النبيّ عيسى المسيح (عليه السلام) و آية النبيّ يونان

لقد رأينا كيف سجَّل الإنجيل تعاليم النبيّ عيسى المسيح (عليه السلام) وشفاءه المرضى و معجزاته . في كثيرٍ من الأحيان، كان يدعو الذين يستمعون إليه (ويدعونا نحن) إلى قبول ما يقدّمه. لقد أعطانا ‘الماء الحيّ’، الرحمة للخُطاة، العثور على ‘الضالّين’، ودعا جميع الذين كانوا راغبين في دخول ‘ملكوت الله.

لقد أربكَت هذه التعاليم القادة الدينيّين في ذلك الوقت. وقد تساءلوا بشكلٍ خاص عن السلطة المُعطاة له لكي يتكلّم على هذا النحو. على سبيل المثال، هل كان حقًّا يملك السلطةً ليقدِّم رحمة الله للأشخاص المذنبين، والسلطة ليدفع عن الجميع ثمن الدخول إلى ملكوت الله؟ ولذلك طلبَ منه القادة الدينيّون (الذين يشبهون الأئمّة اليوم) أن يُعطيهم آيةً للبرهان على سلطته. يُسجِّل الإنجيل هذا الحوار:

يُشيرُ عيسى إلى آية يونس

قادَةُ اليَهُودُ يَطلُبُونَ بُرهاناً

38 ثُمَّ طَلَبَ مِنْهُ بَعضُ مُعَلِّمِي الشَّرِيعَةِ وَالفِرِّيسِيُّونَ وَقالوا: «يا مُعَلِّمُ، نُرِيدُ أنْ نَرَى مَنْكَ بُرهاناً مُعْجِزيّاً.»

39 فَأجابَهُمْ: «هَذا الجِيلُ الشِّرِّيرُ الفاسِقُ يَبحَثُ عَنْ بُرهانٍ لِكَي يُؤمِنَ. وَلَنْ يُعطَى إلّا بُرْهانَ النَّبِيِّ يُونانَ. 40 فَكَما أنَّ يُونانَ بَقِيَ فِي بَطنِ السَّمَكَةِ الكَبِيرَةِ ثَلاثَةَ أيّامٍ وَثَلاثَ لَيالٍ، هَكَذا سَيَبقَى ابْنُ الإنسانِ فِي جَوفِ الأرْضِ ثَلاثَةَ أيّامٍ وَثَلاثَ لَيالٍ. 41 سَيَقِفُ أهلُ نِينَوَى يَومَ الدَّينُونَةِ ضِدَّ هَذا الجِيلِ، وَسَيَدِينُونَهُ لأنَّهُمْ تابُوا إذْ سَمِعوا تَحذِيْرَ يُونانَ. وَالآنَ هُنا أمامَكُمْ مَنْ هُوَ أعظَمُ مِنْ يُونانَ.

(متى 12: 38-41)

تاريخ النبيّ يونس

  أجاب عيسى المسيح (عليه السلام) بأن أشار إلى النبيّ يونس. يمكنكم أن تروا في الجدول الزمني أدناه أنّ النبيّ يونس عاش ما يقرب من 800 سنة قبل النبيّ عيسى المسيح.

النبيّ يونس (يونان) في الجدول التاريخي الزمني
النبيّ يونس (يونان) في الجدول التاريخي الزمني

النبيّ يونس في القرآن الكريم

تبَ النبيّ يونس (عليه السلام) سفرًا هو من الكتابات النبويّة. يُلخِّص القرآن الكريم ما كتبه على هذا النحو:

وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ {139}
إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ {140}
فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ {141}
فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ {142}
فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ {143}
لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ {144}
فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ {145}
وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ {146}
وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ {147}
فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ {148}

aS-Saaffaat (سورة الصافّات 37: 139-148)

ابتلعَ حوتٌ ضخمٌ النبيّ يونس لأنّه هرب من المهمّة التي أعطاه الله إيّاها – أن يدعو أهل نينوى إلى التوبة (تقع اليوم بالقرب من مدينة الموصل في العراق). يقول العالم الإسلامي يوسف علي عن الآية 144 (‘كان ليبقى داخل جوفه [الحوت] إلى يوم القيامة’).

