أرقام 19

رَمادُ البَقَرَةِ الحَمراء

19 وَقالَ اللهُ لِمُوسَى وَهارُونَ: 2 «هَذِهِ هِيَ فَرِيضَةُ الشَّرِيعَةِ الَّتِي أمَرَ اللهُ بِها: قُلْ لِبَني إسْرائِيلَ أنْ يُحضِرُوا لَكَ بَقَرَةً حَمراءَ لا عَيبَ فِيها وَصَحِيحَةً، وَلَمْ يُوضَعْ عَلَيها نِيرٌ قَطُّ. 3 وَأعْطِها لألِيعازارَ الكاهِنِ الَّذِي يَأخُذُها خارِجَ المُخَيَّمِ لِتُذبَحَ أمامَهُ. 4 ثُمَّ يَأخُذُ ألِيعازارُ الكاهِنُ مِنْ دَمِها بِإصْبَعِهِ، وَيَرُشُّهُ سَبعَ مَرّاتٍ أمامَ خَيمَةِ الاجْتِماعِ. 5 ثُمَّ تُحرَقُ البَقَرَةُ أمامَ عَينَيهِ: جِلدُها وَلَحمُها وَدَمُها وَأحشاؤُها وَكُلُّ ما فِيها. 6 وَيَأخُذُ الكاهِنُ خَشَبَ أرْزٍ وَغُصْنَ زُوفا وَقِطعَةً مِنْ قُماشِ القِرْمِزِ، وَيُلقِيَها عَلَى البَقَرَةِ المُشتَعِلَةِ. 7 ثُمَّ يَغْسِلُ الكاهِنُ ثِيابَهُ وَجَسَدَهُ بِالماءِ. حِينَئِذٍ، يَعُودُ إلَى المُخَيَّمِ، لَكِنَّهُ يَبقَى غَيرَ طاهِرٍ حَتَّى المَساءِ. 8 أمّا الرَّجُلُ الَّذِي أحرَقَها، فَلْيَغسِلْ ثِيابَهُ وَجَسَدَهُ فِي الماءِ، لَكِنَّهُ يَبقَى غَيرَ طاهِرٍ حَتَّى المَساءِ.

9 «ثُمَّ يَذْهَبُ رَجُلٌ طاهِرٌ وَيَجمَعُ رَمادَ البَقَرَةِ وَيَضَعُهُ خارِجَ المُخَيَّمِ فِي مَكانٍ طاهِرٍ. يُحفَظُ الرَّمادُ لِبَني إسْرائِيلَ لأجلِ التَّطهِيرِ، فَهوَ سَيُسْتَخْدَمُ لِماءِ تَطهِيرِ الخَطِيَّةِ.

10 «وَعَلَى الرَّجُلِ الَّذِي جَمَعَ رَمادَ البَقَرَةِ أنْ يَغسِلَ ثِيابَهُ، لَكِنَّهُ سَيَبقَى غَيرَ طاهِرٍ حَتَّى المَساءِ.

«هَذِهِ شَرِيعَةٌ دائِمَةٌ لِبَني إسْرائِيلَ، وَلِلأجانِبِ المُقِيمينَ بَينَهُمْ. 11 مَنْ يَلمِسُ جُثَّةَ إنسانٍ مَيِّتٍ، يَبقَى غَيرَ طاهِرٍ لِسَبعَةِ أيّامٍ. 12 فَلْيَتَطَهَّرْ بِماءِ التَّطهِيرِ فِي اليَومَينِ الثّالِثِ وَالسّابِعِ. حِينَئِذٍ، سَيَكُونُ طاهِراً. فِإنْ لَمْ يَتَطَّهَرْ فِي اليَومَينِ الثّالِثِ وَالسّابِعِ، لا يَعْتَبَرُ طاهِراً. 13 مَنْ يَلمِسُ جُثَّةَ إنسانٍ مَيِّتٍ، وَلا يَتَطَهَّرُ، فَإنَّهُ يُنَجِّسُ مَسْكَنَ اللهِ المُقَدَّسِ. لِذَلِكَ يُقطَعُ مِنْ إسْرائِيلَ. [a] وَلأنَّ ماءَ التَّطهِيرِ لَمْ يُرَشَّ عَلَيهِ، يَبقَى غَيرَ طاهِرٍ، لأنَّ نَجاسَتَهُ ما زالَتْ عَلَيهِ.

14 «هَذِهِ هِيَ الشَّرِيعَةُ: إنْ ماتَ شَخصٌ فِي خَيمَةٍ، فَكُلُّ مَنْ يَدخُلُ الخَيمَةَ، أوْ كانَ فِيها، يَكُونُ غَيرَ طاهِرٍ لِسَبعَةِ أيّامٍ. 15 كُلُّ صَحنٍ بِلا غِطاءٍ، يَكُونُ غَيرَ طاهِرٍ. 16 وَكُلُّ مَنْ يَلمِسُ قَتيلاً قُتِلَ فِي مَعرَكَةٍ فِي البَرِّيَةِ، أوْ ماتَ مَوتاً طَبِيعِيّاً، أوْ يَلمِسُ عَظمَةَ مَيِّتٍ، أوْ قَبراً، فَإنَّهُ سَيَكُونُ غَيرَ طاهِرٍ لِمُدَّةِ سَبعَةِ أيّامٍ.

17 «فَلْيُؤخَذْ بَعضُ رَمادِ ذَبِيحَةِ التَّطهِيرِ لأجلِ الشَّخصِ المُتَنَجِّسِ، ثُمَّ يُسكَبُ ماءٌ جارٍ فِي وِعاءٍ. 18 وَلْيأخُذْ شَخصٌ طاهِرٌ غُصْنَ زُوفا، وَيَغمِسْهُ فِي الماءِ، وَلْيَرُشَّ الماءَ عَلَى الخَيمَةِ وَعَلَى جَمِيعِ الأوعِيَةِ وَالنَّاسِ الَّذِينَ كانُوا فِيها. لِيَرُشَّ الماءَ عَلَى كُلِّ مَنْ لَمَسَ عَظماً أوْ قَتيلاً أوْ مَيِّتاً ميتَةً طَبيعيَّةً أوْ قَبراً.

19 «لِيَرُشَّ الشَّخصُ الطّاهِرُ الماءَ عَلَى غَيرِ الطّاهِرِ فِي اليَومَينِ الثّالِثِ وَالسّابِعِ، فَيَصِيرَ طاهِراً فِي اليَومِ السّابِعِ، حَيثُ يَغْسِلُ غَيرُ الطّاهِرِ ثِيابَهُ وَجَسَدَهُ فِي الماءِ، فَيَصِيرَ طاهِراً فِي المَساءِ.

20 «مَنْ يَتَنَجَّسُ وَلا يَتَطَهَّرُ، يُقطَعُ مِنَ إسرائِيلَ لأنَّهُ نَجَّسَ مَكانَ اللهِ المُقَدَّسِ، وَرَفَضَ أنْ يُرَشَّ ماءُ التَّطهِيرِ عَلَيهِ، وَهُوَ نَجِسٌ. 21 هَذِهِ فَرِيضَةٌ دائِمَةٌ لَكُمْ. أمّا مَنْ يَرُشُّ ماءَ التَّطهِيرِ، فَيَنبَغِي أنْ يَغسِلَ ثِيابَهُ. وَمَنْ يَلمِسُ ماءَ التَّطهِيرِ، يَكُونُ غَيرَ طاهِرٍ حَتَّى المَساءِ. 22 وَكُلُّ ما يَلمِسُهُ غَيرُ الطّاهِرِ يَكُونُ غَيرَ طاهِرٍ. وَكُلُّ شَخصٍ يَلمِسُهُ يَكُونُ غَيرَ طاهِرٍ حَتَّى المَساءِ.»

نعم، أنا أحفظ جميع الوصايا

تهانينا! يمكنك أن تكون أكثر شعورًا بالثقة والأمان بكثير يوم الدينونة لأنَّك إن أطعتَ كلَّ ما جاء في الشريعة تحصل على البرِّ. إنّني شخصيًّا لا أعرف أحدًا كان قادرًا على إطاعة الشريعة بهذه الطريقة، لذلك، فإنَّ هذا في الواقع هو إنجازٌ كبيرٌ. لكن لا تتوقَّف يومًا عن بذلِ جهودك لأنَّه يتحتَّم عليك الاستمرار في إتّباع هذا النهج المستقيم طوال أيَّام حياتك.

