقرأ اليوم تمامًا ما كتبه المؤلِّفون فعلاً، وذلك من أُلوف المخطوطات القديمة التي لدينا اليوم. يدعم عِلمُ النقد النصِّيّ موثوقيَّة الكتاب/الكتاب المقدَّس.

النقد النصِّيّ في محاضرة جامعيَّة

كان لي شرف إلقاء محاضرةٍ عامَّةٍ حول هذا الموضوع في جامعة ويسترن أونتاريو Western Ontario في كندا منذ زمنٍ ليس ببعيد. في ما يلي يوجد فيديو مدَّته 17 دقيقة يعرِضُ جزءًا من المحاضرة يغطِّي هذا الموضوع.

لقد بحثنا في الواقع حتّى الآن في النقد النصِّيّ للعهد الجديد – الإنجيل. ولكن ماذا بشأن التوراة والزبور – الكتب التي تشكِّل العهد القديم؟ في الفيديو التالي الذي مدَّته 7 دقائق، قمتُ بإيجاز مبادئ النقد النصِّيّ للعهد القديم.

هل يحلُّ القرآن الكريم محلَّ الكتاب المقدَّس! ماذا يقولُ القرآنُ الكريمُ؟

حتّى لو أنَّنا ندرك أنَّ كلاًّ من القرآن الكريم والسنَّة على حدٍّ سواء يؤكِّدان أنَّ الكتابَ المقدَّسَ (التوراة والزبور والإنجيل الذين يشكِّلون الكتاب) لم يتمّ تغييرهم أو تحريفهم (كما بيَّنتُ في موقعي هنا و هنا) فما يزال السؤال حول ما إذا كان الكتاب المقدَّس/الكتاب قد استُبدِلَ بالقرآنِ الكريم، أو أنَّ القرآنَ الكريم قد ألغاه أو حلَّ محلَّه مطروحًا. ماذا يقولُ القرآنُ الكريمُ عن هذا القول؟

بِسْمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ

وأَنزَلْنا إليكَ الكتابَ بالحَقِّ مُصَدِّقًا لما بين يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ وَمُهَيمنًا عَلَيْهِ… سورة 48:5 (المائدة)

 

بِسْمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ

وَمِنْ قَبْلِهِ (القرآنُ الكريمُ) كِتابُ موسى إِمامًا ورَحمَةً وهذا كِتابٌ (القرآنُ الكريمُ) مُصَدِّقٌ (له) لِسانًا عربيًّا… سورة 46: 12 (الأحقاف)

بِسْمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ

وهَذا كِتابٌ أَنزَلْناهُ مُبارَكٌ مُّصَدِّقٌ (الوَحيَ) الذي بينَ يَدَيْهِ.. سُورَة 6: 92 (الأنعام)

 

بِسْمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ

والذي أوحَينا إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ هُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا (للّوحي) لِما بَينَ يَدَيْهِ: سورة 31:35 (فاطِر)

تتحدَّث هذه الفقرات عن تأكيدِ القرآنِ الكريمِ على أنَّه (لا يحلُّ محلَّ رسالة الكتابِ المقدَّس ‘الكتاب’ التي سَبَقَت في النزول، ولا يُهَيمنُ عليها، وأنّه ليس بديلاً عنها). بعبارةٍ أخرى، فإنَّ هذه الآيات لا تقول إنَّ على المؤمنين أن يضعوا جانبًا الوحيَ الأسبَق في النزول ويقرؤوا الوحيَ الأخير فقط. ولذلك ينبغي أن يقرأ المؤمنون الوحي الأسبق ويُطيعوه.

وهذا ما تؤكِّده الآية التي تقولُ لنا إنَّه لا يوجدُ تمييزٌ بين أنواع الوحيِّ المختلفة. أُورِدُ هنا اثنتين من تلك الآيات التي لاحظتها:

بِسْمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ

آمَنَ الرَّسولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيهِ مِن رَّبِّهِ وَالمؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ. (قالوا) لا نُفرِّقُ بَينَ أَحَدٍ مِن رُسُلِهِ. وَقالوا سَمِعْنا وأَطِعْنَا (نلتَمِس) غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وإِلَيْكَ المَصِيرُ. (سُورَة 285:2 – البَقَرَة)

 

بِسْمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ

قُولوا آمنَّا باللهِ وَما أُنزِلَ إِلَينا وَمَا أُنزِلَ إِلى إبراهِيم وإِسمَاعيلَ وإِسحَقَ وَيَعْقُوبَ والأَسْباط وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبيُّونَ مِن رَّبِّهِم لا نُفَرِّقُ بَينَ أَحَدٍ مِّنهُم وَنَحنُ لَهُ مُسلِمُونَ. (سُورَة 136:2 – البَقَرَة)

 

تقولُ لنا الآيَة الأولى إنَّه لا يوجد تمييزٌ بين الرسل – يجب أن نستمع إليهم جميعًا، وتقول الآية الثانية إنَّه ليس ثمَّةَ فرق ما بين الوحي الذي أُنزِلَ من خلال عدَّة أنبياء – ينبغي قبوله كلّه. لا يوجد في أيٍّ من هذه الآيات أيُّ تلميحٍ أو مُقتَرَح بوجوب تجاهل (أو الاستخفاف ﺒ) الوحي السابق لأنَّ الوحيَ اللاحق قد حلَّ محلَّه. وهذا الأسلوب يتناسب مع مثال وتعاليم عيسى المسيح (عليه السلام). لم يقُل هو نفسه إنَّ الوحي السابق للتوراة ومن بعده الزبور قد أُبطِلَ. لقد كان يعلِّم ما هو عكس ذلك في الواقع. لاحظوا الاحترام والاهتمام المستمرّ والمتواصل الذي يُبديه نحو توراة موسى في تعاليمه في الإنجيل.

‘‘لا تظنّوا أنّي جئتُ لأنقُضَ الناموسَ (أيّ التوراة) أو الأَنبياءَ (أيّ الزبور). ما جِئتُ لأنقُض بلّ لأُكمِّل. 18 فإنّي الحقَّ أقولُ لكم إلى أن تزولَ السماءُ والأرضُ لا يزولُ حرفٌ واحدٌ أو نقطةٌ واحدةٌ من الناموس حتّى يكونَ الكلُّ. 19 فمَن نقضَ إحدى هذه الوصايا الصُّغرى وعلَّمَ الناسَ هكذا يُدعى أصغر في ملكوت السموات. وأمّا مَن عمل وعلَّم فهذا يُدعى عظيمًا في ملكوتِ السموات. 20 فإنّي أقولُ لكُم إنّكم إن لم يزِد برُّكم على الكَتَبَة والفرِّيسيِّين لن تدخلوا ملكوتَ السموات’’.