هذا مجرّد تعبيرٍ لُغويّ. كان هذا ليكون مدفن وقبر يونان. لو لم يكن قد تاب، لما كان بإمكانه الخروج من داخل المخلوق الذي كان قد ابتلعه إلى يوم القيامة عند قيامة جميع الموتى. (حاشية 4125 من ترجمة يوسف علي للقرآن الكريم).

بعبارةٍ أُخرى، كان وجوده داخل الحوت حكمًا بالإعدام ولن يتمّ الإفراج عنه عادةً إلاّ يوم القيامة.

النبيّ يونس بحسب ما دوّنه في سِفْره

      يقدّم سِفْر يونان في العهد القديم تفاصيل أكبر حول الوقت الذي قضاه في جوف الحوت. يقول لنا ما يلي:

تَكَلَّمَ اللهُ بِكَلِمَتِهِ لِيُونانَ بْنِ أمِتّايَ، فَقالَ:

«قُمْ وَاذْهَبْ حالاً إلَى المَدِينَةِ الكَبيرَةِ نِينَوَى، وَبَلِّغْ أهلَها أنَّنِي أعلَمُ بِالشُّرُورِ الَّتِي يَصنَعُونَها.»

لَكِنَّ يُونانَ انطَلَقَ لِيَهرُبَ إلَى تَرْشِيشَ بَعِيداً عَنْ وَجهِ اللهِ. فَنَزَلَ إلَى يافا، حَيثُ وَجَدَ سَفِينَةً ذاهِبَةً إلَى تَرْشِيشَ. فَدَفَعَ أُجرَتَها وَرَكِبَ السَّفِينَةَ لِيَذهَبَ مَعَهُمْ إلَى تَرْشِيشَ بَعِيداً عَنْ وَجهِ اللهِ.

فَأرسَلَ اللهُ رِيحاً قَوِيَّةً عَلَى البَحرِ. فَحَدَثَتْ عاصِفَةٌ شَدِيدَةٌ، وَبَدا أنَّ السَّفِينَةَ سَتَتَحَطَّمُ. فَخافَ البَّحارَةُ وَصَلَّى كُلٌّ مِنهُمْ لإلَهِهِ طَلَباً لِلعَونِ. وَألقَوْا بِالبِضاعَةِ الَّتِي فِي السَّفِينَةِ إلَى البَحرِ لِتُصبِحَ السَّفِينَةُ أخَفَّ، فَلا تَغْرَقَ.

وَفِي هَذَهِ الأثناءِ، نَزَلَ يُونانُ إلَى داخِلِ السَّفِينَةِ، وَاستَلقَى هُناكَ وَنامَ نَوماً عَمِيقاً. فَجاءَ القُبطانُ إلَى يُونانَ وَقالَ لَهُ: «لِماذا أنتَ نائِمٌ؟ قُمْ وَصَلِّ لإلَهِكَ، فَقَدْ يَلتَفِتُ إلَينا، فَلا نَمُوتُ.»

ثُمَّ قالَ البَحّارَةُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: «لِنُلْقِ قُرعَةً بَينَنا، لِنَعلَمَ مَنْ سَبَّبَ لَنا هَذِهِ المِحنَةَ.» فَأجرُوا قُرعَةً، وَوَقَعَتِ القُرْعَةُ عَلَى يُونانَ. فَقالُوا لَهُ: «أخْبِرنا مَنْ هُوَ سَبَبُ هَذِهِ المِحنَةِ؟ ما هُوَ عَمَلُكَ؟ وَمِنْ أيْنَ أتَيْتَ؟ مِنْ أيِّ بَلَدٍ أنْتَ وَمَنْ هُمْ قَومُكَ؟»

فَقالَ لَهُمْ يُونانُ: «أنا عِبرانِيٌّ، أعبُدُ اللهَ، إلَهَ السَّماءِ، خالِقَ البَحرِ وَاليابِسَةِ.»

10 فَخافَ الرِّجالُ خَوفاً شَدِيداً وَقالُوا لَهُ: «ما الَّذِي فَعَلْتَهُ؟» لأنَّهُمْ عَلِمُوا أنَّهُ هارِبٌ مِنْ وَجهِ اللهِ، كَما أخبَرَهُمْ.

11 ثُمَّ قالُوا: «ماذا نَفعَلُ بِكَ لِيَهدَأَ البَحرُ؟» لأنَّ البَحرَ أصْبَحَ أكثَرَ هَيَجاناً.