كنتُ قد ذكرتُ أنَّ وصايا الشريعة العشر لم تُمحَ قط لأنَّها تتعامل مع القضايا الأساسيَّة الخاصَّة بعبادة الإله الواحد والزِنا والسَرِقة والصِدْق، وما إلى ذلك. ولكن الأنبياء اللاحقين علَّقوا على هذه الوصايا بهدفِ شرح تطبيقاتها بشكلٍ أكمل. فيما يلي ما قاله عيسى المسيح (عليه السلام) في الإنجيل حول كيفيَّة حفظ هذه الوصايا العشر. يذكر المسيح في تعاليمه ‘الفرِّيسيّين’. وكان هؤلاء الفئة الأكثر علمًا والأكثر تديُّنًا وإفراطًا في حفظ الشريعة. بالإمكان اعتبارهم مثل العلماء المطَّلعين على الشؤون الدينيَّة اليوم.

أقوال عيسى المسيح (عليه السلام) في الوصايا العشر

 20 فإِنِّي أَقولُ لكم: إِن لم يَزِدْ بِرُّكُم على بِرِّ الكَتَبَةِ والفِرِّيسيِّين، لا تَدخُلوا مَلكوتَ السَّموات.

 القَتْل

21 ‘‘سـَمِعْتُمْ أَنَّهُ قيلَ لِلأَوَّلين : ‘لا تَقْتُلْ، فإِنَّ مَن يَقْتُلُ يَستَوجِبُ حُكْمَ القَضـاء’. 22 أَمَّا أَنا فأَقولُ لَكم: مَن غَضِبَ على أَخيهِ استَوجَبَ حُكْمَ القَضاء، وَمَن قالَ لأَخيهِ: ‘يا أَحمَق’ اِستَوجَبَ حُكمَ المَجلِس، ومَن قالَ لَه: ‘يا جاهِل’ اِستَوجَبَ نارَ جَهنَّم.

23 ‘‘فإِذا كُنْتَ تُقَرِّبُ قُربانَكَ إِلى المَذبَح وذكَرتَ هُناكَ أَنَّ لأَخيكَ علَيكَ شيئاً،

24 فدَعْ قُربانَكَ هُناكَ عِندَ المَذبح، واذهَبْ أَوَّلاً فصالِحْ أَخاك، ثُمَّ عُدْ فقَرِّبْ قُربانَك.

25 ‘‘سارعْ إِلى إِرضاءِ خَصمِكَ ما دُمْتَ معَه في الطَّريق، لِئَلاَّ يُسلِمَكَ الخَصمُ إِلى القاضي والقاضي إِلى الشُّرطِيّ، فتُلْقى في السِّجْن. 26 الحَقَّ أَقولُ لَكَ: لن حتَّى تُؤدِّيَ آخِرَ فَلْس تَخرُجَ مِنه

 

 الزنا

27 ‘‘سَمِعْتُم أَنَّه قيل: ‘لا تَزْنِ’. 28أَمَّا أَنا فأَقولُ لكم: مَن نظَرَ إِلى امرأَةٍ بِشَهْوَة، زَنى بِها في قَلبِه. 29فإِذا كانت عينُكَ اليُمنى حَجَرَ عَثْرَةٍ لَكَ، فاقلَعْها وأَلْقِها عنك، فَلأَنْ يَهلِكَ عُضْوٌ مِن أَعضائِكَ خَيْرٌ لَكَ مِن أَن يُلقى جَسَدُكَ كُلُّه في جَهنَّم. 30 وإِذا كانت يَدُكَ اليُمنى حَجَرَ عَثْرَةٍ لَكَ، فاقطَعْها وأَلْقِها عنك، فَلأَنْ يَهلِكَ عُضوٌ مِن أَعضائِكَ خَيرٌ لكَ مِن أَن يَذهَبَ جسدُكَ كُلُّه إِلى جَهنَّم. (متَّى 5: 20- 30)

بالإضافة إلى ذلك، فإنَّ رُسُل عيسى المسيح (عليه السلام) – حواريه – علَّموا أيضًا عن عبادة الأصنام. لقد علَّموا أنَّ عبادة الأوثان لا تقتصر على عبادة الأصنام المصنوعة من حجر فحسب – بل عبادة أيّ شيءٍ وإشراكه بعبادة الله. وهذا يشمل المال. لذلك، سوف تلاحظ أنَّهم يعلِّمون أنَّ ‘الجشع’ هو أيضًا عبادة أوثان، لأنَّ الشخص الجشِع يجمع بين عبادة المال وعبادة الله.

فأميتُوا إِذَنْ أَعْضاءَكُمُ الأرضيَّةَ: الزِّنى، النَّجاسةَ، جُموحَ العاطِفةِ، الشَّهْوَةَ

الرديئةَ، الطمَع الذي هوَ عِبادةُ أصنامٍ، فبِسَببِ هذه

الخطايا ينزِلُ غضَبُ الله. (كولوسي 3: 5- 6)

وَكَذَلِكَ الْبَذَاءَةُ وَالْكَلاَمُ السَّفِيهُ وَالْهَزْلُ، فَهِيَ غَيْرُ لاَئِقَةٍ. وَإِنَّمَا أَحْرَى بِكُمْ أَنْ تَلْهَجُوا بِالشُّكْرِ لِلهِ! فَإِنَّكُمْ تَعْلَمُونَ هَذَا جَيِّداً: أَنَّ كُلَّ زَانٍ أَوْ نَجِسٍ أَوْ أو طمَّاع الذي هُوَ عَابِدٌ للأَوثان، لَيْسَ لَهُ مِيرَاثٌ فِي مَلَكُوتِ الْمَسِيحِ وَاللهِ. لاَ يَخْدَعْكُمْ أَحَدٌ بِكَلاَمٍ بَاطِلٍ! فَبِسَبَبِ

هَذِهِ الأُمُورِ يَحِلُّ غَضَبُ اللهِ عَلَى أَبْنَاءِ الْعِصْيَانِ. (أفسس 5: 4- 6)

إنَّ هذه التفاسير الصادرة عن عيسى المسيح وحواريه تتناول الوصايا العشر الأصليَّة، التي تتعامل إلى حدِّ كبير مع الأفعال الخارجيَّة، لتحوِّلها إلى دوافع داخليَّة يستطيع الله وحده أن يراها. الأمر الذي يجعل الشريعة أكثر صعوبةً.

يمكنك إعادة النظر في إجابتك المتعلِّقة بما إذا كنتَ تحفظ الشريعة أم لا. ولكن إذا كنتَ متأكِّدًا من أنَّك تحفظ الناموس كلّه، فلن يكون للإنجيل معنىً أو هدف بالنسبة إليك. ولن يكون ثمَّة حاجة إلى الاستمرار في متابعة الاطِّلاع على المزيد من الآيات أو محاولة فهم الإنجيل. هذا لأنَّ الإنجيل هو فقط للَّذين يفشلون في الحفاظ على الشريعة – وليس للّذين يحفظونها. أوضَح عيسى المسيح هذا الأمر بالطريقة التالية:

وبَينَما هو (عيسى) مُتَّكئٌ في البَيت، جاءَ كثيرٌ مِنَ الجُباةِ والخاطِئين، فجالَسوا يسوعَ وتلاميذَه. فلَمَّا رأَى الفِرِّيسيُّونَ ذلك، قالوا لِتلاميذِه: ‘‘لِماذا يَأكُلُ مُعَلِّمُكم مَعَ الجُباةِ والخاطِئين؟’’ فَسَمِعَ يسوعُ (عيسى) كَلامَهم فقالَ: ‘‘لَيسَ الأصِحَّاءُ بِمُحتاجينَ إِلى طَبيب، بَلِ المَرْضى. فهَلاَّ تَتعلَّمونَ مَعْنى هذه الآية: ‘إِنَّما أُريدُ الرَّحمَةَ لا الذَّبيحَة’، فإِنِّي ما جِئتُ لأَدعُوَ الأَبْرارَ، بَلِ الخاطِئين’’. (متّى 9: 10- 13)

كلاَّ، أنا لا أحفظٌ جميع الوصايا

أنا أسفٌ جدًّا لذلك. ليست هذه أخبارٌ جيِّدة. إنَّها في الواقع أنباءٌ سيِّئة جدًّا لأنَّها تعني أنَّك أنت (وأنا أيضًا، لأنَّني في الوضع نفسه) ليس لدينا برٌّ. البرُّ أمرٌ في منتهى الأهميَّة لأنّه أساس ما سيجعل من ملكوت الله جنَّةً. وسيكون العامل المقوِّم لتعاملنا مع بعضنا البعض (أيّ عدم الكذِب والسرِقة والقتل وعبادة الأوثان، وما إلى ذلك) ولعبادة الله الصحيحة التي ستمنحنا الجنَّة. هذا هو السبب الذي يجعل الحصول على البرِّ ضروريًّا لدخول الملكوت المــُقَدَّس كما بيَّن لنا داود في الزبور. لن يدخل الملكوت المـــُقَدَّس سوى هذا النوع من الأشخاص الذين يوصَفون على هذا النحو، وهذا ما سيجعل من الملكوت جنَّةً.