(متّى 17:5-20)

في الواقع، لكي نفهمَ تعاليمه بشكلٍ صحيحٍ، فقد قال إنَّه يتوجَّبُ على المرءِ أن يقرأ التوراةَ أوَّلاً ثمَّ الزبور. إليكم هنا كيف كان يعلِّمُ تلاميذه:

 ثمَّ ابتدأ من موسى ومِن جميعِ الأنبياءِ يفسِّرُ لهما الأمورَ المختصَّة به في جميعِ الكتب. (لوقا 27:24)

 

وقال لهم هذا هو الكلامُ الذي كلَّمتكم بهِ وأنا بعدُ معكُم أنَّه لا بدَّ أن يتمَّ جميع ما هو مكتوبٌ عنِّي في ناموسِ موسى (أيّ التوراة)، والأنبياءِ والمزامير (أيّ الزبور)’’. (لوقا 44:24)

لم يحاول عيسى المسيح (عليه السلام) أن يتجاوز الوحي السابق. لقد بدأ تعاليمه وإرشاده، في الواقع، من هذا الوحي. هذا هو الذي جعلني أقتدي به عبر البدء بالتوراة لتقديم الأساس لفهم الإنجيل.

آية لوط

     كان لوط ابن شقيقِ النبي إبراهيم (عليه السلام).  وقد اختار العيشَ في مدينةٍ تعجُّ بأُناسٍ أشرارٍ.  لكنَّ الله استخدمَ هذا الوضع كآياتٍ نبويَّة لجميعِ الناس.  ولكن أيَّةُ آياتٍ هي؟  للإجابة على هذا السؤال يجب علينا أن نولي اهتمامًا وثيقًا لمختلف الأشخاص في هذه القصَّة.  انقرْ هنا لتقرأ القصَّة كما وردتْ في كلٍّ من التوراةِ والقرآنِ الكريمِ.

     يمكنُنا أن نرى في القصَّتَين اللتَين وردتا في التوراةِ والقرآنِ الكريمِ أنَّ هناكَ ثلاثَ مجموعاتٍ من الناسِ، وكذلك ملائكة (أو رسُل) الله.  دعونا نفكِّر في كلِّ واحدةٍ من هذه المجموعاتِ بدورها.

رجالُ سَدوم

     كان هؤلاء الأشخاص فاسدين ومنحرفين إلى أبعد الحدود.  ونحن نرى أنَّ هؤلاءِ الرجالِ كانوا يأملون في اغتصابِ الرجالِ الآخرين (الذين كانوا حقًّا ملائكة، ولكن بما إنَّ رجالَ سَدوم اعتقدوا أنّهم كانوا رجالاً، فقد كانوا يخطِّطونَ لاغتصابهم اغتصابًا جماعيًّا).  إنَّ هذا النوعَ من الإثْمِ كان شرِّيرًا جدًّا إلى حدٍّ جعل الله يصمِّم على أن يُدينَ المدينةَ بأكملِها.  وكانَ الحكمُ متَّسقًا مع الحكم الذي أصدَرَه على آدمَ.  قبل ذلك، كان اللهُ في البدايةِ قد حذَّر آدمَ من أنَّ عقوبةَ الخطيئة كانت الموت.  لم يكن أيُّ نوعٍ آخرٍ من العقابِ (مثل الضربِ والسَجنِ وما إلى ذلك) كافيًا.  وقد قال اللهُ لآدم:

 ‘‘وأمَّا شجرة معرفةَ الخيرِ والشرِّ فلا تأكلَ منها. لأنَّكَ يومَ تأكلَ منها موتًا تموتُ’’.  (سفر التكوين 17:2)

     وبالمثلِ، كان عقابُ خطايا رجال سَدوم أن يموتوا هم أيضًا.  بل إنَّ المدينة بأكملها في الواقع، وجميع الذين يعيشون فيها، كانت النيران الآتية من السماء ستدمِّرُها.  هذا هو مثالٌ على وجودِ نمطٍ تمَّ شرحه لاحقًا في الإنجيل:

                لأنَّ أُجرَةِ الخطيَّة هي موت (رومية 23:6)

أصهار لوط

     في قصَّة نوح، أدان الله العالم كلَّه، ومتَّسقًا مع آية آدم، كانت الدينونة هي الموت في طوفانٍ عظيمٍ.  لكنَّ التوراةَ والقرآنَ الكريمِ يُخبراننا أنَّ العالم أجمع كان ‘شرِّيرًا’ في ذلك الحين.  أدان اللهُ رجالَ سَدوم، لكنَّهم كانوا هم أيضًا أشرارًا منحَرِفين.  قد تدفعني قراءتي لهاتين القصَّتَين فقط إلى الاعتقاد بأنَّني في مأمنٍ من دينونةِ اللهِ لأنَّني لست بذلك الشرّ.  بالرغم ممّا قيل، أنا أُؤمنُ باللهِ، وأفعل أشياءَ صالحة كثيرة، ولم أرتكب يومًا مثل هذه الأفعال الشرِّيرة.  أأنا آمنٌ إذًا؟  إنَّ آية لوط مع صهريه تحذيرٌ لي.  فهم لم يكونوا جزءًا من جماعة الرجال الذين كانوا يحاولون ممارسة اللواط عن طريق الاغتصاب.  لكنَّهم لم يأخذوا التحذير من الدينونة الآتية على محمل الجدِّ.  في الواقع، تقولُ لنا التوراة إنَّهم كانوا يعتقدون ‘أنَّ (لوط) كان مازحًا’.  أكانَ مصيرهم مختلفًا في أيِّ شيءٍ عن مصير رجال المدينة الآخرين؟  كلاّ!  لقد عانوا المصير نفسه.  لم يكن هناك اختلافٌ في المحصِّلة بين هؤلاء الأصهار وبين رجال سَدوم الأشرار.  مغزى الآية هنا أنَّ على الجميع أن يأخذوا هذه التحذيرات على محمَل الجَدّ.  فهي ليست موجَّهة فقط للأشخاص المنحرفين جنسيًّا.

زوجة لوط

     تُعتَبَر زوجة لوط آيةً كبيرةً لنا.  يُذكَر في كلِّ من التوراةِ والقرآنِ الكريم على حدٍّ سواء أنّها لقِيَت حتفها جنبًا إلى جَنبٍ مع الآخرين.  ولقد كانت زوجة نبيٍّ.  ولكن علاقتها الخاصَّة بلوط لم تنقذها بالرغم من أنَّها لم تكن تمارس الجنس المثليّ مثل ما كان رجال سَدوم يفعلون.  لكنَّ الملائكة أمروهُم قائلين:

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَحيمِ

                 ‘… ولا يلتَفِتُ مِنكُمْ أحَدٌ…’ (سورة هود 81:11)

 أو

                 ‘… لا تنظُرْ إلى ورائكَ…’ (سفر التكوين 17:19)

     تخبرنا التوراة  في سفر التكوين ‘ونظَرَت امرأَتَهُ مِن ورائِهِ فصارت عمودَ ملحٍ.’ (تكوين 26:19).  لم توضِّح التوراة ما تعنيه بالضبط نظرَتْها إلى الوراء’.  ولكن من الواضح أنَّها اعتقدَت أنَّ بإمكانها تجاهل أمرٍ أصدره الله بدا صغيرًا حتّى، واعتقدت أنَّه لن يكون بذي أهميَّةَ.  لكنَّ مصيرها – مع خطيئتها ‘الصغيرة’ – كان كمصيرِ رجال سدوم بخطيئتهم ‘الكبيرة’ – الموت.  إنَّها لآيةٍ مهمَّةٍ بالنسبة إليَّ تبعدني عن التفكير في أنَّ بعض الخطايا ‘الصغيرة’ مُعفاة من دينونة الله – إنَّ زوجةَ لوط هي آيتنا لتحذِّرنا من هذا الاعتقاد الخاطئ.

