خاتمة التوراة: بركات و لعنات

تناولنا في المقال السابق المبادئ التوجيهيَّة لمعرفة الأنبياء الحقيقيِّين – أنَّ تنبؤهم بالمستقبل سوف يكون بمثابة جزءٍ من رسالتهم. ثمَّ قام النبيّ موسى نفسه (عليه السلام) بتطبيق هذا المبدأ التوجيهي- وقد أدلى بنبوءات تتعلَّق بمستقبل بني إسرائيل – وكان يجب أن تتحقَّق هذه النبوءات إذا كانت رسالته آتية من لدن الله. كانت هذه النبوءات تأتي على شكل لعنات وبركات تنزل على بني إسرائيل. يمكنك قراءة البركات واللعنات كاملة (هنا). لقد قمت بتسليط الضوء على الأفكار الرئيسة أدناه.

 البركات

يبدأ النبيّ موسى عليه السلام بوصف النِعَم والبركات الرائعة التي سيحصل عليها بنو إسرائيل إذا ما أطاعوا الوصايا. وهذه البركات سوف تكون على مرأى ومسمع من الأمم الأخرى بحيث تعرف هذه الأمم بركات الله. كما هو مكتوب

 فَيَرَى جَمِيعُ شُعُوبِ الأَرْضِ أَنَّ اسْمَ الرَّبِّ قَدْ سُمِّيَ عَلَيْكَ وَيَخَافُونَ مِنْكَ.

(تثنية 28: 10)

لكنَّهم إذا أخفقوا في إطاعة الوصايا، فسوف يتلقّون عندها اللعنات بدلاً من البركات. ومرَّة أخرى سوف ترى الشعوب المـــُحيطة بهم هذه اللعنات بحيث:

تَكُونُ دَهَشًا وَمَثَلاً وَهُزْأَةً فِي جَمِيعِ الشُّعُوبِ الَّذِينَ يَسُوقُكَ الرَّبُّ إِلَيْهِمْ.

(تثنية 28: 37)

.  واللعنات

 وستكون هذه اللعنات أيةً لبني إسرائيل أنفسهم

فَتَكُونُ فِيكَ آيَةً وَأُعْجُوبَةً وَفِي نَسْلِكَ إِلَى الأَبَدِ.

(تثنية 28: 46)

حذَّر الله من أن الجزء الأسوأ من اللعنات سيأتي من الأمم الأخرى.

يَجْلِبُ الرَّبُّ عَلَيْكَ أُمَّةً مِنْ بَعِيدٍ، مِنْ أَقْصَاءِ الأَرْضِ كَمَا يَطِيرُ النَّسْرُ، أُمَّةً لاَ تَفْهَمُ لِسَانَهَا، أُمَّةً جَافِيَةَ الْوَجْهِ لاَ تَهَابُ الشَّيْخَ وَلاَ تَحِنُّ إِلَى الْوَلَدِ، فَتَأْكُلُ ثَمَرَةَ بَهَائِمِكَ وَثَمَرَةَ أَرْضِكَ حَتَّى تَهْلِكَ، … حَتَّى تُفْنِيَكَ. وَتُحَاصِرُكَ فِي جَمِيعِ أَبْوَابِكَ حَتَّى تَهْبِطَ أَسْوَارُكَ الشَّامِخَةُ الْحَصِينَةُ الَّتِي أَنْتَ تَثِقُ بِهَا فِي كُلِّ أَرْضِكَ. تُحَاصِرُكَ فِي جَمِيعِ أَبْوَابِكَ، فِي كُلِّ أَرْضِكَ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ.

(تثنية 28: 49-52)

وسوف يكون الأمر من سيِّءٍ إلى الأسوأ

فَتُسْتَأْصَلُونَ مِنَ الأَرْضِ الَّتِي أَنْتَ دَاخِلٌ إِلَيْهَا لِتَمْتَلِكَهَا. وَيُبَدِّدُكَ الرَّبُّ فِي جَمِيعِ الشُّعُوبِ مِنْ أَقْصَاءِ الأَرْضِ إِلَى أَقْصَائِهَا… وَفِي تِلْكَ الأُمَمِ لاَ تَطْمَئِنُّ وَلاَ يَكُونُ قَرَارٌ لِقَدَمِكَ، بَلْ يُعْطِيكَ الرَّبُّ هُنَاكَ قَلْبًا مُرْتَجِفًا وَكَلاَلَ الْعَيْنَيْنِ وَذُبُولَ النَّفْسِ. (تثنية 28: 63-65)

رُسِّخَت هذه البركات واللعنات بموجب عهدٍ وميثاق.

لِكَيْ يُقِيمَكَ الْيَوْمَ لِنَفْسِهِ شَعْبًا، وَهُوَ يَكُونُ لَكَ إِلهًا كَمَا قَالَ لَكَ، وَكَمَا حَلَفَ لآبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ. وَلَيْسَ مَعَكُمْ وَحْدَكُمْ أَقْطَعُ أَنَا هذَا الْعَهْدَ وَهذَا الْقَسَمَ … وَمَعَ الَّذِي لَيْسَ هُنَا مَعَنَا الْيَوْمَ. (تثنية 29: 12- 15)

سيكون هذا العهد موجَّهًا إلى الأجيال القادمة – بني إسرائيل والشعوب الأجنبيَّة على حدٍّ سواء.

وَيُفْرِزُهُ الرَّبُّ لِلشَّرِّ مِنْ جَمِيعِ أَسْبَاطِ إِسْرَائِيلَ حَسَبَ جَمِيعِ لَعَنَاتِ الْعَهْدِ الْمَكْتُوبَةِ فِي كِتَابِ الشَّرِيعَةِ هذَا. فَيَقُولُ الْجِيلُ الأَخِيرُ، بَنُوكُمُ الَّذِينَ يَقُومُونَ بَعْدَكُمْ، وَالأَجْنَبِيُّ الَّذِي يَأْتِي مِنْ أَرْضٍ بَعِيدَةٍ، حِينَ يَرَوْنَ ضَرَبَاتِ تِلْكَ الأَرْضِ وَأَمْرَاضَهَا الَّتِي يُمْرِضُهَا بِهَا الرَّبُّ… لاَ تُزْرَعُ وَلاَ تُنْبِتُ وَلاَ يَطْلُعُ فِيهَا عُشْبٌ مَا… وَيَقُولُ جَمِيعُ الأُمَمِ: لِمَاذَا فَعَلَ الرَّبُّ هكَذَا بِهذِهِ الأَرْضِ؟ لِمَاذَا حُمُوُّ هذَا الْغَضَبِ الْعَظِيمِ؟

فَيَقُولُونَ: لأَنَّهُمْ تَرَكُوا عَهْدَ الرَّبِّ إِلهِ آبَائِهِمِ الَّذِي قَطَعَهُ مَعَهُمْ حِينَ أَخْرَجَهُمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ… فَاشْتَعَلَ غَضَبُ الرَّبِّ عَلَى تِلْكَ الأَرْضِ حَتَّى جَلَبَ عَلَيْهَا كُلَّ اللَّعَنَاتِ الْمَكْتُوبَةِ فِي هذَا السِّفْرِ… وَاسْتَأْصَلَهُمُ الرَّبُّ مِنْ أَرْضِهِمْ بِغَضَبٍ وَسَخَطٍ وَغَيْظٍ عَظِيمٍ، وَأَلْقَاهُمْ إِلَى أَرْضٍ أُخْرَى كَمَا فِي هذَا الْيَوْمِ. (تثنية 29: 21- 28)

 هل حدثت بركات ولعنات موسى (عليه السلام)؟

إنَّ السؤال الأكثر أهميَّة الذي ينبغي طرحه: ‘هل حدثت هذه الأمور فعلاً؟، بالإجابة على هذا السؤال سوف نعرف ما إذا كانت كتابات موسى جديرة بالثقة، وسوف نحصل منها على الإرشاد لحياتنا اليوم. إنَّ الجواب في متناول أيدينا بما أنَّ معظم ما جاء في العهد القديم في الكتاب المقدَّس هو سجلٌّ لتاريخ بني إسرائيل، ومن هنا يمكننا أن نعرف ما يحدث. كما أنَّ لدينا أيضًا سجلّات من خارج العهد القديم مِنَ العديد من المؤرِّخين القدماء، وكذلك من العديد من المعالم الأثريَّة. هذه المصادر كلّها تتَّفق فيما بينها وترسم صورةً ثابتةً لتاريخ بني إسرائيل. وهذه آية أخرى لنا. توجد هنا لمحة عامّة عن تاريخ بني إسرائيل مع جداول زمنيَّة لمساعدتنا على رؤية أفضل لما حدث في تاريخهم.

ما الذي نفهمه من هذا التاريخ؟ نعم بالفعل، إنَّ لعنات موسى (عليه السلام)، بقدر ما كانت رهيبةً، قد حدثت فعلاً – وتمامًا كما كَتبَ قبل آلاف السنين – قبل أن يحدث كلُّ شيء.

نهاية اللَّعَنات

لكنَّ اللعنات لم تنتهِ عند هذا الحدّ، بل استمرَّت. لاحظ كيف كانت نهاية البركات

وَمَتَى أَتَتْ عَلَيْكَ كُلُّ هذِهِ الأُمُورِ، الْبَرَكَةُ وَاللَّعْنَةُ، اللَّتَانِ جَعَلْتُهُمَا قُدَّامَكَ، فَإِنْ رَدَدْتَ فِي قَلْبِكَ بَيْنَ جَمِيعِ الأُمَمِ الَّذِينَ طَرَدَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ إِلَيْهِمْ، وَرَجَعْتَ إِلَى الرَّبِّ إِلهِكَ، وَسَمِعْتَ لِصَوْتِهِ حَسَبَ كُلِّ مَا أَنَا أُوصِيكَ بِهِ الْيَوْمَ، أَنْتَ وَبَنُوكَ، بِكُلِّ قَلْبِكَ وَبِكُلِّ نَفْسِكَ، يَرُدُّ الرَّبُّ إِلهُكَ سَبْيَكَ وَيَرْحَمُكَ، وَيَعُودُ فَيَجْمَعُكَ مِنْ جَمِيعِ الشُّعُوبِ الَّذِينَ بَدَّدَكَ إِلَيْهِمِ الرَّبُّ إِلهُكَ. إِنْ يَكُنْ قَدْ بَدَّدَكَ إِلَى أَقْصَاءِ السَّمَاوَاتِ، فَمِنْ هُنَاكَ يَجْمَعُكَ الرَّبُّ إِلهُكَ، وَمِنْ هُنَاكَ يَأْخُذُكَ، 5وَيَأْتِي بِكَ الرَّبُّ إِلهُكَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي امْتَلَكَهَا آبَاؤُكَ فَتَمْتَلِكُهَا، وَيُحْسِنُ إِلَيْكَ وَيُكَثِّرُكَ أَكْثَرَ مِنْ آبَائِكَ. (تثنية 30: 1- 5)

 السؤال البديهيّ الذي يُطرَح (مرَّة أخرى): هل حدث ذلك؟ انقر (اختتام عنة ونعيمه) لمتابعة تاريخهم.

 خاتمة التوراة – الزبور المُنتَظَر

وهكذا خُتِمَت التوراة مع البركات واللعنات التي تمَّ التنبّؤ بها. مات النبيّ موسى (عليه السلام) بعد ذلك بفترةٍ وجيزة. ثمَّ دخل بنو إسرائيل الأرض بقيادة يشوع خليفة موسى، وعاشوا فيها. وكما هو موضَّح في تاريخ بني إسرائيل، فقد عاشوا هناك دون أن يكون لديهم ملك ودون عاصمة، إلى أن صعد الملك داود العظيم إلى السلطة. وقد بدأ قسمًا جديدًا من الأسفار المقدّسة الذي يدعوه القرآن الكريم باسم الزبور. علينا أن نفهم الزبور نظرًا إلى أنَّه يستأنف الآيات التي بدأت في التوراة، وذلك من شأنه أن يساعدنا على فهم الإنجيل. سوف نتناول في المقالة التالية، الزبور.

آية النبيّ في التوراة

قاد النبيّ موسى وأخوه هرون ‘هارون’ (عليهما السلام) بني إسرائيل لمدَّة 40 عامًا. وقد قاما بكتابة الوصايا و أسَّسا طقوس إقامة الذبائح. وقد دوَّنا هذه الآيات الكثيرة في التوراة. بعد فترة قليلة، حان وقت وفاة هذين الرجلَين. دعنا نستعرِض الأنماط التي برزت في التوراة قبل أن ننظر في ختام التوراة.

 استعراض الأنماط في التوراة

ما هو إذًا نمط الآيات الذي يبرز من التوراة؟

 الذبيحة في التوراة

ينبغي أن نلاحظ أهميَّة تقديم الذبائح وكيف تتكرَّر. فلنفكِّر في الأمور التالية التي اطَّلعنا عليها سابقًا:

قدَّم هابيل ذبيحةً صحيحةً؛ قدَّم قايين ذبيحةً نباتيَّة. لم تُقبَل تلك الذبيحة.

• بعد الطوفان، قدَّم نوح (عليه السلام) ذبيحةً.

• إبراهيم (عليه السلام) قدَّم ذبيحةً بعد وصوله إلى أرض الميعاد.

• قدَّم إبراهيم (عليه السلام) كبشًا كذبيحةٍ بعد امتحانه بابنه. ثمَّ، وبعد ذلك مباشرةً، أعلن أنَّه في ذلك الموضع نفسه ‘سوف يُرى’

قدَّم بنو إسرائيل جميعًا الذبائح يوم الفصح. وهذا ما أنقذهم من الموت، ولا يزال اليهود يحتفلون بالفصح في اليوم نفسه من السنة اليهوديَّة.

• كان هرون (عليه السلام) يقوم بتقديم ذبيحة التَيْسَين كلَّ سنة من أجل بني إسرائيل بعد تقديمه ذبيحةً عن نفسه.

قّدِّمَت بقرةٌ كذبيحةٍ لكي يُطهِّر رمادها نجاسة ملامسة جثّةٍ ما.

كان يُستَخدَم في تقديم هذه الذبائح كلّها حيوانات طاهرة – إمّا أغنامًا أو تيوسًا أو ثيرانًا. كانت الحيوانات جميعها ذكورًا ما عدا البقرة.

كانت هذه الذبائح تُقَدَّم كفارةً عن الأشخاص الذين قاموا بتقديم الذبيحة. وهذا معناه أنّها كانت بمثابة غطاءٍ، بحيث يُغطَّى (يُحجَب) ذنبُ وعارُ الشخص الذي كان يُقدِّم الذبيحة. بدأ هذا الأمر مع آدم الذي تلقَّى رحمةً من الله على شكل جلودٍ. كانت هذه الجلود تتطلَّب موت حيوانٍ ما (ذبيحةً أخرى!) لكي يُغطّي عُريه. هناك سؤال مهمٌّ ينبغي أن يُطرَح: لماذا لم تَعُد الذبائح تُقدَّم أو تُقام؟ سوف نعرف الإجابة على هذا السؤال في وقتٍ لاحقٍ.

 موضوع البرُّ في التوراة

يتكرَّر ظهور كلمة ‘برٍّ’ باستمرار. نراها أوَّلاً مع آدم عندما قال الله لهُ: ‘وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ’. نرى أنَّه كان قد ‘احتُسِب’ لإبراهيم برًّا عندما اختار أن يُصدِّق وعد الله بولادة ابنٍ له. وكان يمكن أن يحصل بنو إسرائيل على البرِّ إذا ما تمكّنوا من إطاعة الوصايا – ولكن يجب عليهم أن يُطيعوها كلّها – في كلِّ الأوقات.

 الدينونة في التوراة

نرى أيضًا النموذج الذي يُظهِر أنَّ الفشل في إطاعة الوصايا أدَّى إلى حُكم الإدانة الذي أصدره الله. بدأ هذا مع آدم الذي لم يعصَ الله سوى مرَّةٍ واحدةٍ ومع هذا فقد أُدينَ. كانت نتيجة الحكم دائمًا هي الموت. كان الموت يقع إمّا على الشخص الذي أُدين أو على الحيوان الذي يقُدَّم كذبيحة. دعنا نفكِّر مليًّا بالأمور التالية التي اطَّلعنا عليها:

مع آدم، مات الحيوان الذي قُّدِّم كذبيحة للحصول على الجلود.