يَا رَبُّ مَنْ يَنْزِلُ فِي مَسْكَنِكَ؟

مَنْ يَسْكُنُ فِي جَبَلِ قُدْسِكَ؟

 

السَّالِكُ بِالْكَمَالِ،

وَالْعَامِلُ الْحَقّ،

والمتَكَلِّمُ بالصِّدقِ في قلبهِ؛

الذي لا يَشي بِلسانِهِ،

ولا يَصنعُ شرًّا بِصاحِبِهِ،

ولا يَحْمِلُ تعييرًا على قريبِهِ؛

والرذيلُ مُحْتَقَرٌ في عَيْنيهِ،

ويُكرِمُ خائِفي الربّ؛

يَحلِفُ للضَرَرِ ولا يُغيِّر؛

فِضَّتهُ لا يُعطيها بالرِّبا؛

ولا يأخُذُ الرِّشْوةَ على البريء.

 

الذي يَصنعُ هذا لا يتزعزعُ إلى الدهرِ. (مزمور 15: 1- 5)

 فَهْمُ معنى الخطيئة

ولكن بما أنَّك أنت (وأنا) لا نسلك دائمًا على هذا النحو نظرًا إلى أنّنا لا نُطيعُ دائمًا الوصايا، فإنَّنا نُخطئ. فما تعريف الخطيئة؟ تُقدِّم إحدى الآيات من سفرٍ يلي أسفار موسى الخمسة في العهد القديم، صورةً قد ساعدتني على فهم المعنى بشكلٍ أفضل. تقول الآية:

 مِنْ جَمِيعِ هذَا الشَّعْبِ سَبْعَ مِئَةِ رَجُلٍ مُنْتَخَبُونَ عُسْرٌ. كُلُّ هؤُلاَءِ يَرْمُونَ الْحَجَرَ بِالْمِقْلاَعِ عَلَى الشَّعْرَةِ وَلا يُخْطِئُونَ. (قُضاة 20: 16)

تصفُ هذه الآية بعض الجنود الذين كانت لديهم خبرة في استخدام المقاليع ولا يُخطئون (يُخفقون) أبدًا في إصابة الهدف. وكما أوضحتُ في مقالتي بعنوان ‘ما اللغات التي دُوِّنَت بها الكُتُب المقدَّسة’, فإنَّ الأنبياء هم من قام بكتابة التوراة والعهد القديم باللغة العبريَّة. والكلمة العبريَّة التي ترجمتها ‘يُخفِق أو يفوِّت أو يفشل’ كما وردت أعلاه، هي יַחֲטִֽא: (والتي تُلفَظ خاو-تاو). وممَّا يثير الاهتمام إلى حدٍّ كبير، هو أنَّ هذه الكلمة العبريَّة نفسها تُتَرجَم أيضًا إلى خطيئة في معظم صفحات كتاب التوراة. على سبيل المثال، هذه الكلمة العبريَّة نفسها ترِد ‘خطيئة’ عندما رفض يوسف، الذي بِيعَ كعبدٍ في مصر، أن يرتكب الزِنا مع زوجة سيِّده، رغم توسُّلها إليه (ورَدَت هذه القصَّة أيضًا في القرآن الكريم في سورة 12: 22-29 – يوسف). قال لها:

لَيْسَ هُوَ فِي هَذَا الْبَيْتِ أعْظَمَ مِنِّي. وَلَمْ يُمْسِكْ عَنِّي شَيْئا غَيْرَكِ لأنَّكِ امْرَاتُهُ. فَكَيْفَ أصْنَعُ هَذَا الشَّرَّ الْعَظِيمَ وَاخْطِئُ إلَى اللهِ؟ (تكوين 39: 9)

يقول كتاب التوراة مباشرةً بعد نزول الوصايا العشر:

فَقَالَ مُوسَى لِلشَّعْبِ: ‘‘لا تَخَافُوا. لأنَّ اللهَ إنَّمَا جَاءَ لِيَمْتَحِنَكُمْ وَلِتَكُونَ مَخَافَتُهُ أمَامَ وُجُوهِكُمْ حَتَّى لا تُخْطِئُوا’’. (خروج 20: 20)

في كلا الموضعَين، ترِدُ الكلمة العبريَّة نفسها יַחֲטִֽא: التي تَرجَمتها ‘الخطيئة’. وهي بالضبط كلمة ‘يُخفِق’ ذاتها المـــُستَخدَمَة مع الجنود الذين يرمون الحجارة على الأهداف كما في هذه الآيات، والتي تعني ‘الخطيئة’ عند التعامل مع معاملة الأشخاص لبعضهم البعض. لقد أعطانا الله صورةً رائعة لمساعدتنا على فهم ماهيَّة الخطيئة. يأخذ الجنديّ حجرًا ويرميه ليُصيبَ الهدف. فإذا أخفق في إصابة الهدف، فإنَّه سيفشل في الوصول إلى غايته. وبالطريقة نفسها، أرادنا الله أن نصل إلى الهدف المتعلِّق بكيفيَّة عبادته وكيفيَّة معاملة الآخرين. إنَّ ارتكاب خطيئةٍ ما هو إخفاقٌ في الوصول إلى هذه الغاية أو الهدف الذي أراده الله لنا. هذا هو الوضع الذي نجد أنفسنا فيه عندما لا نُطيع جميع الوصايا – فإنّنا نكون فشلنا في الوصول إلى ما أراده الله لنا.

 الموت – عاقبة الخطيئة في التوراة

إذًا، ما كانت نتيجة هذا؟ رأينا أوَّل إشارةٍ لهذا الأمر في آية آدم. عندما عصى آدم (مرَّةً واحدةً فقط!) جعله الله فانيًا. بعبارة أخرى، فهو الآن سوف يموت. استمرَّ ذلك مع آية نوح. يحكم الله على البشر بالموت في الطوفان. ويتواصل ذلك مع آية لوط عندما كان الحكمُ أيضًا هو الموت. كان من المــُفتَرَض لابن إبراهيم أن يموت كذبيحة. كانت ضرَبة فصح اليهود العاشرة، موت الأبكار. ترَسَّخ هذا الاتِّجاه إلى حدٍّ أبعد عندما كلَّم الله موسى (عليه السلام). نحن نرى أنَّ الله، تمامًا قبل أن يكتب بنفسه الوصايا العشر على الألواح، أمَرَ بما يلي:

فَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: ‘‘اذْهَبْ إلَى الشَّعْبِ وَقَدِّسْهُمُ الْيَوْمَ وَغَدًا وَلْيَغْسِلُوا ثِيَابَهُمْ. وَيَكُونُوا مُسْتَعِدِّينَ لِلْيَوْمِ الثَّالِثِ. لأنَّهُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَنْزِلُ الرَّبُّ أمَامَ عُيُونِ جَمِيعِ الشَّعْبِ عَلَى جَبَلِ سِينَاءَ. وَتُقِيمُ لِلشَّعْبِ حُدُودًا مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ قَائِلاً: ‘احْتَرِزُوا مِنْ أنْ تَصْعَدُوا إلَى الْجَبَلِ أوْ تَمَسُّوا طَرَفَهُ. كُلُّ مَنْ يَمَسُّ الْجَبَلَ يُقْتَلُ قَتْلاً. (خروج 19: 10-12)

استمرَّ هذا النمط في التوراة من أوَّلها إلى آخرها. في وقتٍ لاحقٍ، لم يُطِع بنو إسرائيل الله بشكلٍ كاملٍ (فهم قد أخطأوا) بل لقد اقتربوا من مسْكَنهِ. لاحظ هنا قلقهم عندما اكتشفوا العواقب.