لوط، الله والرُسُل الملائكة

     كما رأينا في آيةِ آدم، عندما أصدرَ اللهُ حُكمهُ، قدَّم كذلك الرحمة.  تمثَّلت رحمته في تلك الدينونة في توفير ثيابٍ من الجلد.  في آية نوح، عندما أصدر الله حكمهُ، أبدى رحمتهُ مرَّةً أخرى من خلال الفُلْك.  ونرى مرَّةً أخرى أنَّ اللهَ حتّى في دينونته حريصٌ على إبداءِ الرحمة.  تصف التوراة ذلك على هذا النحو:

                 ولمــَّا توانى أمسكَ الرجلانِ بيدهِ وبيدِ امرأَتِهِ وبيدِ ابنتَيهِ لشَفقةِ الربِّ عليهِ وأخرجاهُ ووضعاهُ خارج المدينةِ.  (تكوين 16:19)

     ما الذي يمكننا أن نتعلَّمه من هذا؟  كما في الآياتِ السابقة، كانت الرحمةُ شاملة، لكنَّها لم تُقدَّم إلاَّ من خلالِ سبيلٍ واحدٍ – إرشادهم للخروج من المدينة.  لم يقدِّم الله تعالى، على سبيل المثال، الرحمة أيضًا من خلال إقامةِ مكانٍ يأوونَ إليه في المدينة يمكن أن يصمُدَ أمام النار الآتية من السماء.  لم يكن هناك إلاّ طريقة واحدة لتلقِّي الرحمة. – أن يتبعوا الملائكة للخروج من المدينة.  لم تمتدّ رحمة الله تعالى إلى لوط وعائلته لأنَّ لوط كان إنسانًا مثاليًّا.  في الواقع، نرى في كلٍّ من التوراة والقرآنِ الكريمِ أنَّ لوط كان على استعدادٍ لتقديمِ ابنتيهِ إلى المغتَصبين – وهي لفتةٌ (عملٌ) لا يمكنُ وصفها بالنبالةِ.  ثمَّ تقول لنا التوراة حتّى إنَّ لوط ‘تَوانى’.  ولكن حتّى بالرغم من كلِّ هذا، بسط الله رحمَته عن طريق ‘إمساك’ الملائكة بيده وإخراجه خارج المدينة.  هذه علامةٌ لنا:  إنَّ الله تعالى سيمدُّنا بالرحمة، ولن يتوقَّف ذلك على جدارتنا .  ولكنَّنا، مثلنا مثل لوط من قبلنا، بحاجةٍ إلى الحصول على هذه الرحمة لكي تعيننا.  لم يحصل الأصهارُ على الرحمة، وبذلك لم يستفيدوا منها.

     تقول لنا التوراةُ في سفر التكوين إنَّ الله بسط هذه الرحمة للوط لأنَّ عمَّه، النبيُّ العظيم إبراهيم (عليه السلام)، قد تشفَّع له (انظر الفقرة في سفر التكوين هنا).  ثمَّ تتابع التوراة من خلال آياتِ إبراهيم مع وعدِ اللهِ بأن ‘يتبارك في نسلِكَ جميعُ أُممِ الأرضِ من أجل أنّكَ سمعتَ لقَولي’ (تكوين 18:22).  ينبغي أن ينبِّهنا هذا الوَعد لأنّنا بغضِّ النظر عمَّن نكون أو أيَّة لغةٍ نتكلَّم أو أيَّ دينٍ نعتنق أو أين نعيش، يمكننا أن نعرف أنَّنا، أنت وأنا، جزءٌ من ‘جميعِ أُممِ الأرضِ’.  إذا كانت شفاعة إبراهيم قد جعلتِ اللهُ أن يمدَّ لوط برحمتهِ، على الرغم من أنّه لم يكن يستحّقها، فكم بالحري هو كمُّ الرحمات الكثيرة التي ستمدّنا بها آيات إبراهيم، نحن الذين ننتمي إلى ‘جميعِ أممِ الأرضِ’؟  مع هذه الفكرة في أذهاننا، نواصل رحلتنا عبر أنبياء التوراة من خلال البحث في آياتِ إبراهيم (عليه السلام).

الإنجيل بحسب… مَنْ؟

     طُرِح عليَّ مؤخّرًا سؤالٌ ممتازٌ.  وأنا أنقله هنا.

        مرحبًا، هل يمكنك أن توضِّح سبب وجود عبارة بحسب لوقا، بحسب يوحنّا في الإنجيل؟          بقدر ما أستطيع أن أفهم، فإنَّ كلمة بحسب تعني قصَّة استلهمها ذلك الشخص استنادًا     إلى ما فهمه.

        ولذا، أنا مهتمٌّ بالإنجيل (الأناجيل) بحسب يسوع عليه السلام و ‘‘ليس بحسب’’ لوقا، يوحنّا وغيرهم.  إذا كانت لديك نسخة، فسأكون سعيدًا بالحصول عليها منك.

     فكَّرت أنَّ إعطاء إجابة متعمِّقة كانت أمرًا يستحقُّ الجهد.  دعونا نفكِّر بالسؤال وحتّى إعادة صياغته بعض الشيء.

ماذا تعني كلمة ‘إنجيل’؟

     يوجد كتبُ أناجيلٍ أربعة في كتاب العهد الجديد:  إنجيل متّى و مرقس و لوقا و يوحنَّا.  ما معنى أن تكون هذه الأناجيل ‘بحسب’ هؤلاء الكتّاب المختلفين؟  هل يعني هذا وجود أربعة أناجيل مختلفة؟  وهل تختلف هذه الأناجيل عن ‘إنجيل يسوع’؟  هل يعني هذا أنَّ هذه الأناجيل هي قصصٌ ‘استوحاها ذلك الشخص اعتمادًا على فهمه’؟