مع هابيل – مات الحيوان الذي قَبِلَه الله كذبيحة.

مع نوح، مات الناس في الطوفان، وحتّى الذبيحة التي قدَّمها نوح بعد الطوفان تطَلَّبت موت حيوان.

مع لوط، مات شعب سدوم وعمورة نتيجة الدينونة – وكذلك زوجته.

• مع ذبيحة ابن إبراهيم، كان الابن ليموت لكنَّ الكبش مات بدلاً منه.

• مع الفصح، إمَّا الابن البكر (لفرعون أو للأشخاص الآخرين الذين لا يؤمنون بالله) كان يموت، أو يموت الخروف الذي طُلِيَت بدمه أبواب المنازل.

مع وصايا الشريعة، إمَّا كان الشخص المــُذنب يموت، أو يموت عنه تَيسٌ واحدٌ في يوم الغفران.

ما معنى كلَّ هذه النماذج أو الأنماط؟ سوف نعرف ذلك ونحن نواصل قراءتنا. لكنَّ موسى وهرون (عليهما السلام) سيختتمان التوراة الآن. لكنّهما سيختتمانه برسالتين مهمَّتين موجَّهتين مباشرةً مِن الله، وكلتا الرسالتين تتطلَّعان إلى المستقبل وهما مهمَّتان بالنسبة إلينا اليوم – النبيّ القادم، وحلول اللعنات والبركات الآتية. نحن نبحث هنا في موضوع النبيّ.

 النبيّ القادم

عندما أعطى الله الألواح على جبل سيناء، فعل ذلك مع استعراضٍ رهيبٍ للقوَّة والسلطان. تصف التوراة المشهد مباشرةً قبل إعطاء الألواح.

 وَحَدَثَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ لَمَّا كَانَ الصَّبَاحُ أَنَّهُ صَارَتْ رُعُودٌ وَبُرُوقٌ وَسَحَابٌ ثَقِيلٌ عَلَى الْجَبَلِ، وَصَوْتُ بُوق شَدِيدٌ جِدًّا. فَارْتَعَدَ كُلُّ الشَّعْبِ الَّذِي فِي الْمَحَلَّةِ. … وَكَانَ جَبَلُ سِينَاءَ

كُلُّهُ يُدَخِّنُ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الرَّبَّ نَزَلَ عَلَيْهِ بِالنَّارِ، وَصَعِدَ دُخَانُهُ كَدُخَانِ الأَتُونِ،

وَارْتَجَفَ كُلُّ الْجَبَلِ جِدًّا. (سفر الخروج 19: 16- 18)

وامتلأت قلوب الناس بالخوف. تصفهم التوراة بهذه الطريقة:

 وَكَانَ جَمِيعُ الشَّعْبِ يَرَوْنَ الرُّعُودَ وَالْبُرُوقَ وَصَوْتَ الْبُوقِ، وَالْجَبَلَ يُدَخِّنُ. وَلَمَّا رَأَى الشَّعْبُ

ارْتَعَدُوا وَوَقَفُوا مِنْ بَعِيدٍ، وَقَالُوا لِمُوسَى: ‘‘تَكَلَّمْ أَنْتَ مَعَنَا فَنَسْمَعَ.

وَلاَ يَتَكَلَّمْ مَعَنَا اللهُ لِئَلاَّ نَمُوتَ’’. (سفر الخروج 20: 18-19)

حدث هذا في بداية السنوات الأربعين التي قضاها موسى (عليه السلام) في قيادة جماعته. في النهاية، كلَّم الله النبيّ موسى (عليه السلام) عن تلك الحالة السابقة، مذكِّرًا الشعب بمخاوفه الماضية وقاطعًا وعدًا للمستقبل. دوَّن موسى (عليه السلام) في التوراة:

 يُقِيمُ لَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَبِيًّا مِنْ وَسَطِكَ مِنْ إِخْوَتِكَ مِثْلِي. لَهُ تَسْمَعُونَ. حَسَبَ كُلِّ مَا طَلَبْتَ مِنَ الرَّبِّ إِلهِكَ فِي حُورِيبَ (أيّ سيناء) يَوْمَ الاجْتِمَاعِ قَائِلاً: ‘‘لاَ أَعُودُ أَسْمَعُ صَوْتَ الرَّبِّ إِلهِي وَلاَ أَرَى هذِهِ النَّارَ الْعَظِيمَةَ أَيْضًا لِئَلاَّ أَمُوتَ’’.

قَالَ لِيَ الرَّبُّ: ‘‘قَدْ أَحْسَنُوا فِي مَا تَكَلَّمُوا. أُقِيمُ لَهُمْ نَبِيًّا مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ، وَأَجْعَلُ كَلاَمِي فِي فَمِهِ، فَيُكَلِّمُهُمْ بِكُلِّ مَا أُوصِيهِ بِهِ. وَيَكُونُ أَنَّ الإِنْسَانَ الَّذِي لاَ يَسْمَعُ لِكَلاَمِي الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِهِ بِاسْمِي أَنَا أُطَالِبُهُ. وَأَمَّا النَّبِيُّ الَّذِي يُطْغِي، فَيَتَكَلَّمُ بِاسْمِي كَلاَمًا لَمْ أُوصِهِ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ، أَوِ الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِاسْمِ آلِهَةٍ أُخْرَى، فَيَمُوتُ ذلِكَ النَّبِيُّ’’.

وَإِنْ قُلْتَ فِي قَلْبِكَ: كَيْفَ نَعْرِفُ الْكَلاَمَ الَّذِي لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ الرَّبُّ؟ 22فَمَا تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيُّ بِاسْمِ الرَّبِّ وَلَمْ يَحْدُثْ وَلَمْ يَصِرْ، فَهُوَ الْكَلاَمُ الَّذِي لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ الرَّبُّ، بَلْ بِطُغْيَانٍ تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيُّ، فَلاَ تَخَفْ مِنْهُ. (تثنية 18: 15-22)

لقد أراد الله أن يُبدي الشعب الاحترام اللائق، وبالتالي، عندما أعطى الوصايا على الألواح، فعل ذلك بطريقةٍ تسبَّبت بخوفٍ عظيمٍ بين الشعب. ولكنَّه الآن يتطلَّع إلى المستقبل والى وعودٍ بزمنٍ آتٍ سيبرز فيه نبيٌّ مثل النبيّ موسى (عليه السلام) من بين بني إسرائيل. ثمَّ أعطى الله مبدأين توجيهيَّين:

1. إنَّ الله نفسه سيحمِّل الأشخاص المسؤوليَّة إذا لم يولوا النبيّ القادم اهتمامهم.

2. إنَّ السبيل إلى الحكم على ما إذا كان الله هو من يتكلَّم من خلال النبيّ أم لا، هو أن تكون الرسالة قادرة على التنبؤ بالمستقبل، ويجب أن تتحقَّق هذه النبوءة.

لم يكن المبدأ التوجيهيّ الأوَّل يعني أنَّه سيأتي نبيٌّ آخرٌ واحدٌ فقط بعد موسى (عليه السلام)، بل كان يعني أنّه سيكون هناك مجيءٌ لنبيٍّ يجب أن نصغي إليه على وجه الخصوص لأنَّه كان سيؤدّي دورًا استثنائيًّا مع رسالته – وسيكون (ما يقوله) هو ‘كلماتي’. بما أنَّ الله وحده يعرف المستقبل – من المؤكَّد أنّه لا يوجد إنسانٌ يعرفه – المبدأ التوجيهيّ الثاني كان وسيلةً لإرشاد الشعب إلى أن يقرِّر بشكلٍ صحيح إذا كانت الرسالة آتية فعلاً من عند الله أم لا. حافظت ذريَّة بني إسرائيل على هذين الإرشادَين وعلى الوعد بمجيء نبيّ متوقِّعين تحقيقهم – لم يحافظوا عليهم دائمًا بشكلٍ جيِّد، ولكنّهم لم ينسوهم أبدًا كليَّةً. نرى في الموقع التالي كيف استخدم موسى (عليه السلام) الإرشاد الثاني لكي يتنبّأ بمستقبل بني إسرائيل في بركاتهم ولعناتهم- وهو ما اختتم به التوراة.

 

آية هرون: ثَورٌ واحدٌ واثنان من التيوس

رأينا في آية موسى الثانية أنَّ الوصايا التي أُعطِيَت على جبل سيناء كانت صعبةً جدًّا. إذن، ما الذي كان شعب العهد القديم يفعله في حال فشله في أن يُطيع الشريعة؟ لقد كان هرون (هارون)، شقيق موسى، وذرِّيته هو الذي عالج هذا الأمر بإقامة الذبائح – وكانت هذه الذبائح بمثابة تكفيرٍ عن الذنوب أو حجبٍ لها. كان لهرون ذبيحتان تحملان أهميَّةً خاصَّة، وكانت هذه الذبائح آياتً لفهم كيفيَّة تغطية الله للخطيئة التي ارتُكِبَت بمخالفة الشريعة. كانت هذه ذبيحة البقرة والتَيسَين. دعنا نبدأ بالتَيسَين.

 كبشُ الفداء ويوم الغفران (يوم الكفارَة)

بحسبِ آية موسى الأولى، كان الشعب اليهوديّ (ولا يزال!) يحتفل بالفصح في ذكرى نجاته من فرعَون. لكنَّ التوراة أمَرَت باحتفالاتٍ أخرى كذلك. كان أحدها، الذي يحمل أهميَّةً خاصَّة، يُدعى يوم الغفران أو يوم الكفارة. انقر هنا لقراءة القصَّة كاملة في التوراة.

 ما سبب وجود مثل هذه التعليمات الدقيقة والمـــُفصَّلة التي أُعطِيَت بالنسبة ليوم الغفران؟ نرى في ما يلي كيف تبدأ: وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى بَعْدَ مَوْتِ ابْنَيْ هرون عِنْدَمَا اقْتَرَبَا أَمَامَ الرَّبِّ وَمَاتَا. وَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: ‘‘كَلِّمْ هرون أَخَاكَ أَنْ لاَ يَدْخُلَ كُلَّ وَقْتٍ إِلَى الْقُدْسِ دَاخِلَ الْحِجَابِ أَمَامَ الْغِطَاءِ الَّذِي عَلَى التَّابُوتِ لِئَلاَّ يَمُوتَ. (لاويِّين 16: 1-2)

كان ما حدث قبلاً أنَّ اثنين من أبناء هرون قد ماتا عندما قاما، في لحظة تهوُّرٍ، بدخول الخيمة حيث كان حضور الربّ. لكنَّ إخفاقهما في الطاعة التامَّة للشريعة في قداسة حضوره، أدَّى إلى موتهما. لماذا؟ كان تابوت العهد موجودًا في الخيمة. يذكرُ القرآنُ الكريمُ أيضًا تابوتَ العهد هذا. يقول:

بِسْمِ الله الَّرَحمَنِ الرَّحِيمِ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ (توكيدٌ) سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هرون تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. سورة 2: 248 (البقَرَة)

كما يقول القرآن الكريم، كان ‘تابوت العهد’ هذا آيةَ مُلكِه ، لأنَّ التابوت كان رمزًا لعهدِ أو ميثاق شريعة موسى. وقد حُفِظَت الألواح الحجريَّة مع الوصايا العشر داخل هذا التابوت. وكلُّ مَن فشلَ في إطاعة الشريعة – في حضور هذا التابوت – سوف يموت. لقد مات أوَّل اثنين من أبناء هرون عندما دخلا الخيمة. لهذا، صدرت تعليماتٌ دقيقةٌ جدًّا، والتي تضمَّنَت أمرًا مفاده أنَّ هناك يومًا واحدًا فقط في السنة كلّها يمكن لهرون فيه أن يدخل الخيمة – وهذا اليوم هو يوم التكفير. إذا دخل الخيمة في أيِّ يومٍ آخر، كان هو أيضًا سيموت. ولكن حتّى في هذا اليوم الأوحد، وقبل أن يتمكَّن هرون من الدخول في وجود تابوت العهد، كان عليه أن

 يُقَرِّبُ هرون ثَوْرَ الْخَطِيَّةِ الَّذِي لَهُ، وَيُكَفِّرُ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ بَيْتِهِ… فَتُغَشِّي سَحَابَةُ الْبَخُورِ الْغِطَاءَ الَّذِي عَلَى الشَّهَادَةِ فَلاَ يَمُوتُ. (لاويِّين 16: 6، 13)

لذلك قُدِّم الثورُ ذبيحةً للتكفير عن خطايا هرون التي ارتكبها ضدَّ ألواح الشريعة أو تغطيةً لهذه الخطايا. ثمَّ بعد ذلك مباشرةً، قام هرون بتنفيذ طقس كبش الفداء الاستثنائي.

 وَيَأْخُذُ التَّيْسَيْنِ وَيُوقِفُهُمَا أَمَامَ الرَّبِّ لَدَى بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ. 8وَيُلْقِي هرون عَلَى التَّيْسَيْنِ قُرْعَتَيْنِ: قُرْعَةً لِلرَّبِّ وَقُرْعَةً لِعَزَازِيلَ (كَبش الفِداء). وَيُقَرِّبُ هرون التَّيْسَ الَّذِي خَرَجَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ لِلرَّبِّ وَيَعْمَلُهُ ذَبِيحَةَ خَطِيَّةٍ. (لاويِّين 16: 7- 9)

بعد أن قُدِّم الثور ذبيحة خطاياه، قام هرون بذبح تيسَين وألقى القُرعَتين. كان أحد التَيسَين سيُخَصَّص ليكون كبش فداء. وكان سيُضحَّى بالتَيسِ الآخر كذبيحة خَطِيَّة. لماذا؟

ثُمَّ يَذْبَحُ تَيْسَ الْخَطِيَّةِ الَّذِي لِلشَّعْبِ… فَيُكَفِّرُ عَنِ الْقُدْسِ مِنْ نَجَاسَاتِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَمِنْ سَيِّئَاتِهِمْ مَعَ كُلِّ خَطَايَاهُمْ. (لاويِّين 16: 15- 16)

وما الذي حصل لكبشِ الفداء؟

وَيَضَعُ هرون يَدَيْهِ عَلَى رَأْسِ التَّيْسِ الْحَيِّ وَيُقِرُّ عَلَيْهِ بِكُلِّ ذُنُوبِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَكُلِّ سَيِّئَاتِهِمْ مَعَ كُلِّ خَطَايَاهُمْ، وَيَجْعَلُهَا عَلَى رَأْسِ التَّيْسِ، وَيُرْسِلُهُ بِيَدِ مَنْ يُلاَقِيهِ إِلَى الْبَرِّيَّةِ، لِيَحْمِلَ التَّيْسُ عَلَيْهِ كُلَّ ذُنُوبِهِمْ إِلَى أَرْضٍ مُقْفِرَةٍ… (لاويِّين 16: 20-22)

إنَّ التضحية بثورٍ وموته، كان من أجل خطيئة هرون. إنَّ التضحية بالتَيْس الأوَّل كذبيحة خَطِيَّة، كانت لأجل خَطِيَّة شعب إسرائيل. وعند ذلك، يضعُ هرون يديه على رأس التَّيسِ الحيّ و – كرمزٍ – ينقلُ ذنوبَ الشعب ويجعلها على التَيس (كبش الفداء). ثمَّ يُطلَقُ التَّيس في البَرّيَّة كعلامةٍ على أنَّ خطايا الشعب كانت الآن بعيدةً عنهم. بهذه الذبائح تمَّ التكفير عن خطاياهم. وكان كلُّ ذلك يتمُّ مرَّةً واحدةً في السنة في يوم الغفران.