فكَلَّم بَنُو إِسْرَائِيل مُوسَى قائلين: «إِنَّنَا فَنِينَا وَهَلكْنَا. قَدْ هَلكْنَا جَمِيعاً.كُلُّ مَنِ اقْتَرَبَ

إِلى مَسْكَنِ الرَّبِّ يَمُوتُ! أَمَا فَنِيْنَا تَمَاماً؟ (العدد 17: 12- 13)

كان لهارون (عليه السلام) نفسه، شقيق موسى (عليه السلام)، أبناءٌ ماتوا لأنَّهم اقتربوا من قُدسِ أقداس الله بالخطيئة.

وَكلَّمَ الرَّبُّ موسَى بَعْدَ مَوْتِ ابْنَيْ هَرُونَ عِنْدَمَا اقْتَرَبَا أمَامَ الرَّبِّ وَمَاتَا: وقال الرّبُّ لموسى كَلِّمْ هَرُونَ أخَاكَ أنْ لا يَدْخُلَ كُلَّ وَقْتٍ إلَى الْقُدْسِ دَاخِلَ الْحِجَابِ أمَامَ الْغِطَاءِ الَّذِي عَلَى التَّابُوتِ لِئَلَّا يَمُوتَ لأنِّي فِي السَّحَابِ أتَرَاءَى عَلَى الْغِطَاءِ. (لاويين 16: 1-2)

إذًا، صَدَرَت إلى هارون (عليه السلام) أوامر على نحوٍ خاصّ بشأن اقترابه هو من هذا المكان. وأعطاه الله هذه الإرشادات بوصفه كاهنًا:

وَأَمَّا أَنْتَ وَبَنُوكَ مَعَكَ فَتَحْفَظُونَ كَهَنُوتَكُمْ مَعَ مَا لِلمَذْبَحِ وَمَا هُوَ دَاخِل

الحِجَابِ وَتَخْدِمُونَ خِدْمَةً. عَطِيَّةً أَعْطَيْتُ كَهَنُوتَكُمْ. وَالأَجْنَبِيُّ الذِي يَقْتَرِبُ يُقْتَلُ

(العدد 18: 7)

في وقتٍ لاحقٍ، اقترَبَت بعض البنات اللواتي ليس لديهنَّ إخوة من موسى (عليه السلام) لأمرٍ يتعلَّق بوراثة الأرض. لماذا مات والدهنَّ؟

 أَبُونَا مَاتَ فِي البَرِّيَّةِ وَلمْ يَكُنْ فِي القَوْمِ الذِينَ اجْتَمَعُوا عَلى الرَّبِّ فِي جَمَاعَةِ قُورَحَ

بَل بِخَطِيَّتِهِ مَاتَ وَلمْ يَكُنْ لهُ بَنُونَ. (العدد 27: 3)

إذًا، كان هناك نمطٌ عامّ يُعمَلُ به، تُلخِّصه هذه الآية الواردة في نهاية أسفار موسى الخمسة

 …كُلُّ إِنْسَانٍ بِخَطِيَّتِهِ يُقْتَلُ. (تثنية 24: 16ب)

كان الله يُعلِّم بني إسرائيل (ويُعلِّمنا) أنَّ نتيجة الخطيئة هي الموت.

رحمة الله

ولكن ماذا بشأن رحمة الله. هل كان لها وجودٌ في أيِّ مكانٍ حينها؟ وهل نستطيع نحن أن نتعلَّم منها؟ نعم! ونعم! من المهمِّ بالنسبة إلينا نحن الذين أخطأنا وافتقرنا إلى البرِّ، أن نولي هذه الرحمة اهتمامنا. كانت هذه الرحمة موجودة فعلاً في عددٍ من الآيات (المعجزات) السابقة. والآن سيظهر هذا الأمر بصورةٍ أكثر وضوحًا في آية هارون – بقرة واحدة ومعزتان.

القرآن الكريم

التوراة: سفر التكوين 1:22-18

(37) سورة الصَّافَّات – 102-110

1وحدث بعد هذه الأمور أن الله امتحن إبراهيم. فقال له: يا إبراهيم. فقال:هأنذا. 2فقال: خذ ابنك وحيدك، الذي تحبه، إسحاق، واذهب إلى أرض المريا، وأصعده هناك محرقة على أحد الجبال الذي أقول لك. 3 فبكر إبراهيم صباحا وشدَّ على حماره، وأخذ اثنين من غلمانه معه، وإسحق ابنه، وشقَّق حطبا لمحرقة، وقام وذهب إلى الموضع الذي قال له الله. 4 وفي اليوم الثالث رفع إبراهيم عينيه وأبصر الموضع من بعيد. 5فقال إبراهيم لغلامَيه: اجلسا أنتما ههنا مع الحمار، وأما أنا والغلام فنذهب إلى هناك ونسجد، ثم نرجع إليكما. 6 فأخذ إبراهيم حطب المحرقة ووضعه على إسحاق ابنه، وأخذ بيده النار والسكين. فذهبا كلاهما معًا. 7 وكلَّم إسحاق إبراهيم أباه وقال: يا أبي. فقال: هأنذا يا ابني. فقال: هوذا النار والحطب، ولكن أين الخروف للمحرقة. 8 فقال إبراهيم: الله يرى له الخروف للمحرقة يا ابني. فذهبا كلاهما معًا. 9 فلما أتيا إلى الموضع الذي قال له الله، بنى هناك إبراهيم المذبح ورتب الحطب وربط إسحاق ابنه ووضعه على المذبح فوق الحطب. 10 ثم مد إبراهيم يده وأخذ السكين ليذبح ابنه. 11 فناداه ملاك الرب من السماء وقال: إبراهيم إبراهيم. فقال: هأنذا. 12 فقال: لا تمد يدك إلى الغلام ولا تفعل به شيئا، لأني الآن علمت أنك خائف الله، فلم تمسك ابنك وحيدك عني. 13 فرفع إبراهيم عينيه ونظر وإذا كبش وراءه ممسكا في الغابة بقرنيه، فذهب إبراهيم وأخذ الكبش وأصعده محرقة عوضا عن ابنه. 14 فدعا إبراهيم اسم ذلك الموضع يهوه يرأه. حتى إنه يقال اليوم: في جبل الرب يرى. 15 ونادى ملاك الرب إبراهيم ثانية من السماء. 16 وقال: بذاتي أقسمت ، يقول الرب، أني من أجل أنك فعلت هذا الأمر، ولم تمسك ابنك وحيدك. 17 أباركك مباركة، وأكثر نسلك تكثيرا كنجوم السماء وكالرمل الذي على شاطئ البحر، ويرث نسلك باب أعدائه. 18 ويتبارك في نسلك جميع أمم الأرض، من أجل أنك سمعت لقولي.

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

102. فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ

103. فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ

104. وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ

105. قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ

106. إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاء الْمُبِينُ

107. وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ

108. وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ

109. سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ

110. كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ

 

 

من كتاب: آية إبراهيم الجزء الثاني

 

القرآن الكريم

التوراة

(37) سُورَة الصَّافـَّات

الآيات 83-84، 99-101

 

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

 

وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ (83)

 

إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (84)

 

 

وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99)

 

رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100)

 

فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ (101)

 

 

 

سفر التكوين 15: 1- 6

 

1بعد هذه الأمور صارَ كلامُ الربِّ إلى أبرام في الرؤيا قائلاً: 

لا تَخَف يا أبرام. أنا ترسٌ لك. أجرك كثيرٌ جدًّا.

2  فقالَ أبرام أيُّها السيِّد ماذا تعطيني وأنا ماضٍ عقيمًا ومالك بيتي هو أليعازر الدمشقي.

3 وقال أبرام أيضًا إنّك لم تعطِني نسلاً وهوذا ابن بيتي وارثٌ لي. 