12 فَقالَ: «ألقُوا بِي إلَى البَحْرِ فَيَهدَأَ، لأنَّ هَذِهِ العاصِفَةَ كُلَّها بِسَبَبِي.»

13 لَكِنَّ الرِّجالَ حاوَلُوا أنْ يُجَدِّفُوا عائِدِينَ إلَى اليابِسَةِ، فَلَمْ يَستَطِيعُوا، لِأنَّ البَحرَ أصْبَحَ أكثَرَ هَيَجاناً.

14 فَصَلُّوا إلَى اللهِ وَقالُوا: «يا اللهُ، لا تُحَمِّلنا ثَمَنَ حَياةِ هَذا الرَّجُلِ، وَمَسؤُولِيَّةَ قَتلِ رَجُلٍ بَرِيءٍ، لأنَّكَ أنْتَ تَفْعَلُ ما تَشاءُ.»

15 ثُمَّ أمسَكُوا بِيُونانَ وَألقَوْا بِهِ فِي البَحرِ، فَهَدَأَ البَحرُ حالاً. 16 وَخافَ الرِّجالُ اللهَ خَوْفاً عَظِيماً، وَذَبَحُوا لَهُ وَقَطَعُوا عُهُوداً.

17 ثُمَّ أرسَلَ اللهُ سَمَكَةً كَبِيرَةً لِتَبتَلِعَ يُونانَ، وَمَكَثَ يُونانُ فِي بَطنِ السَّمَكَةِ ثَلاثَةَ أيّامٍ وَثَلاثَ لَيالٍ.

صَلاةُ يُونان

وَمِنْ جَوْفِ السَّمَكَةِ، صَلَّى يُونانُ لإلَهِهِ، فَقالَ:

«دَعَوتُ اللهَ مِنْ ضِيقِيَ فَاسْتَجابَ لِي!
مِنْ أعماقِ الهاوِيَةِ صَرَختُ،
فَسَمِعْتَ صُراخِي.

«ألقَيتَ بِي فِي البَحرِ العَمِيقِ،
وَفِي قَلبِ البَحرِ أحاطَتْ بِي التَّيّاراتُ،
وَجَمِيعُ أمواجِكَ الهادِرَةِ فَوْقِي.
عِندَئِذٍ قُلْتُ لِنَفسِي:
‹ها إنَّنِي قَدْ طُرِدتُ بَعِيداً عَنْ عَينَيكَ،
لَكِنَّنِي سَأنظُرَ نَحوَ هَيكَلِكَ المُقَدَّسِ مِنْ جَدِيدٍ.›

«أغلَقَتِ المِياهُ عَلَيَّ،
وَالبَحرُ العَمِيقُ غَمَرَنِي.
عُشبُ البَحرِ التَفَّ حَولَ رَأسِي.
نَزَلتُ إلَى أساساتِ الجِبالِ،
وَانْحَدَرتُ إلَى أعْماقِ الأرْضِ،
فَظَنَنْتُ أنَّهُ أُغلِقَ وَرائِي إلَى الأبَدِ.
لَكِنَّكَ أقَمتَ حَياتِي مِنَ القَبرِ،
يا إلَهِي.

«عِندَما تَعِبْتُ وَفَقَدْتُ كُلَّ أمَلٍ،
تَذَكَرتُ اللهَ،
وَارتَفَعَتْ صَلاتِي إلَيكَ فِي هَيكَلِكَ المُقَدَّسِ.

«الَّذِينَ يَعبُدُونَ الأصنامَ التّافِهَةَ،
يَتَخَلَّوْنَ عَنْ مَحَبَّتِهِمْ لَكَ.
أمّا أنا فَسَأُسَبِّحُكَ وَأحمَدُكَ وَأذبَحُ لَكَ،
وَأُوفِي بِنُذُورِي لَكَ.
فَمِنَ اللهِ يَأتِي خَلاصِي.»

10 عِنْدَئِذٍ أمَرَ اللهُ السَّمَكَةَ فَألْقَتْهُ إلَى اليابِسَةِ.