 العِجْلَة أم البَقَرَة

كان لهرون كذلك ذبائح أخرى يُقيمها. كانت إحدى هذه الذبائح غير العاديَّة إلى حدٍّ بعيد، ذبيحة عِجْلَةٍ (بقرة أُنثى بدلاً من ثورٍ ذَكَر). كانت هذه العِجْلَة والتضحية بها هي السبب في إطلاق اسم البقرة على السورة 2. إذًا، يتحدَّث القرآن الكريم مباشرةً عن هذا الحيوان. انقر هنا لقراءة القصَّة في القرآن الكريم. كما يمكن أن ترى، أُصيب الشعب بالذهول والارتباك عند صدَرَت إليه الأوامر بأن تُستَخدَم بقرة (أي أُنثى) لهذه الذبيحة، وليس حيوانٌ ذكرٌ كما جَرَت العادة. وانتهى الأمر على هذا النحو:

 بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ. (سورة 2: 73 – البَقَرَة)

لهذا، تُعتَبَرُ هذه إحدى الآيات (المــُعجزات) – ويجب أن نوليها اهتمامنا. ولكن كيف تكون هذه البقرة آيةً؟ نقرأ أنَّ ذلك يتعلَّق بمسألة الموت والحياة. ‘‘من المحتَمَل أن نفهم’’ ونحن ندرس التعليمات الأصليَّة في التوراة التي أُعطِيَت لهرون حول هذه الذبيحة. انقر هنا لترى الفقرة الكاملة في التوراة. نرى هنا هذه الآية:

 وَتُحْرَقُ الْبَقَرَةُ أَمَامَ عَيْنَيْهِ. يُحْرَقُ جِلْدُهَا وَلَحْمُهَا وَدَمُهَا مَعَ فَرْثِهَا. وَيَأْخُذُ الْكَاهِنُ خَشَبَ أَرْزٍ وَزُوفَا وَقِرْمِزًا وَيَطْرَحُهُنَّ فِي وَسَطِ حَرِيقِ الْبَقَرَةِ. (العدد 19: 5- 6)

كانت الزوفا فرعًا من فروع إحدى الأشجار المورِقة. في الفِصح، عندما كان على الإسرائيليِّين أن يرسموا بدم خروف الفصح على أبواب بيوتهم حتّى يتجاوزهم الموت، أُمِروا بما يلي:

خُذُوا بَاقَةَ زُوفَا وَاغْمِسُوهَا فِي الدَّمِ الَّذِي فِي الطَّسْتِ وَمُسُّوا الْعَتَبَةَ الْعُلْيَا وَالْقَائِمَتَيْنِ بِالدَّمِ الَّذِي فِي الطَّسْتِ. وَأَنْتُمْ لاَ يَخْرُجْ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ بَابِ بَيْتِهِ حَتَّى الصَّبَاحِ (خروج 12: 22)

تُستَخدَم الزوفا أيضًا مع البقَرة، ثمَّ تُحرَقُ البقرةُ والزوفا والصوف وخشب الأرْز حتّى لا يتبقَّى سوى الرماد. ثمَّ

 وَيَجْمَعُ رَجُلٌ طَاهِرٌ رَمَادَ الْبَقَرَةِ وَيَضَعُهُ خَارِجَ الْمَحَلَّةِ فِي مَكَانٍ طَاهِرٍ، فَتَكُونُ لِجَمَاعَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي حِفْظٍ، مَاءَ نَجَاسَةٍ. إِنَّهَا ذَبِيحَةُ خَطِيَّةٍ. (العدد 19: 9)

وهكذا، يُخلَط الرماد ﺒ ‘‘مياه التطهير’’. من شأن شخصٍ غير طاهرٍ أن يقوم بالاغتسال (طقوس الاغتسال أو الوضوء) ليستعيد طهارته باستخدام هذا الرماد الممزوج بالماء. لكنَّ الرماد لم يكن لتطهير أيَّة نجاسة، بل لنوعٍ بعينه.

 مَنْ مَسَّ مَيْتًا مَيْتَةَ إِنْسَانٍ مَا، يَكُونُ نَجِسًا سَبْعَةَ أَيَّامٍ. يَتَطَهَّرُ بِهِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، وَفِي الْيَوْمِ السَّابعِ يَكُونُ طَاهِرًا. وَإِنْ لَمْ يَتَطَهَّرْ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَفِي الْيَوْمِ السَّابعِ لاَ يَكُونُ طَاهِرًا. كُلُّ مَنْ مَسَّ مَيْتًا مَيْتَةَ إِنْسَانٍ قَدْ مَاتَ وَلَمْ يَتَطَهَّرْ، يُنَجِّسُ مَسْكَنَ الرَّبِّ. (العدد 19: 11- 13)

لذلك كان هذا الرماد الممزوج بالماء للاستخدام في عمليَّة الاغتسال أو الوضوء عندما يتنجَّس أحد الأشخاص من ملامسة جثَّة ما. ولكن لماذا يؤدّي لمس جثَّة إلى مثل هذه النجاسة البالغة؟ فكِّر في هذا الأمر! جُعِل آدم فانيًا بسبب عصيانه، هو وجميع أولاده (أنا وأنتَ!) كذلك. وبالتالي، الموت هو نجسٌ لأنّه نتيجة الخطيئة – فهو مرتبطٌ بنجاسة الخطيئة. عندما يلمس أحد الأشخاص جثَّةً هادئة، فسيصبح أيضًا نجِسًا. لكنَّ هذا الرماد كان بمثابة رمزٍ (آيةٍ) – من شأنه أن يُزيل (يغسل) هذه النجاسة. إنَّ الشخص غير الطاهر، الذي هو ميِّتٌ في ‘نجاسته’، سيجد ‘حياةً’ في التطهُّر بواسطة الاغتسال برماد البَقَرة. ولكن لماذا كان يجب أن يموت حيوانٌ أُنثى، في هذه الحالة الخاصَّة، وليس حيوانٌ ذكرٌ؟ لم يُقدَّم أيُّ تفسيرٍ مباشرٍ، لكن يمكننا أن نجد المسوِّغ من الكتب المقدَّسة. في الكتب المقدَّسة كلِّها، يعلنُ الله عن نفسه بصيغة المــُذكَّر – ‘هو’. وترِد عبارة أمَّة إسرائيل بشكلٍ جماعيّ بصيغة التأنيث ‘هي’. وكما هو الحال في علاقات الرجل والمرأة التقليديَّة، الله قاد، فاستجاب شعبه. لكنَّ المبادرة كانت دائمًا مع الله. فقد بادر إلى إصدار الأمر إلى إبراهيم بالتضحية بابنه؛ وقد بادر إلى إعطاء الوصايا على ألواح؛ وبادر إلى إصدار الحكم على نوح، إلخ… لم تكن الفكرة أبدًا بادرة من الإنسان (نبيًّا كان أو غير ذلك) – كان أتباعه يخضعون بكلِّ بساطة لقيادته. كان رماد البقَرَة لتلبية حاجة الإنسان – وهي التطهُّر من النجاسة. فلكي تكون هذه آيةً خاصّة لحاجة الإنسان، كان الحيوان الذي سيموت أُنثى. تُشير هذه النجاسة إلى شعورنا بالخجل عندما نخطئ، وليس شعورنا بالذنب أمام الله. عندما أُخطِئ، فإنَّني لا أكون قد خالفتُ الشريعة فحسب وأنا مُذنِبٌ أمام الديَّان، بل إنّني أشعر بالخجل والندم أيضًا. كيف يقدِّم الله الحلَّ لهذا الشعور بالعار؟ بادئ ذي بِدء، يمدُّنا الله بغطاءٍ من الملابس. تلقَّى البشر الأوائل (آدم وحوّاء) ثيابًا من الجلد لتغطية عريهم وعارهم. ومنذ ذلك الوقت، كان بنو آدم يقومون دائمًا بتغطية أنفسهم بالملابس – في الواقع، من الطبيعيّ جدًّا القيام بذلك بحيث أنّنا نادرًا ما نتوقَّف لنسأل ‘لماذا؟’. كان هذا الاغتسال بماء التطهير وسيلةً أخرى كي نتمكَّن من الشعور ‘بالنظافة’ من الأشياء التي تلوِّثنا. كان الهدف من البقرة هو تطهيرنا.

 لِنَتَقَدَّمْ بِقَلْبٍ صَادِق فِي يَقِينِ الإِيمَانِ، مَرْشُوشَةً قُلُوبُنَا مِنْ ضَمِيرٍ شِرِّيرٍ، وَمُغْتَسِلَةً أَجْسَادُنَا بِمَاءٍ نَقِيٍّ. (عبرانيِّين 10: 22)

وعلى العكس من ذلك، فإنَّ التضحية بذَكَر الماعز في يوم الغفران، كانت في المقام الأوّل في سبيل الله. لاحظنا مع آية الوصايا العَشْر أنَّ عقوبة العصيان كانت واضحة ومكرَّرة بشكلٍ محدَّد، وهي الموت (انقر هنا لمراجعة الفقرات). كان الله (ولا يزال!) الديَّان، وهو كديّان، كان يُطالِبُ بعقوبة الموت. إنَّ موت الثور الذَكَر، وفى بمَطلب الله الأوّل الذي اشترط أن يكون الموت هو ثمن خطيئة هرون. ثمَّ لبَّى موت ذكر التَّيس الأوّل مطلَب الله بأن يكون الموت ثمنًا لذنوب بني إسرائيل. ثمَّ يمكن أن توضَع خطايا المجتمع الإسرائيلي بشكلٍ رمزيٍّ على كبش الفداء مِنْ قِبَل هرون، كان إطلاق كبش الفداء في البرّيَّة بمثابة علامةٍ على تحرُّر المجتمع من خطاياه. كان يتمُّ الاحتفال بتقديم هذه الذبائح مِن قِبَل هرون وذريّته على مدى تاريخ بني إسرائيل في الأرض التي أُعطِيَت لهم؛ كانت هذه الذبائح تُقام لتلبية هذه الاحتياجات حتّى نصل إلى حياة عيسى المسيح (عليه السلام). وهكذا وصلت رسائل التوراة إلى نهايتها مع آيات هرون الأخيرة هذه. سيأتي قريبًا أنبياءٌ آخرون، وسيواصل الزبور إيصال رسائل من الله. ولكن كان هناك أوّلاً رسالة واحدة أخيرة للتوراة. كان النبيّ موسى (عليه السلام) بصدد النظر إلى المستقبل، إلى مجيء نبيٍّ، وكذلك النظر إلى البركات واللعنات التي ستحلُّ في المستقبل على نسل إسرائيل. قمنا ببحث هذا الموضوع في دراساتنا السابقة في التوراة.

آية موسى الثانية – الشريعة

رأينا في آية موسى الأولى – الفصح – أنَّ الله قد أمرَ بموتِ جميع الأبكار، ما عدا أبكار الساكنين في بيوتٍ قد قُدِّم فيها خروف كذبيحة ورُسِم بالدم على قوائم أبواب البيوت. لم يخضع فرعَون فمات ابنه، وقاد موسى (عليه السلام) الإسرائيليّين خارج مصر، وغرق فرعَون أثناء مطاردتهم وهو يجتاز البحر الأحمر.

لكنَّ دور موسى كنبيّ (عليه السلام)لم يكن مجرَّد قيادتهم للخروج من مصر، بل كان أيضًا إرشادهم إلى أسلوبٍ جديدٍ للعَيش – ليعيشوا وفقًا للشريعة التي وضعها الله. وهكذا، بعد خروجهم من مصر بوقتٍ قصيرٍ، وصل موسى (عليه السلام) وبنو إسرائيل إلى جبل سيناء. فصعد إلى الجبل وبقي هناك 40 يومًا ليتلقِّى الناموس. يُشير القرآن الكريم إلى هذا الزمن في الآيتين التاليتين.

 بِسْمِ الله الّرَحْمَنْ الّرَّحيمِ

‘‘وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ (جبل سيناء) خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ

وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ’’. (سورة 2: 63 – البَقَرَة)

بِسْمِ الله الّرَحْمَنْ الّرَّحيمِ

‘‘وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا (المـــُدَّة) بِعَشْرٍ (زيادةً) فَتَمَّ مِيقَاتُ

رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً…’’. (سورة 7: 142 – الأعراف)

فما كانت إذًا الشريعة التي نزلت على موسى (عليه السلام)؟ على الرغم من أنَّ الشريعة كاملةً كانت طويلةً جدًّا (613 أمرًا وقانونًا تقرِّر ما يُسمَح به وما لا يُسمَح به – تشبه إلى حدٍّ كبيرٍ حكم الشرعِ على ما هو حرامٌ وما هو حلالٌ) وهذه الأوامر أو الفرائض تشكِّل جزءًا كبيرًا من التوراة، تلقَّى موسى (عليه السلام) أوَّلاً، مجموعةً من الأوامر المعيَّنة كتبها الله على ألواحٍ حجريَّة. وتُعرَف هذه الأوامر بالوصايا العشر التي أصبحت الأساس لجميع الأحكام والنُظُم. كانت هذه الوصايا العشر، الأصل المطلق للشريعة– المتطلَّبات الأساسيَّة التي سبَقت جميع الأحكام الأخرى. يُشير القرآن الكريم إلى هذا الأمر في الآيتين (التاليتين لتلك الواردة أعلاه)

 بِسْمِ الله الّرَحْمَنْ الّرَّحيمِ

وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا

بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ َّذِينَ

يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ

لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا

وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ. (سورة 7: 145 – 146- الأعراف)

 الوصايا العشر

إذًا، يقول القرآن الكريم إنَّ الوصايا العشر المكتوبة في ألواحٍ من حجر كانت آياتً من الله نفسه. ولكن ما كان فحوى هذه الوصايا أو الأوامر؟ نقدِّم هنا هذه الوصايا كما وردت تمامًا في سفر الخروج في التوراة، والتي قام موسى (عليه السلام) بنسخها عن الألواح الحجريَّة. (سوف أقوم فقط بإضافة الأرقام بحيث يمكنكم أن تعدُّوا الوصايا).

ثم تكلم الله بجميع هذه الكلمات قائلا:

‘‘أنا الربَّ إلهُكَ الذي أخرجَك من أرضِ مِصرَ من بيتِ العبوديَّة.

1) لا يكن لكَ آلهةً أُخرى أمامي.

2) لا تصنع لك تمثالاً منحوتًا، ولا صورةً ما ممَّا في السماء مِن فوق، وما في الأرضِ مِن تحت، وما في الماء مِن تحتِ الأرضِ. لا تسجُدْ لهنَّ ولا تَعبُدْهُنَّ لأنِّي أنا الربُّ إلهك إلهٌ غيورٌ، أفتقدُ ذنوبَ الآباءِ في الأبناءِ في الجيلِ الثالثِ والرابعِ مِن مُبغضيَّ وأصنعُ إحسانًا إلى ألوفٍ مِن مُحبِّيَّ وحافظي وصايايّ.

3) لا تَنْطقْ باسمِ الربِّ إلهكِ باطلاً، لأنَّ الربَّ لا يُبرِئ مَن نطقَ باسمهِ باطلاً.

4) اذكرْ يومَ السبت لتقدِّسهُ. ستَّة أيَّامٍ تعمَل وتصنَعُ جميعَ عمَلِك، وأمَّا اليومُ السابعُ ففيه سبتٌ للربِّ إلهكِ. لا تصنع عملاً ما أنتَ وابنُكَ وابنتُكَ وعبُدكَ وأمَتُكَ وبهيمتُكَ ونزيلُك الذي دخلَ أبوابَك. لأنْ في ستَّةِ أيَّامٍ صنعَ الربُّ السماءَ والأرضَ والبحرَ وكلَّ ما فيها، واستراح في اليومِ السابعِ. لذلك باركَ الربُّ يومَ السبتِ وقدَّسَه.

5) أكرِم أباكَ وأمُّكَ لكي تطولَ أيَّامُكَ على الأرضِ التي يُعطيكَ الربُّ إلهُك.

6) لا تقتُلْ.

7) لا تَزنِ.

8) لا تسرقْ.

9) لا تَشهَد على قريبِكَ شهادةَ زورٍ.