4  فإذا كلامُ الربِّ إليهِ قائلاً.  لا يرثكَ هذا. بل الذي يخرجُ مِنْ أحشائكَ هو يرثك. 5 ثمَّ أخرَجَهُ إلى خارج وقال انظر إلى السماءِ وعدَّ النجومِ إن استطعتَ أن تعدّها.  وقال له هكذا يكون نسلكَ.

6 فآمَنَ بالربِّ فحسِبهُ لهُ برًّا.

نُبذَة عن حياتي: الحكمة التي تعلَّمتها بخضوعي لرحمة الله

    rag-in-may  في سياق الكلام في هذا المقام، أودُّ أن أُشارككم كيف أصبحت أخبار الإنجيل السارَّة أمرًا مهمًّا بالنسبة إليَّ.  أعتقد بأنَّ هذا سيُتيح لكم أن تفهموا بشكلٍ أفضل ما كتبته في السجلّ في موقعي على الإنترنت.  إنَّ مقالتي بعنوان ما لا يتحدَّث عنه هذا الموقع  ستساعدكم أيضًا في هذا الصَدَد.

     وبالمناسبة، إليكم المعلومات الأساسيَّة عنِّي… إنّني أُقيمُ في كندا.  أنا متزوِّج ولديَّ ابن.  تابعت دراستي في جامعات تورنتو Toronto و برونزويك Brunswick و آكاديا Acadia.  حاصل على البكالوريوس ودرجة الماجستير في هندسة الغابات.  كانت خبرتي المهنيَّة في الهندسة في معظمها في مجال التشكيل الرياضيّ لأوضاع الغابات.

الضجر خلال فترة صبا قضيتها متمتِّعًا بالامتيازات

     لقد نشأتُ في عائلةٍ  من المهنيِّين المحترفين تنتمي إلى الطبقة المتوسِّطة العليا.  هاجرت أسرتي ذات الأصول السويديَّة إلى كندا عندما كنت صغيرًا، ثمَّ كبرت وأنا أعيش في الخارج في عدَّة بلدانٍ – الجزائر، ألمانيا، الكاميرون، وأخيرًا عدّت إلى كندا لمتابعة دراستي الجامعيَّة.  مثلي مثل أيِّ شخصٍ آخر، أردّتُ (وما زلت أريد) اختبار كلَّ شيءٍ في الحياة – حياةٍ تتميَّز بالرضا وبإحساسٍ بالسلام، حياة ذات معنى وهدف – جنبًا إلى جنبٍ مع ترابطٍ بأشخاصٍ آخرين، بعائلتي وأصدقائي، بشكلٍ خاصّ.

     نظرًا إلى عيشي في هذه المجتمعات المتنوِّعة – التي تدين بشتَّى المذاهب والديانات، فضلاً عن العلمانيَّة منها – ولأنَّني كنتُ قارئًا نهمًا، فقد تعرَّضتُ إلى وجهات نظرٍ مختلفة حول ما هو ‘حقيقيّ’ بشكلٍ مطلق، وما أنا في حاجةٍ إليه لكي أعيش حياةً كاملة.  إنَّ ما لاحظته كان أنّه على الرغم من أنَّني كنت (ومعظم الناس في الغرب) أتمتَّع بثراءٍ وبوسائل تكنولوجيا وبحريَّة اختيار لتحقيق هذه الأهداف لا مثيل لهم، إلاَّ إنَّ المفارقة في زمننا أنَّ كلَّ هذه كانت تبدو أمورًا بعيدة المنال.  لقد لاحظتُ أنَّ العلاقات الأُسريَّة كانت أقلّ استمراريَّة وثباتًا من تلك التي كانت موجودة في الأجيال السابقة.  لقد سمعتُ أنَّنا إذا تمكَّنا من الحصول على ‘أكثر بقليلٍ’ فقط، فسنحقِّق أهدافنا.  ولكن كم هو أكثر هذا القليل؟  وأكثر من ماذا؟  من المال؟  من المعرفة العلميَّة؟ من التكنولوجيا؟  من المتعة؟  من المكانة أو المنزِلَة؟

     كشخصٍ يافعٍ، شعرت بقلقٍ ربّما يكون أفضل وصفٍ له هو أنّه إحساسٌ غامضٌ بالضجر والتململ.  وبما أنَّ والدي كان مهندسًا استشاريًّا مغتربًا في الجزائر، فقد كنت أتسكَّعُ مع شبابٍ آخرين من الأثرياءٍ المحظوظين الذين تلقُّوا تعليمًا غربيًّا.  ولكنَّ الحياة هناك كانت تبدو بسيطة جدًّا مع وسائل قليلة لتسليتنا.  لهذا كنت أتوق أنا وأصدقائي إلى الأيّام التي سنتمكَّن فيها من العودة إلى أوطاننا والتمتُّع بجهاز التلفاز والطعام الجيِّد والفرص، مع حريَّات الحياة الغربيَّة وسهولتها – وعندئذٍ سنشعر ﺒ ‘الرضا’.  ومع ذلك، كنت عندما أزور كندا أو أوروبا، كان الضجر يعاودني بعد فترةٍ قصيرة.  والأسوأ من ذلك، أنّني لاحظتُ أيضًا ذلك في الأشخاص الذين عاشوا هناك طوال حياتهم.  أيًّا كان ما لديهم (وكان لديهم الكثير بكلِّ المقاييس) فقد كانت هناك دائمًا حاجةٌ إلى المزيد.

     لقد اعتقدتُ أنَّني سأعثر على ‘هذا الشيء’ عندما يصبح لديَّ صديقة تتمتَّع بالشعبيَّة.  ولوهلةٍ، بدا أنَّ هذا قد ملأ شيئًا ما في داخلي، ولكن بعد بضعة أشهرٍ، كان الضجر يعاودني.  ظنَنتُ أنَّني سأصل إلى حالة ‘الرضا’ هذه عندما أنتهي من المدرسة… وبعد ذلك اعتقدت أنَّ هذا سيحصل عندما سأتمكَّن من الحصول على رخصة قيادة، وقيادة سيّارة – عند ذلك سينتهي بحثي.  الآن وقد أصبحتُ أكبر سنًّا، أسمع الناس يتحدَّثون عن التقاعد وكأنَّه تذكرةٌ للشعور بالرضا.  أهذا كلُّ ما في الأمر؟  هل ننفق حياتنا كلّها ونحن نطارد شيئًا تلو الآخر معتقدين أنَّ الشيء التالي الموجود على قاب قوسَين أو أدنى سيمنحنا الرضا،ثمَّ… تنتهي حياتنا! يبدو ذلك عقيمًا إلى أبعد حدٍّ!

     تابعتُ دراستي في ألمانيا، وخلال هذا الوقت كنت أُؤمن بالله على الرغم من كون الغرب علمانيًّا في معظمه وحتَّى ملحدًا.  كذلك كان يبدو أمرًا لا يُصَدَّقُ بالنسبة إليَّ أن يكون هذا العالم كلّه وكلُّ ما فيه قد نشأ صدفةً.  لقد درستُ هذه النظريَّات الإلحاديَّة جميعها، وأنا حتَّى اليوم أُواكب هذه النظريَّات وعلى اطِّلاعٍ عليها.  ولكن على الرغم من هذا المــُعتَقَد الدينيّ، ظلَلتُ أُعاني من اضطّرابٍ داخليّ فيما كنت أحاول إرضاء مشاعر الضجر التي سبق وأن وصفتها أعلاه، بفعل أشياءٍ أو التفكير في أشياءٍ أدَّت إلى غمري بإحساسٍ بالخجل والعار.  لقد كنتُ كمن كانت لديه حياةٌ سريَّة لم يكن الآخرون يعرفون شيئًا عنها.  لكنَّ هذه الحياة كان يملؤها الحسد (لقد أردتُ ما كان الآخرون يملكونه)، والكذب وعدم الأمانة (كنت أرغب في سَتر الحقيقة في بعض الأحيان)، والشجار (كنت أدخل بسهولةٍ في جدالٍ مع أفراد أُسرتي)، والفسوق الجنسيّ (وكان غالبًا ما كنتُ أشاهده على جهاز التلفاز – وهذا قبل أن يكون هناك إنترنت – أو أقرؤه أو أفكِّر فيه) والأنانيَّة.  وكنت أُدركُ أنَّه على الرغم من أنَّ العديد من الأشخاص لم يكونوا يرَون هذا الجزء من حياتي، فإنَّ الله كان يراه.  وهذا ما جعلني أشعر بالاضّطراب وعدم الراحة.  في الواقع، كان يمكن أن يكون عدم إيماني بوجود الله أكثر ملاءمة من نواحٍ عديدة لأنّه كان سيكون بإمكاني حينها أن أتجاهل ذلك الشعور المــُذنِب بالعار أمامه.  بكلمات داود في كتاب الزبور، كنت أطرح السؤال:  ‘‘بمَ يُزكِّي الشابُّ طريقهُ؟’’ (مزمور 9:119) مهما حاولتُ التقيُّد بالشعائر الدينيَّة، مثل الصلوات أو إنكار الذات أو حضور الاجتماعات الدينيَّة، فإنَّ هذا لم يُزِل حقًّا هذا الصراع.