     من السهل جدًا مع أسئلةٍ كهذه أن نطرح جانبًا التفكير الجدّيَ بسبب آرائنا المــُسبَقَة.  ولكن للحصول على إجابةٍ منهجيَّةٍ، إجابةٍ تستندُ إلى المعرفة، علينا أن نفهم معنى كلمة ‘إنجيل’.  في اللغة اليونانيّة الأصليَّة (وهي لغة العهد الجديد الأصليَّة، انظر هنا للحصول على التفاصيل) الكلمة المرادفة لكلمة الإنجيل في اللغة اليونانيّة هي εὐαγγελίου (تُلفَظ euangeliou باللغة الإنكليزيَّة).  هذه الكلمة تعني ‘رسالة أخبارٍ سارَّة’.  نحن نعرف هذا من خلال معرفتنا كيفيَّة استخدامها في التاريخ القديم.  كُتِب العهدُ القديم (التوراة و الزبور) باللغة العبريَّة (انظر هنا للحصول على التفاصيل).  ولكن حوالي 200 قبل الميلاد – قبل العهد الجديد – ولأنَّ اللغة اليونانيّة في ذلك العصر أصبحت لغة العالم المنطوقة إلى حدٍّ كبير، قام علماء الدين اليهود في ذلك العصر بترجمة العهد القديم من اللغة العبريّة إلى اللغة اليونانيَّة.  دُعِيَت هذه الترجمة بالسبعينيّة (انظر هنا للحصول على مزيدٍ من التفاصيل حول الترجمة السبعينيّة من الموقع الآخر الخاص بي على الإنترنت).  انطلاقًا من الترجمة السبعينيَّة، يمكننا أن ندرك كيف تمَّ استخدام الكلمات اليونانيّة في ذلك العصر (أيّ 200 قبل المسيح).  إليكم هنا فقرة من العهد القديم حيث تمَّ استخدام كلمة  εὐαγγελίου (‘الأخبار السارَّة أو البشارة’) في الترجمة السبعينيَّة.

        فأجاب داود ركاب وبعنة أخاهُ ابنيّ رمُّون البئيروتي وقال لهما.  حيٌّ هو الربُّ     الذي فدى نفسي من كلِّ ضيقٍ.  إنَّ الذي أخبرني قائلاً هوذا قد مات        شاول وكان في عيني نفسهِ كمبشِّرٍ قبضتُ عليهِ وقتلتهُ في صقلغ.  ذلك أعطيتهُ بشارةً.  (2 صموئيل 9:4-10)

     هذه إحدى الفقرات حيث يتحدَّث الملك داود عن كيفيّة مجيء أحد الأشخاص حاملاً له أخبارَ موت عدوِّه معتقدًا أنّها ستكونُ أخبارًا سارَّة بالنسبة إلى الملك.  تُرجِمَت كلمة ‘الأخبار السارّة’ إلى εὐαγγελίου في الترجمة اليونانيّة السبعينيّة في الأعوام 200 قبل المسيح.  وهكذا فإنَّ هذا يعني أنَّ  εὐαγγελίου باللغة اليونانيّة تعني ‘الأخبار السارَّة’.

     لكنَّ  εὐαγγελίου تعني أيضًا الكتاب التاريخي أو الوثيقة التي تتضمَّن ‘الأخبار السارّة’.  على سبيل المثال، كان Justin Martyr جستن الشهيد أحد أوائل أتباع الإنجيل (وهذا ما سيجعله أشبه ما يكون ﺒ ‘خليفة’ صحابة النبيّ (صلّى اللهُ عليه وسلَّم) و كاتبٌ على نطاقٍ واسعٍ.  استخدم جستن الشهيد كلمة εὐαγγελίου على هذا النحو عندما كتب ‘‘… لكن كُتِبَ في الإنجيل أيضًا أنَّ اللهَ قال…’’ (جستن الشهيد، حوار مع تريفو  Trypho، 100).  استُخدِمَت عبارة ‘الأخبار السارّة’ هنا للإشارة إلى كتاب.

     في العنوانين ‘الإنجيل بحسب…’ وردت كلمة إنجيل εὐαγγελίου بالمعنى الأوّل للكلمة، في حين تشير أيضًا إلى المعنى الثاني.  ‘الإنجيل بحسب متّىيعني الأخبار السارّة كما هو مدوَّن في سجلٍّ كتبه متّى.

مقارنة الإنجيل ﺒـ ‘الأخبار’

     إنَّ الكلمة ‘الأخبار’ اليوم المعنى المزدوج نفسه.  كلمة ‘أخبار’ بمعناها الأساسيّ تعني الأحداثٍ المأساويّة التي تقع، مثل المجاعة أو الحرب.  لكن يمكن أن تُشير أيضًا إلى وكالات أنباء مثل قناة BBC أو الجزيرة أو CNN التي تنقل هذه المواد ‘الإخباريّة’ إلينا.  بينما أنا أكتب هذا، تصنع الحرب الأهليّة في سوريا الكثير من الأخبار، وسيكون من الطبيعيّ بالنسبة إليَّ أن أقول ‘‘سأستمع إلى أخبار قناة BBC حول سوريا.  تشير كلمة ‘أخبار’ في هذه الجملة في المقام الأوّل إلى الأحداث، لكنّها تشير أيضًا إلى وكالة الأنباء التي تنقل الأحداث.  لكنَّ قناة BBC لا تصنع الأخبار، كما أنَّ الأخبار لا تتعلَّق بها – فهي تتعلَّق بالحدث الدراماتيكيَّ المؤثِّر. إنَّ المستمع الذي يريد الاطّلاع على حدثٍ إخباريّ ما قد يستمع إلى تقاريرٍ إخباريّةٍ متعدِّدةٍ من وكالات أنباءٍ مختلفة للحصول على منظورٍ عامّ أكثر اكتمالاً- وكلُّ ذلك يتعلَّق بالحدث الإخباريّ عينه.

     بالطريقة ذاتها، يتحدَّث الإنجيل عن عيسى المسيح – يسوع (عليه السلام).  إنّه هو وحده موضوع التركيز الإخباري، وهناك إنجيلٌ واحدٌ فقط.  لاحظوا كيف استهلَّ مرقس كتابه:

‘‘بدءُ إنجيلِ يسوع المسيح…’’ (مرقس 1:1)

     يوجد إنجيلٌ واحدٌ وهو عن يسوع (عيسى – عليه السلام)، ويتضمَّن رسالةً واحدةً، لكنَّ هذه الرسالة قد دوِّنت مِن قِبَل مرقس في كتاب، وهذا الكتاب يُدعى أيضًا إنجيلاً.

 الأناجيل – مماثلة للحديث الشريف

     يمكنك أيضًا أن تفكِّر في الأناجيل من منطلق أنّها أحاديث.  هناك أحاديث شريفة حول الحدث نفسه تأتي من خلال أحاديث شريفة مُسنَدَة مختلفة أو من خلال سلسلة من الرواة.  إنَّ الحدث شيءٌ واحدٌ، لكنَّ سلسلة الرواة يمكن أن تكون مختلفة.  إنَّ ما يتضمَّنه الحديث الشريف من حدثٍ أو من قولٍ لا يتعلَّق بالرواة – إنَّه يتعلَّق بشيءٍ ما قاله النبيُّ محمَّد (صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم) أو فعله.  الشيء نفسه تمامًا ينطبق على الأناجيل، باستثناء أنَّ سلسلة الأحاديث المــُسنَدَة ما هي إلاَّ حلقة واحدة طويلة فقط.  إذا  كنت تقبل مبدئيًّا بأنَّ الإسناد (بعد القيام بالتدقيق الصحيح الذي قام به البخاري ومسلم) يمكن أن يقدِّم بشكلٍ دقيقٍ أقوال وأفعال النبيّ محمَّد (صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم)، حتّى ولو أنّه يمكن أن توجد أحاديث مُسنَدة مختلفة من خلال رواة مختلفين يعودون إلى الحدث نفسه، فلماذا تجد صعوبةً في قبول الحلقة الواحدة أو  ‘إسناد’ الراوي الطويل لكتبة الإنجيل؟  إنَّه المبدأ ذاته تمامًا لكنَّ سلسلة الإسناد أقصر بكثير ومكتوبة بصورةٍ أكثر وضوحًا بكثير لكونها كُتِبَت بعد فترةٍ قصيرةٍ جدًّا من وقوع الحَدَث وليس بعد بضعة أجيالٍ كما فعل العالمــَين البخاري ومُسلم عندما قاما بتحويل الأحاديث المــُسنَدَة الشفويَّة في أيّامهما إلى أحاديث مكتوبة.