10) لا تشتهِ بيتَ قريبِكَ. لا تشتهِ امرأةَ قريبِك، ولا عبْدَهُ، ولا أمَتَه، ولا ثورَه ، ولا حمارَهُ، ولا شيئًا ممَّا لقريبِكَ.

وكان جميعُ الشعبِ يَرَونَ الرعودَ والبروقَ وصوتَ البوقِ، والجبلُ يدَّخِّن. ولمـــَّا رأى الشعبُ ارتعدوا ووقفوا من بعيدٍ’’. سفر الخروج 20: 1- 18

في كثيرٍ من الأحيان، يبدو أنَّ الكثيرين منَّا من الذين يعيشون في البلدان العلمانيّة، ينسون أنَّ هذه الوصايا كانت أوامر. لم تكن اقتراحات. لم تكن توصيات. ولا كانت قابلة للتفاوض. كان عليه الشريعة. كانت أوامر يجب أن تُطاع – أن يُخضع لها. وكان بنو إسرائيل في خوفٍ من قداسة الله.

 مستوى الطاعة

ولكن يبقى سؤالٌ مهمٌّ. كَمْ من الأوامر كان يتوجَّب عليهم أن يُطيعوا؟ ترِدُ الآية التالية تمامًا قبل نزول الوصايا العشر المذكورة أعلاه.

 …وَجَاءُوا إِلَى بَرِّيَّةِ سِينَاءَ فَنَزَلُوا فِي الْبَرِّيَّةِ. هُنَاكَ نَزَلَ إِسْرَائِيلُ مُقَابِلَ الْجَبَلِ.

وَأَمَّا مُوسَى فَصَعِدَ إِلَى اللهِ. فَنَادَاهُ الرَّبُّ مِنَ الْجَبَلِ قَائِلاً: ‘‘…إِنْ سَمِعْتُمْ لِصَوْتِي، وَحَفِظْتُمْ عَهْدِي تَكُونُونَ لِي خَاصَّةً مِنْ بَيْنِ جَمِيعِ الشُّعُوبِ. (سفر الخروج 19: 2- 5)

ونزلَت هذه الآية تمامًا بعد نزول الوصايا العشر

 وَأَخَذَ كِتَابَ الْعَهْدِ وَقَرَأَ فِي مَسَامِعِ الشَّعْبِ، فَقَالُوا:

‘‘كُلُّ مَا تَكَلَّمَ بِهِ الرَّبُّ نَفْعَلُ وَنَسْمَعُ لَهُ’’. (سفر الخروج 24: 7)

في السفر الأخير من التوراة (هناك خمسة أسفار) الذي هو رسالة موسى النهائيَّة، أوجز طاعةَ شريعة الله على هذا النحو.

 فَأَمَرَنَا الرَّبُّ أَنْ نَعْمَلَ جَمِيعَ هذِهِ الْفَرَائِضَ وَنَتَّقِيَ الرَّبَّ إِلهَنَا، لِيَكُونَ لَنَا خَيْرٌ كُلَّ الأَيَّامِ،

وَيَسْتَبْقِيَنَا كَمَا فِي هذَا الْيَوْمِ.وَإِنَّهُ يَكُونُ لَنَا بِرٌّ إِذَا حَفِظْنَا جَمِيعَ هذِهِ الْوَصَايَا

لِنَعْمَلَهَا أَمَامَ الرَّبِّ إِلهِنَا كَمَا أَوْصَانَا. (تثنية 6: 24- 25)

 الحصول على البِرِّ

تظهرُ هنا هذه الكلمة ‘البرّ’ مرَّةً أخرى. وهي كلمة مهمَّة جدًّا. رأيناها لأوَّل مرَّة وقد ورَدَت في آية آدم عندما قال الله لبني آدمَ (أيّ نحنُ!):

 بِسْمِ الله الّرَحْمَنْ الّرَّحيمِ

‘‘يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا. وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ – ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ’’ [سورة 7: 26 (الأعراف)]

ثمَّ شاهدناها في آية إبراهيم الثانية عندما وعده الله بابنٍ، وصدَّق إبراهيم (عليه السلام) هذا الوَعد، وتقول الآية بعد ذلك إنَّه (أيّ إبراهيم)

…آمَنَ بِالرَّبِّ فَحَسِبَهُ (أيّ الله) لَهُ بِرًّا. (سفر التكوين 15: 6)

(يُرجى الاطِّلاع على آية إبراهيم الثانية للحصول على شرحٍ كاملٍ لما تعنيه كلمة برّ).

تقول الآية هنا، إنَّ الوسيلة للحصول على البرِّ من خلال الشريعة هي التالي: ‘‘وَإِنَّهُ يَكُونُ لَنَا بِرٌّ إِذَا حَفِظْنَا جَمِيع هذِهِ الْوَصَايَا…’’ (تثنية 6: 25).

لكنَّ شرط الحصول على البرّ عسيرٌ وصارم. فهو يقول إنَّنا يجب أن ‘نحفَظ جميع هذه الوصايا’ و عندها فقط يمكن أن نحصل على البرِّ. هذا الأمر يذكِّرنا ﺑــ آية آدم. كان يكفي أن يعصيا الله مرَّةً واحدةً فقط ليدينهما ويُخرِجهما من الجنَّة. لم ينتظر الله حدوث عدَّة أفعال عصيان. وهذا ما حدث مع زوجة لوط في آية لوط. لمساعدتنا حقًا على فهمِ خطورة وجديِّة هذا الأمر، وضعت في رابطٍ هنا الآياتالعديدة في التوراة التي تؤكِّدُ على هذا المستوى الدقيق المطلوب من طاعة الشريعة.

دعنا نفكِّر للحظة واحدة في ما يعنيه هذا. في الدورات الدراسيّة التي أخذتها في الجامعة، كان الأستاذ في بعض الأحيان يعطينا العديد من الأسئلة (على سبيل المثال، 25 سؤالاً) في الامتحان، ومن ثمَّ يطلب منا الإجابة فقط على بعض الأسئلة التي نختار الإجابة عليها. لذلك يمكننا، على سبيل المثال، اختيار 20 سؤالاً من أصل 25 للإجابة عليها في الامتحان. قد يجد طالبٌ ما أحد الأسئلة صعبًا جدًّا وأنّه يمكنه أن يقرِّر تخطِّيه، لكنَّ طالبًا آخر يجد سؤالاً مختلفًا صعبًا ويتخطّى ذلك السؤال. في الواقع، كان علينا الإجابة على 20 سؤالاً من اختيارنا من أصل 25 سؤالاً. بهذه الطريقة، يجعل الأستاذ الامتحان أكثر سهولة بالنسبة إلينا.

يتعامل العديد من الأشخاص مع وصايا الشريعة العشر بالطريقة نفسها. فهم يعتقدون بأنَّ الله بعد إعطائه الوصايا العشر كان يعني ‘‘حاولوا إطاعة خمس وصايا من اختياركم من هذه العشر’’. لكن لا، لم تُعطَ الوصايا لتُطبَّق على هذا النحو. لقد أُعطِيَت لكي تُطاع وتُحفَظ جميعها، وليس فقط البعض منها من اختيارنا. فقط في حفظ جميع الوصايا، ‘‘يكون هذا برًّا لهم’’

لكن لماذا يتعامل بعض الأشخاص مع الوصايا على هذا النحو؟ لأنّه من الصعب جدًّا طاعة الوصايا، خاصَّةً لأنّها لم تُعطَ ليومٍ واحدٍ فقط، بل لحياتك كلِّها. لذلك، من السهل بالنسبة إلينا أن نخدع أنفسنا ونقوم بخفض المستوى. يُرجى مراجعة هذه الوصايا مرَّةً أخرى وأن تطرَح على نفسك هذا السؤال: ‘‘هل يمكنني إطاعة هذه الوصايا؟ جميعها؟ كلِّ يوم؟ دون أن أفشل؟ إنَّ السبب الذي يدعونا إلى طرح هذا السؤال على أنفسنا هو أنَّ الوصايا العشر لا تزال سارية المفعول. إنَّ الله لم يوقِفُ هذه الوصايا حتّى عندما جاء أنبياءٌ آخرون (بمن فيهم عيسى المسيح (عليه السلام) والنبيّ محمَّد (صلَّى الله عليه وسَلَّم –انظر هنا) بعد موسى (عليه السلام). بما أنَّ هذه هي الوصايا الأساسيَّة التي تتعامل مع عبادة الأصنام، عبادة الإله الواحد، الزنا، القتل، الكذب، وما إلى ذلك. فهي صالحة لكلِّ زمان، ولهذا علينا جميعًا أن نسأل عمَّا إذا كنّا نطيعها. لا أحد يستطيع الإجابة عن شخصٍ آخر على هذا السؤال – يمكنه وحده فقط الإجابة عليه. وسوف يُسألُ عنه يوم الدينونة أمام الله.

السؤال الذي هو غاية في الأهميَّة، والذي يُطرَح أمام الله

لهذا سوف أقوم بطرح سؤالٍ معدَّلٍ من سفر التثنية 6: 25 بحيث يصبح شخصيًّا ويمكنك الإجابة عنه بنفسك. تختلف طُرق تطبيق حُكم الشريعة عليك تبعًا لكيفيَّة الردّ على هذا الكلام الصادر عن الله. لهذا، عليك أن تفكِّر مليًّا ومن ثمَّ تختار الجواب الذي تعتقد بأنَّه صحيح بشأنك. انقر على الإجابة التي تنطبق عليك.

سؤالٌ من سفر التثنية 6: 24- 25 جُعِل شخصيًّا لأجلك

 الرَّبُّ أمَرَني أن أُطيع جميع هذه الأحكام والفرائض وأن أتَّقي الرَّبَّ إلهَنا، ليكون لي خيرٌ كلَّ الأيَّام، ويَستبقيني كما في هذا اليَوم. وإنَّه يكونُ لي بِرٌّ إذا حَفِظتُ جميعَ هذه الوصايا لأعملها أمام الربِّ إلهِي كما أوصاني.

نعم – هذا صحيحٌ بالنسبة إليَّ.

كلاّ – لم أُطِع جميع الوصايا، وهذا غير صحيحٍ بالنسبة إليَّ.

 

 

آية موسى الأولى: عيد الفصح عند اليهود

     لقد مرَّ الآن نحو 500 عام منذ النبيُّ إبراهيم (عليه السلام)  أيّ في عام  1500 تقريبًا قبل المسيح.  بعد وفاة إبراهيم (عليه السلام)، أصبحت ذرّيته من خلال ابنه إسحق، التي يُطلَق الآن عليها اسم الإسرائيليين، شعبًا كثير العدد، لكنَّهم أصبحوا كذلك عبيدًا في مصر.  حدث هذا لأنَّ يوسف، وهو حفيد إبراهيم (عليه السلام) قد بِيع كعبدٍ إلى مصر، ثمَّ بعد سنواتٍ، تبعته عائلته.  وهذا كلُّه موضَّحٌ في تكوين 45-46   – سفر موسى الأوَّل في التوراة.

     وهكذا نصل الآن إلى آيات نبيٍّ عظيمٍ آخر – موسى (عليه السلام) – الذي ترد قصَّته في السفر الثاني من التوراة الذي يُدعى سفر الخروج لأنَّه يسردُ كيف قاد موسى (عليه السلام) الإسرائيليين خارج مصر خلال مئات السنين بعد إبراهيم (عليه السلام).  لقد أمرَ الربُّ موسى (عليه السلام) بأن يقابل فِرعَون مصر ممّا أدَّى إلى نشوب خلافٍ بين موسى (عليه السلام) وبين سَحَرَة فرعون.  وقد نتج عن هذا الخلاف الضربات أو الكوارث التسع المعروفة الموجَّهة ضدَّ فرعون والتي كانت آياتً له.  لكنَّ فرعون لم يستسلم لإرادة الربّ وعصى هذه الآيات.

الضربة العاشرة

     وهكذا كان الله سيرسل الضربة العاشرة، وهي الضربة (الكارثة) الأكثر ترويعًا.  عند هذه النقطة، تقدِّم القصَّة في التوراة بعض التمهيد والتوضيح قبل وصول الضربة العاشرة.  يُشير القرآنُ الكريمُ أيضًا إلى هذه النقطة في القصَّة في الآية التالية:

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَسْئَلْ بَنِي إسرائيل إِذْ جاءَهُمْ فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُورًا

قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلاَّ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (سورة 17 الإسراء: 101-102)

     إذًا، إنَّ الفرعونَ ‘محكومٌ عليه بالهلاك’.  ولكن كيف كان لهذا أن يحدث؟  لقد أرسل الله الهلاك في الماضي بطرقٍ متنوِّعة.  بالنسبة إلى الناس في أيّام نوح، كان ذلك بالموت غرقًا في طوفانٍ حدث في جميع أنحاء العالم، أمَّا بالنسبة إلى زوجة لوط، فقد كان ذلك بتحويلها إلى عمودٍ من الملح.  لكنَّ هذا الهلاك كان ليكون مختلفًا لأنَّه كان أيضٍا بمثابة آيةٍ لجميع الشعوب – آيةٍ عظيمةٍ.  كما يقول القرآنُ الكريمُ:

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

فَأَرَاهُ (موسى) الْآيَةَ الْكُبْرَى.  (سورة 79 النازعات: 20)

     يمكنكم قراءة شرح الضربة العاشرة في التوراة في سفر الخروج  في الرابط هنا، و أنا أحثّكم على القيام بذلك لأنَّ السرد فيه مكتملٌ جدًّا ونابض بالحياة، وهو سيساعدكم على أن تفهموا بشكلٍ أفضل التفسير الوارد أدناه.

 حَمَل الفصح ينقذ من الموت

     يُخبِرنا هذا السِفر أنَّ الهلاك الذي أمر به الله كان أنَّ على كلِّ ابنٍ بكرٍ أن يموت تلك الليلة، في ما عدا أولئك الذين يبقون في بيتٍ قد تمَّ التضحية فيه بحَمَلٍ ويتمُّ وضع دمه على قائمتَي باب ذلك البيت.  إنَّ الهلاك الذي سيُصيب فرعون إذا لم يطع سيكون موت ابنه ووريث عرشه.  وسيفقد كلُّ بيتٍ في مصر ابنه البكر – إذا لم يخضعوا وذلك بتقديمهم ذبيحة الحَمَل ووضع دمه على قائمتي الباب.  لذلك واجهت مصر كارثةً قوميَّة.

     ولكن في البيوت التي تمَّ التضحية فيها بحَمَلٍ ووُضِع دمه على قوائم الأبواب، فكان الوعد أن يكون الجميع بمأمنٍ.  إنَّ غضبَ الله سيعبر عن ذلك البيت.  وهكذا دُعِيَ هذا اليوم وهذه العلامة، الفصح (أيّ العبور – لأنَّ الموت عَبَر عن جميع البيوت التي صُبِغَت أبوابها بدمِ الحَمَل).  ولكن لِمَن كان الدمُ على الأبواب علامةً؟  تقول لنا التوراة:

قال الربُّ لموسى… ‘‘وَيَكُونُ لَكُمُ الدَّمُ عَلاَمَةً عَلَى الْبُيُوتِ الَّتِي أَنْتُمْ فِيهَا، فَأَرَى الدَّمَ وَأَعْبُرُ عَنْكُمْ، فَلاَ يَكُونُ عَلَيْكُمْ ضَرْبَةٌ لِلْهَلاَكِ حِينَ أَضْرِبُ أَرْضَ مِصْرَ.  (سفر الخروج 13:12)

     لذلك، وعلى الرغم من أنَّ الربَّ كان يبحث عن الدَّمِ على الباب، وعندما يراه يَعْبرُ عنه، فإنَّ الدَّمَ لم يكن علامةً له.  فقد قيلَ بوضوحٍ تامّ إنَّ الدَّم كان ‘علامةً لكم’ – الشعب.  واستطرادًا، هو علامةٌ لنا جميعًا، نحن الذين نقرأ هذه القصَّة في التوراة.  إذًا، كيف يكون الدَّمُ علامةً لنا؟  بعد وقوع هذا الحدث أمَرَهم الربُّ:

فتَحفَظونَ هَذَا الأَمْرَ فَرِيضَةً لَكُمْ وَلأَوْلاَدِكُمْ إِلَى الأَبَدِ.  وَعِنْدَمَا تَدْخُلُونَ الأَرْضَ… إِنَّكُمْ تحفَظونَ هَذِهِ الخِدمَة…  إِنَّهَا ذَبِيحَةُ فِصْحٍ لِلرَّبِّ (خروج 27:12)

يبدأ التقويم اليهودي بعيدِ الفصح

     لذلك أمرَ الله بني إسرائيل بأن يحتفلوا بعيد الفصح في نفس اليوم من كلِّ عام.  إنَّ التقويم الإسرائيليّ يختلف قليلاً عن التقويم الغربيّ، وبالتالي فإنَّ اليوم يتغيَّر قليلاً كلَّ سنة إذا كنت تتبع ذلك بحسب التقويم الغربيّ، وهذا يشبه إلى حدٍّ بعيدٍ توقيت شهر رمضان، ولأنَّه قائمٌ على طولٍ مختلفٍ للسنة، فهو يتحرَّك كلَّ سنة في التقويم الغربيّ.  ولكن حتّى يومنا هذا، وبعد مرور 3500 سنة، لا يزال الشعب اليهوديّ مستمرًّا في الاحتفال بعيد الفصح كلَّ عام تخليدًا لذكرى هذا الحدث من زمن موسى (عليه السلام) إطاعةً للأمر الذي أصدره الربُّ إليهم في التوراة.