حكمة سليمان

     خلال تلك الفترة، وبسبب هذا الضجر الذي استشعرته في داخلي ومن حولي، كان لكتابات سليمان بالغ الأثر في نفسي.  كان سليمان ابن داود ملكًا على إسرائيل في العصور القديمة مشهورًا بحكمته، وقد كتب العديد من الكتب التي هي جزءٌ من الزبور (كتب والده داود الجزء الأكبر من الزبور،لكنَّ سليمان استمرَّ في الإضافة إليه) حيث وصف هذا الشعور بالضجر نفسه الذي كنت أختبره.  فقد كتب:

وَقُلْتُ لِنَفسِي: «لِمَ لا أُجَرِّبُ اللَّذّاتِ وَأتَمَتَّعُ بِالحَياةِ….. بَينَما أملأُ قَلبِيَ بِالحِكْمَةِ. جَرَّبْتُ الحَماقَةَ، لأُحَقِّقَ أقصَى قَدْرٍ مِنَ السَّعادَةِ يُمكِنُ أنْ يُحَقِّقَهُ إنسانٌ طَوالَ حَياتِهِ فِي هَذا العالَمِ.هَلْ يَجلِبُ العَمَلُ الشّاقُّ السَّعادَةَ؟

ثُمَّ بَدَأْتُ أعمَلُ أعمالاً عَظِيمَةً. فَبَنَيتُ بُيُوتاً. وَغَرَسْتُ كُرُوماً لِنَفسِي. غَرَسْتُ بَساتِينَ، وَأنشَأْتُ حَدائِقَ. غَرَسْتُ كُلَّ أنواعِ الشَّجَرِ المُثمِرِ.  عَمِلْتُ بِرَكَ ماءٍ لِنَفسِي، وَسَقَيتُ مِنْها بَساتِينِي.  اقتَنَيتُ عَبِيداً وَجَوارِيَ. وَصارَ أبناؤُهُمُ الَّذِينَ وُلِدُوا لَهُمْ عَبِيداً فِي بَيتِي أيضاً. مَلَكْتُ الكَثِيرَ. كانَتْ لِي قُطعانٌ مِنَ البَقَرِ وَالمَواشِيَ. فَامتَلَكْتُ أكثَرَ مِنْ كُلِّ المُلُوكِ الَّذِينَ حَكَمُوا فِي القُدْسِ قَبلِي.

كَوَّمْتُ فِضَّةً وَذَهَباً لِنَفسِي. وَمِنَ المُلُوكِ وَالشُّعُوبِ تَلَقَّيتُ كُنُوزاً وَهَدايا. وَكانَتْ لَدَيَّ الجَوارِي وَالمُغَنِّياتُ. وَتَمَتَّعْتُ بِكُلِّ ما يُمكِنُ أنْ يَتَمَتَّعَ بِهِ مَلِكٌ.  صِرْتُ عَظِيماً وَتَفَوَّقْتُ عَلَى جَمِيعِ الَّذِينَ عاشُوا فِي القُدْسِ قَبلِي. وَظَلَّتْ حِكمَتِي مَعِي لِتُعِينَنِي.  كُلَّما اشْتَهَتْ عَينايَ شَيئاً، سارَعْتُ إلَى الحُصُولِ عَلَيهِ. وَلَمْ أبخَلْ عَلَى نَفسِي بِكُلِّ ما يُفرِحُها. فَكانَتْ تِلكَ السَّعادَةُ ثَمَرَ كُلِّ تَعَبِي ( ﺍﻟﺠﺎﻣﻌﺔ 1:2-10)

     الثروات والشهرة والمعرفة والمشاريع والزوجات والمتعة والمملكة والمكانة… كان سليمان يملكها كلّها – وأكثر من أيِّ شخصٍ آخر في زمانه أو في عصرنا.  ربَّما ستعتقدون أنَّه، من بين جميع الناس، كان راضيًا.  لكنَّه استنتجَ أخيرًا:

ثُمَّ تَفَحَّصْتُ كُلَّ ما عَمِلْتُهُ، وَالثَّروَةَ الَّتِي جَمَعْتُها، فَوَجَدْتُ أنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ زائِلٌ وَكَمُطارَدَةِ الرِّيحِ. وَما مِنْ فائِدَةٍ فِي هَذِهِ لدُّنْيا…. فَعُدَّتُ وَسَلَّمْتُ قَلبِي لِليَأسِ، وَنَدِمْتُ عَلَى كُلِّ جَهْدٍ بَذَلْتُهُ فِي هَذِهِ الدُّنْيا. ….. وَهَذا أيضاً مُحْزِنٌ وَفارِغٌ. ما الَّذِي يَجنِيهِ الإنسانُ حَقّاً بَعْدَ كُلِّ تَعَبِهِ وَجِهادِهِ فِي هَذِهِ الدُّنْيا؟ …. هَذا أيضاً زائِلٌ (ﺍﻟﺠﺎﻣﻌﺔ 11:2-23)

موت و ديانة وظُلْم – ثوابت الحياة ‘تحت الشمس’

 

     جنبًا إلى جنب مع هذه المسائل جميعها، كان جانبٌ آخرٌ من جوانب الحياة يقلقني.  وقد أزعج سليمان كذلك.

 فَكَّرْتُ فِي كُلِّ شُؤُونِ البَشَرِ. وَقُلْتُ لِنَفسِي: ‘‘رُبَّما يُرِيدُ اللهُ أنْ يُرِيَ البَشَرَ أنَّهُمْ كَالحَيواناتِ. إذْ يَنتَظِرُ البَشَرَ وَالحَيواناتِ المَصِيرُ نَفْسُهُ. فِي البَشَرِ وَالحَيواناتِ نَسَمَةُ الحَياةِ نَفَسُها. وَهَلْ يَختَلِفُ حَيوانٌ مَيِّتٌ عَنْ إنْسانٍ مَيِّتٍ؟ هَذا كُلُّهُ زائِلٌ!  تَؤُولُ جَميعُها المَكانِ نَفْسِهِ. هِيَ مِنَ التُّرابِ، وَإلَى التُّرابِ تَعُودُ.  وَمَنِ يَدرِي إنْ كانَتْ رُوحُ الإنسانِ تَصعَدُ إلَى اللهِ، بَينَما تَنزِلُ رُوحُ البَهِيمَةِ تَنحَدِرُ تَحتَ الأرْضِ؟’’ (الجامعة 19:3- 21)

وَمَصيرٌ واحِدٌ لِلجَميعِ! لِلأخيارِ وَلِلأشْرارِ، لِلأنقِياءِ وَغَيرِ الأنقِياءِ. لِمَنْ يُقَدِّمُونَ الذَّبائِحَ وَمَن لا يُقَدِّمُونَ. الصّالِحُونَ كَالخُطاةِ! وَالنّاذِرُ نُذُوراً كَمَنْ يَتَجَنَّبُونَ النُّذُورَ. أسوَأُ ما فِي هَذِهِ الدُّنيا أنَّ مَصِيراً واحِداً يَنتَظِرُ الجَمِيعَ…. لا أحَدَ يُسْتَثنَى مِنَ المَوتِ؟ لَكِنْ لا يُوجَدُ لِأيِّ حَيٍّ رَجاءٌ. وَصَدَقَ مَنْ قالَ: كَلْبٌ حَيٌّ، خَيرٌ مِنْ أسَدٍ مَيِّتٍ.  يَعرِفُ النّاسُ الأحياءُ الآنَ أنَّهُمْ سَيَمُوتُونَ. أمّا المَوتَى فَلا يَعْرِفُوُنَ شَيْئاً. وَلَنْ يَنالُوا بَعْدُ ما يَنالُهُ البَشَرُ مِنْ مُكافَآتٍ، ثُمَّ يَنساهُمُ النّاسُ (ﺍﻟﺠﺎﻣﻌﺔ 2:9-5)