لم يكن وحي كتبة الإنجيل إلهامًا ذاتيًّا

     لقد وعد عيسى المسيح (عليه السلام) كتبة الأناجيل هؤلاء بأنَّ ما يكتبونه سيكون وحيًا من الله – ليست الكتابة من إلهامهم البشريّ.  يقول بذلك الأناجيل والقرآن الكريم.

        ‘‘بهذا كلَّمتُكم وأنا عندكم.  وأمَّا المعزِّي الروحُ القُدُسِ الذي سيرسلهُ الآب      باسمي فهو يعلِّمُكم كلَّ شيءٍ ويذكِّركم بكلِّ ما قلتهُ لكم’’   (يوحنا 25:14-26)

 بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحيمِ

        وإذا أوحَيْتُ إلى الحَوارِيِّين أَن آمِنُوا بِي وَبِرَسُولي قالُوا آمَنَّا وَاشْهَد بأنَّنَا مُسلِموُنَ (سورة 111:5 – المائدة)

 إذن، إنَّ الوثائق المكتوبة التي قاموا بتدوينها – الأناجيل التي هي بين أيدينا اليوم – لم تكن وحيًا ذاتيًّا.  كانت بوحيٍّ مِن عند الله، وهذا الأمر يستحقُّ التفكير الجادّ.  إنَّ أناجيل متّى و مرقس و لوقا و يوحنّا كانت دائمًا (منذ كتابتها في القرن الأوّل) إنجيل يسوع – لقد كانوا هم رواة ذلك الإنجيل.  اقرأ كتاباتهم لتقرأ رسالة يسوع (عيسى – عليه السلام) وتفهم ﺍﻟــ ‘الأخبار السارَّة’ التي كان يعلِّمها.

ما اللغات التي دُوِّنَت بها الكُتُب المقدَّسة؟

     كلمَة Bible (الكتاب المقدَّس) تعني حرفيًّا ‘كُتُب’.  نحن نراه اليوم ككتابٍ واحدٍ، وغالبًا ما نشير إليه باعتباره ‘كتاب’.  وهذا هو السبب الذي جعل القرآن الكريم يسمّيه ‘الكتاب’.  لكنَّه في الحقيقة عبارة عن مجموعة من الكتب التي كتبها أكثر من 40 نبيًّا عاشوا خلال فترةٍ زمنيَّة تجاوزت 1600 سنة.  كانت خلفيّات هؤلاء الأنبياء مختلفة جدًّا.  كان دانيال (الذي يوجد قبره في إيران العصر الحديث) رئيس وزراء في الإمبراطوريّة البابليّة (العراق) والإمبراطوريّة الفارسيّة (إيران).  وكان نحميا ساقي الإمبراطور الفارسيّ أرتحشستا.  وكان حزقيال كاهنًا.  كان داود ملك مملكة إسرائيل القديمة كما كان ابنه سليمان، وهلمَّ جرَّا.  وبالتالي، يمكنكم في الحقيقة اعتبار الكتاب المقدَّس (أو الكتاب) أشبه ما يكون بمكتبةٍ في مجلَّدٍ واحدٍ يحتوي على 66 كتابًا.

     لمساعدتنا على ‘رؤية’ الأنبياء وكتبهم عبر التاريخ بصورةٍ أفضل، قمت بوضع بعضهم (وليس كلّهم، بسبب عدم وجود مساحة كافية) في جدولٍ زمنيّ تاريخيّ.  إنَّ ما يبرز هنا هو الفترة التاريخيّة الطويلة جدًّا من تاريخ البشريّة التي يغطّيها هذا الجدول الزمنيّ.  إنَّ العلامات (أو الوحدات) الزمنيّة في هذا الجدول، تُقاسُ بالقرون (بمئات السنين)!  تبيِّن الأشرطة الأفقيّة الخضراء مدى السنوات التي عاشها ذلك النبيّ .  يمكنكم أن تروا أنَّ إبراهيم وموسى قد عاشا سنينَ عديدة!

أنبياء الكتاب المقدّس في الجدول الزمنيّ – عندما كان هؤلاء الأنبياء متواجدين في تاريخ البشريّة
أنبياء الكتاب المقدّس في الجدول الزمنيّ – عندما كان هؤلاء الأنبياء متواجدين في تاريخ البشريّة

     ولأنَّ هؤلاء الأنبياء عاشوا في فتراتٍ زمنيّةٍ مختلفة وفي بلادٍ (أو إمبراطوريّات) مختلفةٍ، وفي مستوياتٍ اجتماعيّةٍ مختلفةٍ (أيّ أنَّ بعضهم كان يعيش مع الحكّام وكان الآخرون يعيشون مع الفلاّحين)، كانت اللغات المستخدَمَة تختلف فيما بينها.  كانت التوراة (كُتُب موسى – عليه السلام) مكتوبة في الأصل باللغة العبريّة.  وكانت أسفار داود (عليه السلام) وسليمان (عليه السلام) في الزبور مكتوبة كذلك باللغة العبريَّة.  وكانت أسفارٌ أخرى في الزبور (جزءٌ من سفر دانيال وسفر نحميا – عليهما السلام) مكتوبة في الأصل باللغة الآراميّة.  وقد يكون النبيّ عيسى (عليه السلام) قد تحدَّث باللغة الآراميّة وربّما بالعبريّة.  وكانت كُتُب الإنجيل (وهي لا تظهر في الجدول الزمنيّ) مكتوبة في الأصل باللغة اليونانيّة.

     إنَّ الأمر الأكثر إثارةً للاهتمام بالنسبة إلينا هو أنَّ هذه اللغات الأصليّة بقيَت محفوظة ويمكن الوصول إليها، وهي حتّى مستخدَمَة إلى يومنا هذا.  لمجرَّد كون هذه اللغات ليست أوروبيَّة، فهي غير مُستَخدَمة مِن قِبَل الغربيّين، وبالتالي لا تحظى بالاهتمام الذي تحظى به اللغة الإنكليزيّة.  يمكنكم البحث عن التوراة باللغة العبريَّة في الإنترنت من خلال النقر هنا.  سوف تلاحظون أنَّ اتّجاه الكتابة هو من اليمين إلى اليسار كاللغة العربيّة.  يمكنكم رؤية صلاة عيسى أو سماعها باللغة الآراميّة الأصليَّة هنا.  يمكنكم أيضًا مشاهدة النصّ اليوناني الأصليّ للأناجيل هنا.  في الواقع، قام علماء اللاهوت بترجمة أسفار الكتاب المقدَّس من هذه النصوص الأصليّة إلى لغات العصر الحديث، مثل الإنكليزيّة والفرنسيّة والتايلنديّة وغيرها، على غرار ما قام به العلماء من ترجمة للقرآن الكريم من اللغة العربيّة إلى العديد من لغات يومنا الحاضر.