Slide1 هنا صورة من العصر الحديث لأشخاصٍ يهودٍ يذبحون حملانًا لعيد الفصح اليهودي المقبل.  وهذا مشابهٌ لطقوس الاحتفال بعيد الأضحى.

     وبِتَتبُّع طقوس هذا الاحتفال على مدى التاريخ، يمكننا أن نلاحظ شيئًا استثنائيًّا إلى حدٍّ بعيدٍ.  يمكنكم ملاحظة هذا الأمر في الإنجيل حيث يسجِّل تفاصيل إلقاء القبض على النبيّ عيسى المسيح (عليه السلام) ومحاكمته:

‘‘ثُمَّ جَاءُوا (اليهود) بِيَسُوعَ… إِلَى دَارِ الْوِلاَيَةِ (بيلاطس) … وَلَمْ يَدْخُلُوا هُمْ إِلَى دَارِ الْوِلاَيَةِ لِكَيْ لاَ يَتَنَجَّسُوا، فَيَأْكُلُونَ الْفِصْحَ’’  … وقالَ [بيلاطس] لهم [لرؤساء اليهود] ‘‘… وَلَكُمْ عَادَةٌ أَنْ أُطْلِقَ لَكُمْ وَاحِدًا فِي الْفِصْحِ. أَفَتُرِيدُونَ أَنْ أُطْلِقَ لَكُمْ ‘مَلِكَ الْيَهُودِ’؟ [أيّ المسيح]’’.
فَصَرَخُوا أَيْضًا جَمِيعُهُمْ قَائِلِينَ: ‘‘لَيْسَ هذَا…’’ (يوحنا 28:18، 39-40)

     بعبارةٍ أخرى، أُلقِيَ القبض على عيسى المسيح (عليه السلام) وأُرسِلَ ليتمَّ تنفيذ الحكم فيه في يوم الفصح في التقويم اليهودي.  إذا كنتَ تتذكَّر الآن ما جاء في آية إبراهيم الثالثة، فإنَّ أحد الألقاب التي أُطلِقَت على عيسى مِن قِبَل النبيّ يحيا (عليه السلام) كان:

وَفِي الْغَدِ نَظَرَ يُوحَنَّا (أيّ يحيا) يَسُوعَ (أيّ عيسى) مُقْبِلاً إِلَيْهِ، فَقَالَ: ‘‘هُوَذَا حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ.  هذَا هُوَ الَّذِي قُلْتُ عَنْهُ: ‘يَأْتِي بَعْدِي، رَجُلٌ صَارَ قُدَّامِي، لأَنَّهُ كَانَ قَبْلِي’’’. (يوحنا 29:1-30)

تمَّ الحُكْم على عيسى (عليه السلام) في عيد الفصح

     وهنا نرى تَفَرُّد هذه الآية، أُرسِل عيسى (عليه السلام)، ‘حَمَلُ الله’، ليتمَّ فيه تنفيذ الحكم (الذبيحة) في اليوم نفسه الذي كان جميع اليهود الأحياء حينها (العام 30 ميلادي) يقدِّمون فيه حَمَلاً كذبيحةٍ في ذكرى الفصح الأوَّل الذي حدث قبل 1500 سنة.  لهذا السبب يقع عيد فصح اليهود كلَّ عامٍ تقريبا (يختلف أحيانا بسبب التقويمات اليهودية والغربية لديها تعديلات مختلفة لهذا العام) في يوم عيد الفصح المسيحيّ – ذكرى موت عيسى المسيح – لأنَّ عيسى (عليه السلام) قد أُرسِل كذبيحةٍ في اليوم نفسه.

     فلنفكِّر الآن لحظةً واحدةً بما تفعله ‘العلامات’.  يمكنكم أن تروا بعض العلامات هنا أدناه.

Slide2

عندما نرى علامة ‘الجمجمة والعظام’ يجعلنا هذا نفكِّر في الموت والخطر.  أمَّا علامة ‘الأقواس الذهبيَّة’ فمن المــُفتَرَض أنتجعلنا نفكِّر في ماكدونالد McDonalds. أمَّا علامة‘   ’ المطبوعة على منديل لاعب التنس نادال Nadal فهي العلامة التجاريَّة الخاصَّة ﺑـــنايك Nike.  تريدنا شركة نايك أن نفكِّر فيها عندما نرى هذه العلامة على عصابة رأس نادال.  بعبارة أخرى، العلامات هي مؤشِّرات في أذهاننا لتوجيه تفكيرنا نحو الهدف المرغوب.  وبآية موسى (عليه السلام) هذه، فإنَّ الله هو من أعطانا هذه العلامة.  لماذا أعطانا هذه العلامة؟  حسنًا، إنَّ العلامة، مع التوقيت الجدير بالملاحظة للحَمَل وهو يُقدَّم كذبيحة في اليوم نفسه كما عيسى (عليه السلام)، يجب أن يكون مؤشِّرًا إلى ذبيحة عيسى المسيح (عليه السلام).

 Slide3إنَّ العلامة تعمل في عقولنا كما قد بيَّنتُ هنا في الرسم البيانيّ كيفيَّة عملها انطلاقًا من عقلي.  العلامة كانت هناك لتوجيهي إلى تقديم عيسى المسيح كذبيحة.  في الفصح الأوَّل، كانت الحملان تُذبَحُ ويُراق الدّم ويُهرَق لكي يحيا البشر.  وبالتالي، فإنَّ هذه العلامة التي تُشير إلى عيسى هي لإخبارنا أنَّه هو ‘حَمَل الله’ قد سُلِّمَ أيضًا للموت حتَّى نحصل نحن على الحياة.

رأينا في آية إبراهيم الثالثة أنَّ المكان الذي تمَّ فيه اختبارSlide4 إبراهيم (عليه السلام) بالتضحية بابنه، كان جبل موريا.  لكن تمَّ التضحية بحَمَلٍ بدلاً من ابنه في اللحظة الأخيرة.  مات حَمَلٌ لكي يعيش ابن إبراهيم.  كان جبل موريا هو المكان عينه الذي قُدِّم فيه عيسى المسيح (عليه السلام) كذبيحةٍ.  تلك كانت علامة لتجعلنا نفكِّر في عيسى المسيح (عليه السلام) وهو يُقدَّم ذبيحةً بالإشارة إلى المكان.  هنا في آية موسى، نجد مؤشِّرًا آخر للحدث نفسه – تقديم عيسى (عليه السلام) ليُضحَّى به – وذلك بالإشارة إلى اليوم المحدَّد في التقويم لذبيحة الفصح.  استُخدِمَت ذبيحة الحَمَل مرّة أخرى للإشارة إلى الحدث نفسه.  لماذا؟  نتابع مع آية موسى القادمة للحصول على مزيدٍ من الفهم.  هذه الآية هي تسليم الشريعة على جبل سيناء.

    ولكن لإنهاء هذه الآية، ما الذي حدث لفرعون؟  كما نقرأ في فقرة في التوراة، فهو لم يَسْتَجِب للتحذير ومات ابنه البكر (الوريث) في تلك الليلة.  ولذلك سمح أخيرًا للإسرائيليّين بمغادرة مصر.  ولكنَّه بدَّل رأيه بعد ذلك وطاردهم إلى البحر الأحمر.  وهناك، وبسببٍ من الربّ، استطاع بنو إسرائيل المرور عبره، لكنَّ فرعون غرق مع جيشه.  بعد الضربات التسع ووفيَّات الفصح وخسارة الجيش، تضاءلت مصر إلى حدٍّ كبير ولم تستعِد مكانتها كالقوَّة الأولى في العالم مرَّةً أخرى.  لقد وقعت عليها دينونة الله.

آية إبراهيم الثالثة: الذبيحة

في الآية السابقة، وُعِد النبيُّ العظيم إبراهيم (عليه السلام) بابن. وأوفى الله بوعدهِ. في الواقع، تتابع التوراة سرد قصَّة إبراهيم (عليه السلام) لتصف كيف رُزِقَ بولدَين. في الآية 16 من سفر التكوين، تُخبِرنا التوراة كيف رُزِقَ بابنه إسماعيل من هاجر، ثمَّ يُخبِرنا بعد ذلك أصحاح 21 من سفر التكوين كيف رُزِقَ بابنه إسحق من سارة بعد أربعة عشر عامًا تقريبًا. وقد أدّى ذلك، لسوء حظِّ أهلِ البيت، إلى منافسة كبيرة بين المرأتين، هاجر وسارة، انتهت بأن أرسل إبراهيم (عليه السلام) هاجر وابنها بعيدًا. يمكنك أن تقرأ هنا كيف حدث هذا الأمر وكيف بارك الله هاجر وإسماعيل بطريقةٍ أخرى.

ذبيحة إبراهيم النبيّ (عليه السلام): أساس عيد الأضحى

وهكذا، مع بقاء ابنٍ واحدٍ في البيت، واجه إبراهيم (عليه السلام) اختباره الأعظم، لكنّه كان اختبارًا فتح أمامنا مجالاً أوسع لفهم الصراط المستقيم. يمكنك أن تقرأ من التوراة والقرآن الكريم القصَّة المتعلِّقة باختبار التضحية بابنه هنا. إنَّ هذا القصَّة المــُستَقاة من هذه الكتب المقدَّسة هي سبب الاحتفال بعيد الأضحى. لكنَّ هذا ليس مجرَّد حدثٍ تاريخيّ. إنَّه يتجاوز ذلك.

يمكننا أن ندرك من القصَّة في الكتب المقدَّسة أنَّ ما حدث كان اختبارًا لإبراهيم (عليه السلام)، لكنّه أكثر من مجرَّد ذلك. وبما أنَّ إبراهيم (عليه السلام) هو نبيٌّ، فإنَّ هذا الاختبار هو أيضًا آيةٌ لنا حتَّى نتمكَّن من معرفة المزيد عن رعاية الله لنا. كيف يمكننا اعتبارها علامة؟ يُرجى ملاحظة الاسم الذي أطلقه إبراهيم على المكان حيث كان ابنه سيُقدَّم كذبيحة. يظهر هذا الجزء من التوراة هنا حتَّى تتمكَّن من قراءته بشكلٍ مباشر.

فَرَفَعَ إبراهيمُ عينيهِ ونظرَ وإذا كبشٌ وراءَهُ مُمْسكًا في الغابةِ بقرنيهِ. فذهبَ إبراهيمُ وأخذَ الكبشَ وأصعدهُ محرقةً عوضًا عن ابنهِ. فدعا إبراهيمُ اسم ذلك الموضع ‘يهوَه يَرأَه’. حتَّى أنّهُ يُقالُ اليومَ ‘في جبلِ الربِّ يُرى’. (تكوين 13:22-14)

لاحظوا الاسم الذي أطلقه ابرهيم على هذا المكان. فقد دعاه ‘الله سيُعطي’. هل الفعل في تلك العبارة هو فعلٌ ماضي أو مضارع أو في صيغة المستقبل؟ من الواضح أنّه بصيغة المستقبل. وحتّى أكون أكثر وضوحًا، فإنَّ التعليق التالي (الذي أدرجه موسى – عليه السلام – عندما كتب هذه القصَّة في التوراة بعد 500 عام تقريبًا) يكرِّر ‘‘… سوف يُعطي’’. وقد ورد مرَّةً أخرى في صيغة المستقبل والتطلُّع إلى المستقبل. يعتقد معظم الناس أنَّ إبراهيم يُشير إلى الكبش (ذَكَر الخراف) الذي تمَّ الإمساك به في الدُغل وضحَّى به بدل ولده. لكن عندما دعا إبراهيم (عليه السلام) المكان بهذا الاسم، كان الكبش قد مات فعلاً وتمَّ تقديمه كذبيحة في مِحرَقَة. لو كان إبراهيم يفكِّر في الكبش – الذي كان قد مات، وقُدِّم ذبيحةً في مِحرَقَة – لكان دعا المكان ‘الربُّ قد أعطى’، أيّ في صيغة الماضي. ولو كان موسى (عليه السلام) يفكِّر في الكبش الذي حلَّ محلَّ ابن إبراهيم، لكان كتب معلِّقًا، ‘ولغاية هذا اليوم يُقال-‘‘على جبل الربِّ قد أُعطِيَ’’’. ولكن كلاًّ من إبراهيم وموسى (عليهما السلام) أعطيا بوضوح اسمًا في صيغة المستقبل، وبالتالي لم يكونا يفكِّران في الكبش الذي كان قد مات بالفعل وقُدِّم ذبيحةً.

بالتالي، ما الذي كانا يفكِّران فيه إذن؟ إذا كنّا نبحث عن دليلٍ، فإنَّنا نرى أنَّ المكان الذي قال الله لإبراهيم أن يذهب إليه في بداية هذه الآية كان:

فقالَ ‘‘خُذ ابنكَ وحيدكَ الذي تحبُّهُ اسحق واذهب إلى أرضِ المـــُرِيَّا واصعدهُ هناكَ محرَقةً على أحدِ الجبالِ الذي أقولُ لك’’. (الآية 2)

حدث هذا في ‘المــُرِيَّا’. وأين يقع هذا المكان؟ على الرغم من أنَّه كان بريَّةً في زمن إبراهيم، (2000 ق.م)، بنى الملك داود الشهير بعد ألف عام (1000 ق.م) مدينة أورشليم في ذلك المكان، وبنى ابنه سليمان الهيكل هناك. نقرأ في الزبور عن ذلك ما يلي:

وشرَعَ سُليمان في بناءِ بيتِ الربِّ في أورشليم في جبلِ المـــُرِيَّا حيث تراءى لداود أبيهِ (أخبار الأيّام الثاني 1:3)

بعبارةٍ أخرى، كان ‘جبل المـــُرِيَّا’ في زمن إبراهيم (وموسى من بعده) قمَّة جبلٍ منعزلٍ في البريَّة، ولكنَّه أصبح بعد 1000 عام في زمن داود وسليمان مركز المدينة وعاصمة بني إسرائيل حيث قاما ببناء هيكل الرب. وهو ما زال حتّى يومنا هذا مكانًا مقدَّسًا للشعب اليهودي.