     نشأتُ في أسرةٍ متديِّنةٍ وعشتُ في الجزائر، التي هي نفسها بلدٌ متديِّن.  أيمكن أن يكون الدين هو الجواب؟  المشكلة هي أنَّه كانت لديَّ في ‘داخلي’ تجربةٌ مع الدين، ولم تكن دائمًا تجربة إيجابيَّة.  أعتقد أنَّه بالنسبة إلى الكثيرين، يمكن أن يكون الدين سطحيًّا- يتعامل فقط مع الطقوس الخارجيَّة – ولكن دون أن يلمس قلوبنا.  كم من الشعائر الدينيّة، مثل الصلاة والذهاب إلى الكنيسة (أو الجامع)، على المرء أن يقوم بها لكي ينال ما يكفي من ‘الاستحقاق’ مع الله؟  إنَّ محاولة عيش حياةٍ أخلاقيَّةٍ من الناحية الدينيَّة كانت مُتعِبَة جدًّا، فمن لديه القدرة على الاستمرار في تجنُّب الخطيئة؟  ما الذي يتوقَّعه الله حقًّا منِّي؟  يمكن أن تكون الواجبات الدينيَّة مرهقة.

     وفي الواقع سألتُ نفسي، إذا كان الله هو المسيطر، فلماذا يسمح بحدوث هذه الأمور السيِّئة؟  لن يستغرق النظر حولنا الكثير من الوقت لرؤية الظلم والفساد والقمع الذي يحدث في العالم.  وليس هذا مجرَّد المنعطف الأخير للأحداث، بما أنَّ سليمان لاحظ ذلك أيضًا قبل 3000 سنة.  قال:

وَرَأيتُ أيضاً هَذا فِي هَذِهِ الدُّنْيا.  نَظَرْتُ إلَى المَحاكِمِ، حَيثُ يَنْبَغِي أنْ يَسُودَ العَدلُ وَالإنصافُ، فَرَأيتُ الظُّلْمَ وَالشَّرّ…َوَتَأمَّلْتُ مَرَّةً أُخْرَى ما يَحدُثُ فِي هَذِهِ الدُّنْيا مِنْ ظُلْمٍ. رَأيتُ دُمُوعَ المَظلُومِينَ، وَلَيْسَ مَنْ يُعَزِّيهِمْ. وَرَأيتُ القُساةَ أصحابَ النُّفُوذِ يُذِيقُونَهُمُ العَذابَ، وَلَيسَ مَنْ يُعَزِّيهِمْ.  فَوَجَدْتُ أنَّ الأمْواتَ أفضَلُ حالاً مِنَ الأحياءِ.  وَأفضَلُ مِنْ هَذا وَذاكَ، الَّذِينَ يَمُوتُونَ عِنْدَ وِلادَتِهِمْ، لِأنَّهُمْ لا يَشهَدُونَ الشُّرُورَ الَّتِي يَعمَلُها النّاسُ فِي هَذِهِ الدُّنْيا (الجامعة (3-1:4 ;16:3

      بالنسبة إلى سليمان، كما هو واضحٌ أيضًا بالنسبة إلينا؛  تتميَّز الحياة ‘تحت الشمس’ بالقهر والظلم والشرِّ.  لماذا يحدث هذا؟  هل ثمَّة أيُّ حلّ؟  ثمَّ تنتهي الحياة ببساطة بالموت.  الموت هو النهاية المحتومة، وهو يُهَيمن هَيمَنَةً مُطلَقَة على حياتنا.  وكما كتب سليمان، هو مصير جميع الناس، الصالحون منهم أو السيِّئون، متديِّنون أم غير متديِّنين.  ترتبط مسألة الأبديَّة ارتباطًا وثيقًا بموضوع الموت.  هل سأذهب إلى الجنَّة، أو (أكثر إثارةً للرعب) هل سأذهب إلى مكان الدينونة الأبديَّة – جهنَّم؟

البحث في الأدب الأبديّ

     هذه القضايا التي تتعلَّق بتحقيق الرضا الدائم في الحياة، وعبء الشعائر الدينيَّة، والقمع والظلم اللذين عانى منهما التاريخ البشريّ كلّه، فضلاً عن حتميَّة الموت والخشية ممَّا سيحدث بعد ذلك، كلُّ ذلك تفجَّر في داخلي.  في مرحلة دراستي الثانويّة العليا، أُسنِدَت إلينا مهمَّة جمع مائة قطعة أدبيَّة  (قصائد، أغاني، قصص قصيرة إلخ..) تُعجِبنا.  كانت هذه المهمَّة واحدة من أكثر التمارين المجزيَّة التي قمتُ بها في المدرسة.  عالَجَت غالبيّة مجموعتي واحدة من هذه القضايا.  وقد سمَحَ ذلك لي بأن ‘أتعرَّف’ وأَستَمع إلى العديد من الطلاّب الآخرين الذين كانوا أيضًا في صراعٍ مع المشاكل نفسها.  وقد تعرَّفت إليهم – من جميع العصور والخلفيّات الثقافيّة وأنماط الحياة والفلسفات والأنواع.  كان هناك أغنية Satisfaction لفرقة رولنغ ستون Rolling Stones، و موسيقى Time لفرقة بينك فلويد  Pink Floyd، وقصيدة أُوزيمانديوس Ozymandias للشاعر شيللي  Shelley، صامويل كولريدج Samuel Coleridge، دبليو. إتش. أودِن W. H. Auden، شكسبير Shakespeare، فروست Frost،  وإلى ما هنالك.

     وقد أدرجتُ أيضًا بعضًا من أقوال عيسى (يسوع) الواردة في الإنجيل.  إذن، إلى جانب القطع الأدبيَّة كما ذُكِرَت أعلاه، كانت هناك تعاليم لعيسى مثل:

        ‘‘وأمَّا أنا فقد أتيتُ لتكون لهم حياةٌ وليكون لهم أفضل’’ (يوحنا 10:10)

     خطرت في بالي فجأةً هذه الفكرة، أنَّه لربَّما، لربَّما فقط، هنا يكمن الجواب على هذه الأسئلة التي كان سليمان وهؤلاء المؤلِّفون وأنا نطرحها بشأنها.  بعد كلِّ شيء، تعني كلمة إنجيل (الذي كان حتّى ذلك الحين إلى حدٍّ ما كلمة دينيَّة لا معنى لها) حرفيًّا، ‘الأخبار السارّة’.  أكان الإنجيل حقًّا أخبارًا سارَّة؟  أكان كتابًا موثوقًا أم محرَّفًا؟  ازدادت هذه الأسئلة في داخلي.

لقاء لا يُنسى

 

      في وقتٍ لاحقٍ من تلك السنة، كنت برفقة بعض الأصدقاء في رحلة تزلُّجٍ في سويسرا – منطقة تزلُّجٍ جميلة.  بعد يومٍ رائعٍ قضيناه في التزلُّج وفي أعماقنا تلك الطاقة التي تلازم الشباب، أردنا الخروج مساءً لارتياد الحانات حيث كنَّا نرقص ونلتقي فتيات، ونقضي وقتًا ممتعًا حتّى ساعة متأخِّرة جدًّا من الليل.

     تقع منتجعات التزلُّج في سويسرا في أعالي الجبال.  أتذكَّرُ بوضوح خروجي من واحدة من قاعات الرقص في وقتٍ متأخِّرٍ جدًّا في الليل للذهاب إلى النزل الذي أقيمُ فيه.  إذ ذاك توقَّفتُ وحدَّقتُ في النجوم.  لأنَّ الظلام كان دامسًا جدًّا (كنت على جبلٍ حيث كان ‘‘التلوُّث الضوئي’’ من صنع الإنسان ضئيلاً). كنت قادرًا على رؤية عظمة وجلالة النجوم كلّها.  لقد احتُبِست أنفاسي في الواقع، وكلُّ ما استطعتُ أن أفعله كان الوقوف هنا والتحديق فيها في رهبةٍ وتوقير.  خطرت في ذهني آية من الزبور تقول:  ‘‘السموات تحدِّث بمجد الله…’’ (مزمور 1:19).