ما سبب وجود نسخ عديدة للكتاب المقدَّس؟

     كنت مؤخَّرًا في أحد المساجد أستمع إلى دروس الإمام.  قال شيئًا مغلوطًا تمامًا ومضلِّلاً جدًّا.  وما قاله كنت قد سمعته مرّاتٍ عدَّة من قبل – من أصدقائي الطيِّبين.  ربّما تكون أنت أيضًا قد سمعت هذا ممّا أثار تساؤلات في ذهنك.  لذلك، دعونا نفكِّر مليًّا في هذه الأقوال.

     قال الإمام إنَّ هناك العديد جدًّا من الإصدارات المختلفة من الكتاب المقدَّس (الكتاب).  في اللغة الإنكليزيّة، يمكنك الحصول على (وقد سمّاها) إصدار الملك جيمس، الإصدار العالميّ الجديد، الإصدار الأميركي القياسيّ الجديد، النسخة العربيّة الجديدة، وهلمَّ جرّا.  ثمَّ قال الإمام، بما أنَّ هناك إصدارات كثيرة مختلفة، فإنَّ هذا يدلُّ على أنَّ الكتاب المقدَّس (الكتاب) قد تمَّ تحريفه، أو أنّنا، على الأقلّ، لا نستطيع أن نعرف أيًّا هو الحقيقيّ بينها.  نعم، بالفعل هناك هذه النسخ المختلفة – ولكن لا علاقة لهذا الأمر بتحريف الكتاب المقدَّس أو ما إذا كانت هذه الكتب المقدَّسة في الواقع مختلفة.  هناك في الواقع كتاب مقدَّسٌ (كتابٌ) واحدٌ.

     عندما نتحدَّث، على سبيل المثال، عن الإصدار العالميّ الجديد، فنحن نتحدَّث عن ترجمةٍ معيَّنةٍ للإنجيل الأصليّ باللغة اليونانيّة و (التوراة والزبور) باللغة العبرية إلى اللغة الإنكليزيّة.  أمّا الإصدار الأميركيّ القياسيّ الجديد، فهو ترجمة أخرى إلى اللغة الإنكليزيّة ولكن من النصّ اليوناني والعبري نفسه.

     الحال نفسه موجودٌ بالنسبة إلى القرآن الكريم. إنّني عادةً ما أستخدم ترجمة يوسف علي، ولكنّني أستخدم في بعض الأحيان ترجمة Pickthall.   إنَّ Pickthall مترَجَم عن النصّ القرآني العربيّ نفسه الذي استخدمه يوسف علي، لكنَّ اختياره للكلمات الإنكليزيّة في ترجمته ليس دائمًا متماثلاً.  وبالتالي فهما ترجمتان مختلفتان.  ولكن لا أحد – ما من شخصٍ مسيحي أو يهوديّ أو حتّى مُلحِد يقول إنَّه نظرًا إلى وجود ترجمتين مختلفتين للقرآن الكريم إلى الإنكليزيّة (ترجمة Pickthall و يوسف علي) فإنَّ هذا يدلُّ على أنَّ هناك كتب قرآن ‘مختلفة’ أو أنَّ القرآن الكريم محرَّف.  بالطريقة ذاتها، هناك النصّ اليونانيّ للإنجيل (انظر هنا)، وهناك نصّ (التوراة والزبور) العبريّ (انظر هنا).  لكنَّ معظم الناس لا يقرؤون هذه اللغات، وهذا ما دعا إلى وجود ترجماتٍ مختلفة مُتاحة باللغة الإنكليزيّة (ولغاتٍ أخرى) حتّى يتمكّنوا من فهم الرسالة في لغتهم الأم.

     بما أنَّ الكثير من الناس اليوم يقرؤون اللغة الإنكليزيّة كلغتهم الأم، فإنّ هناك نسخ مختلفة – بحيث يمكن فهمها على نحوٍ أفضل.  ولكن ماذا في شأن الأخطاء التي تتضمّنها الترجمة؟  هل أنَّ حقيقة وجود ترجمات مختلفة تبيِّن أنّ من المستحيل ترجمة ما كُتِب في النصوص الأصليَّة ترجمةً دقيقة؟  نظرًا إلى وفرة الأدب الكلاسيكي المكتوب باللغة اليونانيّة، أصبح من الممكن ترجمة أفكار وكلمات المؤلِّفين الأصليّين بدقّة.  إنَّ النسخ المختلفة الحديثة تُظهر ذلك في الواقع.  على سبيل المثال، هنا آية من العهد الجديد من رسالة تيموثاوس الأولى 5:2 باللغة اليونانيّة الأصليّة.

 εις γαρ θεος εις και μεσιτης θεου και ανθρωπων ανθρωπος χριστος ιησους (1 تيموثاوس 5:2)

 وهذه بعض الترجمات الشعبيّة لهذه الآية.

لأنّه يوجد إلهٌ واحدٌ و وسيطٌ واحدٌ بين الله والجنس البشريّ، الإنسان المسيح يسوع، النسخة الدوليّة الجديدة

لأنّه يوجد إلهٌ واحدٌ و وسيطٌ واحدٌ بين الله والناس، الإنسان المسيح يسوع؛ نسخة الملك جيمس

لأنّه يوجد إلهٌ واحدٌ و وسيطٌ واحدٌ أيضًا بين الله والناس، الإنسان المسيح يسوع، النسخة القياسيّة الأميركيّة الجديدة

     كما يمكنكم أن تروا بأنفسكم، الترجمات الثلاث متقاربة جدًّا – تختلف عن بعضها بكلمتين فقط.  فهي تقول تمامًا الشيء نفسه مع استخدامٍ للكلمة مختلفٍ قليلاً فقط.  هذا لأنَّ هناك كتابٌ/الكتاب المقدَّس واحدٌ فقط، وبالتالي فإنّ الترجمات منه ستكون متشابهة جدًّا.  لا توجد كتبٌ مقدَّسة ‘مختلفة’.  وكما كتبت في البداية، من الخطأ تمامًا لأحدٍ أن يقول إنّه بسبب وجود نسخٍ مختلفةٍ فهذا يعني أنَّ هناك كتب مقدّسة مختلفة.

     إنّي أحثُّ الجميع على اختيار أحد إصدارات الكتاب/الكتاب المقدَّس لقراءته بلغتهم الأم.  إنَّ هذا يستحقُّ الجهد.