عيسى المسيح (عليه السلام) والذبيحة على جبل المــُرِيَّا

نجد هنا صلة مباشرة بعيسى المسيح (عليه السلام) والإنجيل. نرى هذه الصلة حين نتعرَّف على واحدٍ من ألقاب عيسى (عليه السلام). كان لعيسى العديد من الألقاب الممنوحة له. ربَّما يكون أكثر هذه الألقاب شهرةً هو ‘‘المسيَّا’’ (الذي هو أيضًا ‘المسيح’). ولكن هناك أيضًا لقبًا آخر أُطلِقَ عليه ليس بمثل شهرة لقب المسيح، لكنَّه مهمٌّ جدًّا. نرى هذا في الإنجيل عندما نجد أنَّ النبيّ يحيا (يوحنّا المعمدان في الإنجيل – عليه السلام) يقول:

وفي الغد نظر يوحنّا (أيّ يحيا) يسوع مقبلاً إليهِ فقالَ ‘‘هوذا حملُ اللهِ الذي يرفعُ خطيَّةَ العالم. هذا هو الذي قلتُ عنهُ يأتي بعدي ‘رجلٌ صارَ قدَّامي لأنَّه كان قبلي’ ’’. (يوحنّا 29:1-30)

‘حمل الله’ اسمٌ مهمٌّ مِن أسماء عيسى (عليه السلام) ولكنّه أقلُّ شهرةً، دَعاه به يحيا. والآن فكِّر مليًّا في نهاية حياة عيسى. أين تمَّ القبض عليه وأين حُكِمَ ونُفِّذ فيه الحُكم؟ كان ذلك في أورشليم (التي كما رأينا هي ‘جبل المــُرِيَّا’). وذُكِرَ بشكلٍ واضحٍ جدًّا خلال القبض عليه أنَّ:

وحين علِمَ أنّه من سلطنة هيرودس أرسلهُ إلى هيرودس إذ كان هو أيضًا تلك الأيّام في أورشليم. (لوقا 7:23)

بعبارةٍ أخرى، حدث إلقاءُ القبضِ على عيسى ومحاكمته وإصدار الحكم عليه في أورشليم (= جبل المـــُورِيَّا).

فلنعُد إلى إبراهيم (عليه السلام). لماذا سمّى المكان في صيغة المستقبل ‘‘الربُّ سيُعطي’’؟ لقد كان نبيًّا وعرفَ أنَّ شيئًا ما ‘سيُعطى’ هناك. وفي دراميَّة المشهد، يتمُّ إنقاذ ابن إبراهيم (عليه السلام) من الموت في اللحظة الأخيرة لأنَّ حملاً يموت مكانه. بعد أكثر من ألفَي سنة، دُعيَ عيسى ‘حملُ الله’ وأُلقيَ القبضُ عليه وحُكِم عليه بالموت في المكان نفسه!

الذبيحة افْتَدَت إبراهيم: من الموت

أهذا مهمٌّ بالنسبة إلينا؟ إنّي أُلاحظ كيف تنتهي آية إبراهيم هذه. تقول الآية 107 من سورة الصَّافَّات في القرآن الكريم عن إبراهيم (عليه السلام) ما يلي:

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ

وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ

ما معنى أن ‘يُفتَدى’ إنسانٌ ما؟ إنَّ دفع فدية هو تسديد دفعة لإطلاق سراح شخصٍ تمَّ احتجازه. يُعني ‘افتداء’ إبراهيم (عليه السلام) أنَّه كان أسيرَ شيءٍ ما (نعم، حتّى نبيّ عظيم!). أسير ماذا كان هو؟ يُخبرنا بذلك المشهد مع ابنه. كان أسير الموت. بالرغم من أنَّه كان نبيًّا، إلاّ أنّه كان أسيرًا في قبضة الموت. نرى من آية آدم أنَّ الله خلق آدم وأبناءه (الجميع – بمن فيهم الأنبياء) فانين – وكانوا الآن أسرى الموت. لكنَّ إبراهيم (عليه السلام) في دراما ذبيحة الحمل هذه، تمَّ ‘افتداؤه’ من الموت. إذا كنتَ تستعرضُ سلسلة آيات (آدم, قايين و هابيل, نوح, إبراهيم) حتّى الآن، سوف ترى أنَّ ذبيحة الحيوان كانت دائمًا تقريبًا تُمارَسُ مِنْ قِبَل الأنبياء. لقد كانوا يعرفون شيئًا عن هذا ربَّما يفوتنا. ويمكننا أن نرى أنّه بسبب أنَّ هذا الفعل يُشير أيضًا إلى الأمام في المستقبل إلى عيسى ‘حمل الله’ فإنَّ هناك صلةٌ له به.

 الذبيحة: هي بركةٌ لنا

وذبيحةُ الحملِ على جبل المــُرِيَّا مهمَّةٌ بالنسبة إلينا أيضًا. بعد انتهاء عمليَّة الاستبدال، يعلن الله لإبراهيم (عليه السلام) ما يلي:

‘‘ويتبارك في نَسلِكَ جميعُ أُممِ الأرضِ. من أجل أنَّك سمعتَ لقولي’’ (تكوين 18:22)

إذا كنتَ تنتمي لإحدى ‘أُممِ الأرضِ’ (وأنت كذلك!) فما قاله الله يتعلَّق بكَ لأنَّ الوعدَ يقول إنَّك تستطيع الحصول على ‘البركة’ من الله نفسه! أليس ذلك جديرٌ بالاهتمام؟ كيف تعمل العلاقة بين قصَّة إبراهيم وبين عيسى على أن تحلَّ البركةُ علينا؟ ولماذا؟ نلاحظ أنَّ إبراهيم (عليه السلام) قد ‘أفتُديَ’ وقد يكون هذا أيضًا مؤشِّرًا بالنسبة إلينا، ولكن بغضِّ النظر عن ذلك، فإنَّ الجوابَ لا يبدو واضحًا هنا بحيث أنّنا سنتابع مع آيتَي موسى (لديه اثنتان)، وسوف توضِّحان هذه الأسئلة لنا.

ولكن في الوقت الراهن، أريدُ فقط أن أشير إلى أنَّ كلمة ‘نسل’ هنا هي في صيغة المفرَد. إنَّها ليس ‘أنسال’ كما هو الحال عند ذكر عدد من الأحفاد أو الأشخاص. إنَّ وعد البركة كان من خلال ‘نسلٍ’ من إبراهيم في صيغة المفرَد – كما في الضمير ‘هو’، وليس من خلال أُناسٍ كثيرين أو مجموعة من الناس، كما في الضمير ‘هم’. سوف تساعدنا آية الفصح اليهوديّ الخاصَّة بموسى الآن على أن نفهم ذلك بصورةٍ أفضل.

آية إبراهيم الثانية: التقوى

ما الشيء الذي نحن جميعًا في حاجةٍ إليه من عند الله؟ يمكننا التفكير في إجاباتٍ عديدة على هذا السؤال، لكنَّ آية آدم تذكِّرنا بأنَّ أوَّلى حاجاتنا وأعظمها هي التقوى. توجد هنا الكلمات الموجَّهَة مباشرةً إلينا (بني آدم).

بِسْمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرحيمِ

يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ

(7) سورة الأعراف – الآية 26

فما هي التقوى أو البرّ إذن؟ تخبرنا التوراة في (سفر التثنية 32: 3-4) عن الله قوله:

إنِّي باسمِ الربِّ أُنادي.

أعطوا عظَمَةً لإلَهِنا!

هو الصخرُ الكاملُ صنيعهُ.

إنَّ جميعَ سُبُلهِ عدلٌ.

إلهُ أمانةٍ لا جورَ فيه

صدِّيقٌ وعادلٌ هو

هذه هي صورة تقوى أو برَّ الله كما جاءت في التوراة. تعني كلمة برّ أو تقوى أنَّ أحدًا ما يتَّصف بالكمال! وأنَّ جميعَ (وليس فقط بعض أو معظم، بل كلّ) سبُلهِ عادلةٌ، وأنَّه لا يرتكب خطأً (ولا حتّى خطأً صغيرًا)؛ وهو مستقيمٌ. هذا هو البرُّ، وهذا هو وصف الله كما جاء في التوراة. ولكن ما حاجتنا إلى البرِّ والتقوى؟ فلننتقل بسرعة إلى فقرة في كتاب الزبور للإجابة على هذا السؤال. نقرأُ في المزمور 15 (الذي كتبه داود النبيّ) ما يلي:

 يا ربُّ مَنْ ينزل في مسكنكَ؟

مّنْ يسكنُ في جبلِ قُدسِكَ؟

 

2 السالكُ بالكمالِ

والعاملُ الحقّ

والمتكلِّم بالصدق في قلبهِ.

3 الذي لا يشي بلسانهِ

ولا يصنعُ شرًّا بصاحبهِ

ولا يحمل تعييرًا على قريبهِ.

4 والرذيلُ محتَقَرٌ في عينيهِ

ويكرم خائفي الربّ.

يحلف للضرر ولا يغيِّر.

5 فضّتهُ لا يُعطيها بالربا

ولا يأخذ الرشوة على البريءِ…

إنَّ السؤال عمَّن سيسكن في ‘جبل الله المقدَّس’، هو طريقة أُخرى للسؤال عمَّن سيكون مع الله في الفردوس. ويمكننا أن نرى من الجواب أنَّ السالك بالكمال والعامل ‘الحقِّ’ (الآية 2) – يمكنهُ أن يدخل الفردَوس ليكون مع الله. لهذا نحن في حاجةٍ إلى البرِّ والتقوى. بما أنَّ الله كامل، البرُّ والتقوى مطلوبان ليكون المرء مع الله.

بأخذنا هذه الحاجة في الاعتبار، سننظر الآن في آية إبراهيم (عليه السلام) الثانية. انقر هنا لفتح الفقرة في الكتب المقدَّسة. نرى في قراءة التوراة والقرآن الكريم أنَّ أبراهام (عليه السلام) من ‘شِيعَتِهِ’ (37 سورة الصَّافَّات – آية 83) وبذلك حصل على ‘البرّ’ (تكوين 6:15) – وهو بالذات الشيء الذي أخبرتنا آية آدم بحاجتنا إليه.. لذا، السؤال المهمُّ بالنسبة إلينا هو: كيف حصل على البرِّ؟

يمكنني التفكير في كثيرٍ من الأحيان في أنّني أستطيع الحصول على البرِّ بإحدى طريقتين. في الطريقة الأولى (في اعتقادي)، أحصل على البرِّ بالإيمان بوجود الله أو بالاعتراف بوجوده. أنا ‘أؤمِنُ’ بالله. ودعمًا لهذا التفكير أقول، ألم يفعل إبراهيم (عليه السلام) ذلك ‘فآمَنَ بالربِّ’ في سفر التكوين 6:15؟ ولكن بعد مزيدٍ من التفكير أدركتُ أنَّ هذا لا يعني أنَّه يؤمنُ فقط بوجود إلهٍ واحدٍ. كلاّ، لقد أعطاه الله وعدًا قاطعًا – بأنَّه سيولد له ابنٌ. وكان ذلك الوعد هو ما كان على إبراهيم (عليه السلام) أن يختار ما إذا كان عليه الإيمان به أو عدم الإيمان به. فكِّروا أكثر في ذلك، الشيطان (المعروف أيضًا باسم إبليس) يؤمن بوجود الله – وهو بدون أدنى شكّ ليس بارًّا. لذا، ليس الإيمانُ فقط بوجود الله هو كلُّ ما يعنيه أن يكون مِن ‘شِيعَته’. إنَّه لأمرٌ جيِّدٌ، لكنَّه ليس كافيًا.

الطريقة الثانية التي غالبًا ما أفكِّر في أنَّني أستطيع من خلالها الحصول على البرّ، هو أنَّني أستحقُّ الحصول عليه أو أستأهله من الله عن طريق فعل الأمور الصالحة. فعل أشياءٍ صالحة تفوق الأشياء السيِّئة، أو القيام بنوعٍ أو كمٍّ معيَّنٍ من العمل الدينيّ يجعلني أستأهل أو أستحقُّ الحصول على البرّ. ولكن لاحظوا أنَّ ذلك ليس ما تقوله التوراة على الإطلاق. أقتبسُ مرَّة أخرى من الآية 6 من سفر التكوين في التوراة حتّى نتمكَّن أن نرى حقًّا ذلك.

 فآمَنَ (أبرام) بالربِّ فحسِبهُ (أيّ الله) لهُ (أيّ إبراهيم) برًّا.

لم يكن إبراهيم يستحقُّ الحصول على ‘البرّ’؛ لقد ‘حُسِبَ’ له. ما الفرق إذًا؟ حسنًا، إذا كنت قد استحققتَ شيئًا فهذا يعني أنّك سعيتَ وعملتَ للحصول عليه – فأنتَ تستحقّه. إنّه مثل تلقِّي أجور العمل الذي تقوم به. ولكن عندما يُحسَب لك شيءٌ ما، فهو يُعطى لك. إنَّه ليس شيئًا استحققته أو استأهلته.

إذًا، كان إبراهيم (عليه السلام) رجلاً آمَنَ إيمانًا عميقًا بوجود إلهٍ واحدٍ. وكان رجلَ صلاة وعبادة، وكان يساعد الناس (مثل مساعدة ابن أخيه لوط والصلاة من أجله). لهذا، ليس علينا تجاهُل هذه الأمور. لكنَّ وصف ‘السبيل الذي اتَّبَعه’ إبراهيم (عليه السلام) هنا بسيطٌ جدًّا بحيث يمكن عدم الانتباه إليه بسهولة. تخبرنا التوراة أنَّ إبراهيم (عليه السلام) قد حصل على البرّ لأنّه آمَنَ بالوعدِ الذي أُعطيَ له من الله. إنَّ هذا يقلب المفاهيم الشائعة التي نعتنقها حول الحصول على البرِّ، إمَّا بالتفكير في أنَّ الإيمان بوجود الله هو كافٍ، أو بالقيام بما يكفي من الأعمال الصالحة والدينيَّة بحيث نتمكَّن من الحصول على البرّ أو استحقاقه. ليست هذه هي الطريقة التي اتَّبعها إبراهيم (عليه السلام)، لقد اختار بكلِّ بساطةٍ أن يؤمن بالوعد.

الآن، ربّما كان اختيار الإيمان بوعد الابن هذا بسيطًا، لكن من المؤكَّد أنّه لم يكن سهلاً! كان بإمكان إبراهيم (عليه السلام) أن يتجاهل الوعد بسهولة بالتفكير في أنَّه إذا ما كانت لدى الله حقيقةً الإرادة وكذلك القدرة على أن يمنحه ولدًا، لكان قد فعل ذلك من قبل. لأنَّ إبراهيم (عليه السلام) وسارة (امرأته)، في هذه المرحلة من حياته، كانا مُسنَّين – قد تجاوزا إلى حدٍّ بعيدٍ سنَّ الحصول على الأولاد. تذكَّروا أنَّه كان، كما جاء في التوراة، في الخامسة والسبعين من عمره في آية إبراهيم الأولى عندما غادر موطنه وذهب إلى كنعان. في ذلك الوقت، كان الله قد وعده بأنّه سيكون له ‘أمّة عظيمة’. ولقد مرَّت سنواتٌ عديدةٌ منذ ذلك الحين حتِّى أصبح إبراهيم (عليه السلام) وزوجته سارة مسنَّيْن حقًّا، وقد انتظرا فترةً طويلةً. وليس لديهما حتّى الآن حتّى ولدٌ واحدٌ – وليس بالتأكيد أمَّة عظيمة! كان إبراهيم (عليه السلام) ليتساءل ‘‘لماذا لم يعطنا الله ولدًا حتّى الآن إن كان يمكنه أن يفعل ذلك’’؟ بعبارةٍ أخرى، لقد آمن بوعد الله بولادة ابنٍ له على الرغم من أنَّه كانت لديه أسئلةٌ لا إجابات عليها حول الوعد. لقد صدَّق الوعد لأنَّه كان يثق بالله الذي أعطى الوعد – بالرغم من أنّه لم يفهم كلَّ شيءٍ عن الوعد. ولتصديق ذلك الوعد (مجيء ابنٍ بعد تجاوز سنِّ الإنجاب)، يتطلَّب الأمر الإيمان بأنَّ الله سيُجري معجزة له ولزوجته.