ما هي ‘آية يونان’؟

      نحن نتوقَّع عادةً أنّه حين يتمّ تحدّي سلطةً شخصٍ ما، كما هو الحال في سلطة النبيّ عيسى المسيح (عليه السلام)، فسيكون ردّه بإظهار القوّة أو الانتصار أو النجاح. لكنّ عيسى المسيح دافع عن سلطته من خلال الإشارة إلى النبي يونان حين بقي 3 أيام ‘في عالم الموتى’ – ‘جَوف’ أو قبر. خلال هذا الوقت، منذ أن عصى يونان أمر الله فقد أصبح، ‘طُرِدْتُ مِنْ أَمَامِ عَيْنَيْكَ’ أيّ من مرأى الله. إنّ واقعة وجود يونان في قبضة الموت مدّة 3 أيام في أعماقٍ مُظلمة، مطرودًا من الله هو برهانٌ مُدهشٌ على السلطة التي من الله. لماذا يستخدم عيسى المسيح آيةً لا يبدو أنها تثبِّت سلطته كنبيٍّ مُؤيّدٍ من الله، بل بالأحرى كنبيٍّ يؤدّبه الله ويُعاقبه كما كان الأمر بالنسبة إلى يونان في جوف الحوت؟

ولكن ليست هذه المرّة الأولى التي نواجه فيها الضعف والموت كآيةٍ من الله. لقد رأينا أنّ النبيّ أشعياء قد تنبَّأ بالخادم القادم. وتنبّأ أشعياء بأنّ هذا الخادم سيكون ‘مُحتَقَرًا’ و ‘مخذولٌ من الناس’ و ‘محسوبٌ مضروبًا من الله’ وسيكون وكأنّه ‘قُطِعَ من أرض الأحياء’ و ‘جُعِلَ مع الأشرار قبره’. هذا يبدو شبيهًا إلى حَدٍّ بعيدٍ بما عاناه يونان. الأكثر غرابةً من ذلك هو أنّ ‘الربُّ سُرَّ بأن يسحقه (الخادم)’’. على الرغم من أنّنا قد لا نفهم سبب اختيار عيسى المسيح (عليه السلام) آية يونان (يونس) للدفاع عن سلطته، إلّا أنّ هذا ليس حدثًا معزولًا.

الفكرة التي تجعلنا نفهم ذلك هي الطريقة التي أنهى بها يونان صلاته وهو في جوف الحوت. كانت العبارة الأخيرة في صلاته هي ‘‘جاء الخلاصُ من الربّ’’. لقد رأينا وجه الشبه بين اسم ‘يسوع’ و ‘يشوع وأنّ ذلك كان نبوءة الغصن القادم. ولكن ما معنى اسم يشوع؟ إنّه يعني باللغة العبريّة ‘‘الربُّ يُخلِّص’. اعترف النبيّ يونان في صلاته بأنّه (وبأنّنا) نحتاج إلى أن ‘نخلص’ وبأنّ الربّ هو الذي بيده الخلاص. أعلنت حقيقته ذات الوجهَين عن كلٍّ من حاجتنا إلى (الخلاص) وعن أنّ الله وحده هو مَن يُخلِّص. إنّ اسم عيسى المسيح (Yhowshuwa بالعبريّة) لديه حرفيًّا الحقيقة نفسها التي اعترف بها يونان أخيرًا وهو في الحوت، بما أنّ اسم يسوع/يشوع يعني ‘الرب يُخلِّص’

ختمَ النبيّ عيسى المسيح حديثه مع القادة الدينيّين بتذكيرهم بأنّ شعب نينوى (المدينة التي أُرسِلَ إليها النبيّ يونس ليعظ أهلها) قد آمن وتاب بفضل رسالة يونان –  لكنّ القادة الدينيّين اليهود الذين استمعوا إلى عيسى المسيح لم يكونوا راغبين في التوبة. كان هؤلاء القادة غير راغبين في الاعتراف بحاجتهم إلى الخلاص.  ينبغي أن نقوم بفحص قلوبنا كي نعرف ما إذا كنّا كرجال نينوى (الذين تابوا) أو كالقادة (الذين لم يتوبوا). أيّ الاثنين هو أنت؟

نواصل تتبُّع عيسى المسيح لنرى بشكلٍ أكثر وضوحًا ما تعنيه آية يونان وكيف ‘يقوم الربّ بعمل الخلاص’ بينما تشارف مهمّة عيسى المسيح على نهايتها.