آيـة نـوح

     نواصل بحثنا بحسب التسلسُل الزمنيّ من البداية آدم/حوّاء و قايين/هابيل والنبيّ الجدير بالذكر الذي سنتحدُّث عنه، والذي ورد ذكره في التوراة، هو نوح (عليه السلام)، الذي عاش بعد آدم ﺒ 1600 سنة تقريبًا.  يجد العديد من الناس في الغرب أنَّ قصَّة النبيّ نوح (عليه السلام) والطوفان غير قابلة للتصديق.  لكنَّ العالم مغطَّى بالصخور الرسوبيَّة التي تشكَّلت من الرواسب خلال طوفانٍ ما.  لذلك، لدينا أدلَّة ماديَّة على حدوث هذا الطوفان، ولكن ما هي آية نوح التي ينبغي أن نوليها اهتمامنا؟  الرجاء النقر هنا لقراءة قصَّة النبيّ نوح (عليه السلام) في التوراة والقرآن.

خسارة الرحمة والحصول عليها

     عندما أتحدَّث إلى الغربيِّين عن دينونة الله، يكون الجواب الذي أتلقّاه في معظم الأحيان شيئًا من هذا القبيل:  ‘‘أنا لست قلقًا جدًّا من موضوع الدينونة لأنَّ الله واسع الرحمة بحيث أنّني لا أعتقد بأنّه سيُدينني حقًّا’’.  إنَّ قصَّة نوحٍ (عليه السلام) هذه، هي ما دعاني في الحقيقة إلى التشكيك في ذلك النوع من التفكير.  نعم، إنَّ الله رحمَن رحيم، وبما أنّه لا يتغيَّر، فإنّه كان أيضًا ممتلئًا رحمةً في زمن نوح (عليه السلام).  ومع ذلك، تمَّ تدمير العالم كلّه (باستثناء نوح وأسرته) في تلك الدينونة.  فأين كانت رحمته عندها؟  لقد كانت في الفُلْك.  كما تقول لنا الآية 64 من سورة الأعراف:

‘‘فأنجَيتَه (أنا الله) والذينَ معَه (مع نوحٍ) في الفُلك’’

     إنَّ الله في رحمته، استخدم النبيّ نوح (عليه السلام)، ووفَّر له فُلكًا مُتاحًا للجميع.  لقد كان بإمكان أيِّ شخصٍ أن يدخل الفُلك ويلقى الرحمة والأمان.  إنَّ المشكلة أنَّ ردَّ فعل الجميع تقريبًا بالنسبة إلى الرسالة كان الشكّ وعدم التصديق.  سخروا من نوحٍ (عليه السلام) ولم يصدِّقوا الدينونة الآتية.  لو أنَّهم فقط دخلوا الفُلك، لكانوا نجوا من الدينونة.

     تقول لنا الآية في القرآن الكريم أيضًا إنَّ أحد أبناء نوح كان يؤمن بالله وبالدينونة القادمة.  وحقيقة أنّه كان يحاول تسلُّق الجبل، يدلّنا على أنّه كان يحاول الهرب من دينونة الله (وبالتالي، لا بدَّ أنّه كان يؤمن بالله وبالدينونة).  ولكن كانت هناك مشكلة مرَّة أخرى.  فهو لم يجمع ما بين إيمانه وخضوعه، بل اختار بدلاً من ذلك أن يعمل وفق طريقته الخاصّة للهرب من الدينونة.  لكنَّ أباه قال له:

‘‘قال لا عاصِمَ اليومَ مِن أمرِ الله إلاَّ مَن رَّحِمَ’’

سورة هود (43:11)

     كان هذا الابن في حاجة إلى رحمة الله وليس إلى جهوده الخاصّة للهرب من الدينونة.  كانت محاولاته لتسلُّق الجبل عقيمة.  لهذا، كانت نتيجة ذلك بالنسبة إليه عينها بالنسبة إلى أولئك الذين سخِروا من النبيّ نوح (عليه السلام) – الموت غرقًا.  لو أنّه فقط قد دخل الفُلك، لكان قد نجا أيضًا من الدينونة.  من هذا المــُنطَلق، يمكننا أن نعرف أنَّ مجرَّد الإيمان بالله وبالدينونة ليس كافيًا للهروب منه.  في واقع الأمر، إنَّ في الاستسلام لرحمة الله، بدلاً من أفكارنا الخاصّة، يمكننا أن نكون واثقين من أننا سوف نلقى الرحمة.  هذه هي آية نوح (عليه السلام) لنا – الفُلك.  كانت هذه آية عامّة خاصّة بدينونة الله، فضلاً عن كونها تتعلَّق بوسائل الله للرحمة والنجاة.  في حين كان بإمكان الجميع مشاهدة الفُلك وهو يُبنى، كانت تلك ‘آية واضحة’ على الدينونة القادمة والرحمة المـــُتاحة على حدٍّ سواء.  لكنَّ هذا يدلُّ على أنَّه لا يمكن نَيل رحمته إلاّ من خلال التدبير الذي وضعه الله.

      فلماذا إذن وجد نوح رحمة الله؟  يكرِّر كتاب التوراة مرَّاتٍ عدَّة عبارة

‘‘وفعل نوح حسب كلّ ما أمره به الربّ’’

      أجد نفسي ميّالاً إلى فعل ما أفهمه أو ما أحبُّه أو ما أتَّفق معه.  أنا متأكِّدٌ من أنَّ نوح (عليه السلام) لا بدَّ كان لديه العديد من الأسئلة في ذهنه حول تحذير الله من طوفانٍ قادم، وحول الأمر الذي أصدره إليه ببناء مثل هذا الفُلك الضخم على اليابسة.  إنّني متأكِّد من أنّه كان يمكن أن يفكِّر كالتالي، بما أنَّه كان رجلاً صالحًا في مجالاتٍ أخرى، فهو ربّما لم يكن مضطرًّا إلى أن يولي اهتمامًا لبناء هذا الفُلك.  لكنّه فعل ‘كل’ ما أُمِر به – وليس فقط ما قاله له الله، وليس ما كان يفهمه، وليس ما كان يرتاح إلى فعله، وليس، حتَّى، ما كان منطقيًّا بالنسبة إليه.  إنّه مثالٌ عظيمٌ لنا لنقتدي به.

باب الخلاص

     تقول لنا التوراة أيضًا إنَّ أهل بيت نوح والبهائم والطيور دخلوا الفُلك بعد دخول نوح إليه، ثمَّ،

‘‘أغلق الربُّ عليه’’

     كان الله هو من يتحكَّم ويُدير الباب الوحيد المؤدّي إلى داخل الفُلك – وليس نوح (عليه السلام).  عندما جاء يوم الدينونة وجاءت مياه الطوفان، ما كان يمكن لأيِّ قدرٍ من الطرق على الفُلك من الأشخاص الواقفين خارجًا، أن يدفع نوح إلى أن يفتح الباب.  كان الله هو من يتحكَّم بذلك الباب الوحيد.  ولكن في الوقت عينه، كان بإمكان أولئك الذين في الداخل أن يشعروا بالراحة وهم واثقون بأنّه ما دام الله هو المسيطر على باب الفُلك، فإنَّه لا يمكن لأيِّة رياحٍ أو موجٍ  أن يفتح الباب عنوةً.  لقد كانوا آمنين في باب رعاية الله ورحمته.