كان الإيمان بالوعد سيتطلَّب أيضًا انتظارًا نشطًا. كانت حياته كلّها، إلى حدٍّ ما، متوقِّفة عندما كان يُقيم في خيامٍ في كنعان، أرض الميعاد، بانتظار (بعد عدَّة سنوات) مجيء الابن الموعود. كان الأمر سيكون أكثر سهولةً بكثير أن يتجاهل الوعد ويعود إلى دياره، إلى الحضارة في بلاد ما بين النهرين (العراق في العصر الحديث) التي كان قد غادرها قبل عدَّة سنوات، حيث لا يزال يعيش شقيقه والعائلة. لذا كان على إبراهيم (عليه السلام) العيش مع صعوبة الاستمرار في الإيمان بالوعد – يوميًّا وكلَّ يوم – لسنواتٍ عديدةٍ في انتظار الوعد الذي قُطِع. كانت ثقته بالوعد كبيرةً بحيث كانت لها الأولويّة على أهداف الحياة العاديَّة – الراحة والرفاهية. إنَّ إيمانه بوعد الله أظهر كلاً من ثقته بالله ومحبّته له.

وهكذا ذهب ‘الإيمان’ بالوعد إلى ما هو أبعد من مجرَّد القبول الفكريّ له. كان على إبراهيم (عليه السلام) أن يراهن بحياته وبسمعته وبسلامته، وبالأعمال الحاضرة وآمال المستقبل على هذا الوعد. لأنّه آمَنَ، فقد كان ينتظر بنشاطٍ وطاعةٍ.

وبالتالي، إنَّ آية إبراهيم (عليه السلام) تكمن في كيفيَّة إيمانه بوعدٍ من الله بإنجاب ابن، وبذلك أُعطيَ له أيضًا البرّ، أو حُسِبَ له. بالمعنى الحقيقيّ، استسلم إبراهيم لهذا الوعد. كان من الممكن أن يختار عدم الإيمان ويعود أدراجه إلى الأرض التي جاء منها (عراق اليوم). وكان من الممكن أن يتجاهل الوعد بينما يستمرُّ في الإيمان بوجود الله ويستمرُّ في رفع الصلوات ومساعدة الآخرين. لكنَّه سيكون حينذاك قد التزم بتعاليم دينه فقط لكن لم يُحسَب له ذلك ‘برًّا’. وكما يقول القرآن الكريم، نحن جميعًا أبناء آدم – ‘‘وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ذَٰلِكَ’’. هذا هو سبيل إبراهيم (عليه السلام).

وهكذا قد تعلَّمنا الكثير. البرّ أو التقوى، هذا الشيء بالذات الذي نحن في حاجةٍ إليه لدخول الفردوس، ليس استحقاقًا بل فضلاً من الله لنا. وهو يُحسَب لنا بالثقة بوعد الله. لكنَّ آية إبراهيم (عليه السلام) لم تكتمل بعد. نتابع مع آية 3.

آية إبراهيم الأولى: البَرَكَة

 إبراهيم!  وهو يُعرَفُ أيضًا باسمِ أبرام (عليه السلام).  تنظر إليه الديانات السماويَّة الثلاث كلّها، اليهوديَّة والمسيحيَّة والإسلام باعتباره قدوةً يُحتَذى بها.  ويعود العرب واليهود بأنسابهم إليه اليوم من خلال ولدَيهِ إسماعيل وإسحاق.  وهو مهمٌّ أيضًا في سلسلة الأنبياء باعتبار أنَّ آياته قد أسَّسَت إلى حدٍّ كبيرٍ لجميع الأنبياء الآخرين.  ما الذي كان يمتلكه أو كان يفَعَلَهُ أو كان يعرفه إذًا، ما سمح بأن يكون له دورٌ كهذا حتَّى بين الأنبياء؟  إنَّ الإجابة على هذا السؤال مهمَّةٌ جدًّا بحيث أنَّنا سوف ننظر في آية إبراهيم (عليه السلام) في أقسامها المختلفة.  انقر هنا لقراءة الآية الأولى كما وردت في القرآنِ الكريمِ و في التوراة.

     إنَّنا نرى في آياتِ القرآنِ الكريم هذه أنَّ إبراهيم (عليه السلام) كان سيكون لديه ‘قبائل’ من البشر ينحدرون منه.  كان الله سيُؤتي هؤلاء الناس ‘‘مُلْكًا عظيمًا’’.

     ولكنَّ يجب أن يكون للمرء ابنٌ واحدٌ على الأقلّ قبل أن يكون له ‘قبائلً’ من البشر، ويجب أن يكون له أيضًا مكانٌ قبل أن يتمكَّن هؤلاء الناس من الحصول على ‘مُلْكٍ عظيمٍ’.

وعدُ إبراهيم (عليه السلام)

     تُظهِرُ لنا الفقرة الواردة في التوراة (تكوين 1:12-7) كيف أنَّ الله كان على وشك تحقيق هذا الكشف المزدوج، ‘القبائل’ و ‘المــُلك العظيم’ الذي يأتي من إبراهيم (عليه السلام).  يُعطيه الله وعدًا يُعتَبَر تأسيسيًّا لخططه المستقبليَّة.  دعونا نستعرِض ذلك بمزيدٍ من التفصيل.  نحن نرى أنَّ الله يقولُ لإبراهيم:

2 ‘‘فَأَجْعَلَ مِنْكَ أُمَّةً كَبِيرَةً

وَأُبَارِكَكَ وَأُعَظِّمَ اسْمَكَ، وَتَكُونَ بَرَكَةً (لِكَثِيرِينَ).

3 وَأُبَارِكُ مُبَارِكِيكَ وَأَلْعَنُ لاعِنِيكَ،

وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ أُمَمِ الأَرْضِ’’.

عظَمَة إبراهيم (عليه السلام)

      يتساءلُ كثيرٌ من الناس اليوم في الغرب حيث أعيش الآن عمَّا إذا كان هناك إله، وكيف يمكن للمرءِ أن يعرف ما إذا أعلن عن نفسه حقيقةً من خلال التوراة.  أمامنا الآن وَعدٌ نستطيع التحقُّق من جزءٍ منه.  تقول نهاية هذا الوحي إنَّ الله وعد إبراهيم (عليه السلام) مباشرةً ‘وأعظِّمُ اسمكَ’.  ها نحن الآن في القرن الواحد والعشرين وما زال اسم إبراهيم/أبراهام/أبرام واحدًا من أكثر الأسماء المعروفة عالميًّا في التاريخ.  لقد تحقَّق هذا الوعد حرفيًّا وتاريخيًّا.  إنَّ أقدم نُسَخ التوراة الموجودة اليوم هي من مخطوطات البحر الميِّت التي تعود إلى الأعوام 200-100 قبل الميلاد (انظر مقالتي حول ما إذا كانت السنَّة النبويَّة تشهد على توراةٍ وزبورٍ وإنجيلٍ دون تغيير أم لا).  إنَّ معنى هذا هو أنَّ هذا الوعد على أقلِّ تقدير كان مسجَّلاً كتابةً منذ ذلك الوقت.  بيد أنَّ اسم شخصيَّة إبراهيم واسمه لم يكونا معروفَين- فقط لقلَّةٍ من اليهود الذين اتّبعوا التوراة.  ولكن لأنَّنا نعرف عظمة اسمهِ اليوم، يمكننا أن نرى أنَّ تحقيق الوعد قد جاء فقط بعد أن سُجِّل هذا الوعد كتابةً وليس قبل ذلك.

     إذًا، حدث هذا الجزء من وعد الله لإبراهيم (عليه السلام) بشكلٍ مؤكَّد، كما لا بدَّ أنَّ ذلك كان واضحًا حتَّى النسبة إلى غير المؤمنين، وهذا من شأنه أن يمدّنا بثقةٍ أكبر لفهم الجزء المتبقّي من هذا الوعد الذي أعطاه الله لإبراهيم (عليه السلام).  دعونا نواصل دراسة هذا الوعد.

بركة الله لنا

     يمكننا أن نرى مرَّةً أخرى وعدَ الله بأن يجعل من إبراهيم (عليه السلام) ‘أُمَّةً كبيرةً’ و ‘أُباركك’.  ولكن ثمَّة شيءٌ آخر كذلك، إنَّ البرَكة ليست فقط لإبراهيم لأنّها تقول ‘‘وتتباركُ فيك جميعُ أممِ الأرضِ’’ (أيّ من خلال إبراهيم عليه السلام).  وهذا ينبغي أن يجعلنا أنا وأنت أن نقف ونفكِّرَ مليًّا.  لأنّنا، أنا وأنتَ جزءٌ من ‘جميعِ أُممِ الأرضِ’ – بغضِّ النظر عن ديننا أو خلفيَّتنا العرقيَّة أو أين نعيش أو وضعنا الاجتماعي أو اللغة التي نتحدَّث بها.  هذا الوعد يشمل كلَّ شخصٍ حيٍّ اليوم!  على الرغم من أنَّ أدياننا المختلفة، وخلفيّاتنا العرقيَّة، ولغاتنا، تؤدّي في كثيرٍ من الأحيان إلى تقسيم الناس وتتسبَّبُ بالصراعات، فإنَّ هذا وعدٌ يبدو أنّه يتجاوز هذه الأمور التي  غالبًا ما تفرِّقنا.  كيف؟  متى؟ أيُّ نوعٍ من البركة هي؟  لم يُكشَف عن هذا بوضوح، لكنَّ هذه الآية قد أدَّت إلى ولادةِ وعدٍ هو مهمٍّ بالنسبة إليك وبالنسبة إليَّ  من خلال إبراهيم (عليه السلام).  وبما أنَّنا نعرف أنَّ جزءًا من هذا الوعد قد تحقَّق، يمكننا أن نثق في أنَّ هذا الجزء الآخر الذي ينطبق علينا سيتحقَّق بشكلٍ واضحٍ وحرفيٍّ – علينا فقط العثور على المفتاح لفتحهِ.

     ولكن يمكننا أن نلاحظ أنَّه عندما تلقَّى إبراهيم هذا الوعد أطاع الله و…

     ‘‘فارتحَلَ أبرامُ كما أمَرَهُ الربُّ’’ (الآية 4)

خريطة رحلة إبراهيم (هجرة إبراهيم من أور-< حاران - < أرض كنعان)
خريطة رحلة إبراهيم
(هجرة إبراهيم من أور-< حاران – < أرض كنعان)

كم من الوقت استغرقت هذه الرحلة إلى أرض الميعاد؟  تبيِّن لنا الخريطة هنا مسار هذه الرحلة.  كان إبراهيم يعيش في الأصل في أور (جنوب العراق اليوم) وانتقل إلى حاران (شمالي العراق).  ثمَّ ارتحلَ إبراهيم (عليه السلام) إلى ما كان يُدعى أرض كنعان في تلك الأيّام.  يمكنكم أن تروا أنَّ الرحلة كانت طويلةً جدًّا.  قد يكون سافر على ظهر جملٍ أو حصانٍ أو حمارٍ، وبالتالي قد يكون استغرقه ذلك شهورًا عديدة.  ترك إبراهيم أُسرته وحياته المريحة (كانت بلاد ما بين النهرين في ذلك الزمان مركز الحضارة) وأمنه وكلَّ ما كان مألوفًا لديه ليسافر إلى أرضٍ كانت غريبة بالنسبة إليه.  وحدث هذا، كما تقول لنا التوراة، عندما كان في الخامسة والسبعين من عمره!

الذبائح الحيوانيَّة مثل الأنبياء السابقين

     تقول لنا التوراة أيضًا إنَّه عند وصول إبراهيم (عليه السلام) إلى كنعان بسلام:

     ‘‘فَبَنَى أَبْرَامُ هُنَاكَ مَذْبَحاً لِلرَّبِّ’’ (آية 7)

     سيُبنى المذبحُ حيثُ قدَّم لله دماء الذبائح الحيوانيَّة كما فعل قايين و نوح من قَبْلِهِ.  إنَّنا نرى أنَّ هذا هو نمطٌ لكيفيَّة عبادة الأنبياء الله.

     لقد جازف إبراهيم (عليه السلام) كثيرًا وفي مرحلة متأخِّرة جدًّا من حياته في السفر إلى هذه الأرض الجديدة.  ولكنَّه بفعله هذا، أخضع نفسه لوعد الله بأن يتبارك هو وبأن تتباركَ فيه جميعُ أُممِ الأرضِ.  وهذا هو السبب الذي يجعله مهمًّا جدًّا بالنسبة إلينا.  ولكنَّ آيته لا تنتهي هنا.  نواصل مع آية إبراهيم الثانية في مقالتنا القادمة.

آية لوط

     كان لوط ابن شقيقِ النبي إبراهيم (عليه السلام).  وقد اختار العيشَ في مدينةٍ تعجُّ بأُناسٍ أشرارٍ.  لكنَّ الله استخدمَ هذا الوضع كآياتٍ نبويَّة لجميعِ الناس.  ولكن أيَّةُ آياتٍ هي؟  للإجابة على هذا السؤال يجب علينا أن نولي اهتمامًا وثيقًا لمختلف الأشخاص في هذه القصَّة.  انقرْ هنا لتقرأ القصَّة كما وردتْ في كلٍّ من التوراةِ والقرآنِ الكريمِ.

     يمكنُنا أن نرى في القصَّتَين اللتَين وردتا في التوراةِ والقرآنِ الكريمِ أنَّ هناكَ ثلاثَ مجموعاتٍ من الناسِ، وكذلك ملائكة (أو رسُل) الله.  دعونا نفكِّر في كلِّ واحدةٍ من هذه المجموعاتِ بدورها.

رجالُ سَدوم

     كان هؤلاء الأشخاص فاسدين ومنحرفين إلى أبعد الحدود.  ونحن نرى أنَّ هؤلاءِ الرجالِ كانوا يأملون في اغتصابِ الرجالِ الآخرين (الذين كانوا حقًّا ملائكة، ولكن بما إنَّ رجالَ سَدوم اعتقدوا أنّهم كانوا رجالاً، فقد كانوا يخطِّطونَ لاغتصابهم اغتصابًا جماعيًّا).  إنَّ هذا النوعَ من الإثْمِ كان شرِّيرًا جدًّا إلى حدٍّ جعل الله يصمِّم على أن يُدينَ المدينةَ بأكملِها.  وكانَ الحكمُ متَّسقًا مع الحكم الذي أصدَرَه على آدمَ.  قبل ذلك، كان اللهُ في البدايةِ قد حذَّر آدمَ من أنَّ عقوبةَ الخطيئة كانت الموت.  لم يكن أيُّ نوعٍ آخرٍ من العقابِ (مثل الضربِ والسَجنِ وما إلى ذلك) كافيًا.  وقد قال اللهُ لآدم:

 ‘‘وأمَّا شجرة معرفةَ الخيرِ والشرِّ فلا تأكلَ منها. لأنَّكَ يومَ تأكلَ منها موتًا تموتُ’’.  (سفر التكوين 17:2)

     وبالمثلِ، كان عقابُ خطايا رجال سَدوم أن يموتوا هم أيضًا.  بل إنَّ المدينة بأكملها في الواقع، وجميع الذين يعيشون فيها، كانت النيران الآتية من السماء ستدمِّرُها.  هذا هو مثالٌ على وجودِ نمطٍ تمَّ شرحه لاحقًا في الإنجيل:

                لأنَّ أُجرَةِ الخطيَّة هي موت (رومية 23:6)

أصهار لوط

     في قصَّة نوح، أدان الله العالم كلَّه، ومتَّسقًا مع آية آدم، كانت الدينونة هي الموت في طوفانٍ عظيمٍ.  لكنَّ التوراةَ والقرآنَ الكريمِ يُخبراننا أنَّ العالم أجمع كان ‘شرِّيرًا’ في ذلك الحين.  أدان اللهُ رجالَ سَدوم، لكنَّهم كانوا هم أيضًا أشرارًا منحَرِفين.  قد تدفعني قراءتي لهاتين القصَّتَين فقط إلى الاعتقاد بأنَّني في مأمنٍ من دينونةِ اللهِ لأنَّني لست بذلك الشرّ.  بالرغم ممّا قيل، أنا أُؤمنُ باللهِ، وأفعل أشياءَ صالحة كثيرة، ولم أرتكب يومًا مثل هذه الأفعال الشرِّيرة.  أأنا آمنٌ إذًا؟  إنَّ آية لوط مع صهريه تحذيرٌ لي.  فهم لم يكونوا جزءًا من جماعة الرجال الذين كانوا يحاولون ممارسة اللواط عن طريق الاغتصاب.  لكنَّهم لم يأخذوا التحذير من الدينونة الآتية على محمل الجدِّ.  في الواقع، تقولُ لنا التوراة إنَّهم كانوا يعتقدون ‘أنَّ (لوط) كان مازحًا’.  أكانَ مصيرهم مختلفًا في أيِّ شيءٍ عن مصير رجال المدينة الآخرين؟  كلاّ!  لقد عانوا المصير نفسه.  لم يكن هناك اختلافٌ في المحصِّلة بين هؤلاء الأصهار وبين رجال سَدوم الأشرار.  مغزى الآية هنا أنَّ على الجميع أن يأخذوا هذه التحذيرات على محمَل الجَدّ.  فهي ليست موجَّهة فقط للأشخاص المنحرفين جنسيًّا.