      كان التحديق في عظمة هذا الكون المرصَّع بالنجوم في هذه الليلة الحالكة السواد وكأنّني أستطيع بطريقةٍ بسيطةٍ جدًّا رؤية جلال الله وعظمته.  وفي هدوء تلك اللحظة، أدركتُ أنَّ لديَّ خيارٌ.  بإمكاني أن أُسلِّم نفسي له، أو يمكنني متابعة الطريق الذي كنت سائرًا فيه وأنا أملك شكلًا من أشكال التقوى لكنِّي أُنكر تأثيرها وسلطتها في حياتي كلِّها.  عند ذلك ركعتُ على ركبتَيَّ وأنا أحني رأسي نحو الأرض في سكون تلك الليلة المظلمة، وصلَّيتُ قائلاً :  ‘‘أنتَ الربّ. وأنا أُسلِّمُ نفسي إليك.  هناك الكثير ممَّا لا أفهمه.  أرجوك أن تقودني في طريقك القويم’’.  بقيت في مكاني محنيًّا رأسي نحو الأرض باستسلام، معترفًا بالذنوب في حياتي وسائلاً الله أن يرشدني.  ما من كائنٍ آخر كان معي في هذه اللحظات.  لم يكن هناك سواي وسوى

 الله، وورائي سماءٌ تملوُها النجوم، والساعة تقارب الثانية بعد منتصف الليل خارج منتجعٍ للتزلُّج على الجليد في سويسرا.  كان لقاءً لن أنساه أبدًا، وحتّى عندما أحاول أن أُعيدَ سرده، تعوزني الكلمات.

     كانت تلك خطوةً هامَّةً في مسيرتي.  لقد خضعتُ لاختياره عندما كنت في تلك المرحلة حيث كنت أرغب في بعض الإجابات. وبدأت الإجابات تأتي إليَّ وأنا أقوم بدراستها بدقَّة وإخضاعها لما قد تعلَّمته.  إنَّ معظم ما سأكتبه على هذا الموقع هو ما قد تعلَّمته منذ تلك الليلة.  هناك شعورٌ واقعيٌّ جدًّا وهو أنَّ المرء حين يشرع في مثل هذا النوع من الرحلات لا يستطيع أبدًا الوصول تمامًا إلى وجهته، لكنِّي تعلَّمتُ أنَّ الإنجيل يقدِّم إجابات لهذه المسائل التي طرحتها في حياتي، واختبرت ذلك.  إنَّ القصد الرئيسيّ هو في الواقع التصدّي لها ومعالجتها – حياةٌ كاملة، الموت، الأبديَّة، الحريَّة، وشؤون عمليَّة مثل المحبَّة في علاقاتنا الأسريَّة، العار، الشعور بالذنب، الخوف، المغفرة.  يؤكِّد الإنجيل أنَّ هناك أساسًا يمكننا أن نبني عليه حياتنا.  قد لا يحبّ المرء الإجابات التي يقدِّمها الإنجيل أو لا يفهمهما تمامًا، هذا مُحتَمَل، ولكن بما أن الرسالة جاءت من عند الله في شخص عيسى المسيح، فسيكون من الحماقة البقاء جاهلين بها.

     إذا خصَّصت وقتًا لدراسة الإنجيل فقد تجد ما وجدته.

نرحِّب بكم في موقع الإنجيل

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. هذا الموقع هو حول الإنجيل. كلمة إنجيل تعني حرفيًّا البشرى أو ‘‘الأخبار السارَّة’’ وهذه الأخبار هي رسالة لا رَيب في أنّها قد أثَّرت بالفعل في حياتك. في ذروة صعود الإمبراطوريَّة الرومانيّة، أحدثت هذه الأخبار السارَّة ثورةً في العالم في أوروبا والشرق الأوسط وفي آسيا وأفريقيا. لقد غيَّرت هذه الأخبار العالم في ذلك الحين إلى درجة أنَّ حياتنا حتّى يومنا هذا، سواءٌ كنّا ندرك ذلك أم لا، قد تأثَّرت بصورةٍ جذريَّةٍ بهذه الأخبار. أدَّى الإنجيل إلى إبداع الكتب، والكلمات التي تفصل بينها الفراغات، وعلامات الترقيم، خانة حروف الكتابة العليا والسفلى، والجامعات والمستشفيات، وحتّى أنَّ دور الأيتام قد أُنشِأت أوَّلاً مِن قِبَل أشخاصٍ قد أدركوا كيف ينبغي أن يكون تأثير الأخبار السارَّة في المجتمع. أدَّت هذه الأخبار السارَّة إلى تحرير المجتمع في جميع أنحاء العالم بتأثير الإنجيل الذي غيَّر هذا المجتمع بطرقٍ سلميَّة، هذا العالم الذي كان في قبضة أباطرة الرومان الدمويَّة الذين حكموا باليد الحديديَّة نفسها والفساد نفسه الذي يحكم به الحكّام المـــُستبدِّين اليوم.

وقد ورد ذكر الإنجيل في القرآن الكريمُ عندما أُنزِلَ على النبيِّ محمَّد (صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم)، بتبجيلٍ مُطلَق. وكما سنرى في العديد من المقالات في هذا الموقع، أشار النبيُّ (صلّى الله عليه وسلَّم) هو وصحابته إلى الكتب المقدَّسة السابقة (التوراة والزبور والإنجيل) باحترامٍ وتوقير. وإذا كان النبيُّ محمَّد مثلاً يُقتَدى به، أفلا ينبغي للمرءِ كذلك أن يكون على دراية بهذه الكتب؟

على أنَّ الأمور قد تغيَّرت اليوم. لم تعُد كلمة إنجيل تستدعي إلى أذهاننا عادةً معنى الأخبار السارَّة. ترتبط هذه الكلمة في عقول الكثيرين بالمسيحيَّة أو الغرب. وهذا ليس صحيحًا – إنَّ الإنجيلَ هو لجميع الناس الذين يؤمنون بالله، وقد جاء الإنجيل من الشرق الأوسط وليس من الغرب.

ليس معنى هذا أنَّ أولئك الذين لا يَعتَنقون الديانة المسيحيَّة هم ضدَّ الإنجيل، ولكن ربَّما لا يبدو أنَّه ذو معنى كبير بالنسبة إليهم. إنَّنا نتساءل اليوم عمَّا إذا حلَّ الوحيُ الذي أُنزِلَ لاحقًا محلَّ الإنجيل. ونتساءلُ في أحيانٍ أخرى عمَّا إذا كان قد أصبح محرَّفًا. ومع كثرة انشغالنا في هذه الحياة، لم يعد لدينا الوقت أو الفرصة أن نفكِّر بشكلٍ صحيحٍ في ماهيَّة هذه الأخبار السارَّة. وهكذا فإنَّ نموذج دراسة الكتاب (بما في ذلك الإنجيل) مرفوضٌ مِن قِبَل اليهود والمسلمين، ويتمُّ تجاهله حتَّى من قِبَل معظم المسيحيّين. عندما نفكِّر مليًّا في أنَّ هذا الإله هو الله نفسه الذي سيُديننا جميعًا، فمن الحكمة أن نتذكَّر ما تقوله لنا الكتب المقدَّسة بأنَّ الله يرى كلَّ شيءٍ ويحتفظ به في سجلٍّ ليوم الدينونة.

هذا هو ما دعاني إلى أن أُنشئ هذا الموقع – ليتيح لنا الفرصة لأن نفهم، وربَّما للمرَّة الأولى، سببَ كون رسالة الإنجيل ‘أخبارًا سارَّة’. وسيتيح لنا هذا الموقع أيضًا الفرصة لمناقشة الأسئلة التي لدينا جميعًا حول الإنجيل. إذا كانت هذه هي المرَّة الأولى التي تزور فيها هذا الموقع، فقد تودُّ الذهاب إلى الموقع بعنوان About Me نبذة عن حياتي حيث قمت بمشاركة قصَّتي حول كيف أصبح الإنجيل وثيق الصلة بحياتي. إنِّي آمل، إن شاءَ اللهُ، أن تتصفَّحها، وأن تأخذ وقتك لتقييمها، وأن تشارك في التفكير في أخبار الإنجيل السارَّة.