     بما أنَّ الله لا يتغيَّر، فهذا من شأنه أن ينطبق أيضًا بالنسبة إلينا اليوم.  يحذِّر جميع الأنبياء من أنَّ هناك دينونة أخرى قادمة – وهذه ستكون من النار – لكنَّ آية نوح (عليه السلام) تؤكِّد لنا من أنَّ الله، إلى جانب دينونته، سوف يمنحنا الرحمة.  ولكن ينبغي أن نبحث عن ‘الفُلك’ ذي الباب الواحد الذي سيضمن لنا تلقّي الرحمة.

ذبيحة الأنبياء

     تقول لنا التوراة أيضًا إنَّ نوح (عليه السلام):

وبنى نوح مذبحًا للربّ. وأخذ من كلِّ البهائم الطاهرة ومن كلّ الطيور الطاهرة

وأصعد محرقاتٍ على المذبح.  (تكوين 20:8)

        هذا يتلاءم مع نموذج آدم/حوّاء و قايين/هابيل في تقديم الحيوانات كذبائح.  وهذا يعني مرَّة أخرى، أنّه من خلال موت حيوانٍ ما وسفك دمه، كان النبيّ نوح (عليه السلام) يرفع صلاته إلى الله وكانت مقبولة لديه.  في واقع الأمر، تقول التوراة إنّ الله ‘بارك نوحًا وبنيهِ’ بعد تقديم الذبيحة (تكوين 1:9) و‘أقام ميثاقًا بينه وبين نوح’ (تكوين 8:9) أن لا ينقرض البشر جميعًا مرَّة أخرى بمياه الطوفان.  لذلك يبدو أنَّ تقديم الذبيحة وموت الحيوان وسفك دمه مِن قِبَل نوح، كان حاسمًا في عبادته لله.  ما مدى أهميَّة هذا الأمر؟  نتابع تاليًا دراستنا من خلال أنبياء التوراة مع لوط.

ما سبب وجود نصوص الأناجيل الأربعة عوضًا عن إنجيلٍ واحدٍ؟

     يُطرَح عليَّ في بعض الأحيان هذا السؤال، إذا كان هناك إنجيلٌ واحدٌ، فلماذا يتضمَّن الكتاب (الكتاب المقدَّس) أناجيل أربعة كتب كلَّ واحدٍ منها مؤلِّفٌ مختلف؟  ألن يجعلهم ذلك عرضةً للخطأ (والتناقض) البشريّ المصدر وغير منزلين من عند الله؟

     يقول الكتاب المقدَّس (الكتاب) متحدِّثًا عن نفسه:  ‘‘كلُّ الكتابِ هو موحى به من الله ونافعٌ للتعليم والتوبيخ للتقويم والتأديب الذي في البرّ لكي يكون إنسان الله كاملاً متأهّبًا لكلِّ عملٍ صالحٍ’’ (2 تيموثاوس 16:3-17).  إذًا، يؤكِّد الكتاب المقدَّس/الكتاب، أنَّ الله هو المؤلِّف النهائي بما أنّه هو الذي أوحى بالكتاب لمن كتبه من البشر.  يتّفق القرآن الكريم اتّفاقًا تامًّا مع الكتاب المقدَّس حول هذه النقطة كما رأينا في الموقع حول ما يقوله القرآن الكريم عن الكتاب المقدَّس.  ورأينا أيضًا أنَّ عيسى المسيح وعد تلاميذه بإرشاد روح الحقّ (الروح القدس) لهم عندما سيشهدون للإنجيل. 

     ولكن كيف نفهم وجود أناجيل أربعة عوضًا عن إنجيلٍ واحدٍ؟  غالبًا ما نجد في القرآن الكريم آياتً متعدّدة تعيد رواية حدثٍ واحدٍ، وهذه مجتمعة تسمح لنا بتكوين صورة كاملة عن ذلك الحدث.  على سبيل المثال، استَخدمت الأسفار المقدّسة في الدرس الذي موضوعه آية آدم، سورة 19:7-26 (الأعراف) لتخبرنا عن آدم في الفردوس.  ولكنّها استخدمت أيضًا سورة 121:20-123 (طه).  وقدَّمت لنا هذه الفقرة الثانية فهمًا إضافيًّا لآدم من خلال شرح تعرُّضه ﻟـ ‘الإغراء’، الشيء الذي لم تتضمَّنه سورة الأعراف.  فهما تقدِّمان لنا عند قراءتهما معًا، صورة أكثر اكتمالاً لما حدث.  وكان هذا هو القصد – أن تكمِّل كلّ منهما الأخرى.   

     بالطريقة نفسها، كانت نصوص الأناجيل الأربعة في الكتاب المقدَّس (الكتاب) تدور دائمًا وفقط حول إنجيلٍ واحدٍ.  وهي معًا تقدِّم لنا فهمًا أكمل لإنجيل عيسى المسيح-عليه السلام.  إنَّ في كلِّ نصٍّ من النصوص الأربعة بعض المواد التي لا تتضمَّنها النصوص الثلاثة الأخرى.  وهي تقدِّم لذلك، إذا ما أُخِذَت معًا، صورةً أكثر اكتمالاً للإنجيل. 

     وهذا هو السبب في أنّه عندما يتمُّ الحديث عن محتوى الإنجيل، يكون ذلك دائمًا بصيغة المفرد، وذلك لأنَّ هناك إنجيلاً واحدًا فقط.  على سبيل المثال، نرى هنا في اقتباسٍ من العهد الجديد أنَّ هناك إنجيلاً واحدًا فقط.

‘‘وأعرِّفكم أيُّها الأخوة الإنجيل الذي بشَّرت به أنّه ليس بحسب إنسانٍ. لأنّي لم أقبلهُ عن عند إنسانٍ ولا عُلِّمته. بل بإعلان يسوع المسيح’’. (غلاطية 11:1-13)

     هكذا يُشارُ إلى الإنجيل في القرآن الكريم كما يمكنكم أن تروا في مقالتي نموذج ‘الإنجيل’ في القرآن الكريم. ولكن عندما نتحدَّث عن الشهود أو كتب الإنجيل، فإنَّ هناك أربعة كتب.  في الواقع، ما كان بالإمكان البتّ في مسألةٍ ما في التوراة بناءً على شهادة شاهدٍ واحدٍ فقط.  كانت الشريعة تتطلَّب وجود ‘‘اثنين أو ثلاثة شهود’’ كحدٍّ أدنى (تثنية 15:19) للإدلاء بشهادتهم حول حدثٍ واحدٍ معيَّن أو رسالة ذات أهميّة.  من خلال توفُّر أربعة شهود على الروايات، يُعتَبَر نصَّ الإنجيل مُسنَدًا فوق الحدّ الأدنى لمتطلَّبات الشريعة.