زوجة لوط

     تُعتَبَر زوجة لوط آيةً كبيرةً لنا.  يُذكَر في كلِّ من التوراةِ والقرآنِ الكريم على حدٍّ سواء أنّها لقِيَت حتفها جنبًا إلى جَنبٍ مع الآخرين.  ولقد كانت زوجة نبيٍّ.  ولكن علاقتها الخاصَّة بلوط لم تنقذها بالرغم من أنَّها لم تكن تمارس الجنس المثليّ مثل ما كان رجال سَدوم يفعلون.  لكنَّ الملائكة أمروهُم قائلين:

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَحيمِ

                 ‘… ولا يلتَفِتُ مِنكُمْ أحَدٌ…’ (سورة هود 81:11)

 أو

                 ‘… لا تنظُرْ إلى ورائكَ…’ (سفر التكوين 17:19)

     تخبرنا التوراة  في سفر التكوين ‘ونظَرَت امرأَتَهُ مِن ورائِهِ فصارت عمودَ ملحٍ.’ (تكوين 26:19).  لم توضِّح التوراة ما تعنيه بالضبط نظرَتْها إلى الوراء’.  ولكن من الواضح أنَّها اعتقدَت أنَّ بإمكانها تجاهل أمرٍ أصدره الله بدا صغيرًا حتّى، واعتقدت أنَّه لن يكون بذي أهميَّةَ.  لكنَّ مصيرها – مع خطيئتها ‘الصغيرة’ – كان كمصيرِ رجال سدوم بخطيئتهم ‘الكبيرة’ – الموت.  إنَّها لآيةٍ مهمَّةٍ بالنسبة إليَّ تبعدني عن التفكير في أنَّ بعض الخطايا ‘الصغيرة’ مُعفاة من دينونة الله – إنَّ زوجةَ لوط هي آيتنا لتحذِّرنا من هذا الاعتقاد الخاطئ.

لوط، الله والرُسُل الملائكة

     كما رأينا في آيةِ آدم، عندما أصدرَ اللهُ حُكمهُ، قدَّم كذلك الرحمة.  تمثَّلت رحمته في تلك الدينونة في توفير ثيابٍ من الجلد.  في آية نوح، عندما أصدر الله حكمهُ، أبدى رحمتهُ مرَّةً أخرى من خلال الفُلْك.  ونرى مرَّةً أخرى أنَّ اللهَ حتّى في دينونته حريصٌ على إبداءِ الرحمة.  تصف التوراة ذلك على هذا النحو:

                 ولمــَّا توانى أمسكَ الرجلانِ بيدهِ وبيدِ امرأَتِهِ وبيدِ ابنتَيهِ لشَفقةِ الربِّ عليهِ وأخرجاهُ ووضعاهُ خارج المدينةِ.  (تكوين 16:19)

     ما الذي يمكننا أن نتعلَّمه من هذا؟  كما في الآياتِ السابقة، كانت الرحمةُ شاملة، لكنَّها لم تُقدَّم إلاَّ من خلالِ سبيلٍ واحدٍ – إرشادهم للخروج من المدينة.  لم يقدِّم الله تعالى، على سبيل المثال، الرحمة أيضًا من خلال إقامةِ مكانٍ يأوونَ إليه في المدينة يمكن أن يصمُدَ أمام النار الآتية من السماء.  لم يكن هناك إلاّ طريقة واحدة لتلقِّي الرحمة. – أن يتبعوا الملائكة للخروج من المدينة.  لم تمتدّ رحمة الله تعالى إلى لوط وعائلته لأنَّ لوط كان إنسانًا مثاليًّا.  في الواقع، نرى في كلٍّ من التوراة والقرآنِ الكريمِ أنَّ لوط كان على استعدادٍ لتقديمِ ابنتيهِ إلى المغتَصبين – وهي لفتةٌ (عملٌ) لا يمكنُ وصفها بالنبالةِ.  ثمَّ تقول لنا التوراة حتّى إنَّ لوط ‘تَوانى’.  ولكن حتّى بالرغم من كلِّ هذا، بسط الله رحمَته عن طريق ‘إمساك’ الملائكة بيده وإخراجه خارج المدينة.  هذه علامةٌ لنا:  إنَّ الله تعالى سيمدُّنا بالرحمة، ولن يتوقَّف ذلك على جدارتنا .  ولكنَّنا، مثلنا مثل لوط من قبلنا، بحاجةٍ إلى الحصول على هذه الرحمة لكي تعيننا.  لم يحصل الأصهارُ على الرحمة، وبذلك لم يستفيدوا منها.

     تقول لنا التوراةُ في سفر التكوين إنَّ الله بسط هذه الرحمة للوط لأنَّ عمَّه، النبيُّ العظيم إبراهيم (عليه السلام)، قد تشفَّع له (انظر الفقرة في سفر التكوين هنا).  ثمَّ تتابع التوراة من خلال آياتِ إبراهيم مع وعدِ اللهِ بأن ‘يتبارك في نسلِكَ جميعُ أُممِ الأرضِ من أجل أنّكَ سمعتَ لقَولي’ (تكوين 18:22).  ينبغي أن ينبِّهنا هذا الوَعد لأنّنا بغضِّ النظر عمَّن نكون أو أيَّة لغةٍ نتكلَّم أو أيَّ دينٍ نعتنق أو أين نعيش، يمكننا أن نعرف أنَّنا، أنت وأنا، جزءٌ من ‘جميعِ أُممِ الأرضِ’.  إذا كانت شفاعة إبراهيم قد جعلتِ اللهُ أن يمدَّ لوط برحمتهِ، على الرغم من أنّه لم يكن يستحّقها، فكم بالحري هو كمُّ الرحمات الكثيرة التي ستمدّنا بها آيات إبراهيم، نحن الذين ننتمي إلى ‘جميعِ أممِ الأرضِ’؟  مع هذه الفكرة في أذهاننا، نواصل رحلتنا عبر أنبياء التوراة من خلال البحث في آياتِ إبراهيم (عليه السلام).

آيـة نـوح

     نواصل بحثنا بحسب التسلسُل الزمنيّ من البداية آدم/حوّاء و قايين/هابيل والنبيّ الجدير بالذكر الذي سنتحدُّث عنه، والذي ورد ذكره في التوراة، هو نوح (عليه السلام)، الذي عاش بعد آدم ﺒ 1600 سنة تقريبًا.  يجد العديد من الناس في الغرب أنَّ قصَّة النبيّ نوح (عليه السلام) والطوفان غير قابلة للتصديق.  لكنَّ العالم مغطَّى بالصخور الرسوبيَّة التي تشكَّلت من الرواسب خلال طوفانٍ ما.  لذلك، لدينا أدلَّة ماديَّة على حدوث هذا الطوفان، ولكن ما هي آية نوح التي ينبغي أن نوليها اهتمامنا؟  الرجاء النقر هنا لقراءة قصَّة النبيّ نوح (عليه السلام) في التوراة والقرآن.

خسارة الرحمة والحصول عليها

     عندما أتحدَّث إلى الغربيِّين عن دينونة الله، يكون الجواب الذي أتلقّاه في معظم الأحيان شيئًا من هذا القبيل:  ‘‘أنا لست قلقًا جدًّا من موضوع الدينونة لأنَّ الله واسع الرحمة بحيث أنّني لا أعتقد بأنّه سيُدينني حقًّا’’.  إنَّ قصَّة نوحٍ (عليه السلام) هذه، هي ما دعاني في الحقيقة إلى التشكيك في ذلك النوع من التفكير.  نعم، إنَّ الله رحمَن رحيم، وبما أنّه لا يتغيَّر، فإنّه كان أيضًا ممتلئًا رحمةً في زمن نوح (عليه السلام).  ومع ذلك، تمَّ تدمير العالم كلّه (باستثناء نوح وأسرته) في تلك الدينونة.  فأين كانت رحمته عندها؟  لقد كانت في الفُلْك.  كما تقول لنا الآية 64 من سورة الأعراف:

‘‘فأنجَيتَه (أنا الله) والذينَ معَه (مع نوحٍ) في الفُلك’’

     إنَّ الله في رحمته، استخدم النبيّ نوح (عليه السلام)، ووفَّر له فُلكًا مُتاحًا للجميع.  لقد كان بإمكان أيِّ شخصٍ أن يدخل الفُلك ويلقى الرحمة والأمان.  إنَّ المشكلة أنَّ ردَّ فعل الجميع تقريبًا بالنسبة إلى الرسالة كان الشكّ وعدم التصديق.  سخروا من نوحٍ (عليه السلام) ولم يصدِّقوا الدينونة الآتية.  لو أنَّهم فقط دخلوا الفُلك، لكانوا نجوا من الدينونة.

     تقول لنا الآية في القرآن الكريم أيضًا إنَّ أحد أبناء نوح كان يؤمن بالله وبالدينونة القادمة.  وحقيقة أنّه كان يحاول تسلُّق الجبل، يدلّنا على أنّه كان يحاول الهرب من دينونة الله (وبالتالي، لا بدَّ أنّه كان يؤمن بالله وبالدينونة).  ولكن كانت هناك مشكلة مرَّة أخرى.  فهو لم يجمع ما بين إيمانه وخضوعه، بل اختار بدلاً من ذلك أن يعمل وفق طريقته الخاصّة للهرب من الدينونة.  لكنَّ أباه قال له:

‘‘قال لا عاصِمَ اليومَ مِن أمرِ الله إلاَّ مَن رَّحِمَ’’

سورة هود (43:11)

     كان هذا الابن في حاجة إلى رحمة الله وليس إلى جهوده الخاصّة للهرب من الدينونة.  كانت محاولاته لتسلُّق الجبل عقيمة.  لهذا، كانت نتيجة ذلك بالنسبة إليه عينها بالنسبة إلى أولئك الذين سخِروا من النبيّ نوح (عليه السلام) – الموت غرقًا.  لو أنّه فقط قد دخل الفُلك، لكان قد نجا أيضًا من الدينونة.  من هذا المــُنطَلق، يمكننا أن نعرف أنَّ مجرَّد الإيمان بالله وبالدينونة ليس كافيًا للهروب منه.  في واقع الأمر، إنَّ في الاستسلام لرحمة الله، بدلاً من أفكارنا الخاصّة، يمكننا أن نكون واثقين من أننا سوف نلقى الرحمة.  هذه هي آية نوح (عليه السلام) لنا – الفُلك.  كانت هذه آية عامّة خاصّة بدينونة الله، فضلاً عن كونها تتعلَّق بوسائل الله للرحمة والنجاة.  في حين كان بإمكان الجميع مشاهدة الفُلك وهو يُبنى، كانت تلك ‘آية واضحة’ على الدينونة القادمة والرحمة المـــُتاحة على حدٍّ سواء.  لكنَّ هذا يدلُّ على أنَّه لا يمكن نَيل رحمته إلاّ من خلال التدبير الذي وضعه الله.

      فلماذا إذن وجد نوح رحمة الله؟  يكرِّر كتاب التوراة مرَّاتٍ عدَّة عبارة

‘‘وفعل نوح حسب كلّ ما أمره به الربّ’’

      أجد نفسي ميّالاً إلى فعل ما أفهمه أو ما أحبُّه أو ما أتَّفق معه.  أنا متأكِّدٌ من أنَّ نوح (عليه السلام) لا بدَّ كان لديه العديد من الأسئلة في ذهنه حول تحذير الله من طوفانٍ قادم، وحول الأمر الذي أصدره إليه ببناء مثل هذا الفُلك الضخم على اليابسة.  إنّني متأكِّد من أنّه كان يمكن أن يفكِّر كالتالي، بما أنَّه كان رجلاً صالحًا في مجالاتٍ أخرى، فهو ربّما لم يكن مضطرًّا إلى أن يولي اهتمامًا لبناء هذا الفُلك.  لكنّه فعل ‘كل’ ما أُمِر به – وليس فقط ما قاله له الله، وليس ما كان يفهمه، وليس ما كان يرتاح إلى فعله، وليس، حتَّى، ما كان منطقيًّا بالنسبة إليه.  إنّه مثالٌ عظيمٌ لنا لنقتدي به.

باب الخلاص

     تقول لنا التوراة أيضًا إنَّ أهل بيت نوح والبهائم والطيور دخلوا الفُلك بعد دخول نوح إليه، ثمَّ،

‘‘أغلق الربُّ عليه’’

     كان الله هو من يتحكَّم ويُدير الباب الوحيد المؤدّي إلى داخل الفُلك – وليس نوح (عليه السلام).  عندما جاء يوم الدينونة وجاءت مياه الطوفان، ما كان يمكن لأيِّ قدرٍ من الطرق على الفُلك من الأشخاص الواقفين خارجًا، أن يدفع نوح إلى أن يفتح الباب.  كان الله هو من يتحكَّم بذلك الباب الوحيد.  ولكن في الوقت عينه، كان بإمكان أولئك الذين في الداخل أن يشعروا بالراحة وهم واثقون بأنّه ما دام الله هو المسيطر على باب الفُلك، فإنَّه لا يمكن لأيِّة رياحٍ أو موجٍ  أن يفتح الباب عنوةً.  لقد كانوا آمنين في باب رعاية الله ورحمته.

     بما أنَّ الله لا يتغيَّر، فهذا من شأنه أن ينطبق أيضًا بالنسبة إلينا اليوم.  يحذِّر جميع الأنبياء من أنَّ هناك دينونة أخرى قادمة – وهذه ستكون من النار – لكنَّ آية نوح (عليه السلام) تؤكِّد لنا من أنَّ الله، إلى جانب دينونته، سوف يمنحنا الرحمة.  ولكن ينبغي أن نبحث عن ‘الفُلك’ ذي الباب الواحد الذي سيضمن لنا تلقّي الرحمة.

ذبيحة الأنبياء

     تقول لنا التوراة أيضًا إنَّ نوح (عليه السلام):

وبنى نوح مذبحًا للربّ. وأخذ من كلِّ البهائم الطاهرة ومن كلّ الطيور الطاهرة

وأصعد محرقاتٍ على المذبح.  (تكوين 20:8)

        هذا يتلاءم مع نموذج آدم/حوّاء و قايين/هابيل في تقديم الحيوانات كذبائح.  وهذا يعني مرَّة أخرى، أنّه من خلال موت حيوانٍ ما وسفك دمه، كان النبيّ نوح (عليه السلام) يرفع صلاته إلى الله وكانت مقبولة لديه.  في واقع الأمر، تقول التوراة إنّ الله ‘بارك نوحًا وبنيهِ’ بعد تقديم الذبيحة (تكوين 1:9) و‘أقام ميثاقًا بينه وبين نوح’ (تكوين 8:9) أن لا ينقرض البشر جميعًا مرَّة أخرى بمياه الطوفان.  لذلك يبدو أنَّ تقديم الذبيحة وموت الحيوان وسفك دمه مِن قِبَل نوح، كان حاسمًا في عبادته لله.  ما مدى أهميَّة هذا الأمر؟  نتابع تاليًا دراستنا من خلال أنبياء التوراة مع لوط.